تعديل

بحث

الخميس، 17 مايو، 2012

محلات المستلزمات النسائية.. تأنيث، أم ترفيث؟!

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
    قال لي قائل: هذا الإجراء لمستلزمات النساء - وقد رأينا وسمعنا بواكير آثاره العلقمية تأنيث أو تدييث ؟!!!! 
    فقلت: مهلا صاحبي ورفقا، وافترض ما استطعت حسن الظن منك وقصد الخير منهم، وتعال بنا نتحاور؛ إذ القوم طالما دعونا إلى الحوار، حتى مع الحضارات فضلا عن أهيل الحارات، وحثوا عليه وبنوا له أضخم المقرات، ورصدوا له طائل الميزانيات؛ فإن فكرة تأنيث المستلزمات النسائية في المحلات التجارية رائدة وعظيمة، ومطلب حيوي، شرعي واجتماعي، بل وفطري أيضا.
   فما أقبح وأبشع أن تناقش المتسوقة الرجلَ البائع في أشيائها الخاصة، وخصوصياتها الداخلية، وأبشع منه وأشنع حينما يستعرضها أمامها، وأخطر من هذا وذاك أن يخصص غرفة في محله، لتجريب المقاسات.. وكثيرا ما استعملت هذه الغرف، لابتزاز النساء بتصويرهن وهن في أوضاع  خاصة جدا.
    الأمر الذي دفع كثيرا من أهل الإيمان والغيرة للمطالبة بتأنيثها، ولقد كان هناك محاولات وتجارب ناجحة، بتخصيص محلات نسائية تحتوي على كل ما يهم المرأة وطفلها في محيط واحد وتحت سقف واحد. 
   هذه المحلات نسائية بحتة، لا يتجاوز بوابتها الداخلية إلا امرأة أو طفل دون التمييز، والإجراء بهذا الوضع وعلى هذه الصورة هو التأنيث الحقيقي، الذي يحل المشكلة ولا يفاقمها، ويقطع دابر التلاعب بنسائنا وابتزازهن.
    ولازلت أذكر بداية تلكم الأسواق المغلقة، وما يلقى فيها من محاضرات تضفي على السوق أجواء الانشراح  والأفراح، من قبل بعض الداعيات المسددات أمثال: رقية، وأمل، وأفراح.. 
    وليس تعميم هذه الفكرة مستحيلا ولا بعيد المنال، لا على الجهات المسؤولة، ولا على التجار المستثمرين، ولا على عموم الشعب؛ إذا قدم شيئا من التضحية والتعاون بجهد، أو مال لا يعتبر كثيرا على حفظ نسائه وصيانة عرضه.

    والتأنيث بالصورة المذكورة أيضا يوفر فرصا وظيفية نسائية هائلة، تشغل النساء بأشغال شريفة، وفي أجواء مأمونة نظيفة.
والمطالبة بالتأنيث على هذه الصورة، قد سبق إليه المحتسبون والغيورون منذ عقود، وقبل أن تستيقظ فجأة غيرة من تحمس للتأنيث (بالصورة الأخرى)، ثم سعى بالتعسف في تطبيقه.

   ولكن السؤال الذي يطرح بإلحاح:
هل هذا الذي يسمونه تأنيثا تأنيث حقيقي، أو خلط واختلاط من نوع آخر، وبأسلوب مقنن، بل ومحمي أيضا؟
أما الضوابط المدعاة فما أبعدها؛ إما عن إمكان  التحقيق، أوالحزم والجدية والمتابعة الصارمة في التطبيق، أو عن درأ المفاسد الواقعة أو المتوقعة لو طبقت، على أن هذه الضوابط بدأت تتهاوى في باكورة تطبيقه. 
   ولهذا سارع الواعون إلى إنكار واستنكار تلكم الخطوة، والتحذير من بلائها والشرور الناتجة عنها، ولو عرف كثير من المخدوعين بدعاية الإعلام بتسويق فكرة التأنيث كما تراها وزارة العمل، ما تردد منهم أحد في ضم صوته إلى صوت الغيورين والمحتسبين، لا بالوقوف أمام فكرة الآخرين فحسب، بل والمطالبة بالتأنيث حسب الطريقة الشرعية الصحيحة، التي تأمن معها المرأة على نفسها وعرضها وحيائها وحشمتها.
   أما التأنيث الشرعي فكما سبق إيضاحه، وأما تأنيث وزارة العمل فكما نرى عيانا في الأسواق التي شرعت في تطبيقه أو ألزمت به؛ وذلك بتخصيص محل فأكثر لهذه المستلزمات في الأسواق ذات المحلات المتعددة، أو بتخصيص ركن لهذه المستلزمات في الأسواق العملاقة ( السوبرماركت). 
وبالنسبة للفئة الأولى فكانوا قد اشترطوا حجب واجهة المحل، لكن تراجعوا عن ذلك؛ فأصبح مفتوحا مكشوفا متاحا مشاهدا لكل أحد. 
    ولضمان حماية هذا التأنيث حسب رؤية وزارة العمل، جعلت المتابعة ومعالجة المخالفات إلى الوزارة المذكورة، ومنعت الهيئة من ذلك، على أن وزارة العمل إذا روجعت وشكي إليها اختلاط البائعات بالباعة وغيرهم لم تبد لذلك أي حماس وقابلت ذلك بكل فتور، وأخيرا تنصلت وأحالت المحتسبين على الأمانة للمطالبة بفصل المحلات النسائية في أسواق خاصة بحجة أنها شغلتها، ولسان حالها:
عليّ بعث حريق النار جاحمة ... وما عليّ بأن أشقى فأطفيها
لا ناقة لي في حيي ولا جملا... ولا خروفا ولا شاة لنا فيها
   وهي لا تخفى عليها الأمانة وصلاحياتها، وهكذا بقيت الهيئة كرة بينهما، على أن وزارة العمل اتجهت  أخيرا إلى التصريح بأن لا مشكلة أصلا في الاختلاط وإنما في الاختلاء، وهي وغيرها يعلم جيدا أن هذا وسيلة إلى ذاك، مع أن كلا شر وبلاء، ولن تضمن وزارة العمل، ولا يهمها  أصلا انفراد البائعة بـــــ(زبون) أو زميل، ووزارة العمل تعدت على الجهات الشرعية مرتين:
- على الهيئة بانتزاع المتابعة والتأديب منها.
- وعلى هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة بتجاوز فتواها في منع الاختلاط، وهما الجهتان الرسميتان المخولتان نظاما. 
والذي أعتقده موقنا به:
أولا: أن مشروع وزارة العمل  أبعد ما يكون عن التأنيث، وإنما هو تكريس وتطبيع وتقنين للاختلاط، وربما الخلوة، وتيسير لشرور عظيمة، وفتح لأبوابها؛ بحيث يصدق المثل على صاحبه بأنه بنى قصرا وهدم مصرا، أو أطبّ زكاما وسبب جذاما.. 
ثانيا: أن المفاسد الواقعة أو المتوقعة جراء هذه الخطوة أعظم وأطم، والبلاء أشنع، والشرور أفدح، وعليّ البيان والبرهان:
1-  لأن الاختلاط في الصورة القديمة ( البائع رجل) اختلاط طارئ وعارض، والاختلاط في الصورة الجديدة مقنن ومثبت ومحمي وملزم به أيضا؛ فهو عمل ووظيفة وإقامة شبه دائمة، إنها باختصار زميلة عمل، وعضو من جسد مؤسسة.

2- أن ما يحصل من بلاء جراء الاختلاط في الصورة القديمة قد لا يتوصل إليه بسهولة وراحة بال، وإنما يقضى على طريقة (خائفا يترقب) لأن دخول (الزبونة) على البائع دخول ذي حاجة عجل، بخلاف الصورة الجديدة، فإن المختلطين يشعران بالأمان؛ لأنهما يمارسان عملهما في ظل النظام، فما يحصل من بلاء وشرور، قد لا يتنبه له ويتفطن؛ لأنه زميل مع زميلته، بل ربما أوصلها بسيارته، كما حصل الإعلان عنه قريبا في جريدة سبق في قضية الطبيب العربي الذي يتذرع بإيصال موظفة الاستقبال إلى بيتها، لمآرب سيئة حتى قبض عليهما في وضع مخل جدا -نسأل الله العافية-. 

3- الاختلاط في الصورة القديمة قصير الوقت نسبيا من جهة كل امرأة على حدة، واختلاط البائعات بأصحاب المحلات الأخرى، وزملاء المهنة، وعمال التحميل والتنزيل، وأرباب الأعمال، ومندوبي الشركات، والحراس، والمتسوقين المترددين مع نسائهم طويل طيلة ساعات الدوام، وغالبا ما تكون فترتين من أول اليوم إلى ساعة متأخرة من الليل.

