تعديل

بحث

الخميس، 26 أبريل، 2012

التدين: والإبداع والذوق والجمال.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
   اقترح علي بعض من يهمه أمري، ويعجبني رأيه، أن أُلطف مقالاتي، وأستريح بقرائي استراحة محارب، بعيدا عن رهج السنابك إلى وهج السبائك، ولين الأرائك، ومن نقع الكديد، وغردق الصعيد، إلى روضة فيحاء، وجنة خضراء؛ حذرا عليهم بعد الشُقة، وكلال المشقة، واستدامةً للنشاط، واستجماما للأرواح.
   فقلت: سمعا وطاعة، ولو أني في هذا مزجي بضاعة، ولست من أهل الصناعة، وأجلت الفكر، وأدرت النظر، ولا أدري لماذا انقدحت شرارة ذهني للحديث عن: التدين و(الذوق والجمال)
  ولقد يظن بعض الزاهين بقطرة من سيل الأدب، والمغرورين برشفة من يم البلاغة، أن الفقيه والمتدين، بارد قلبٍ، بليد مشاعر، فقير عواطف، محروم من تجليات الجمال، محجوب عن استنكاه عَرْف الحسن، مأخوذ عن استطراب جرس اللحن؛ فلجأ إلى الورع والفقه لجوء العاجز، وسلك سلوك العجائز، وتعفف عن كل مباح وجائز؛ ليعوض نقصه، ويكمّل وقصه.
   وأحسن هؤلاء طريقةً من مدّ رواق كرمه، فأضفى صفة الشعر والأدب على طائفة منتسبة للدين من أرباب السلوك وأهل التصوف؛ كالبوصيري، وابن الفارض، وأما غيرهم فناظم لا قارض. 
  ولا ننكر أن هذين أوتيا ذكاء، وإن لم يؤتيا زكاء، وحُليا أدبا، وما حُذيا أدبا، وكم من متصفٍ بالأدب اللغوي لا الشرعي؛ كمثل هذين وكالبُرعي، وأضرابهم؛ ممن يرون أنهم كالملوك في عالم السلوك، وواحدهم وإن ادعى أنه من أهل الطريقة إلا أنه ما استقام على الطريقة، وإن زعم أنه يسمو بالسلوك صعدا، إلا أنه سلوك من جنس "نسلكه عذابا صعدا".
   ومازلت أتذكر مقالا نشرته مجلة اليمامة، قرأته وأنا في سني الصبا، أدرّ الله عليها وَبل الصبا، لواحدٍ من أصحاب هذه الظنون، ومازالت ذكرى هذا المقال تخنس وتكنس في ذاكرتي، وتوسوس وتعسعس في حافظتي، ولا أدري ما فعل الله بالكاتب الذي تخيّل فيه مخايل الخيلاء والترف الأدبي، وإن كان لا يحسن إلا ترديد بعض الأسماء الغربية، التي يراها مثلَه في الإبداع والتذوق والفلسفة؛ أمثال: دسكويفسكي، وتولستوي، وكانت، وديكارت، وأمثالهم.
   وخلاصة مقاله: أن له صديقا محافظا، قال هو لهذا الصديق يوما: أتعرف الفن؟ قال: لا. قال: أتحب الموسيقى؟ قال: لا. قال: فحِرت في جوابه، وأخذته في سيارتي، وفي الطريق رأينا خلاطة إسفلت، فوقفت به عندها، وقلت له: أترى هذه؟ قال: نعم. قلت: ما الفرق بينك وبينها؟ ثم يمضي في مقاله، ليصل إلى مراده، مما ذكرت آنفا.
  وما درى هذا وأمثاله، أن المتدين والمشتغل بالعلم والفقه والعبادة ليس إلا بشرا سويا، ولم يكن حجارة أو حديدا، وأن لكثير من المتدينة كغيرهم حسا مرهفا، وتذوقا رائعا، وقلما مبدعا، لو خلوا بينه وبين ما إليه يصبو ويرنو، وله يتشوف ويتطلع، لكان حالهم كما قال:
ولولا الشعر بالعلماء يزري--- لكنت اليوم أشعر من لبيدِ
