تعديل

بحث

الأربعاء، 31 أكتوبر، 2012

أوباما ... جاءك الإعصار ، فأين طائراتك بدون طيار

أوباما ... جاءك الإعصار ، فأين طائراتك بدون طيار

 
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
تقف أعظم قوة على وجه الأرض اليوم بكل طاقاتها وإمكاناتها وجبروتها الحربي وجيوشها الجرارة عاجزة أمام واحد من جنود ربنا العظيم القهار الجبار الذي له جنود السموات والأرض.
ونقف حائرين عاجزين عن استنطاق هذه الآية واستجلاء عبرها، قال المتنبي :
وقد وجدت مجال القول ذا سعة ... فإن وجدت لسانا قائلا فقلِ
خذ ما رأيت ودع شيئا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
فهيا بنا نقف مع هذه الآية الكونية (ولا نقول الظاهرة الطبيعية) بعض الوقفات :
الوقفة الأولى :  ( إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين )  لقد وقفت - بل جثت  - أمريكا وما أدراك ماهيه ؟ وبكل ما أوتيت من قوة أمام هذه الآية الربانية حائرة عاجزة خاضعة ، ضاقت حيلها الواسعة وأفلس دهاؤها العريض ،  وحار مكرها الكبّار أمام هذا الإعصار الذي ليس فيه نار ، وإنما حمل شيئا من ماء البحار
لقد آن لشموخ تمثال حريتها أن يركع !
آن الآوان ليركع التمثال ... حرية - زعموا - هي الأغلالُ
صنم هوى فتبعثرت أشلاؤه ... ضربت بهول هلاكه الأمثالُ
أمريكا ضاقت حيلتها بإعصار وكل ما استطاعت حشده أمامه مجرد متابعة تحركاته - على تخوف - في نشرات الأخبار ، وتحذير مواطنيها ، والتحفز لإعلان حالات الطوارئ ، ومناطق الكوارث ، هذا كل ما تستطيع أمريكا عمله وحسب ! ولسان حالها ( لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم)
الوقفة الثانية : ( ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب ، إذ تبرأ الذين اتُبعوا من الذين اتَّبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ) صدق الله ، ومن أصدق من الله قيلا ؟ فما مقدار قوة الخلق إلى قوة الحق عند النسبة والمقارنة : لاشئ ، صفر بالمائة ، والنتيجة : القوة لله جميعا ، وتبقى القنابل النووية والأساطيل الجوية والقطع البحرية والمدمرات والرادارات  والقاذفات والراجمات والمجنزرات والمقاتلات وحاملات الطائرات  وكل ماهو آت  : صفرا بالمئة إلى قوة رب الأرض والسموات .
ولما رأيت أوباما يلقي خطابه التحذيري واجما ذاهلا تمنيت أن أهمس له ببعض السؤالات :
يا باراك أين أسطول بلادك الخامس والسادس الذي طالما جاب البحار ،  ومخر المحيطات متبخترا بطراداته وحاملات طائراته ومدمراته وسفنه المواكبة ؟
يا باراك: أين فخر البحريه الأمريكية  (حاملة الطائرات أبراهام لنكن) وحاملة الطائرات (آيزن هاور) (ونيوجرسي) و( انتربرايز) وغيرها ؟  
يا باراك : أين الاستخبارات (والسي آي أيه ) والطائرات الذكية ( بدون طيار ) ؟ 
يا باراك أين الجملة المتغطرسة الغبية التي قالها سلفك بلسان المقال وقالها أخلافه بلسان الحال : ( من لم يكن معي فهو ضدي ) هلاّ قلتها لـساندي ؟ 
ولنمض مع بقية الآية الكريمة : فأين أصدقاء أمريكا وأتباعها في حلف الأطلسي ( نيتو ) وغيره لماذا تبرؤوا وأول البراءة إلغاء رحلاتهم إليها كافة وقطع الاتصالات بها  لماذا ألغت شركات الطيران العملاقة مئات بل آلاف الرحلات منها وإليها: ( يوروكنترول ، وبرتش أير ، وأير فرانس ، ولوفت هانزا ، والروسية والهندية والصينية والباكستانية، والكورية والخليجية واليابانية،  فلتقف دول  الأطلسي تبعا لمعاهدات الدفاع المشترك معها في خندق واحد ( مالكم لا تناصرون ، بل هم اليوم مستسلمون ) إي وربي هذا حالهم اليوم .
 
الوقفة الثالثة ( فلمّا أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون ، لا تركضوا وارجعوا الى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون ) : أيها الشّعب الأمريكي الذي يعد نفسه أرقى الشعوب وأقوى الشعوب لماذا حالَ سماعكم بنبأ الإعصار وإحساسكم به مجرد إحساس ( أحسوا بأسنا ) خرجتم من بيوتكم تركضون ،  لماذا هربتم وجلين بثياب وبدون ثياب ،  وبأكمام وبأنصاف أكمام  ، وبأرباع أكمام (وتركتم ماخولناكم وراء ظهوركم) ؟
فأسرعت زحفًا على الركبتين ... فثوبٌ لبستُ وثوبٌ أجرّ
هلا رجعتم إلى مساكنكم ! لماذا أخليتموها وهجرتم ناطحاتها وعماراتها حتى أصبحت أعظم مدينة في العالم (نييورك ) مدينة أشباح ؟ وهذا التعبير ليس من عندي بل من عند وكالات الأنباء العالمية. 
الرابعة : ( فأصابها إعصار  فيها نارٌ فاحترقت كذالك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون)
واذا كان هذا فعلكِ  يا أمريكا من إعصارٍ مائي  ، واذا كان هذا فعله بكِ من التهجير وخسائر المليارات والقتل والهدم  والحرق فكيف لو كان من الإعصار الناري ، وصدق الله :  (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون)
 