4- أن امتهان المرأة وابتذالها في صورة بيعها لرجل أو عند رجل (موظفة)، أوضح  وأجلى من كونها مشترية منه.

5-أن الخلوة لا تلازم الاختلاط في الصورة القديمة؛ بسبب  ارتياد النساء لهذه الأسواق زرافات أو مع رجالهن، وربما حصل الانفراد والخلوة، أما الخلوة في الصورة الجديدة، فهي ممكنة جدا، بل شبه متحققة بكثرة خاصة عند الجرد على البائعة من قبل المحاسب أو صاحب المحل، وفي الأوقات الميتة (أول الدوام وآخره)، التي قد تشعر فيها البائعة بالملل فتبحث عن من تقضي معه الفراغ من الجيران الذكور.

6- في الصورة الجديدة وفي ساعات الدوام الطويلة تشكو البائعات من بقائهن في الحجاب والنقاب، ويتأذين من ذلك، وربما كان هذا وسيلة وذريعة إلى تخفيف الحجاب أو إلقائه؛ ونحن والله نقدر لبناتنا وأخواتنا التزامهن بالحجاب، واحتسابهن عند الله بذلك، خاصة مع الأجواء الصيفية حيث الشمس والحر، ويتصور الرجل لو لبس لباسها ومشى في الشمس والحر أي تعب وجهد وعرق وقلق سيناله، ولكن هذا من الجهاد الذي تؤجر عليه وتثاب إذا استحضرت نية العبادة لا العادة، والتزمته رضى وطمأنينة وإيمانا واحتسابا.
ولما رأيت ما ينال الرجل من ضنى وتعب في مشاعر الحج، وهو متخفف من  أكثر ثيابه، أدركت أي جهاد تجاهده المرأة التي عليها أن تواكبه وتسايره في حله وترحاله هنالك؛ فقلت هذه الأبيات:
لله درك يا ريحانة البلد--- شبيهة الكعبة المخفورةِ الجسد
سوداء لكن بلون القطن في نظري--- وكلِ عين تعافت من قذى الرمد
يا أم ُّيا أخت ُيا بنتَ الرجال ويا---تاج الرؤوس لهم يا فلذة الكبد
يا فخر كل أب يا عِزَّ كل أخ--- يا ذخر زوج وكحل العين للولد
من أي قافية أشدو بمدحك يا--- ذات النطاقين لا يا ربة المسد
أرادك المغرض ُ الفتان مجتهدا--- فقلت لا حيلا للمارق الكَمِد
من رامني دونما عرضي صرخت به--- لا حبذا أنت حب الخالق الصمد
لما دعاني إلى خير هتفت له--- سمعا وطاعةَ لم أنقص ولم أزدِ
ثم احتسبت بجلبابي وملحفتي --- تكليفه في فمي أحلى من الشهد
صاليت حر لهيب الشمس محرقة--- حذارَ حرِ لظى ممدودة العَمد
يا قولةً ما أرادت وجه خالقنا--- لأنت مظلومة موهونة الجلد
دعاية من دعاة الغرب منكرة--- بمثل صوت فحيح الأرقم الحرِد
لما رأيتك في الرمضا مخفرة--- كم من مشاعرَ مرت ثَمَّ في خلدي

   والله سبحانه وتعالى كلّف الرجل بواجبات تحتاج إلى رباط وجهاد في أدائها والتزامها، لم تكلفها المرأة(كالجهاد وصلاة الجماعة على الدأب والتكرار والقوامة على المرأة بالنفقة)، فالشريعة عدل ووسط، وإنما استطردت هذا الاستطراد لئلا يَهِم واهم أن المحتسبين أعداء التنمية، والبهجة والسعادة والمرأة كما قالت منهم قائلة..
والذي أرمي إليه من هذا أن التزام المرأة بحجابها التام الذي تخرج به وتدخل منزلها، يعسر عليها، ويشق طيلة ساعات دوامها؛ لذلك لا تخطئ العين صورا فاضحة لبناتنا ونسائنا في الحجاب في أوساط العمل المختلط كالمستشفيات وغيرها، وما سيكون عليه في الأسواق بصورة أكبر وأعظم.