   وأقلامهم بالغزير من معاني الجمال فياضة، ترد حياضه، وتنتجع رياضه، ولو أطلقوا لها العنان، وأرخوا الزمام للأقلام، لرأيت منها العجب العجاب، وخاضت بك البحر العباب، وأخذت بمجامع الألباب، في نظم قلائد الفوائد، وابتكار أبكار الأفكار، وإلباس الجمل وافر الحلل، وتنميق الزخرف من خضر الرفرف. 
   ومالهم كذلك لا يكونون، وعندهم ديوان الجمال، وأصل الحسن، ونبعه الثر، ومعينه الصفاء، وعينه النقاء، فهاك إياه وفتش خباياه 
وقد وجدت مجال القول ذا سعة--- فإن وجدت لسانا قائلا فقلِ
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به--- في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
   تأمل سر الجمال كما صوره القرآن في النخل باسقات، والزرع والجنات، والطير صافات، والخيل صافنات، والنجوم الهاديات، والأرض والسموات، والمصباح والمشكاة، وتأمل الجَمال في الجِمال، والخيل والبغال، والأنعام حين تسرح بالغدو، وتريح بالآصال؛ أي روعة ومتعة يجدها أهلها هنالك. 
  والذي أمسك بأقلامهم، وأنضب محابرهم، عن الإيغال في ضروب هذه المعارف؛ أن كثيرا منهم يأنفُ أن يُصنف في ديوان الشعراء، أو يُدرج في موسوعة الأدباء؛ إن غلب شعره على فقهه، وطغى أدبه على علمه، وأكثرهم لا يجد الوقت الكافي ليتمادى في بيداء الأدب، ويُحلقَ في أجواء الخيال، ويهيمَ في أودية الشعر، لما شغله عن ذلك من نوازل الخلق، والتبتل للحق، وأنه إن أمهل لنفسه، وأطلق عنان قلمه، وأرخى زمام فكره، لربما سلك به مفاوز وله، ومهامه ليست له، ومجاهل حب، وهوى به في قعر جُب، وقد لا يعود-إن عاد- من هذه المجاهل إلى حيث كان، بسلامة وأمان:
مجاهل يحار فيهن القطا--- لادمنة لا رسم دارٍ قد بقي
  وإن عاد عاد سغبا لغبا، مكدودا مهدودا مجهودا، كليلا عليلا، وكان مع الخلق بجسمه لا بفكره، فهو حاضر غائب، شارد الذهن ساهم النظرات، دائم العبرات..
مساكين أهل العشق ما كنت أشتري--- حياة جميع العاشقين بدرهم
   ولذلك تجد كثيرا من المتدينة يتعاطى هذا الضرب من المعارف تعاطي محاذر، ويتناوله بأطراف الأنامل والأظافر، ويراه زاد ضرورة لا ترف، وحاجة لا سرف، ولا يمضي إليه إسراعا، ولا يمشي خببا ولا إيضاعا، ويتقرب إليه شعرة، كلما أغراه وتقرب إليه باعا؛ وذلك خشية الانجراف، وحذار الانحراف؛ فإنه مزلة ودحض، وبعضه مباءة ورحض.
قال الشاعر: 
سماعا أيها الفتيان مني --- وكفوا عن مغازلة الملاح
فإن الحب آخره نواح--- وأوله شبيه بالمزاح
وقال آخر: 
وما في الأرض أشقى من محب--- وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيا في كل حين--- مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقا إليهم--- ويبكي إن دنوا حذر الفراق
فيلهب قلبه عند التنائي --- وتسخن عينه عند التلاقي
   ولي حول معاناة الشعر ومكابدته أبيات، وفي هذا المعترك صولات وجولات، كيف لا وبسببه ذقت الأمرين، وعانيت عذاب البين، وقلت من قصيدة مطولة نحو المائتين، كتبتها بدموعي، لا على أنوار شموعي، ونقشتها في ذهني، في غياهب سجني، وبعثت بها لبعض أحبتي في أوان غربتي: 
أحبايَ مالي غير شعري وسيلة ......... إليكم وكم في الشعر للواله العاني
تبتــلت في محـرابه ونظمته ......... صغيـرا وعناني كبيرا وآذاني

