تعديل

بحث

الاثنين، 22 أكتوبر، 2012

الإيضاح لبعض مسائل الأضاح..


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد
فمن أفضل الأعمال الصالحة التي يتقرب بها المسلم والمسلمة إلى الله ويختمان به وظائف هذه العشر المباركة وأعمالها : الأضحية ، سنة أبينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم . اتبعه عليها ابنه ووارثه النبوة والكتاب محمد صلى الله عليه وسلم عملا بقوله تعالى : " ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين
وجرى على هذه السنّة الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون وجماعة المسلمين في الأعصار والأمصار 
فهي سنة مؤكدة يكره تركها للقادر وقيل بوجوبها عليه،  والأول مذهب الجمهور ويرجح الثاني (نهيه صلى الله عليه وسلم من وجد سعة ثم لم يضح أن يقرب مصلاه) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، والشيخ ناصر الألباني (وقصره الرخصة في الأضحية 
بالعناق على أبي بردة  وتصريحه أنها لا تجزئ أحدا بعده) رواه البخاري، وكذلك الذبح قبل الصلاة.
وأود التنبيه هنا في الأضحية إلى أمور كثيرا ما نرى فيها التقصير أو التفريط والمخالفة   
التنبيه الأول :
حيث قلنا يكره أو يحرم تركها للقادر فهذا مؤذن بالحرص على أدائها ومشعر برعاية هذه الشريعة حق رعايتها وقدرها حق قدرها
قال تعالى : " ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب
وهذه الآية من سورة الحج نص في الذبائح شاملة بالدلالة غيرها من الشعائر 
والقدرة : بمعنى السعة المالية بوجدان ثمن الأضحية زائدا على نفقته ومن  تلزمه  نفقته إلى حين وقت عطائه أو راتبه وإيراده المالي .
فمن وجد هذه السعة فليضح ومن لم يجد فقد قال الله تعالى : " لينفق ذو سعة من سعته " وقال : " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " والحمد لله رب العالمين
لكن مما ينبغي الانتباه والتنبيه له : أن كثيرا من الناس يدعي العسرة وعدم القدرة وإذا نظرت حياته وجدته متوسعا مترفها باذخا على نفسه وأهله ولو حسبت فواتير جوالات أطفاله ونسائه لوجدتها مجزية بثمن أضاحٍ عديدة وهكذا حال كثير من الناس يسوف بالحج لنفسه وأهله بحجة عدم الاستطاعة ويسافر في الصيفيات والإجازات إلى أقطار الدنيا ويجوب بحارها وديارها باذلا ما بذل .
وكأنما فرض زيارة لندنٍ ... وزيارة البيت الحرام حرام
وترى المرء يبذخ ويسرف في ولائمه وحفلاته وأعراسه وينفق المبالغ الطائلة الهائلة لليلة واحدة تصنعا وبطرا وفخرا وتظاهرا ، ولو دعي للجهاد وإعانة محتاج لشح بالمبلغ اليسير وأصاخ للشيطان يعده الفقر ويأمره بالفحشاء ومن معاني الفحشاء هنا البخل والشح قال طرفة البكري :
في معلقته : لخولة أطلال ببرقةِ ثهمَدِ .  
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشددِ 
يريدُ أن الموت يختار من الفاحش الشحيح أطيب ماله وأزكاه 
ومما أذكره هنا أن رجلا جاء مستفتيا ملتمسا العذر في ترك الأضحية لعدم القدرة ورائحة الدخان -عافاه الله وإيانا- تفوح من ثيابه وأنفاسه وآثاره بادية على بخر فمه و نخر أسنانه وسعاله وصفير صدره فقلت له: مهلا يا أخي إني سائلك فاصدقني :
 
كم تشتري كل يوم من علبة سجائر وبكم؟ 
فقال : من اثنتين إلى ثلاث وبعشرة إلى خمسة عشر ريالا في اليوم فقلت: عافاك الله، معنى هذا أنك تنفق في عامك قريب الخمسة آلاف ثمن الأضحية فقال: أية أضحية؟
قلت : الأضحية بنفسك وصحتك وحياتك ومالك وهذا المبلغ يجزئ لثلاث أو أربع من أطيب الأضاحي ففهم مرادي وولى مدبرا ولم يعقب
التنبيه الثاني:  
ليعلم المضحي أن النحر عبادة من أجلّ العبادات وأفضلها قرنها الله بالصلاة في غير ما موضع كما في قوله تعالى: " فصلِّ لربك وانحر " وفي قوله: " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " ولهذا كان صرف هذه العبادة لغير الله شركا ، قال تعالى : " ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به " فصارفها لله حنيف ولغيره مشرك ، وقال صلى الله عليه وسلم: " لعن الله من ذبح لغير الله " رواه مسلم عن علي رضي الله عنه
وإذا علم هذا فليحرص المضحي رجلا كان أو امرأة أن يتقرب إلى الله بالذبح ولا يستنكف عنه رحمة للبهيمة أو تقذرا أو ضعفا، ولو ترك السلخ والتقطيع لغيره من عمال وغيرهم فلا يتركن الذبح إن قدر عليه  
وفي صحيح البخاري عن كعب بن مالك: "أن جارية لهم كانت ترعى غنما بسلع، فأبصرت بشاة من غنمها موتا فكسرت حجرا فذبحتها.." الحديث
وقد ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أضحيته بيده وكذلك نحر هديه مع أنه كان أنظف الناس وأرحم الخلق، ومع أن هديه كان إبلا كثيرة نحر بيده ثلاثا وستين وأعطى عليا المدية فنحر ما غبر. 
وليعلم المضحي أن مباشرته -إن كان قادرا-  ذبح نسيكته أفضل من التفويض إلى غيره وإن فوض لغير عذر فقد يوحي ذلك بالزهادة بأجر هذه العبادة فليحذر
ويفدح الأمر إن فوض الذكاة - أي قطع الأوداج والحلقوم والمريئ - إلى غير مصلٍ أو من يعتقد في الله اعتقادا باطلا فإن كثيرا من العمال  مجهولو الحال، وخاصة من يباشر الذبح من أهل المطاعم وغيرهم من بعض بلاد ينتشر فيها مذهب الدروز والنصيرية وربما الرفض واعتقاد حلول الله ونفي علوّه وكثير من هذه الاعتقادات كفرية وذبيحة معتقدها حرجة على قول جماهير أهل العلم فليحذر المسلم و ما أحسن أن يتولى المرء عبادته بنفسه
التنبيه الثالث
ليحرص المسلم ألا يخلي بيته وأهله من هذه الشعيرة الكريمة عملا بسنة الخليلين والمؤمنين على تعاقب الأعصار وتكاثر الأمصار .
وديننا الحنيف وشريعتنا العظيمة شرعت لنا إظهار الشعائر وإشهارها في العيدين وغيرهما ففي الفطر شرع لنا إشهار إطعام الطعام في صدقة الفطر
وفي الأضحى شرع إنهار الدماء وإشاعة اللحمان وهذه المظاهر العظيمة لها دلالة كبرى وتربية للأجيال على التعاطف والتكافل وسد حاجة المعوزين وقد لا يلاحظ هذه العظمة كثير من مسلمة الدار ممن نشأ وترعرع عليها بقدر ما يلاحظها غيره من مسلمة الاختيار وكم أدى مثل هذا بكثير إلى حب الإسلام واعتناقه
وكنا نجد - صغارا - لهذه الشعائر والمظاهر العبادية مذاقًا وننتظر أيامها لنشاهد آباءنا في الفطر يكيلون البر بالصاع أمامنا ويسمون لكل واحد من أهل الدار صاعه قبيل العيد ونجد للعيد معناه  وفرحته وهكذا في الأضحى نتذكر بقدر عظيم من الحنين لتلك الأيام الخوالي أيام كنا نهيئ الأضاحي ونعرّفها ليلة عرفة أي نشعرها بالصبغ والحناء ونسميها لأهلها ثم نشهد ذبحها ونتولى قسمتها على الفقراء والأقارب والجيران في مشاهد غاية في الروعة والعظمة ؛ ولذلك فإن الذين ينادون بأداء صدقة الفطر أو الأضحية نقدا ويذهبون بها خارج الأوطان يجنون على هذه الشعائر ويحرمون الناشئة أن ينشؤوا عليها فتختفي من ديار الإسلام ومجتمعاته
هذا بالإضافة إلى مخالفة المأثور وقول الجمهور نعم قد يقال إذا تعددت أضاحي المرء أو الوصايا فمن المناسب تنفيذها في بلاد هي أشد حاجة وفقرا أما أن يخلي البيت من سنّة وشعيرة فذلك هو الحرمان. 
التنبيه الرابع
لايخفى على طالب علم - وإن خفي على العامة - أن الأضحية مشروعة للحي وجوبا أو استحبابا   فأما الميت فلا تجب عليه ولا تشرع عنه
وقد ضحى النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه وأحيائه دون أمواته ؛ مع أنه مات له أهل عزيز عليه فقدهم أليم فراقهم كزوجته الوفية المجاهدة خديجة وعمه حمزة وأبنائه وبناته وخيرة أحبابه وأصحابه كأول الأنصار بيعة وأسبقهم نصرة أسعد بن زرارة وأول سفرائه الشاب الشهيد مصعب بن عمير وابن مظعون وقادة مؤتة وغيرهم ولم ينقل أنه ضحى عن واحدٍ منهم
ومن المتقرر أن الشيء إذا قام سبب مشروعيته ولم يشرع علم أنه خلاف الشرع وربما بلغ حدالبدعة مع أني لا أقول هنا بالبدعة وإن كنت على فقري وضعفي أميل إلى المرجوحية وعدم المشروعية
وما رواه أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة والترمذي عن محمد بن عبيد المحاربي كلاهما : عن شريك بن عبد الله عن أبي الحسناء عن الحكم بن عتبية عن حنش بن معتمربن ربيع الكناني عن علي رضي الله عنه أنه ضحى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاه بذلك ، فضعيف لاتقوم به حجة وقد استغربه ( أي ضعّفه ) راويه الترمذي وأبو الحسناء مجهول وشريك معلوم الكلام فيه وتغيره وسوء حفظه لما ولي القضاء وكذلك حنش الكناني يرسل ويهم في حديثه عن علي وغيره وهذا الحديث وحده هو حجة القائلين بالأضحية عن الميت لا أعلم لهم دليلًا غيره إلا ما كان على جهة العموم كحديث (من لم يضح من أمتي)
وبهذا يعلم أن الأضحية للميت لا تشرع لعدم الدليل القائم وهي عبادة الأصل فيها التوقيف وليس لنا أن نستحسن بعقولنا وندخلها في عموم الصدقات لأنها مؤقتة بوقت فليتصدق عن الميت وليطعم عنه اللحم في كل العام أما مناسبة يشرع فيها الذبح عن الحي فلتُخلَ من الإطعام للميت لئلا يلتبس الأمر كما هو حاصل الآن فإن أكثر العامّة يعتقد أن الأضحية عن الأموات دون الأحياء
أرأيت صدقة الفطر في العيد الآخر : هل لأحد أن يخرجها عن ميته أو يوصيَ ميتٌ بإخراجها عنه بعد موته ؟! وما الفرق إذن ؟ من فرق فعليه الدليل ؟
ولما كتب مفتي قطر ابن محمود رحمه الله بهذا قبل سنين رد عليه بعض علمائنا رحمهم الله وناقشه ، بما لا يستقيم له
والعلماء في الأضحية عن الميت على أقوال
-
منهم من منع وهم الأقل 
-
ومنهم من أباحها وربما استحبها وهم الأكثر لعموم فضل الإطعام وهو مذهب الحنابلة واختيار تقي الدين ابن تيمية وغيره
-
ومنهم من فصل فقال
أما الأضحية عن الميت استقلالا فغير مشروع 
وأما إشراك الحي له أو إيصاء الميت للحي فلا بأس أن يشركه الحي أو ينفذ وصيته وهو المشهور عن بعض علمائنا كابن عثيمين رحمه الله ومن أخذ بقوله
وأنا لا أرى للتفريق وجها فإن قيل بمشروعيتها في حال فليقل في جميع الأحوال
وفي حدود علمي القاصر : لا أعلم أن أحدا من الخلفاء والقرون المفضلة فعلها عن ميته ،  وروى الترمذي وغيره من حديث أبي أيوب وقد سئل عن الأضاحي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :(كان الواحد منا يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس في ذلك فصار كما ترى)  
ومن الآثار غير المحمودة للقول بهذا ما يأتي
أولا : أنه استحسان وقول بلا دليل صريح وادعاء دلالة حديث (هذا عن من لم يضح من أمتي ) وفي الأمة من مات قبلاً ومن لم يوجد ، محل مناقشة ؛ إذ قد يقال هذا خاص بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ولم يجعل لغيره ، وهل يقول أصحاب هذا القول : إن لمتبرع بالأضحية أن يتبرع بها لمن لم يوجد بعد من أحفاده وأحفادهم وغيرهم ، وهل يكتفي المضحي عن ميته تبرعا بمرة واحدة ، كما هو الظاهر من تضحية الرسول صلى الله عليه وسلم عن من لم يضح من أمته أم يظل هذا ديدنه كل عام ؟ ووجوه نقض الاستدلال بهذا الدليل عديدة عند التأمل .
ثانيا : أنه خلاف هدي السلف كما في حديث أبي أيوب آنف الذكر.
ثالثا : أن أصل مشروعية الأضحية لاستحياء ( إسماعيل ) وفدائه من الموت فكيف تكون للميت
رابعا : أن في وصايا الأموات بها إشغالا لأهلهم وأوصيائهم من بعدهم ، وصرفا عن وظائف العشر وأعمالها وعن فرحة العيد وبهجته  وكم يأخذ البحث عن الأضاحي وشراؤها ونقلها وذبحها وقسمتها على الوصي وأهله من جهد ووقت عظيمين حتى ربما وجد الحيّ ساعتها على ميته ، خصوصا إذا علمنا أن ثمت قولا قويا بوجوب تقسيم ضحايا الوصايا وضحايا الأموات عامة وأنه ليس للمتبرع والمنفذ للوصية أكل شيئ منها ؛ فيعنته بالبحث عن فقير،  وإذا علمنا أن بعض الوصايا تبلغ العشرات من الذبائح في البيت الواحد ؛ فتظل هذه البيوت سائر أيام العيد كأنها مجازر ، ويظل أهلوها بين بركة من الدماء ورجم من الجماجم ، ومما يزيد المشقة ويضاعفها أن هذه الوصايا تورث مع وصية الموصي إليه ، فعلى الابن أن ينفذ وصية أبيه وجده إلى ما شاء الله ، فيصبح بيته ليلة العيد حظيرة مزحومة بكل ثاغ ٍ وياعر
خامسا: أن في ذلك إيهاما للخلق أن الأضحية إنما شرعت للميت ؛ كما هو الحال لدى عامة الناس اليوم ؛ وإذا نشأ ناشئهم على عشر ضحايا تذبح في بيته عن أموات وواحدة عن حي ليست غالبا خالصة له ولا يخلو فيها من شريك ميت ؛ فترسّخ  في نفسه هذا الاعتقاد فما هو بملوم ، وهذا عينه ما نشأنا عليه  حتى علمنا الحقيقة .
سادسا : أن التهافت على توزيع اللحمان والصدقة بها في الأضحى تبرعا للأموات ، يؤدي بالناس إلى قصر الصدقة باللحم الذي هو من أنفس الطعام على هذا الوقت وحرمان المستحق منه سائر العام .
سابعا : أن ذلك مسبب لمزاحمة المضحي عن نفسه وتقتير السوق عليه ، ورفع الأسعار عليه ، مع قلة العرض وكثرة الطلب وهذه مفسدة
ثامنا: أن في كثرة هذه الوصايا بالأضاح صرفا للوصية عن مصارفها الأهم ، وتحولا فيها للمفضول عن الفاضل ، على أحسن الأحوال ، ولقائل أن يقول للممنوع عن المشروع ، وأُعظم أن أقول : للبدعة عن السنة ، ولو جمعنا أثمان وقيم آلاف الأضاح أو عشرات آلافها ، لقدرنا كم يفوت من المصالح لجهات كثيرة هي أهم بكثير كنشر العلم والتوحيد وكتبه وكتاتيبه ، ومقارئ القرآن والجهاد وعلاج الأمراض المتفشية كالسرطان والوباء الكبدي وتوفير أجهزة الغسل الكلوي وغير ذلك من مصارف لبس أقلها أهمية تزويج الأيامى في هذه الأزمنة المتلاطمة بأمواج الفتن والشهوات ودور اليتامى والقيام على المطلقات والمعلقات ، وإشادة صروح الإعلام الذي هو من أسخن جبهات الجهاد في هذا العصر نصرا للسنة وقمعا للبدعة ، وغير ما ذكرت كثير ، ولقد حدثني من لا أتهم أن ثريا ترك خيرا يقدر بمئات الملايين أوصى وصية قديمة بثلت ماله ، ولما كشفت وصيته وجد أنها لا تخرج عن عدة أضاح له ووالديه وبعض الحجج .
إننا بحاجة إلى تقرير فقه الوصايا والأوقاف وإشاعة علمه وتكثيف دروسه في هذا للزمان باعتبارها من أهم موارد أعمال الخير والبر ، وأنا على مثل يقين أن هذا المورد العظيم لو أحسن التصرف فيه ما تسول المسلمون لمبراتهم وجهادهم وإغاثة نكباتهم مسلما ولا كافرا ولفاض المال عن الحاجة بكثير ، وما رأينا المنصرين والمرفضين ينفذون إلى قلوب وعقول المسلمين ويستغلون ضرورتهم أفرادا وجماعات وحركات
وعلى كتّاب العدل والوصايا تفقيه الموصين وتنويرهم إلى مافيه صلاح وصاياهم وصلاح المسلمين فهذا من مسئولياتهم ولايكن أحدهم مجرد ناسخ آلة .
ولكم تلجلج في صدري سؤال لم أجرؤ على البوح به ، هل للوصي المتفقه أو المستشير لفقيه أن يغير وصية موصيه أو يجتهد في التصرف بصرف المال إلى غير هذه الضحايا مما هو آكد وأشد ضرورة  ؟ أرأيت إن فعل وهو في ذلك مصلح غير متجانف لإثم  ، بل قد يكون في ظن نفسه أو مستشاره الفقيه مغيرا لذلك الإثم أو التأثم ، ومعدلا لذلك الجنف ، والله سبحانه يقول ( فمن خاف من موصٍ جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) والجنف الميل لأحد الورثة والإثم تسمية شئ من المصارف المحرمة كاللهو والخمر وكتب البدعة والقيام على القبور والأضرحة بالعناية والرعاية والإشادة وما أشبه ذلك 
التنبيه الرابع :
لا يشرع للحاج الجمع بين الهدي والأضحية ، وأما ما جاء عند البخاري وغيره في أحاديث حج النبي صلى الله عليه وسلم أنه ( ضحى عن أزواجه بالبقر ) فالمراد به الهدي عنهن لا أعلم في ذلك خلافا ؛ فإن من أسمائه الأضحية لكنها أضحية خاصة ،
اللهم إلا أن يضحي أهله في بلدهم فنعم ، ولو لم يفعلوا أجزأهم الهدي ، وإن كان مفردا وأراد أن يضحي فالأولى - والله أعلم - أن يجعل النسيكة هديا ، والهدي - كما لا يخفى - واجب على المتمتع  ، والقارن ومستحب لهما زيادة على الشاة ، وللمفرد بل والمعتمر ، والرسول صلى الله عليه وسلم قلد الهدي في عمرة الحديبية ، بل للمقيم في بلده أن يوكل الحاج بالإهداء له ، فالهدي أوسع مشروعية من الأضحية ، والنبي صلى الله عليه وسلم وجبت عليه الشاة فأهدى ضعفها سبعمائة ، ونحر مائة من الإبل 
التنبيه الأخير :
 
درجت بعض المصارف والجمعيات على استقبال الضحايا والهدايا والاستفادة والإفادة من آلاف أطنان اللحوم ، وهذا مشروع رائد وجبار ، خصوصا إذا علمنا أن آلاف الهدايا كانت إلى سنيات تذهب هدرا وتدفن بلحومها وجلودها وأصوافها وأشعارها في المجازر بعد أن يذكيها الحاج ويبقر بطنها ويقطع كبدها أو قلبها أو شيئا من بطونها ربما وهي حية ترى ، قبل أن ينتظرها لتموت ، وقد رأيت ذلك بعيني في أول حجة ، وتعود الجرافات لتحرث تراب المجزرة في الموسم التالي لتنبعث روائح يخر لها الطير صريعا ، وتنشر في الأجواء من الأدواء ما الله به عليم،
انتهت هذه الكارثة بمثل مشاريع الاستفادة من لحوم الهدي والأضاح ، ولكن تبقى عقبة أخرى ، وهي : هل هذا الإيصال والسند الذي يتسلمه الناسك كافٍ في تعيين نسكه ، دعك من مسألة تحرج المضحي والقارن من أخذ شعره وظفره واضطرارهما الانتظار أياما حتى يتأكد لهما ذيح النسك ، ولكن الشأن الأهم في تعيين النسك ، ومعلوم أن هذه المكاتب تستقبل كل يوم عشرات آلاف الأنساك فهل سيسمون -  لفظا أو نية - لكل واحد نسكه أم سيذبحون لهذه الأسناد أعدادها وحسب ، هو كذلك بلا ريب فهل يكفي هذا ؟! سؤال أطرحه على من يفتي ببراءة الذمة بدفعها إلى تلك الجهات ، قد يقول قائل : هذا مستحيل ، فأقول وهل يسقط تعيين النسك ولو بالنية لصاحبه ، ولو أن جماعة مائة أو يزيدون دفعوا لوكيل أوأجير مبلغا على أن يشتري بأعدادهم أضاحيَ ، ويذبحها دون أن يسمي هذه لهذا فماذا يقول السادة الفقهاء؟ أما العبد الضعيف فلا يجرؤ أن يفتي أحدا ببراءة ذمته بذلك ؛ حتى يتأكد له تسمية نسكه له بيقين ، وأنّى له ذلك ،  فعلى تلك الجهات أن تبرئ ذمتها وتخلي مسؤوليتها وتصحح عبادات المسلمين ، والله المستعان  
والله أعلى وأعلم وأجل وأحكم ، وصلى الله على عبده ورسوله وسلم

معايدة خاصة  .. لأهل الشام قبل الزحام :  

ضحوّا  تُقبل منكمو ياشامي
في العيد لا ببهيمة الأنعام

بل بالبهائم من عبيد نعامة
أقبح بعنْق زرافة ونعام

كل يضحي من دبيش بلاده
وبلادكم ملئت دبيش طغام

من رجس فارس والعراق وجاركم
نصر الأبالس قاطع الأرحام

ضحوا بمن ضحى بطفل براءة
ذبْح الوريد كذبحة الأغنام

ضحوا بمن حكموا عليكم جملة
بالموت والإفناء والإعدام

ضحوا بمن قذف الشباب لأنهم
كفروا به بمكينة الفرام

ضحوا بمن ضحى بأضحى عيدنا
بأبي عديّ عراقنا صدام

ضحوا بمن ضحى بهرموش وقاشوش شجيّ اللحن والأنغام
ضحوا بأحفاد المجوس كرستم
وكشيرويه وعبده باذام

ضحوا بمن ضحى بفاروق الهدى
غدر اللئام وغيلة الإجرام

سموا الإله على الطغاة وكبروا
وتقربوا بمصارع الأزلام

شدوا عليهم لا أبا لأبيهمو
ضربَ البنان فديتكم والهام

ضربا على الأكباد يبرد قهرها
وغليلها يا عسكر الإسلام

هذي معايدتي إلى أحبابنا
من أرض نجد إلى بلاد الشام

لا فلّ ربي للأحبة راية
خفاقة بمعارج الأعلام

عيد سعيد كل عام شامنا
في خيرِ عيشِ كرامةٍ وسلام

هناك 13 تعليقًا:

  1. نفع الله بك وبعلمك ياشيخ..
    أود سؤالك فضيلة الشيخ عن الإمساك عن قص الشعر والأظافر هل هو واجب على من أضحي عنه أم علي أنا شاري الأضحية فقط ؟

    ردحذف
    الردود
    1. الإمساك عن الشعر والظفر والبشر على مشتري الأضحية دافع ثمنها دون مَن يضحي عنه من أهله وغيرهم.

      حذف
  2. جزاك الله خير ياشيخ ونفع ورفع بك الإسلام والمسلمين وجعل علمك شاهدا لك..

    ردحذف
  3. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    جزاك الله خير فضيلة الشيخ على هذا المقال المناسب للمقام...
    وعندي سؤال ياشيخ بخصوص الأضحية وهو هل يجوز أن أضحي عن شخص دون علمه ؟

    ردحذف
    الردود
    1. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
      جواب السؤال الوارد في التعليق الأضحية:
      الأضحية عبادة والعبادة لابد لها من نية لقوله صلى الله عليه وسلم :" إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ مانوى"
      وعلى هذا فلابد من إشعاره حتى يوكلك ، وهذا أحوط لك وله والله أعلم.

      حذف
  4. جزاك الله خير ياشيخ وأثابك وفتح عليك كما فتحت علينا
    ،وإن كانت ردا للجميل وأخبرته وتعفف هل تكون صحيحة؟
    المعذرة فضيلة الشيخ..

    ردحذف
    الردود
    1. لا أرى لك ذلك
      ويمكنك رد الجميل بالدعاء والصدقة العامة وغير ذلك.

      حذف
    2. جزاك الله خير ياشيخ وأثابك

      حذف
  5. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ياشيخ أنا لاأريد أن أفوت أجر الذبح لكني أخاف من إني لاأحسنه وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:(إذا ذبح فليرح ذبيحته) _كما قال عليه الصلاة والسلام_ فما الذي تراه فضيلةالشيخ؟

    ردحذف
    الردود
    1. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
      تعلم فليس المرء يولد عالما، والعزيمة عند أول مرة، وخذ الأسباب: أحِد شفرتك، واستعن بالله ولاتعجزن، وبعد ذلك سترى الأمر هينا..

      حذف
    2. بإذن الله عسى الله أن يعيننا..
      جزاك الله خير ونفع بك

      حذف
  6. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ياشيخ جزاك الله خير ماهي طريقة الذبح الصحيحة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم؟

    ردحذف
  7. علي بن أحمد الشهري26 أكتوبر، 2012 9:06 م

    نفع الله بك شيخنا الكريم وجعلك مباركاً أينما كنت
    بالنسبة لقولكم شيخنا(لا يشرع للحاج الجمع بين الهدي والأضحية)
    هل عدم المشروعية أمر متفق عليه بين العلماء خاصة المعاصرين؟

    ردحذف