 7-أن الاختلاط في الصورة القديمة يقع على نمط واحد (المتسوقة مع البائع)، أما في الصورة الجديدة ففي أنماط شتى، مع رب العمل، والمحاسب، والجار، والسائق، والحارس، وكل ذلك لا يحميها من الاختلاط بالمتسوق الرجل إذا جاء مع امرأته، أو وحده لشراء مستلزمات امرأته؛ فيصدق على هذه الصورة المثل الشعبي المشهور(ما طبنا ولا غدا الشر) وإنما تضاعف البلاء وتفاقم.
  والبائعة في مثل هذه الأسواق يصدق عليها وصف شاة سمينة ألقيت في أرض مسبعة تسابقت عليها الذئاب فيالله لبنات المسلمين.
ومن رعى غنما في أرض مسبعة ... ونام عنها تولى رعيها الأسد.

8- فرص ابتزاز الرجل للمرأة في الأسواق التجارية ستكون ميسورة وموفورة جدا؛ بدليل هذه الحوادث، والقضايا الفاضحة التي تطالعنا بها كل يوم الصحف -المحايدة أو شبه المحايدة- (سبق مثالا) من ابتزاز، واستدراج المسؤول،  أو رب العمل أو الزميل للبائعة، كل نهار مرة أو مرتين،  وكثيرا ما تضبط البائعة مع الرجل في أوضاع مخلة جدا في سيارته، أو في محل ناء أثناء فترة الاستراحة؛ وإذا كان هذا في أوقات الدوام والعمل؛ فما الظن في أوقات الفراغ والإجازات؟! وإذا كان في بدايات الأمر، ومع قلة ما طبقه من محلات، فما المتوقع يكون من العلاقات المحرمة التي تنشأ بين البائعات والرجال في حال الإطباق على تطبيقه..

    والابتزاز صيحة العصر وشكوى الزمان، فلقد طحن برحاه أعراضا، وسحق بثفاله حرمات، ودمر وخرب بيوتات، الأمر الذي دفع المنظم إلى سن الأنظمة التي تجرمه  وترتب عليه العقوبة، والحقيقة أن قطع الشوك من أعلى الشجرة وترك الساقية تسقي جذرها استخفاف بالعقول وإضاعة للجهود، فأيسر طريقة وأضمنها قطع الساقية عن أصل الشجرة وتركها تموت؛ فكيف ننادي بالعقوبات، وروافد الشر تغذيه وتربيه وتنميه.

   إن الابتزاز عمل مهين ووضيع وخطير، واتخاذ الخطوات التي تحد منه -في عموم الأحوال- جهد يشكر؛ لكن ماذا يا ترى عن نوعٍ من الابتزاز كثيرا ما نتعامى عنه ونتغافل؛ إنه الابتزاز الوظيفي الذي تقع فيه المرأة ضحية المبتز بإغرائه لها بوظيفة أو ترقية أو تهديدها بالاستغناء عنها والفصل؛ فترضخ تحت وطأة الضغط، وربما تطور الأمر من ابتزازها لنفسه، إلى تقديمها لآخرين، والتوصل لمطامع شخصية؛ حتى تجد هذه الفتاة نفسها قد ولجت في بحر لجي، ولجّت في أتون لجةٍ عميقة، فأصبحت من البغايا المومسات.. والبلاء كله من الاختلاط في المستشفيات، والأسواق، وإدارات البنوك، ثم المؤسسات الخاصة..

 وإنني لأتساءل أسئلة ساذجة بريئة:
1- كيف يُسرّح الرجل الملزم بالنفقة شرعا، المأذون له، بل المأمور بالخروج للتكسب شرعا، وتحل محله المرأة المعفاة منها غالبا، المأمورة بالقرار، مع أن الاختلاط حاصل في الحالين؟.
2- كيف يمنع الرجال المحتسبون من غشيان الأسواق، ويسمح للمتسوقين الرجال والعزاب أخيرا؟
3- وثالثة الأثافي: كيف يتزامن منع الرجال البائعين والمحتسبين، والسماح للعزاب وأكثرهم غير متزوجين بغشيان هذه المحلات، من غير تفريق بين محلات نسائية وغيرها، وكثير منهم يتردد على هذه الأسواق لأغراض الله بها عليم ؟ 
هذا لعمركم التناقض عينه ... ذهل الحليم له وحار به النهى
ما حيلة الحكماء في متجاهل ... جدل يُرِي قمرا إذا أُرِيَ السهى
 وما توصل المسؤولون لقرار منع العزاب قبل عقود من الأسواق إلا بعد دراسات، وقضايا، وإحصاءات جرائم، وتوصيات من جهات احتسابية وأمنية؛ فهل يا ترى خفت هذه الشرور في هذه الأزمنة، وكثر الصلاح؟! أو أن العكس هو الصحيح؟
هذه أسئلة حرت في جوابها كثيرا..فلعل أخي وأختي القارئين الكريمين يعيناني على الجواب..