    هذا ما أحسبه مانعا أكثر الفقهاء والمتدينة، من تعاطي فن الصناعتين، وإن كانت أجنحة طيور قلوبهم ترفرف، في أقفاص صدورهم، وتغرد بلابلها شوقا، وتزغرد مكاكيها توقا، كلما تناهى إلى سمعهم حادي الجمال، بسماع قصيدة، أو قراءة مقطوعة بلاغية، أو مقامة أدبية، وحالهم كما قال:
كأن القلب ليلة قيل يُغدى--- بليلى العامرية أو يراح
قطاةٌ غرها شَرَك فباتت-- تجاذبه وقد علق الجناح
  لكن سرعان ما يزعه حِلمه عن حُلمه، وينهاه هداه عن هواه، ويقول لنفسه: ويك ارجعي، وليراعته: ابلعي ماءك، وعن هواك أقلعي.
   ومما يتعلق بأهداب هذه المسألة أنه لا تلازم يين هبوط الشعر قيميا، ورقيه فنيا، ومقولة  أعذب الشعر أكذبه مقولة جائرة، وللصواب منافرة، واستعذاب التهتك والمجون، وعده من أرقى الفنون، إنما هو من استشراف الشيطان، وتزيين الجان؛ وتأمل المعلقات السبع التي أجمع حذاق عكاظ على تقديمها في المعاني والألفاظ؛ هل ترى فيها من ذلك القبيل إلا نتفا عابرة على طريقة النسيب لا التشبيب؟!! ما ترى فيها التهتك إلا ما كان في قصيدة الضليل، ومع أنه سنّ للشعراء بعده عديدا من سنن الشعر والقصيد؛ كالوقوف على الأطلال والبكاء عليها، وتصوير لحظة الوداع والفراق أروع تصوير؛ كما في معلقته وكما في البائية الجندبية: 
فلله عينا مَن رأى من تفرق --- أَشتَّ وأَنْأَى من فراقِ المحصبِ
   ياله من تصوير ما أروعه، هل رأيت أحسن وأروع في وصف النأي والفراق منه؛ فالحجاج قد يتلاقون بعد عرفة في مزدلفة، وبعدها في منى، وبعدهما في مكة؛ لكن بعد المحصب فراق لا لقاء بعده، وذهاب إلى غير رجعة..
  مع أنه سن لمن بعده كثيرا من طرائق الشعر، إلا أنهم ما جعلوه لهم في التهتك إماما، إلا ما ذكرت من ما قد يلم به الشاعر إلماما، حتى اتُخذ ذلك الهبوط غرضا، وقصدا في الشعر لا عرضا، بمجيئ عمر ابن أبي ربيعة، ومن بعده حسن بن هانئ المشهور بأبي نواس، ثم سلك المفتونون سبيلهما.
    وسائر المعلقات إنما تألقت بأغراض شريفة، لم تتنافَ مع حسن الصناعة، كطويلة طرفة في الأنفة والحكمة والأمثال، وقصيدة زهير في هذه الأحوال، وفي تخليد المآثر، وتسجيل المفاخر، لأهل المروءات والمناقب، والشهامات والمواهب، التي هي سبب القصيدة؛ وهو سعي هرم بن سنان، في صلح عبس وذبيان.. 
تداركتما عبسا وذبيان بعدما --- تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
  ومرامي هنا: بيان أن هؤلاء الصنف من الناس كغيرهم من البشر، ليسوا حجارة أو حديدا، ولا مشاعرهم صخرا ولا جليدا، وما يمنع كثيرا منهم من البوح بمكنون ضميره، والإفضاء به على أساريره، إلا أنه يلجم قلمه بداعية الاحتشام، ووقار الإسلام، والترفع عن الآثام، وقد قلت في قصيدة:
أتظنون أننا قد خلقنا--- من حديد أو من صخور الرخام
أنا أهوى ولا كمجنون ليلى--- وجميل وعروة بن حزام
غير أني أرعى الحياء وعهدي--- ووقاري وحرمة الإسلام
   ولولا هذا، لرأيت من كل فقيه وحافظ، وعالم وواعظ، ما ليس عند الأصمعي والجاحظ، ألم تقرأ لشيخ القراء أبي عمرو بن العلاء، وللمحدث النضر بن شُميل المازنيين، وللفقيه ابن حزم الأندلسي، وابن رجب الحنبلي من صدق المشاعر، وروعة التعبير، ورهافة الحس، مع حضور البديهة، وعفوية الشعر، ما يبهرك، ويأخذ بلبك.
   والإمام الشافعي مِن مَن رفع الشعر لهم دعايته، ولقاهم رايته، فكانوا آيته، وهو شيخ الراوية الأديب الأصمعي في الشعر، قال الأصمعي: صححت أشعار الهذليين على فتى من قريش، يقال له: محمد بن إدريس، وهو القائل: مكثتُ في بطون العرب عشرين سنة، آخذ أشعارها ولغاتها، وكان أول أمره لغويا، ثم تخصص فقيها، كأبي حنيفة.
  وفي بطون كتب طبقات الفقهاء، وفي غضون تراجم النبلاء، مِن الأشعار الرصينة، والأقوال المتينة، كطبقات الشافعية والحنابلة، ما يستأهل أن يكون موضع دراسة للمتخصصين في اللغة.
    ومِن َمن جمع بين هذه المقامات الثلاث؛ وأعني بها العلم والأدب والوعظ أئمة كثر، أخص منهم بالذكر؛ الإمامين الحنبليين الكبيرين: ابن الجوزي، وابن الجوزية، وهذا الأخير هو العلامة فخر الحنابلة العالم المتفنن المتقن الفقيه المحدث الأصولي اللغوي الأديب الشاعر: محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي، المعروف بابن قيم الجوزية؛ فهو آية من آيات الله في سمو ذوقه، وجمال روحه، وحلاوة عبارته، ورقي لغته، وفصاحته وبلاغته، وجزالة شعره. فهو من نوادر العلماء، وحذاق الفقهاء، اجتمع له مالم يجتمع لغيره " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".
 ولست هنا بصدد تقويم ابن القيم -ومن أنا حتى أقومه- ولكن مرامي التسامي بذكر هذه الأسامي، والتحليق إلى ذرى أولئك العماليق.. 
   فابن القيم حباه الله ملكة نادرة، وعبقرية فذة، في جمال النثر، ونظم الشعر، وقوة الاستحضار، وسرعة الادكار، وحسن الاستدلال، وروعة الاستهلال، وإصابة أكباد المعاني، إصابة الحاذق البصير، وإلباس هذه المعاني من الألفاظ أجمل لباس، بأروع قياس..
كما قال أبو الطيب:
ضَروب وما بين الحسامين ضيق --- بصير ومابين الشجاعين مظلم
   لا أنكر أن نونيته يغلب عليها النظم؛ لأنها تأليف علمي، لكن مقدمتها وخاتمتها وفي أثنائها، وفي قصيدته الميمية، واللامية، وقصائد أخرى له؛ من روعة الشعر ما لو أدركه ابن سلام لصنفه من فحول الشعراء.
    وفيها تجلت براعته، بما دبّجت يراعته، حتى إنه ليخيل إليك أنه لا يجيد غير هذا الفن، ولست والله تدري من أيهما تعجب؛ من فكره أو ذكره، ومقوله أو منقوله، وإنشائه أو إنشاده، ويخيل إليك أنه ما شمّ للعلم رائحة، ولا نظر في الفقه نظرة، وأنه للشعر وفي الشعر، وللأدب وفي الأدب، بينما هذا العالم العَلم إمام في كل فنٍ، ومرجع في كل علم؛ في العقيدة والتوحيد، وفي الحديث والتفسير، وفي الفقه والأصول، وفي الزهد والورع والسلوك، وفي اللغة والأدب والشعر، وفي المناظرة والحجاج، وفي فنون كثيرة، لا تخلو مكتبة من مكتبات هذه العلوم والفنون إلا وله فيها كتاب أو أكثر.
لتفخر السلفية بمثل هذا الإمام ما وسعها الفخر.
    ليت شعري ما يبلغ عند هذا الإمام كثير من المتطفلين على مآدب الأدب، من أنصاف وأرباع المتأدبين، ومن المتشاعرين ممن إن صُنف في سلم الشعر، لم يرقَ إلى رابع الشعراء (وشاعر لا تستحي أن تصفعه). ذاك إن سلم من لوثات الشعر المستحدثة -وما هي بنعمت البدعة- وقال ما يمكن أن يسمى شعرا، فضلا عن أن يكون له معرفة بعلم من علوم الشريعة وغيرها؛ وإنما هو مِن مَن يهذي بما لا يدري، ويهرف بما لا يعرف، ويتقحم ما لايعلم؛ من أرباب  أعمدة الصحافة، وأدعياء الثقافة، مِن مَن يُوَلِّد أو يلوك مُوَلَد الاصطلاحات؛ نحو(التبئير، والتمحور، والتموضع، والتقوقع) وأمثالها، وعند نفسه أنه فاق الناس، وجاء برأس جساس، ومع ذلك تراه شامخا بأنفه، مزهوا بنفسه، محتقرا غيره، ساخرا من السلف وعقيدتهم، نابزا لهم بأحط الأوصاف، وأسوأ الألقاب..
ما درى أن حظه من نبوغ --- حظ أقوامنا بسوق السهام
   فما يبلغ هذا وأمثاله عند ابن قيم الجوزية، وعبقريته الفذة، ومواهبه الجامعة، ومع ذلك ترى لديه من التواضع، وشهود التقصير، والغيرة على المحارم، والحماسة للدين والعقيدة، والحرقة على المنكرات، والصدع بالحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وترك الاغترار بعقله، على قوته ونبوغه وعبقريته، بل ما زاده عقله إلا نورا وبصيرة، ومعرفة بقدر ربه وحق دينه، وعلم نفسه:
قل للذي يدعي في العلم فلسفة--- حفظت شيئا وغابت عنك أشياء
  وما ظنك لو تفرغ ابن القيم للأدب منثوره ومنظومه، كما تخصص ابن قتيبة الدينوري، والجاحظ المعتزلي، وأضرابهما. 
  وقد شرفني ربي بمدح هذا الإمام في قصيدة، أذكر فيها مآثره ومفاخره، وأعطي نبذا مختصرة عن أشهر كتبه؛ كالهدي، والهداية، والإعلام، والمدارج، والإغاثة، والحادي، والروح، والجواب، والعدة، والفوائد، والبدائع، والجيوش، والشفاء، وغيرها، وهاك مطلعها: 
يا واقفا بتحسرٍ وتألمُِّ--- عند الطلول بعبرة وترنمِ
تتذكر الأحباب عند رسومها--- تَبكي وتُبكي أربع المتهدم
ماذا يفيدك إن ذرفت الدمع من--- عين كوبل سحابه المتسجّم
كم قد بكى مِن قبل عند ربوعها--- صبٌّ وربع طلولها لم يعلمِ
لكنما المسكين يحسب أنه--- يقضي بذاك لبانة المتتيم
من مثل قيس وابن حجر حندجٍ---  وابني نويرة مالك ومتمم
لا تبك طلا قد تهدم وابكين--- طلل الإمام محمد ابن القيم
لما عفت أعلامه حتى غدت--- كبقية من خضرة المستوشم
وإذا مررت بطله وبساحه--- فصلِ الدعاء على الإمام وسلم
واسفح هنالك ما استطعت الدمع لا---تبخل وبعد الدمع فاشهق بالدم
يا ليت عينا لابن قيمَ شاهدت---فتن الزمان كزحف جيشِ عرمرم
صرنا نُعَيّرُ بالإمام ونهجه--- وبشيخه ياللزمان الأدهم
في غربة للدين حالك لونها--- وسوادها مثل الغراب الأسحم
وإذا محاسننا التي ندلي بها--- صارت عيوبا ويك موت تقدم
وإذا عمالقنا التي نزهو بها--- صارت تُطَاول من رعاع الأَقْزُم
وإذا أئمتنا العظام ينالها--- ذنب رويبضة فيا حتف اهجم

   وبهذا القدر أكتفي، وفاء بما وعدت في صدر المقالة، أني لا آخذكم من وثير الأرائك، إلى رهج السنابك، ودخان المعارك، وأعتذر عما قد يجده القارئ من ثغرات وزلات وهنات؛ لأني كتبتها مما علق بالذاكرة، وقديم المذاكرة.
وصلى الله وسلم عل سيدنا ونبينا محمد.

هناك 5 تعليقات:

  1. أجدت وأفدت وقلت فأبهرت ، فليهنك قلمك المسدد وهذا الدر المنضد ، أراك الله مايسرك ودفع عنك مايضرك .

    ردحذف
  2. مقطوعة أدبية جميلة، وقلم سيال ، وفكر مستنير،

    وأما القصيدة فلها شأن آخر،
    وترغب منك شيخنا الكريم تنزيلها هنا كاملة..
    جزاك الله عنا خيرا

    ردحذف
  3. ولتفخر السلفية بمثل هذا القلم المبدع
    نسأل الله لك شيخنا الثبات على الحق،
    ونشكر لك دخولك عالم التدوين، ونشر الكتابات ، فكم نحن بحاجة لهذا المقال وأمثاله

    وكم نحن بحاجة إلى الأدب الرصين والفكر الراقي ..
    وحقا التدين لا يحد من إبداع المبدع ولا يقف في وجه الذوق والجمال
    بل من التدين يكون الإبداع،
    ليت فلاسفة الأدب الذين أهلكونا بقولهم العلماء ليس عندهم إبداع وإنما نظم
    ليتهم يطلعون على هذا المقال، بل على هذه المدونة التي هي أدب رصين بحد ذاتها بفكر متدين..
    جزاك الله خيرا أيها الشيخ الفاضل ومزيدا من الإبداع والجمال

    ردحذف
  4. بارك الله فيك يا أبا أحمد.. وما دمت سللت قلمك فعلى بقية الأقلام أن تُغمد..
    وكنت كتبت في هذه الأيام مقامة.. فلما كرعت من رحيق مقامتك هذه فسألقي مقامتي ومعها قلمي في أقرب قمامة..
    لكن ائذن لي فقط قبل رمي القلم.. أن أختلف معك في مسألة (أعذب الشعر أكذبه) ولا تلم..
    إذ لا تلازم بين الكذب والمجون.. وليس ذلك ما يقصدون..
    وإنما المراد بالكذب مبالغتهم في التشبيه والوصف في المديح والهجاء والفخر والرثاء.. مما لا يخلو منه غالب شعر الشعراء وأدب الأدباء..

    ردحذف
  5. وكأن القصيدة لها تتمة
    نرجوك أن تضعها لنا ههنا

    ردحذف