الخامسة : ( إنا كفيناك المستهزئين ) هل أتى على كارثة الفلم المسيئ شهران ؟ كلا ، الفلم المشئوم كان مواكبا لذكرى التاسع من سبتمبر ، وعقوبة القهار ختمت لهم تاليَه أكتوبر ، فما أسرع حساب الله ، وما أشد أخذته !
لقد كان الفاتحون الأولون إذا طال حصار حصن فسب أهله الرسول الكريم ، استبشروا بقرب الفتح وعاجل هلاك أهل الحصن ، لقد ثار العالم الإسلامي في وجه أمريكا ، التي أبت أن تمنع الفلم الذي أنتج على أرضها ؛ بحجة حرية الرأي والتعبير ، والبوم يثور الجو والبحر ، والله أعلم بما في الغيب (ومايعلم جنود ربك إلا هو)،  فيا أمريكا : يداك أوكتا وفوك نفخا ، وعلى نفسها جنت براقش ، والحمد لله الذي انتقم لرسوله صلى الله عليه وسلم .
 
السادسة : ( فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ) كم في هذه الآية القرآنية ، مع تلك الآية الكونية ، من تسلية للأرواح المعذبة ، والنفوس اليائسة ، وهي ترى مقدار ما أوتيت أمريكا وكثير من دول العالم النصراني ، والكافر عموما :  من قوة التدمير ، ودقة الرمي  ، وسرعة الاتصال ، وسعة السلطان ، حتى يقول قائلها : ( لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ) ويقول أيضا :
كيف الخلاص وخيل القوم سابقة  ... وذا الحديدُ وفولاذ به ادّرعوا
هل يبزغ الفجر عن بطش كبطشهمو ... أو يسفر الصبح عن جمع كما جمعوا
جمع النقيضين أدنى منكِ أمنية ... والشمس أقرب والجوزاء أو بلعُ
لا تيأسوا إن خيار القوم قد خشعت ... ذلاّ ، وحاز على أملاكها لكعُ
فلا يزال المولى جل وعز  يرسل هذه الآيات والعقوبات ليُري أولياءه أن مصير الكفر على قوته وجبروته ،  رهن بإعصار :  يضرب بعواصفه ،  ويحرق  بصواعقه  ، ويزحف بطوفانه ،  ويجمد بثلوجه، حتى يشل الحركة ويجمد دماء الحياة في شرايين مدنهم : ( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ) ؛ ولايستحيل على قدرة الله أن يبيد أمة قائمة وحضارة حاضرة ويذرها حصيدا كأن لم تغن بالأمس بإعصار وطوفان، وقد سجل القرآن العظيم مثل هذا الهلاك لأمة وحضارة قاهرة غالبة في زمانها ( مملكة سبأ) التي قال الله تعالى عنها: "فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم... إلى قوله تعالى: "فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور"؛ فلا ييأس المسلم المظلوم المقهور المشتوي بنار أولئك الظلمة الكفرة ، ولا يظن النصر مشروطا بأن نكافئ قوتهم  ، ونجمع  كجمعهم ، فالخلاص  - على حدّ وصف الآية - سبيله واحد من أمرين  : إما الفتح أي النصر العسكري ، وإما أمر من عند الله ، ويبقى الأخير  عاما مطلقا مبهما يفسر نفسه بحدث يظل الكفار له حيارى خزايا ندامى،  لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا.
ولهذا بطبيعة الأمر لا يعفينا من إعداد ما نستطيع من قوة ، ولا يفضي بنا إلى حياة الدعة والتواكل وانتظار الأمر الإلهي مع التجافي عن فعل أسبابه الشرعية والكونية ، والركون إلى الترف والفجور، فهذا ليس من هذا ولكن من ذلك الأمر المراد بقوله تعالى : ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم  ...) إلى قوله تعالى ( فتربصوا حتى يأتي الله بأمره) وحينئذ سنتربص طويلا ، ونعيش عيشا ذليلا ،  حتى نؤخذ أخذا وبيلا ، ( سنة الله التي قد خلت من قبل ، ولن تجد لسنة الله تبديلا).  
السابعة : ( سخرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام حسوما ، فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية) 
هكذا إذاً يعاقب الله الأمم والدول المتغطرسة المتجبرة،  بما تراه أهون الأسباب وأرفقها مسّا،  وألينها جسا وأرهفها حسًا :  (الهواء ) هذه عاد لمّا قالت : من أشد منا قوة ؟ أبى الله إلا أن يهلكها به (فأرسنا عليهم ريحًا صرصراً في أيامٍ نحسات) هذه الأيام الثمان ، كانت كفيلة بقطع شأفتهم ، وحصد جلدتهم ، واقتلاع جذورهم : (كأنهم أعجازُ نخلٍ خاوية فهل ترى لهم من باقية ) ؟  لا وعزتك ربنا ،  ما نرى لهم  اثراً ولا نسلا ولاعقبا إلا مساكنهم ، كما قلت وقولك الحق ( فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ) حتى أطلقت عليهم كتب الآثار والأخبار والتاريخ : ( العرب البائدة ) .  
وفرعون : لمّا ( حشر فنادى ،فقال أنا ربكم الأعلى ) قال الله جل الله ( فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم) هكذا لم يحتج فرعون وجنوده التي حشرها من المدائن وضاق بها البر والبحر إلا أخذا ونبذا، وانتهى كل شيء فما أهون الخلق على الله ! .
إن أضخم مثلث تجاري في العالم : المثلث المقلوب ( مترو بولتان ) الذي تقع قاعدته بين مدينتي نيويورك وشيكاغو ، ورأسه في فيلادلفيا :  يقع تحت طائلة الكارثة ، بل أعلن الرئيس الكارثة الكبرى في نيويورك واليوم تغلق البورصة ( أسواق الأسهم ) وتعلق التعامل في هذه المدن ،  وخاصة نيويورك ، وتلغي الخطوط التجارية الأمريكية أكثر من ( 7500) رحلة داخلية وخارجية؛ مما يهدد بخسائر مالية ، قد تبلغ أو تفوق :  الخمسين مليار دولار ، وأضحت المفاعلات النووية في مرمى الخطر ، وبات شبح ( فوكي شيما ) يلقي بظلاله السوداء المرعبة ، وإذا كانت هذه التلفيات والهدميات  ، والخسائر المقدرة سلفًا نتيجة إغارة إعصار ليومٍ واحد فكيف لو دامت إغارته ليالي وأيامَا حسوما ، إنها كفيلة بالقضاء على أمريكا ، والإفضاء بها إلى الإفلاس والدمار ، وإحالتها أثراً بعد عين لاجرم  ، حتى يمر المار بأطلالها البائدة  ويقول : ( كان يا ما كان ، هنا أمريكان ) ، هنا كانت دولة تعرب فاعلاً مرفوعًا فأصبحت : ( خبر كان)
 
ما أروع الذل يعلو وجه أوباما ... اليوم فأرا يُرى ما عاد ضرغاما
هرّا أمامك يا (سندي ) مشتتة ... نظْراته يحسب اللحْظاتِ أعواما 
يحذِّر الشعب من ماذا يحذره ؟! ... من بطشة الله هل يجديه إن قاما؟
يغص بالريق حتى ظُن من هلع ... لما تحدّث  فأفاءا  وتمتاما
وهل نسوا الأمس لما أنتجوا سفها ... في قذف عرض رسول الله أفلاما
لله درك يا ( سندي )عليك بهم ... لا تبق  فيهم من الأهوال أحلاما 
اقلب عليهم علوّ الأرض سافلها ... نكس لهم - سنّة الإحداد - أعلاما
بأمر ربك لا تترك لهم عقبا ... إلا شتاتا بأقصى الأرض خُدّاما
ونارك اليوم لا بردا بدولتهم ... ولا سلاما سوى من دان إسلاما 
ثأرا لعرض رسول الله من ملأ ... فاقوا أبا الجهل عدوانا وإجراما
أتحسب اليوم أمريكا بأن لها ... عهدا ستبقى على الأكوان قوّاما؟
أيحسب القوم أن الله يغفل ما ... قد أحدثوا ، ثم لا يلقون لوّاما؟
كم عربدوا في ديار الدين كم تركت ... غاراتهم رُمَّلا فيها وأيتاما
وكم عثا جيشهم في الأرض في بطر ... يوزّع الموت نيرانا وألغاما
ويمطر الشر في أنحاء أمتنا ... يعيث في الحي خرّابا وهدّاما 
وكل بطش بني صهيون سيئة ... مما جنوه وقِس أفغانَ والشاما
فاليوم عُبِّي بكأس الخزي مترعة ... ليهنِكِ الذلّ أمريكا وأوباما
يا أوحش الله منها كل أربعها ... من المحيط إلى كوبا وباهاما
حتى تُرى بلد الأشباح تقطنها ... والجن تنسل غول الليل والهاما
والبوم تنعب في أطلالها خربا ... والريح  تصفر إقداما وإحجاما  

السبت، 27 أكتوبر، 2012

أذانٌ إلى ( أذان)..

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..
 أما قبل :
(فمرادي من العنوان إعلام إلى حملة آذان الخيرية)
وأما بعد:
فلا يفقه القارئ للقرآن بعض آياته حتى يعيشها واقعا على طريقة : ( ليس المخبر كالمعاين ) و ( ما راء كمن سمع )  وهذا الأخير جزء من قول الشاعر :
يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ما ... قد حدثوك فماراء كمن سمعا
وقال المتنبي :
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها 
وكم نمر على آيات بينات نعلم أن قائلها أقوم  قيلا وأصدق حديثا ، ولا نجد الشعور نفسه الذي نجده لو مرت بنا أو مررنا واقعا في الحياة .
وموسى صلى الله عليه وسلم ( ألقى الألواح وفي نسختها هدى ) لما رأى المشهد الفظيع المخزي : قوما تركهم على التوحيد ، وجدهم على الشرك عكوفا على العجل وقد أخبره ربه تكليما من قبل ، خبرا لا يشك لحظة في صدقه  ( قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري ، فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا) ولم يفعل بالألواح ما فعل .
واليوم أجد تفسير قوله تعالى : ( قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع)  واقعا عيانا ، مع أني - تاب الله علي - واجد من يحملني وما يحملني وما أحمل عليه ولكنه التسويف والتواني وإعذار النفس بما لا يعذرها عن جهاد لا قتال فيه .
لا أدعي أن الحج واجب سوى الفريضة ، ولكن في الحج منافع جمة يشهدها الحاج وطالب العلم والداعية بالأخص نفعا وانتفاعا ، فكم تاب في الحج من تائب وغير مسار حياته ، وكم من فرص الدعوة  واللقاء بالناس والتعارف في الحج ما ليس في غيره ، وهل وقع أعظم لقاء وتمت أوثق بيعة ترتبت عليها أشرف هجرة ، وأكمل نصرة إلا على بساط منى ، وفي الحج أجور وحسنات وتكفيرسيئات واستحقاق جنات ، كلها تفوت على المسوّف المتواني، وهذا العام حبسني حابس التواني وبطّء بي وهن الهوى عن مرافقة حملتي الحبيبة التي اعتدت مرافقتها ، وما كنت أرى الشوق والوجد يبلغان بي ما بلغا حتى أسمعني داعي الصبابة وأنطق شعوري وشعري في أصيل يوم التاسع ، فيا لله ما أقسى النوى وأعتى الجوى ، وكم في لفحات الفوح لولا زفرات البوح ، وكنت بلا شك ولا ريب كما كان مالك بن الريب:  
أجبت الهوى لما دعاني بزفرة  ... تقنعت منها أن ألام ردائيا
وكان مثلي ومثل حملتي ( أذان ) كما قال الأول :
أتراكم في النقا والمنحنى ... أهل سلع تذكرونا ذكرنا
انقطعنا ووصلتم فاحمدوا ... واشكروا المنعم يا أهل منى
سار قلبى خلف أحمالكمو ... غير أن العذر عاق البدنا
ما سلكتم واديا إلا وقد ... جئته أسعى بأقدام المنى   
أما زفرتي التي  أجبت بها داعي الصبابة إلى تلك المغاني وحملة أذان وقيدومها الربان اللوذعي الأحوذي والقبطان الألمعي أبي ثابت عبد الله المقحم وهو من كنيته بكريمته في الأبيات، وعضده وساعده  ( أبي أريام الدويش ) فهي هذه الأبيات التي أبت عشية عرفة إلا أن تتفلت علي وأنا أكبح جماحها لئلا تشغلني عن الذكر والدعاء 
حتى عسعس ليل العيد فكتبت منها ما علق بذهن مكدود وفكر مجهود وأنا أكفكف دمعي المنضود: 

  
أذانٌ للأحبة في (أذانِ)
بشوق حره في القلب آنِ

تحرك ركبكم وبقيت حيا
كَمَيْتٍ في زوايا الحزن فان

وغادر وفد حملتكم وقلبي
يرافقه وجثماني كَعَان

سلاسل من ذنوب قيدته
فوا أسفا على قيد الهوان

أنا العبد الأسير فمن يفادي
رهين المعصمين من الرهان

أحبتنا كأني مذ رحلتم
عليلٌ قال في قدم الزمان

كأن القلب ليلة قيل يغدى
بليلى العامرية في الحسان
 
قطاة غرها شَرَك فباتت
تجاذبه فيضرب في الجران

 
كأني حين ودعني رفاقي
جريح حشًا بمعترك الطعان

يشاهد ثم يعجزه حراك
نزيفُ دمٍ من الأنياط قان

أنا المحروم منكم ليس أنتم
من المسكين مكلومِ الجنان

هتفتم محرمين فذاب قلبي
من الحرمان ويحيَ ما دهاني ؟!
 
تمتّعَتم ومِتْعَتُكم عذابي
وأفردتم وحيدا في القِران

وبتُّم في مِنى ، ومُنىً لصَبٍّ
يكون جواركم رأي العيان 

وعرَّفتم فما عرفت عيوني
لذيذا أو تذوَّقه لساني

وطفتم سبعكم ولَكَم بقلبي
أطاف عناؤه فوق الثمان

 
وبين المروتين وقد سعيتم
سعى ساعي الأسى بين المحاني

وفي جمْعِ الحرام إذِْ ازدلفتم
فيا ويحي لمزدلِف الأماني
 
 
وبالجمرات إن سبعا رجمتم
فجُمَّار الفؤاد لَكَم يعاني

لكُم ذكرى لها أوتار قلبى  
أحبتنا تَحَرّكُ كل آن

تحرّكُ كلما لبى حجيج  
بأنغام الفصائح والرطان

تحرك بالحنين بكل خمس  
إذا هتفت مآذن بالأذان

أذانٌ بات يذكرني (أذانا)
ولكن لا سواء عليَّ ذَانِ

بلال أذانكم أذكى وأندى
بلابله وأنكى في كياني

إقامته أقامت في شعوري
مدائنَ من تذكُّر ذي المغاني

منارته أنارت كل فج
عميق من فِرِنجَ إلى فطاني

وإن أبصرت في صور مطافا
كطوفان طمى فوق المباني

يطوف على محاوره هديرا
من الشامات للركن اليماني

أغصَّ بعبرتي وأُشِحْ بوجهٍ  
عن الجلساء حتى لا تراني

أكفكف دمعتي وألوم نفسي
على التقصير يا بؤس التواني

أما قد حدثوك -أبا مرام-  
بما أنا فيه بعدك، ما أعاني

ألا أبلغ أبا أريام أني
رُميت بسهمِ مخترِقِ السنان

فأنفذ بالنصال صميم قلبي
وكَبْدي ثم أثبتني مكاني

بقيت أُرَجِّع الشكوى كئيبا
ومن شجوي أَعَضُّ على بناني

وحين دنا الأصيل أصيل تسعٍ
وقرص الشمس للتوديع دان

أحس كأن روحي ودعتني
وداع الطائفين بيومِ ثان

فماذا -يا تُراه -ثنى قيادي
بيوم رحيلكم ولوى عناني

ألا يا ليت يسعفني بيان
ولكن لا سبيل إلى البيان

حبيبَ القلب لا عَتَبٌ ويكفي
عتابا ماوجدت وما شجاني


  تمنيت اللحاق بكم ولكن
 وهل يغني التلهف والتفاني  

الاثنين، 22 أكتوبر، 2012

الإيضاح لبعض مسائل الأضاح..


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد
فمن أفضل الأعمال الصالحة التي يتقرب بها المسلم والمسلمة إلى الله ويختمان به وظائف هذه العشر المباركة وأعمالها : الأضحية ، سنة أبينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم . اتبعه عليها ابنه ووارثه النبوة والكتاب محمد صلى الله عليه وسلم عملا بقوله تعالى : " ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين
وجرى على هذه السنّة الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون وجماعة المسلمين في الأعصار والأمصار 
فهي سنة مؤكدة يكره تركها للقادر وقيل بوجوبها عليه،  والأول مذهب الجمهور ويرجح الثاني (نهيه صلى الله عليه وسلم من وجد سعة ثم لم يضح أن يقرب مصلاه) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، والشيخ ناصر الألباني (وقصره الرخصة في الأضحية 
بالعناق على أبي بردة  وتصريحه أنها لا تجزئ أحدا بعده) رواه البخاري، وكذلك الذبح قبل الصلاة.
وأود التنبيه هنا في الأضحية إلى أمور كثيرا ما نرى فيها التقصير أو التفريط والمخالفة   
التنبيه الأول :
حيث قلنا يكره أو يحرم تركها للقادر فهذا مؤذن بالحرص على أدائها ومشعر برعاية هذه الشريعة حق رعايتها وقدرها حق قدرها
قال تعالى : " ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب
وهذه الآية من سورة الحج نص في الذبائح شاملة بالدلالة غيرها من الشعائر 
والقدرة : بمعنى السعة المالية بوجدان ثمن الأضحية زائدا على نفقته ومن  تلزمه  نفقته إلى حين وقت عطائه أو راتبه وإيراده المالي .
فمن وجد هذه السعة فليضح ومن لم يجد فقد قال الله تعالى : " لينفق ذو سعة من سعته " وقال : " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " والحمد لله رب العالمين
لكن مما ينبغي الانتباه والتنبيه له : أن كثيرا من الناس يدعي العسرة وعدم القدرة وإذا نظرت حياته وجدته متوسعا مترفها باذخا على نفسه وأهله ولو حسبت فواتير جوالات أطفاله ونسائه لوجدتها مجزية بثمن أضاحٍ عديدة وهكذا حال كثير من الناس يسوف بالحج لنفسه وأهله بحجة عدم الاستطاعة ويسافر في الصيفيات والإجازات إلى أقطار الدنيا ويجوب بحارها وديارها باذلا ما بذل .
وكأنما فرض زيارة لندنٍ ... وزيارة البيت الحرام حرام
وترى المرء يبذخ ويسرف في ولائمه وحفلاته وأعراسه وينفق المبالغ الطائلة الهائلة لليلة واحدة تصنعا وبطرا وفخرا وتظاهرا ، ولو دعي للجهاد وإعانة محتاج لشح بالمبلغ اليسير وأصاخ للشيطان يعده الفقر ويأمره بالفحشاء ومن معاني الفحشاء هنا البخل والشح قال طرفة البكري :
في معلقته : لخولة أطلال ببرقةِ ثهمَدِ .  
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشددِ 
يريدُ أن الموت يختار من الفاحش الشحيح أطيب ماله وأزكاه 
ومما أذكره هنا أن رجلا جاء مستفتيا ملتمسا العذر في ترك الأضحية لعدم القدرة ورائحة الدخان -عافاه الله وإيانا- تفوح من ثيابه وأنفاسه وآثاره بادية على بخر فمه و نخر أسنانه وسعاله وصفير صدره فقلت له: مهلا يا أخي إني سائلك فاصدقني :
 
كم تشتري كل يوم من علبة سجائر وبكم؟ 
فقال : من اثنتين إلى ثلاث وبعشرة إلى خمسة عشر ريالا في اليوم فقلت: عافاك الله، معنى هذا أنك تنفق في عامك قريب الخمسة آلاف ثمن الأضحية فقال: أية أضحية؟
قلت : الأضحية بنفسك وصحتك وحياتك ومالك وهذا المبلغ يجزئ لثلاث أو أربع من أطيب الأضاحي ففهم مرادي وولى مدبرا ولم يعقب
التنبيه الثاني:  
ليعلم المضحي أن النحر عبادة من أجلّ العبادات وأفضلها قرنها الله بالصلاة في غير ما موضع كما في قوله تعالى: " فصلِّ لربك وانحر " وفي قوله: " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " ولهذا كان صرف هذه العبادة لغير الله شركا ، قال تعالى : " ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به " فصارفها لله حنيف ولغيره مشرك ، وقال صلى الله عليه وسلم: " لعن الله من ذبح لغير الله " رواه مسلم عن علي رضي الله عنه
وإذا علم هذا فليحرص المضحي رجلا كان أو امرأة أن يتقرب إلى الله بالذبح ولا يستنكف عنه رحمة للبهيمة أو تقذرا أو ضعفا، ولو ترك السلخ والتقطيع لغيره من عمال وغيرهم فلا يتركن الذبح إن قدر عليه  
وفي صحيح البخاري عن كعب بن مالك: "أن جارية لهم كانت ترعى غنما بسلع، فأبصرت بشاة من غنمها موتا فكسرت حجرا فذبحتها.." الحديث
وقد ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أضحيته بيده وكذلك نحر هديه مع أنه كان أنظف الناس وأرحم الخلق، ومع أن هديه كان إبلا كثيرة نحر بيده ثلاثا وستين وأعطى عليا المدية فنحر ما غبر. 
وليعلم المضحي أن مباشرته -إن كان قادرا-  ذبح نسيكته أفضل من التفويض إلى غيره وإن فوض لغير عذر فقد يوحي ذلك بالزهادة بأجر هذه العبادة فليحذر
ويفدح الأمر إن فوض الذكاة - أي قطع الأوداج والحلقوم والمريئ - إلى غير مصلٍ أو من يعتقد في الله اعتقادا باطلا فإن كثيرا من العمال  مجهولو الحال، وخاصة من يباشر الذبح من أهل المطاعم وغيرهم من بعض بلاد ينتشر فيها مذهب الدروز والنصيرية وربما الرفض واعتقاد حلول الله ونفي علوّه وكثير من هذه الاعتقادات كفرية وذبيحة معتقدها حرجة على قول جماهير أهل العلم فليحذر المسلم و ما أحسن أن يتولى المرء عبادته بنفسه
التنبيه الثالث
ليحرص المسلم ألا يخلي بيته وأهله من هذه الشعيرة الكريمة عملا بسنة الخليلين والمؤمنين على تعاقب الأعصار وتكاثر الأمصار .
وديننا الحنيف وشريعتنا العظيمة شرعت لنا إظهار الشعائر وإشهارها في العيدين وغيرهما ففي الفطر شرع لنا إشهار إطعام الطعام في صدقة الفطر
وفي الأضحى شرع إنهار الدماء وإشاعة اللحمان وهذه المظاهر العظيمة لها دلالة كبرى وتربية للأجيال على التعاطف والتكافل وسد حاجة المعوزين وقد لا يلاحظ هذه العظمة كثير من مسلمة الدار ممن نشأ وترعرع عليها بقدر ما يلاحظها غيره من مسلمة الاختيار وكم أدى مثل هذا بكثير إلى حب الإسلام واعتناقه
وكنا نجد - صغارا - لهذه الشعائر والمظاهر العبادية مذاقًا وننتظر أيامها لنشاهد آباءنا في الفطر يكيلون البر بالصاع أمامنا ويسمون لكل واحد من أهل الدار صاعه قبيل العيد ونجد للعيد معناه  وفرحته وهكذا في الأضحى نتذكر بقدر عظيم من الحنين لتلك الأيام الخوالي أيام كنا نهيئ الأضاحي ونعرّفها ليلة عرفة أي نشعرها بالصبغ والحناء ونسميها لأهلها ثم نشهد ذبحها ونتولى قسمتها على الفقراء والأقارب والجيران في مشاهد غاية في الروعة والعظمة ؛ ولذلك فإن الذين ينادون بأداء صدقة الفطر أو الأضحية نقدا ويذهبون بها خارج الأوطان يجنون على هذه الشعائر ويحرمون الناشئة أن ينشؤوا عليها فتختفي من ديار الإسلام ومجتمعاته
هذا بالإضافة إلى مخالفة المأثور وقول الجمهور نعم قد يقال إذا تعددت أضاحي المرء أو الوصايا فمن المناسب تنفيذها في بلاد هي أشد حاجة وفقرا أما أن يخلي البيت من سنّة وشعيرة فذلك هو الحرمان. 
التنبيه الرابع
لايخفى على طالب علم - وإن خفي على العامة - أن الأضحية مشروعة للحي وجوبا أو استحبابا   فأما الميت فلا تجب عليه ولا تشرع عنه
وقد ضحى النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه وأحيائه دون أمواته ؛ مع أنه مات له أهل عزيز عليه فقدهم أليم فراقهم كزوجته الوفية المجاهدة خديجة وعمه حمزة وأبنائه وبناته وخيرة أحبابه وأصحابه كأول الأنصار بيعة وأسبقهم نصرة أسعد بن زرارة وأول سفرائه الشاب الشهيد مصعب بن عمير وابن مظعون وقادة مؤتة وغيرهم ولم ينقل أنه ضحى عن واحدٍ منهم
ومن المتقرر أن الشيء إذا قام سبب مشروعيته ولم يشرع علم أنه خلاف الشرع وربما بلغ حدالبدعة مع أني لا أقول هنا بالبدعة وإن كنت على فقري وضعفي أميل إلى المرجوحية وعدم المشروعية
وما رواه أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة والترمذي عن محمد بن عبيد المحاربي كلاهما : عن شريك بن عبد الله عن أبي الحسناء عن الحكم بن عتبية عن حنش بن معتمربن ربيع الكناني عن علي رضي الله عنه أنه ضحى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاه بذلك ، فضعيف لاتقوم به حجة وقد استغربه ( أي ضعّفه ) راويه الترمذي وأبو الحسناء مجهول وشريك معلوم الكلام فيه وتغيره وسوء حفظه لما ولي القضاء وكذلك حنش الكناني يرسل ويهم في حديثه عن علي وغيره وهذا الحديث وحده هو حجة القائلين بالأضحية عن الميت لا أعلم لهم دليلًا غيره إلا ما كان على جهة العموم كحديث (من لم يضح من أمتي)
وبهذا يعلم أن الأضحية للميت لا تشرع لعدم الدليل القائم وهي عبادة الأصل فيها التوقيف وليس لنا أن نستحسن بعقولنا وندخلها في عموم الصدقات لأنها مؤقتة بوقت فليتصدق عن الميت وليطعم عنه اللحم في كل العام أما مناسبة يشرع فيها الذبح عن الحي فلتُخلَ من الإطعام للميت لئلا يلتبس الأمر كما هو حاصل الآن فإن أكثر العامّة يعتقد أن الأضحية عن الأموات دون الأحياء
أرأيت صدقة الفطر في العيد الآخر : هل لأحد أن يخرجها عن ميته أو يوصيَ ميتٌ بإخراجها عنه بعد موته ؟! وما الفرق إذن ؟ من فرق فعليه الدليل ؟
ولما كتب مفتي قطر ابن محمود رحمه الله بهذا قبل سنين رد عليه بعض علمائنا رحمهم الله وناقشه ، بما لا يستقيم له
والعلماء في الأضحية عن الميت على أقوال
-
منهم من منع وهم الأقل 
-
ومنهم من أباحها وربما استحبها وهم الأكثر لعموم فضل الإطعام وهو مذهب الحنابلة واختيار تقي الدين ابن تيمية وغيره
-
ومنهم من فصل فقال
أما الأضحية عن الميت استقلالا فغير مشروع 
وأما إشراك الحي له أو إيصاء الميت للحي فلا بأس أن يشركه الحي أو ينفذ وصيته وهو المشهور عن بعض علمائنا كابن عثيمين رحمه الله ومن أخذ بقوله
وأنا لا أرى للتفريق وجها فإن قيل بمشروعيتها في حال فليقل في جميع الأحوال
وفي حدود علمي القاصر : لا أعلم أن أحدا من الخلفاء والقرون المفضلة فعلها عن ميته ،  وروى الترمذي وغيره من حديث أبي أيوب وقد سئل عن الأضاحي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :(كان الواحد منا يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس في ذلك فصار كما ترى)  
ومن الآثار غير المحمودة للقول بهذا ما يأتي
أولا : أنه استحسان وقول بلا دليل صريح وادعاء دلالة حديث (هذا عن من لم يضح من أمتي ) وفي الأمة من مات قبلاً ومن لم يوجد ، محل مناقشة ؛ إذ قد يقال هذا خاص بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ولم يجعل لغيره ، وهل يقول أصحاب هذا القول : إن لمتبرع بالأضحية أن يتبرع بها لمن لم يوجد بعد من أحفاده وأحفادهم وغيرهم ، وهل يكتفي المضحي عن ميته تبرعا بمرة واحدة ، كما هو الظاهر من تضحية الرسول صلى الله عليه وسلم عن من لم يضح من أمته أم يظل هذا ديدنه كل عام ؟ ووجوه نقض الاستدلال بهذا الدليل عديدة عند التأمل .
ثانيا : أنه خلاف هدي السلف كما في حديث أبي أيوب آنف الذكر.
ثالثا : أن أصل مشروعية الأضحية لاستحياء ( إسماعيل ) وفدائه من الموت فكيف تكون للميت
رابعا : أن في وصايا الأموات بها إشغالا لأهلهم وأوصيائهم من بعدهم ، وصرفا عن وظائف العشر وأعمالها وعن فرحة العيد وبهجته  وكم يأخذ البحث عن الأضاحي وشراؤها ونقلها وذبحها وقسمتها على الوصي وأهله من جهد ووقت عظيمين حتى ربما وجد الحيّ ساعتها على ميته ، خصوصا إذا علمنا أن ثمت قولا قويا بوجوب تقسيم ضحايا الوصايا وضحايا الأموات عامة وأنه ليس للمتبرع والمنفذ للوصية أكل شيئ منها ؛ فيعنته بالبحث عن فقير،  وإذا علمنا أن بعض الوصايا تبلغ العشرات من الذبائح في البيت الواحد ؛ فتظل هذه البيوت سائر أيام العيد كأنها مجازر ، ويظل أهلوها بين بركة من الدماء ورجم من الجماجم ، ومما يزيد المشقة ويضاعفها أن هذه الوصايا تورث مع وصية الموصي إليه ، فعلى الابن أن ينفذ وصية أبيه وجده إلى ما شاء الله ، فيصبح بيته ليلة العيد حظيرة مزحومة بكل ثاغ ٍ وياعر
خامسا: أن في ذلك إيهاما للخلق أن الأضحية إنما شرعت للميت ؛ كما هو الحال لدى عامة الناس اليوم ؛ وإذا نشأ ناشئهم على عشر ضحايا تذبح في بيته عن أموات وواحدة عن حي ليست غالبا خالصة له ولا يخلو فيها من شريك ميت ؛ فترسّخ  في نفسه هذا الاعتقاد فما هو بملوم ، وهذا عينه ما نشأنا عليه  حتى علمنا الحقيقة .
سادسا : أن التهافت على توزيع اللحمان والصدقة بها في الأضحى تبرعا للأموات ، يؤدي بالناس إلى قصر الصدقة باللحم الذي هو من أنفس الطعام على هذا الوقت وحرمان المستحق منه سائر العام .
سابعا : أن ذلك مسبب لمزاحمة المضحي عن نفسه وتقتير السوق عليه ، ورفع الأسعار عليه ، مع قلة العرض وكثرة الطلب وهذه مفسدة
ثامنا: أن في كثرة هذه الوصايا بالأضاح صرفا للوصية عن مصارفها الأهم ، وتحولا فيها للمفضول عن الفاضل ، على أحسن الأحوال ، ولقائل أن يقول للممنوع عن المشروع ، وأُعظم أن أقول : للبدعة عن السنة ، ولو جمعنا أثمان وقيم آلاف الأضاح أو عشرات آلافها ، لقدرنا كم يفوت من المصالح لجهات كثيرة هي أهم بكثير كنشر العلم والتوحيد وكتبه وكتاتيبه ، ومقارئ القرآن والجهاد وعلاج الأمراض المتفشية كالسرطان والوباء الكبدي وتوفير أجهزة الغسل الكلوي وغير ذلك من مصارف لبس أقلها أهمية تزويج الأيامى في هذه الأزمنة المتلاطمة بأمواج الفتن والشهوات ودور اليتامى والقيام على المطلقات والمعلقات ، وإشادة صروح الإعلام الذي هو من أسخن جبهات الجهاد في هذا العصر نصرا للسنة وقمعا للبدعة ، وغير ما ذكرت كثير ، ولقد حدثني من لا أتهم أن ثريا ترك خيرا يقدر بمئات الملايين أوصى وصية قديمة بثلت ماله ، ولما كشفت وصيته وجد أنها لا تخرج عن عدة أضاح له ووالديه وبعض الحجج .
إننا بحاجة إلى تقرير فقه الوصايا والأوقاف وإشاعة علمه وتكثيف دروسه في هذا للزمان باعتبارها من أهم موارد أعمال الخير والبر ، وأنا على مثل يقين أن هذا المورد العظيم لو أحسن التصرف فيه ما تسول المسلمون لمبراتهم وجهادهم وإغاثة نكباتهم مسلما ولا كافرا ولفاض المال عن الحاجة بكثير ، وما رأينا المنصرين والمرفضين ينفذون إلى قلوب وعقول المسلمين ويستغلون ضرورتهم أفرادا وجماعات وحركات
وعلى كتّاب العدل والوصايا تفقيه الموصين وتنويرهم إلى مافيه صلاح وصاياهم وصلاح المسلمين فهذا من مسئولياتهم ولايكن أحدهم مجرد ناسخ آلة .
ولكم تلجلج في صدري سؤال لم أجرؤ على البوح به ، هل للوصي المتفقه أو المستشير لفقيه أن يغير وصية موصيه أو يجتهد في التصرف بصرف المال إلى غير هذه الضحايا مما هو آكد وأشد ضرورة  ؟ أرأيت إن فعل وهو في ذلك مصلح غير متجانف لإثم  ، بل قد يكون في ظن نفسه أو مستشاره الفقيه مغيرا لذلك الإثم أو التأثم ، ومعدلا لذلك الجنف ، والله سبحانه يقول ( فمن خاف من موصٍ جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) والجنف الميل لأحد الورثة والإثم تسمية شئ من المصارف المحرمة كاللهو والخمر وكتب البدعة والقيام على القبور والأضرحة بالعناية والرعاية والإشادة وما أشبه ذلك 
التنبيه الرابع :
لا يشرع للحاج الجمع بين الهدي والأضحية ، وأما ما جاء عند البخاري وغيره في أحاديث حج النبي صلى الله عليه وسلم أنه ( ضحى عن أزواجه بالبقر ) فالمراد به الهدي عنهن لا أعلم في ذلك خلافا ؛ فإن من أسمائه الأضحية لكنها أضحية خاصة ،
اللهم إلا أن يضحي أهله في بلدهم فنعم ، ولو لم يفعلوا أجزأهم الهدي ، وإن كان مفردا وأراد أن يضحي فالأولى - والله أعلم - أن يجعل النسيكة هديا ، والهدي - كما لا يخفى - واجب على المتمتع  ، والقارن ومستحب لهما زيادة على الشاة ، وللمفرد بل والمعتمر ، والرسول صلى الله عليه وسلم قلد الهدي في عمرة الحديبية ، بل للمقيم في بلده أن يوكل الحاج بالإهداء له ، فالهدي أوسع مشروعية من الأضحية ، والنبي صلى الله عليه وسلم وجبت عليه الشاة فأهدى ضعفها سبعمائة ، ونحر مائة من الإبل 
التنبيه الأخير :
 
درجت بعض المصارف والجمعيات على استقبال الضحايا والهدايا والاستفادة والإفادة من آلاف أطنان اللحوم ، وهذا مشروع رائد وجبار ، خصوصا إذا علمنا أن آلاف الهدايا كانت إلى سنيات تذهب هدرا وتدفن بلحومها وجلودها وأصوافها وأشعارها في المجازر بعد أن يذكيها الحاج ويبقر بطنها ويقطع كبدها أو قلبها أو شيئا من بطونها ربما وهي حية ترى ، قبل أن ينتظرها لتموت ، وقد رأيت ذلك بعيني في أول حجة ، وتعود الجرافات لتحرث تراب المجزرة في الموسم التالي لتنبعث روائح يخر لها الطير صريعا ، وتنشر في الأجواء من الأدواء ما الله به عليم،
انتهت هذه الكارثة بمثل مشاريع الاستفادة من لحوم الهدي والأضاح ، ولكن تبقى عقبة أخرى ، وهي : هل هذا الإيصال والسند الذي يتسلمه الناسك كافٍ في تعيين نسكه ، دعك من مسألة تحرج المضحي والقارن من أخذ شعره وظفره واضطرارهما الانتظار أياما حتى يتأكد لهما ذيح النسك ، ولكن الشأن الأهم في تعيين النسك ، ومعلوم أن هذه المكاتب تستقبل كل يوم عشرات آلاف الأنساك فهل سيسمون -  لفظا أو نية - لكل واحد نسكه أم سيذبحون لهذه الأسناد أعدادها وحسب ، هو كذلك بلا ريب فهل يكفي هذا ؟! سؤال أطرحه على من يفتي ببراءة الذمة بدفعها إلى تلك الجهات ، قد يقول قائل : هذا مستحيل ، فأقول وهل يسقط تعيين النسك ولو بالنية لصاحبه ، ولو أن جماعة مائة أو يزيدون دفعوا لوكيل أوأجير مبلغا على أن يشتري بأعدادهم أضاحيَ ، ويذبحها دون أن يسمي هذه لهذا فماذا يقول السادة الفقهاء؟ أما العبد الضعيف فلا يجرؤ أن يفتي أحدا ببراءة ذمته بذلك ؛ حتى يتأكد له تسمية نسكه له بيقين ، وأنّى له ذلك ،  فعلى تلك الجهات أن تبرئ ذمتها وتخلي مسؤوليتها وتصحح عبادات المسلمين ، والله المستعان  
والله أعلى وأعلم وأجل وأحكم ، وصلى الله على عبده ورسوله وسلم

معايدة خاصة  .. لأهل الشام قبل الزحام :  

ضحوّا  تُقبل منكمو ياشامي
في العيد لا ببهيمة الأنعام

بل بالبهائم من عبيد نعامة
أقبح بعنْق زرافة ونعام

كل يضحي من دبيش بلاده
وبلادكم ملئت دبيش طغام

من رجس فارس والعراق وجاركم
نصر الأبالس قاطع الأرحام

ضحوا بمن ضحى بطفل براءة
ذبْح الوريد كذبحة الأغنام

ضحوا بمن حكموا عليكم جملة
بالموت والإفناء والإعدام

ضحوا بمن قذف الشباب لأنهم
كفروا به بمكينة الفرام

ضحوا بمن ضحى بأضحى عيدنا
بأبي عديّ عراقنا صدام

ضحوا بمن ضحى بهرموش وقاشوش شجيّ اللحن والأنغام
ضحوا بأحفاد المجوس كرستم
وكشيرويه وعبده باذام

ضحوا بمن ضحى بفاروق الهدى
غدر اللئام وغيلة الإجرام

سموا الإله على الطغاة وكبروا
وتقربوا بمصارع الأزلام

شدوا عليهم لا أبا لأبيهمو
ضربَ البنان فديتكم والهام

ضربا على الأكباد يبرد قهرها
وغليلها يا عسكر الإسلام

هذي معايدتي إلى أحبابنا
من أرض نجد إلى بلاد الشام

لا فلّ ربي للأحبة راية
خفاقة بمعارج الأعلام

عيد سعيد كل عام شامنا
في خيرِ عيشِ كرامةٍ وسلام