وأخيرا:
فلا يتهمني الكاشحون فإنني ... رعيت الردى حتى حلت لي علاقمه
   إنني والله كغيري من المحتسبين وطلبة العلم، نتألم ونحزن وتكاد قلوبنا تتفطر، كلما رأينا ذلك البائع الوسيم القسيم الجسيم المتهندم يبتسم لبناتنا وأخواتنا، ويفلفل الملابس الداخلية أمامهن، ويكاد يقضي علينا الأسى لولا تأسينا، بسماعنا لقضايا الإيقاع بشرفهن من قبل الباعة، وليس فقيه أغير على المحارم من الفقيه، لكن الشأن في الحل الأمثل الذي يدفع المفسدة دون ارتكاب مفسدة أكبر، ويدفع الضرر ويزيله بغير ما ضرر أعظم؛ فإن من قواعد الشريعة المقررة: أن الضرر يزال لا بضرر، والمفسدة تدفع لا بمفسدة مساوية أو أكثر. 

خاطرة:
   كنت مع صاحب قبل سنيات، فدخلنا بقالة تموج بالعمالة وغيرها، فلما وقفنا أمام المحاسب قلت لصاحبي: كيف بك إذا رأيت ابنة الجيران على هذا العداد (المسمى الآن كاونتر أو كاشير)؟ فقال: ياشيخ اتق الله ! 
فقلت: ألم تر إلى المستوصف الملاصق للبقالة من يقف في الاستقبال أمام الباب الخارجي؟!  أليست فتاة الحي في سن الريعان،  يراها الغادي والرائح من خلال بوابة الزجاج ، ما الضرورة ؟! أهي طبيبة أو ممرضة ؟ كما خدعونا فقالوا: لابد من طبيبة وممرضة فصدقنا ! وماالفرق إذن بين محاسب المستوصف والبقالة؟!،
 لقيت هذا الصاحب يوما، ولم أحتج لتذكيره؛ لأن لقاءنا كان أمام محاسبة (كاشيرة) بندة.. 

   وهذه أبيات كتبتها ترجمة لحوادث من مثل ما تقدم  من الابتزاز الوظيفي على طريقة الشعر القصصي، وهو فن من فنون الشعر يترخص الشعراء فيه بترك بعض محسنات الشعر،  وقديما سبقني إلى مثل هذا غرضا وفنا الشاعر المهجري (إيليا أبو ماضي) في قصيدته الرائعة (بائعة الورد) ومطلعها:
من الفرنسيس قيد العين صورتها ... عذراء قد ملئت أجفانها حوَرا
أقول: 
مكحولة الطرف في أهدابها دعج--- ساعي الجمال لدى أبوابها يلج
حوراء من فاتنات الشرق ما طلعت--- شمس على مثلها في وجهها بلج
كالغصن لدنا تثنى من ليونته--- أسيلة الخد في إدلالها غنج
يكاد بدر الدجى إن تبد طلعتها --- يزورّ من غيرة منها ويُختلج
خمصانة البطن سبحان الذي عملت--- يداه صورتها حدث ولا حرج
ويل العيون إذا ما افتر مبسمها--- غر الثنايا لها من حسنها فلج
أم لطفل يتيم مات والده--- وجاء قبل تمامٍ حملُها الخدج
جاءت يشيعها جيش الحياء لها--- خطو المقيد في أقدامه عرج
وأخرجتها من الأيام نائبة --- وكم ذوي حاجة من مثلها خرجوا
جاءت إلى رجل من أهل جلدتها--- ترجو الوظيفة علّ الهم ينفرج
فهلل الوجه وابيضت أسارره--- كأنها البرق في أنواره رعج
حيت فحيا بمثلٍ أو بأحسنها --- وقال أهلا وسهلا وهو مبتهج
وليَّن القول حتى قال داخلها--- قد جاءك الخير والتوفيق والفرج
ووطَّأ الكنف العالي ومهده--- حتى رأته ملاكا نوره وهج
ما فكرت أنه ذئب وظاهره--- مس الأرانب فيه الغدر يعتلج
مرت عليها ليالٍ لا يكدرها--- هم ولا جوها ينتابه رهج
جذلانة وهي ترقى في مرتبها--- كأنما منكب الجوزا لها درج
وذات يوم دعاها ثم فاتحها--- بما تكاد له أن تذهب المهج
ماذا يقول الذي قد خلته ملكا--- تلفتت ثم ولت وهي تدَّرج
ظلت طوال دوام اليوم صامتة--- كأنما عاقها عن نطقها رتج
وفكرها قُلَّبٌ في بحر سابحة--- كأنه الموج في روغاته لجج
أتترك الراتب الأعلى وترفضه--- أم تترك الشرف الأسنى وتنزلج ؟
وبين وعد وتهديد له رضخت--- وكان ما كان لما أطفئت سرج
ظلت زمانا صراع الروح يهلكها --- لكنْ رويدا رويدا في الخنا تلج
وربما ابتزها يغري بها أحدا --- إن ما بدت حاجة فتنقضي الحوج
يا هول ما فعلت يا هول ما ارتكبت--- فظائعا في دروب كلها عوج
وأصبحت خاتما في أصبع مردت--- على الفساد لقوم في الخنا مرجوا
والويل إن أبطأت والويل إن مرضت --- ولو دعاها قبيل الفجر ينبلج
مهما تعذرْ فلا الأعذار تنفعها --- لطفلها أو لها لا تنفع الحجج
وزاحمتها حسان دونها عمرا--- والحسن يعرف إن أضداده امتزجوا
وصد عنها رويدا ثم أهملها---  وقلبها من أليم الصد ينزعج
وذات يوم أتت صبحا ففاجأها--- ما كاد منه شغاف القلب تنبعج
رأًت قصاص بريد فوق مكتبها--- أخلي المكاتب إنا وضعنا حرج
وذاك أنا خسرنا في موازنة --- والحلُّ أن فروع السوق تندمج
ناحت لديه نواح الأم قد ثكلت --- أولادها وأباهم علَّ تنفرج
ومرغت خدها من تحت أخمصه--- لكنما قلبه كالصخر منزلج
وأعلن الخبر الساري كصاعقة---أريد دكتورة لا تصلح الهمج
وظفتك الأمس في شغلي مجاملة --- حتى أتانا من الطاقات من نضجوا
الذنب ذنبي أنا لا ذنب جاهلة --- حَمقاء نُلمز إن جاءت وننحرج
بكت من القهر حتى ابيض أسودها--- واسود أبيضها فالهم مزدوج
ثم انطوت في زوايا الدار مهلكة--- بالحزن نفسا لها تبكي وتنتشج
وحولها طفلها يبكي لدمعتها --- وصبية الطهر في غراتهم سُذُج
ترنو إليه بعين كاد يحرقها --- دمع اللظى في دماء القلب يمتزج
مازال ينحِت  منها الجسم بارية --- بري الرماح على أطرافها الزجج
حتى انتهت رحلة الأهوال حين رسى--- بشاطئ الموت فيها الهادر الثبج
وذات صبح رآها الطفل جامدة --- نادى فجاوبه رجع الصدى الهدِج
وصاح ثم ارتمى في حضن ميتة --- ويلثم الجدث الهاوي ويرتعج
وذاع عنها مقال السوء واشتغلت--- بها المجالس  في سوآتها لهجوا
وأصبحت في فم السمار فاكهة --- وربما بالغوا فيها بما دبجوا
وألفوا قصة فيها مدوية--- حتى الرواة على مأساتها نسجوا
هذي الذئاب ذئاب الغاب إن ظفروا--- بالشاة في خلوة من دهرها نفجوا
ومزقتها لهم أنياب مفترس --- في القنص  محترف في المكر يندرج
فريسة رتعت فيها قساورة  --- حتى استبان لها من نتنها خمج
كل البلاء إذا نسواننا بليت--- بالاختلاط وإن ذكرانها هرجوا
لعل فيها لأهل الجيل معتبرا --- مِن مَن يرى اللجة الظلما فينتهج

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق