تعديل

بحث

السبت، 19 مايو، 2012

ياشيخ صعب إن فراقك لصعب..

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
   ودعت دنيانا أمس رجلا من أفذاذ الرجال، وداعية من أفاضل الدعاة، ومربيا من خيرة المربين..أحسبه ممن عاش حياته لله ومات على ذلك، لم يغير ، ولم يبدل تبديلا..
لم يزغ، ولم يرغ، ولم تتقلب به الأهواء، وتتكفأ به السبل..
(على العهد لا يلوي ولا يتغير)
    إنه الشيخ الداعية صعب الجلعود الذي شيعناه إلى مقبرة النسيم بعد الصلاة عليه بعد صلاة الجمعة في جامع الراجحي؛ حيث اكتظ الجامع بأدواره وملحقاته وصلى عليه جمع لا يحده حاد، ولا يعده عاد إلا رب العباد، ووافى الله في يوم جمعة، وأحرِ بذلك أن ينال الخير والشفاعة -إن شاء الله-.
    وقد بغته الموت ليلة الجمعة، وهو نائم على إثر جلطة قلبية لم تمهله إلا دقائق؛ وموت الفجأة ( راحة للمؤمن وأخذة أسف للمنافق).
    لقد كان الشيخ صعب من ركائز الدعوة إلى الله، وخاصة دعوة الجاليات الذي أسس مقره ( في المنار) بدعم وإسناد من شيخ الإسلام عبدالعزيز بن باز، والشيخ عبدالله الفنتوخ وغيرهما، فكان بحق منارا للدعوة، واحتضان الدعاة والداعيات، وإقامة الدورات.
لقد التقيت الشيخ صعبا أول مرة في أنشطة جامعة الإمام، موجِها ومربيا لمن دونه في المرحلة من الطلبة، ورأيت فيه من حنان الأخوة، ودماثة الخلق ما فتح له قلبي بلا استئذان، وأطبق عليه حبا وودا، وإن كنت - عفا الله عني وعنه قصرت فيما بعد في صلته وغيره ممن سبقنا بالفضل والسن والخير- جمعنا الله به في جنات النعيم.
   ولقد التمس مني حبيبه وحبيب الجميع ورفيق دربه وعضده وسنده الشيخ عبدالله الغفيلي أن أذكره بكلمات في مدونتي؛ فأجبت على حيرة فكر، وذهول جنان، وعقدة لسان، والموقف لا يعبر عنه شعر، ولا يصفه شعور، وإنني لأرجو ممن قرأ هذه الكلمات أن يكثر الدعاء للشيخ صعب ولأهله وذريته، ولنا معهم بالرحمة والمغفرة والصبر والسلوان. 



فراق الصحب والأحباب صعب .. وها هو ودّع الجلعود صعب
وغادرنا إلى وطن بعيد .. وأنّى في ظلام القبر قرب
أطاف بي الأحبة في مصاب .. جسيم كل خِلٍ منه صبُّ
وقالوا فارثِ صعبا قلت صعبٌ .. عليّ وهل تَبَقَى فِيّ قلب
فقلبي أثخَنَته سهام دهري ... فصار بكل جزء منه ثقب
بأيٍّ من بحور الشعر أرثي .. وكلٌ هادر الأمواج لَجب
أرى شعري من الأحزان صعبا .. (كمن أرثيه) أقفرَ منه ضَرب
أراه كقمة السروات بُعدا ... لطفل حاسر في المهد يحبو
إذا أدعو القوافيَ.. أسعفيني .. أجابت ما لمرضى الوجد طب
ألا إن الفراق أليمُ وقعٍ  ... بدنيانا إذا شحط المحب
فكيف إذا طوته رحى منون .. وغيَبه بقعر الأرض جب
هو الموت الذي أبلى وأفنى ..  كتائبهُ الفناءُ لهن دأب
كتائب مالها نُذُرٌ وكُتْبٌ ...سوى الأسياف هُنّ لهنّ كتب
سيوف في مفارقنا حداد... لها جَزر إذا فتكت وقصب
إذا سُلّت على أحد محال .. قواطعها تزِل إذن وتنبو
رواتع في لحوم الخلق أكلا .. نواهل في الدماء لهن عَبُّ
ألا يا موت  كم لك في البرايا .. من الغارات شُنّت منك حرب
إذا ما غارة ولت فأخرى .. ضروس أقبلت عجلى تَخُبّ
وأسراب لها قذَفات رعب... إذا سرب رمى في الإثر سرب
وإن قصفت صواعقَها سحابٌ .. وزلّت أقبلت في الأفق سحب
لها في الجو برق مستطير .. شرارا كله هول ورعب
ونحن لها الضحايا كل حين .. فيا لله كم نلهو ونصبو
ورُبّ لضاحك وبملء فيه .. مصير قد تحيّر منه لُبّ
ومستلقٍ على فرش حرير .. لحفرة قبره حفروا وجبوا
وسكرانٍ بخمر هوى لعوب.. لها الأنفاس قد قُضيت ونَحْب
وبانت لا كما بانت سعاد .. يؤملها على الأيام كعب
وهل يدري غرير البال سالٍ .. بغرفة نومه أغراه حِبّ
لعل سريره من فوق قبر .. وفيه معذب في النار يكبو
ولو سمع الصراخ له لولى.. ولم يردده لا شرق وغرب
ولم يأنس بصاحبة وخل .. ولم يهنأه لا أكل وشرب
ألا يا موت قد أفنيت حتى ... أقول فهل سيبقى بعدُ شعب
فكم دارٍ تركت بها مناحا ..من الأحزان لما غاب رَبّ
وكانت موئلا للأنس دهرا .. فهاهي وَحْشة الجنبات خَرْب
وأولاد له أضحوا يتامى .. محلا للثواب لمن يَرُبّ
وكانوا في محاجره ملوكا .. تربوا في الدلال وفيه شبوا
ورب نواعم في حضن عيش .. رفيهٍ ما دهاه الدهرَ كرب
دهتهن المصيبة غافلات .. ففي أكبادهن لظى يشب
روانٍ من لواحظَ حائراتٍ .. لمن آباؤهن لهن جنب
هو الموت المحيّر ليت أنّا .. - وهل ليتٌ لحرقتنا تُطِبّ - :
قضينا نحبنا نطفا مشيجا .. ولم يَقذف بنا رحم وصلب
عذيريَ هل لنا علم بما قد .. يؤول بنا من الأقدار غِبّ
وهل نلقى بآخرة نعيما .. ونسعد في اللقاء بمن نحب
كواكبنا من العليا تهاوت .. وأنجمنا على الأيام  تخبو
فمن لك بعد نجم الجدي هادٍ .. إذا استعصى لساري الليل درب
لقد فقدت مرابعنا هماما ... له في السبق تَقْدِمَةٌ وقَصْب
يسمى الصَعْبَ لكن كم من اسم ... يقول له المسمى : الاسم كِذْب
فصعب سهلُ أخلاقٍ لطيفٌ .. كمسِّ صبًا بأسحارٍ تهب
صبيح الوجه منطلق بشوش .. له صدر كما الدهناء رَحْب
سليم القلب لاضغن وحقد....عفيف القول لا شتم وسَبّ
وصعب إن مشى في الأرض هون..  ولكن في طريق الدين صلب
ولم يفتن كأقوام فُتُونا.. لهم في الدين تجريح وثلب
تجارى فيهمو أهواء شرٍ.. تجاريَ دائه إن عض كلب
تَذَبذبُ فيهم الأفكار حتى... إذا قُذف المهيمن لم يذبوا
لهم في كل آونةٍ سبيل .. وتجربةٌ وإدلالٌ وعُجْب
وصعب عاش للرحمن وقفا .. حبيس الأصل لا بيعٌ وَوَهْب
بمثل الشيخ صعبٍ فليعزى .. جميع الناس لا أهل وصحب


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق