تعديل

بحث

الجمعة، 30 نوفمبر، 2012

بعد سكوت صفارات الإنذار ، حرب غزة بين الربح والخسار

بسم الله الرحمن الرحيم 
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله..
بعد أن سكتت ماكينة حرب غزة " حرب الثمانية أيام"
وبعيدا عن تهاويل النصر المزعوم  زعم ربيب حليفتهم  (إيران) نصر اللات الكاذب في جنوب لبنان..
 
لمتأمل أن يتأمل في هذه الحرب التي نتج عنها من القتل والدمار والرعب مانقلت قنى الأخبار ووكالات الأنباء أقله ،  من الخاسر فيها ومن المستفيد ؟  وقبل هذا لسائل أن يسأل سؤالا يطرق الأذهان بإلحاح:
أليس بمقدور يهود بما يملكون من آلة حربية جبارة ،  وخبرة عسكرية واسعة  ، أن يحتلوا هذا القطاع الصغير (غزة) أو على الأقل ، أن يطوقوه باقتحام بري ، وإنزال بحري ، مواكب لقصف جوي مدمر وهائل ؟! وهم أصحاب الطموح اللامحدود بتوسيع دولتهم نوعا وبعدا ، والحريصون على التشبث بكل ذرة تراب وطئتها أقدامهم النجسة
والجواب حسب نظرتي الساذجة على الأقل: 
أن هذا ممكن جدا ، والولايات المتحدة ، والاتحاد الأوربي ، وربما بعض دول الجوار وغيرها ،  مستعدون لتمويل ودعم وإسناد هذه العملية من الرصاصة إلى الطائرة .. ومن لم يستطع فبتواطئه ، ومن لم يستطع فبإعلامه وقنواته ، وأضعف ذلك تغريده وشماته
و( المانع ) من هذا بعد قدرة الله وإرادته التي لاراد لها، هو ( الدافع ) للعدو ليتنازل للدولة الموجودة تحت قيادة منظمة التحرير أو بالأصح فتح آنذاك عن القطاعين (غزة وأريحا) بعد اتفاقية مدريد وأوسلو وهي المسماة " غزة وأريحا أولا
والدافع للصهاينة للتنازل عن القطاعين مزايا كثيرة جدا قدروها حسب دراساتهم التي عاد بعضها وبالا عليهم وحسرة؛ منها: 
أولا:  هذه الاتفاقية تعتبر ناسخة لما بين يديها وما خلفها من معاهدات ومطالبات بحدود (٦٧م)وغيرها، ومن باب أولى حدود (٤٨م) حيث أصبحت  المطالبات  بالحدود السالفة نسيا منسيا ، وكذلكم أصبحت المطالبة بالقدس عاصمة للدولة الفلسطينية من حديث الغابر؛ ولهذا أول من عارض هذه المعاهدة هم الحاكمون لغزة الآن  (الحمساويون) باعتبارها ؛  تنازلا ضمنيا  ، واعترافا عمليا ،  لليهود بأحقيتهم بما سوى ( غزة وأريحا)
وكانت القوى الفلسطينية ، ومَن  وراءها من الداعمين أو قل المستفيدين قد انقسمت إزاء هذه المعاهدة فريقين:
فريق رافض معارض لها ؛ ووجهة نظره ماتقدم، ويقول قائلهم : ماالذي نستفيده - بعد نضال السنين ، واستشهاد آلاف المئين  من الفلسطينيين- من هذه الاتفاقية ومامثلنا إلا مثل القائل تمخض الجمل فولد فأرا!!
وفريق موافق بل داعم ، ويرد عليهم : ما الذي يضيرنا ونخسره من قبول الاتفاقية ؟ وليكن شعارنا خذ وطالب.. هذا ما سمعته من بعضهم في مقابلة لندنية تلك الأيام..
وعلى كل حال أقرت الاتفاقية عمليا ، رضي من رضي ، وأبى من أبى ،  ووقع عليها بالأحرف الأولى ، ثم النهائية ،  وجرت الانتخابات الفلسطينية وفازت حماس وتقاسمت السلطة مع فتح، ثم كان الخلاف بينهما والقتال وعمد عباس الذي نصب بعد موت عرفات ،  إلى إقالة حكومة حماس ، وترشيح حكومة فياض إلا أن حماسا رفضت الإقالة واستبدت بحكم غزة ، في حين بقيت فتح في الضفة الغربية، وبقيت الحركتان على هذا المنوال إلى الآن تتقاربان أحيانا وتتباعدان، وتتصالحان وتتحاربان، والغالب أن حربهما ليس فيها غالب ، ولاتخرج عن الحروب بالوكالة ، فوراء هؤلاء حلفهم وأبرزه إيران وسوريا والتنظيم العالمي للإخوان، ويدعم الآخرين مصر (سابقا ) وبعض دول الخليج ، والغرب عموما..
ثانيا: شرذَمَة الصف الفلسطيني المتشرذم أصلا ،  وتشطيره وتشتيته إزاء هذه الاتفاقية ، وهو ماجرى بالفعل إلى درجة الاحتراب والاعتقالات المتبادلة لرموز الحركتين والأعمال الانتقامية من كل لكل.
ثالثا: التخلص من عبء هذين القطاعين والمدينتين ، لعدم الجدوى التي تكافئ  تبعيتهما وتبعاتهما وسلبياتهما ؛ فأريحا مدينة من مدن الغور، ليس لها مردود ولاعائد اقتصادي ، ولاثروات استراتيجية ولاموقع مهم يكافئ تبعة وخسارة القيام عليها وعلى سكانها العرب ، واليهود يتشاءمون منها ؛ كونها من مدن شتاتهم إبان إجلائهم من خيبر في عهد عمر.
و كذلك  قطاع غزة من الناحية الاقتصادية ، وهو عبارة عن تجمع بشري مزدحم جدا، وأحياء شعبية فقيرة ، مما يثقل كاهل الدولة اليهودية في الصرف عليه ، واعتماد ميزانياته ، ويجعله عبئا مهلكا ؛  فإن حرموه من المشاريع والتنمية فهو تمييز من الدولة  لشعبها ، وإن اعتمدوا له مايعتمدون لتل الربيع ( أبيب) وحيفا ويافا ومدن الساحل ، فهو ترفيه وتسمين للأعداء ، فلتشغل السلطة بهذا القطاع وأهله ،  بفقره وجهله ومرضه ،ويشغل الشعب بمطالبة سلطته ، بالتنمية والرفاه وإيجاد فرص العمل ، على رأي المثل النجدي : (خلّ حريملاء في كبد أهلها)
رابعا : الحد من القوى والقدرات للجماعات الجهادية المتنامية (حماس والجهاد وغيرهما ) ، والدعم الشعبي لها، وخاصة مع تنامي قدراتها واعتمادها نهج العمليات الاستشهادية ، وتكرر الانتفاضات الشعبية التي ترهق اليهود كثيرا، حتى توقفت هجرة اليهود إلى فلسطين ، بل وبات كثير من المهاجرين يفكرون جهرة بالهجرة المعاكسة والعود إلى أوطانهم ، ومع الحد من هذه القوى سيستفيد اليهود توليَ السلطة والشرطة الفلسطينية قمع هذه القوى وحبس وتقييد تحركات مجاهديها ، وكسر شوكتها ، وكبح جماح قياداتها ، وهو مانصت عليه المعاهدة وشرعت السلطة فعلا في تنفيذه، 
هذه بعض دوافع اليهود للتنازل المهدد كل لحظة بعملية عسكرية..
 
لعل هذا الجواب لسؤال المتسائل يمهد لجواب السؤال المهم الآخر: حرب غزة من الخاسر ومن المستفيد؟ 
 
أسفرت حرب هذه الأيام الثمانية عن كم كبير من القتلى " نسبة لمدتها" وكذلك الجرحى والهدمى  والدمار للمنازل والمساجد والمقرات الأمنية ، ومستودعات ومخازن الأسلحة والصواريخ ... الى آخره
ومع الأحرف الأولى للإعلان عن التهدئة ، وقبل أن تبرد شظايا القذائف ، أعلنت حماس بحماس انتصارها وهللت لذلك وشجعت الناس على الخروج مواكب وإشاعة البهجة وإطلاق الألعاب النارية وغير ذلك من مظاهر البهجة بالنصر المزعوم. 
ولا أدري ما مفهوم النصر؟! فإن كان بالنظر إلى عدد الضحايا ( قتلى وجرحى ومشردين ) فالأرقام ناطقة بما لا مقارنة ، وإن كان بحجم الخسائر لمخازن الأسلحة والدمار وإعدام البنية التحتية ، من ماء وكهرباء فالأمر أوضح من الواضح..
وإن كان لوصول الصواريخ إلى " تل الربيع" بزعم أنها المرة الأولى فقد سبقهم صدام بأكثر من عشرين سنة فضربها بأكثر من أربعين صاروخا أصاب معظمها ،  ..
وإن كان ببنود الاتفاقية فهم قبل غيرهم يعلمون أن اليهود لا عهد لهم ولاذمة " أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون" 
وهم "الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض"
وما جرب اليهود أحد كما جربهم أهل فلسطين فما قيمة عهد لايساوي حبره ، وقد نقضوه فعلا قبل أن يجف مداده ؛ فقتلوا منهم وجرحوا وأصابوا.. 
فلا يخدعنا الإعلام ولا نطير في العجة كما يقال..
ولنبدأ بذكر الخاسر في صفقة هذه الحرب التي ربك أعلم بدوافعها
أولا:
الشعب الغزاوي المستضعف ، المغلوب على أمره ، الواقع بين مطرقة يهود وسندان سلطة تحاول جاهدة إبقاء الجبهة ساخنة ؛ لضمان بقاء قوتها ومكاسبها الساسية ، وإظهار نفسها بالقائم بأعمال النضال والقتال، وإظهار خصمها اللدود (السلطة وفتح ) بمظهر الخائن المتخاذل المنبطح ؛ إذ لا بقاء لحماس إلا بهذه المراهنات والمزايدات والثمن قوت الشعب الغزاوي وأمنه ورفاهه ، ولو كانت الراية واضحة سالمة من غبش الأرض والتراب ، ولو كان الولاء خالصا من دنس الرفض ، لقلنا قواكم الله سيروا على بركته، ولو كان صمود الشعب وثباته مضمونا كذلك ، ولكن الشعب يتجلد ونخشى أن ينفجر يوما ما ،  ويرفض كل سلطة ذات حسٍ إسلامي أو جهادي تحت مطارق العمليات اليهودية المتكررة ، ووصف السلطة بما تقدم لايخطئ حقيقتها ، فلست مدافعا عنها ، ولكن أردت توصيف الحالة.
فعلى هذا الشعب الكادح المغلوب أن يدفع فاتورة هذه الحروب من قوته ومعاشه ، فما كادت جراحه تتعافى وتبرأ ودمه يرقأ بعد عملية الرصاص المصوب ، حتى مني بعامود السحاب، وبينهما وقبلهما وبعدهما يرزح تحت تأثير الحصار المفروض عليه برا وجوا وبحرا أعانه الله وفرج كربته.
 :
ثانيا 
السلطة الفلسطينية وحركة فتح التي استطاعت إلى حد ما أن تجيش مشاعر بعض الشعب الفلسطيني مواكبة الربيع العربي ليرفع شعار " الشعب يريد وحدة الصف" وتأتي مثل هذه العمليات لتقضي على كل طموح بالتوحد مع السلطة العلمانية الخائنة ، لكن ربما يرفع - إن تم - قبول الجمعية العامة للأمم المتحدة فلسطين دولة مراقبة دون عضوية أسهم محمود عباس وحركته ، ويعوض بعض إخفاقاته. 
ثالثا: 
الدبلوماسية والإعلام الخليجي ، وما تفرع عنه أو نسب إليه ، أو حسب عليه ، ذلك الذي سجل إخفاقا مشينا ومقرفا في تعاطيه للأزمات ، فإما ظهر بمظهر العاجز الحائر تماما ؛ فانشغل بنفسه ، أو ترهات الأمور ، ولا زلت أذكر بكل خجل يوم أن كانت الإذاعات والمحطات الإخبارية ضاجة بخبر ترقب ما تسفر عنه الأوضاع المتكهربة في مصر ، والعالم قد كتم أنفاسه يترقب خبرا عن مصير حسني مبارك، وكل محطة أوجه الراديو إليها أجدها مشغولة إما بتحليل أو تقرير أو حديث مراسل ، حتى فتحت البرنامج العام لإذاعة الرياض فوجدت إلهام كردي تتحدث عن طبق حلوى اليوم ، وبكل حماس ، وعلى إلهام وحلواها فقس.
وإما افتضح أمره لما جيش بعض كتابه بإظهار الشماته بصواريخ الفلسطينيين ،  بل وادعاء أن لا مشكلة مع اليهود بقدر ماهي من بعض الجماعات الإسلامية ، فلقد جعلتهم هذه العملية في العراء وأظهرتهم على حقيقتهم وأخرجت أضغانهم ، خاصة وأنهم ربما لم يتوقعوا جنوح اليهود إلى الهدنة بهذه السرعة ، وقبل قدر أكبر من خسائر الغزاويين ، والشيئ نفسه وبكل أسف يتكرر هذه الأيام ، في تعاطيه للأزمة المصرية.
رابعا: 
بعض الأحزاب اليهودية التي تسعى لتحقيق مكاسب انتخابية كحزب الاستقلال ( إيهود باراك ) صاحب وزارة الحرب ، الذي انتهت به الخيبة إلى إعلان اعتزال الحياة السياسية ، والتفرغ لشؤون أسرته، وكذلك يفعلون ، وياليت هذا الحس بالمسؤولية لدى عربنا وأعرابنا ، الذين ما حقق أحدهم طول حياته السياسية والقيادية الطويلة غيرالهزائم واللطائم ، إلا ما رحم ربك ؛ومع ذلك يبقى الزعيم الملهم ، والمنقذ المخلص ، الذي زحزحته من كرسية أعتى من زحزحة صنمه المنحوت ، إلا من ملك الموت أو أيدي وحناجر شعبه الثائر.
وكذلك  حزب التكتل (الليكود) بزعامة (بنيامين نتن ياهو) رئيس الحكومة ؛ بخسارة حليفه (الاستقلال)  وإن كانت المؤشرات والتحليلات تشير إلى أنه ربما كان الأوفر حظا في الخارطة السياسية وخصوصا أمام حزب كاديما (إلى الأمام) حزب  السفاح ( شامير ثم ليفني وأولمرت وموفاز ) مادام تكتله مع الأحزاب اليمينية الموغلة في التطرف متماسكا ، كحزب ( ليبرمان ) إسرائيل بيتنا ، وحزب التوراة ، وغيرها
أما الأطراف الرابحة في حرب الثمانية أيام ، ولو ظاهرا أو مؤقتا؛ فهي:
أولا:
 - "
حركة حماس" وحلفاؤها فقد استطاعت حماس أن تظهر للمرة الثانية قدرتها على خوض حروب ، وربحها على حساب المنظمات العلمانية والجهادية ، التي استطاعت حماس أن تظهرها بمظهر القادر على إنشاء المشكلة العاجز عن إنهائها (كما في قصة صواريخ سينا)
مع ملاحظة المفارقة الواضحة ، في تعامل حماس مع أبناء الشعب الواحد ، فقادة الجماعات السلفية كهشام السعيدني تنالهم يد المكر والاغتيال اليهودية بكل سهولة دون ردة فعل من حكومة غزة ( حماس)، يينما هي مستعدة لأجل واحد من قادتها كأحمد الجعبري رحمها الله وتقبلهما في الشهداء لتوريط الشعب كله في حرب مجهولة النتائج والعواقب مليارية الخسائر..
 
ثانيا:
 -"
إيران" استطاعت بخبثها ومكرها ودهائها وكيدها ،  وتعاون حماس معها أن توقد الحرب أولا : وتدفع حماسا لخوضها ؛ لتحسين صورتها القبيحة بعد تعاملها مع ثورة سوريا ؛  ولمحاولة صرف النظر عن أفعالها في المنطقة ودعمها السافر لجرائم ومجازر حاكم سوريا وحزبه وطائفته..
واستطاعت آخرا : أن ترمم سمعتها المهلهلة ،  وتلمع صورتها الشوهاء ، بعد أن بانت على حقيقتها بطائفيتها البغيضة وحقدها المفضوح على السنة والعرب..
فلقد تهالكت هذه الدولة القذرة على دعم بشار وطائفته النصيرية بكل ما أمكنها الدعم ،  سياسيا بالضغط على حلفائها "الروس والصين" وماديا وبشريا ، وتقنيا ومعلوماتيا (لوجستيا) وتجلى الحقد الصفوي بأبشع صوره وأقذعها وأشنعها ،  وتجلى تناقضهاالفاضح بين دعم ثورات الربيع العربي ولو ظاهرا ، واستثناء ثورة هذا الشعب المنكوب من القضية والوقوف إلى جانب جلاده وجزاره..
حقا إن الثورة السورية هي الفاضحة للمكر الرافضي الصفوي والحزب لاتي ، وأوجدت قناعة للشعب السوري بخطر هذه الدولة والدعوة عقيدة وطائفة وعرقا ، مالاتفعله عشرات ومئات وآلاف الكتب والمحاضرات والمناظرات..
وفي أوج شعور طهران وقمة شعورها بخزيها وعزلتها الدولية وافتضاح أمرها وغرقها في لجج الطائفية ، طرح لها طوقا نجاة.
الأول: من قبل القيادة والرئيس المصري عفا الله عنه ، ونصره على البغاة عليه من أعداء الشريعة، وهداه للحكم بشرعه ، وذلك بحضوره قمة عدم الانحياز في طهران، ورد اعتبار الدولة الصفوية ، ثم دعوتها إلى  مصر ؛ لتكون عضوا رئيسا في مبادرته الرباعية باعتبارها جزءا من الحل ، على أن الشعب السوري ومن ورائه السنة  ، يصرخ بأن إيران جزء من المشكلة بل هي شريك رئيس فيها بل هي أساسها ، فكيف تكون جزءا من الحل..؟!
ومن المضحكات : أن وزير خارجية إيران يدعو في القاهرة إلى قوات مراقبة وحفظ سلام إسلامية وأن إيران مستعدة للمشاركة فيها ، يقول عدو الله هذا ، وضباطه وجنوده ومليشياته الإيرانية والعراقية تقطر أيديها من دماء شعب سوريا العظيم.
أما الطوق الثاني : فهو  هذه الحرب  التي نزلت هدية لإيران من السماء ، على طبق من مرمر ، ففي الوقت الذي تضرب الصواريخ الإيرانية المجاميع السكينة والأحياء المدنية السنية ، وتهدمها على رؤوس أطفالها وشيوخها  ونسائها ، وعجائزها ، يرفع قادة حماس عقيرتهم في أوج نشوة انتصارهم (كما يسمونه) مشعل وأبو مرزوق والزهار وهنية نفسه، بشكر إيران ، ويصرحون: أن أنكى صواريخهم وأفتكها باليهود وأبعدها مدى هي فجر خمسة الإيرانية ، وهكذا وبأيام قلائل نسينا جرائم حرب حولين كاملين ، وجرائم ترفيض سنوات قبلها وخمسين ألف قتيل وأضعافهم جرحى ومعوقين وتشريدا ودمارا وتهجيرا،  كله بأيد إيرانية ودعم إيراني ؛ واليوم ترفع اللافتات الضخمة بشكر وامتنان وعرفان غزة للحكومة الصفوية ، هذه اللوحات التي تبرزعلمي إيران وحماس متعانقين ،  في كل حي من أحياء غزة ، ويصرح القادة الحمساويون : أنه لا خلاف أبدا بين إيران وحماس ، ثم يضيف واحد منهم فقط هامسا ، بعد أن يبلع ريقه ألف مرة : إلا المسألة السورية ؛ ولا أدري أين ذهب تكفير الصحابة وأمهات المؤمنين وتخوينهم ، والشرك بالله ، والاستغاثة بعلي والحسين والزهراء ، وحرب أهل الحديث في اليمن ، والسنة في الشام ، وسحل العلماء السنة ، وسحق  الشعب الأحوازي السني العربي المضهد المحتل ، المطالب بأدنى حقوق بني آدم ، الشاعر بمرارة الاحتلال الصفوي الرافضي الفارسي ، كشعور الفلسطينيين بالاحتلال اليهودي .. ووو .. فياقادة حماس ستكتب شهادتكم وتسألون..
بل صرح جواد كريمي العضو المتطرف في البرلمان الإيراني والقائد الثوري ، بأبعد من هذا ، حيث قال في مقر قوات الباسيج : إن كتائب القسام تتحرك بأوامر إيرانية، لا بأوامر هنية ومشعل ، وأنها في حال باعت قيادتها نفسها لدول أخرى - في إشارة لتركيا ودول الخليج - فإن هذه القوات ستبقى بأيدينا. 
أعلم يقينا أن أسئلة ستتوثب إلى فكر القارئ منها :  فماذا نريد من الفلسطينيين أن يصنعوا بعد خذلان إخوانهم السنة ، وهل أمامهم إلا أن يواصلوا النضال بأسلحة إيرانية ، بعد خذلان العرب إياهم ، وإفلاسهم منهم ، أو الرضا بالاحتلال ، والاختيار بين : إما التهجر في مخيمات في دول الشتات غرباء فقراء معاملين في تلك البلاد  معاملة الأيتام على مأدبة اللئام ، أو الرضا بالمواطنة الإسرائلية ، وحمل الهوية اليهودية ، والسعي في حدود ما يسمح به الكيان الصهيوني ، بالنضال السلمي ، والكفاح السياسي ، مع تذكر أن أمام هذا النضال عوائق كأداء ليس أكودها الفيتو الأمريكي ، فأي الأمرين تريد ؟
فأقول: 
لاشك أن مسؤولية دول السنة عظيمة وتبعة خذلانهم لإخوانهم جسيمة وكانوا بإعانتهم أحق ، وبالوقوف معهم أجدر ، تلافيا لفتنة الروافض ، ولمكانة الأقصى دينا وتاريخا ، ولروابط الدين  والسنة والرحم بالإخوة الفلسطينيين  وسيسألهم الله ويحفظ لهم التاريخ ، كما حفظ خذلان دويلات الأندلس بعضها بعضا ،ولكن هذا لا يعفي قادة حماس إطلاقا،  وهم أعلم الناس بجرم إيران وضلال عقيدتها ، وأقول أيضا:
 
1/ليس تعامل حماس وقادتها مع الرافضة تعامل مضطر كذي مخمصة لأكل ميتة وغامس اليد في دم خنزير ، ولو كان ذلك كذلك لاقتصر على حال الحرب لكن البلاء متمكن والداء مستفحل ، وعلى المثل : ( يتولى حرها من تولى قرها )، هاهم الحمساويون في حال السلم والرخاء يهرعون لمشاركة ملالي الشرك والوثنية  في طهران أفراح ثورتهم الوثنية ويباركونها كما فعل هنية هذا العام عاصيا أصواتا راجية متحسرة من المشايخ والدعاة والمتشحطين بدمائهم في الشام الذبيح ، فيصم سمعه ويركب رأسه ويشد الرحل ويشيد بالثورة ويمجدها وقادتها ، هو وأصحابه مستكبرين به سامرا يهجرون..!!
 
 
2/وحتى في حال الضرورة فالمرجع والفصل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والرسول صلى الله عليه وسلم وفي شدة حاجته لمن يقف معه في أحد قال للمشرك ذي البأس الشديد الذي أراد أن يقاتل معه حمية لقومه أهل المدينة وهو ألهب ما يكون حماسا وهم أشد ما يكونون حاجة خصوصا بعد نكوص ابن سلول بثلث الجيش : (ارجع فإنا لا نستعين بمشرك)؛ لأنه يعلم بتبعة التبعية للكافر ، وآثاره العلقمية، وهاهي حركات جهادية عديدة تقاتل في أصقاع من الأرض ، وضعت عقيدتها ومنهجها في كفة ومد الجسور إلى الرافضة في أخرى ، فرجحت عقيدتهم ودينهم وولاؤهم للصحابة وأمهات المؤمنين ، والزعم من حماس أن التعاون بينهما سياسي ، وسلاحي ، لايصل إلى العقائد هراء ، وإيران أذكى من تنفق المليارات عبثا أو معروفا خالصا ، أو إنسانية ووقوفا مع المظلوم ؛ ربما صح الافتراض الأخير ، من إيران الرحمة والقلب النابض والإنسانية ؛ لرؤيتنا لبرهانه الواضح في المسألة السورية..

 
ثالثا:
الدبلوماسية المصرية التي قلبت الوضع السابق في العهد البائد رأسا على عقب ، ففتحت المعابر ، وأعلنت وقوفها المعنوي مع أهل غزة ، وسعت سعيا حثيثا للتهدئة باحترافية ومهارة ؛ نالت بها القيادة المصرية إعجابا من العرب والغرب ، مما حدا بخصومها العلمانية اللبرالية والرافضية وبقايا الفلول، ومخلفات الانتخابات إلى اختصار الخطوات لإسقاطها،  وهو عنوان مقالتي التالية إن شاء الله ، وجعل في العمر بقية. 

الأربعاء، 21 نوفمبر، 2012

هل مسّكم مسيّ بمس جنون؟!

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. أما بعد :
فجأة أعلن الخبر ... فاض موج من البشر 
وجموع تدفقت ... زمر إثرها زمر
وصفير مجلجل ... وصراخ قد استعر
وبنود خفاقة ... وجنون قد انفجر
راية إثر راية ... موكب بعد بالأثر
صرت حيران بينهم ... أسأل الناس ما الخبر 
أهي الساعة التي ... تذهل الناس والحشر
أم عدو لأجله ... أعلنت ساعة الخطر
أم فلسطين حررت ... ويهود بها اندحر
أي خطب ألمّنا ... أي أمر بنا حضر
فأجابوا فريقنا ... فاز باللعب وانتصر
ما قدمت من أبيات كان مطلع قصيدة قديمة وصفت فيها جنون الرياضة وغلواءها بعد تظاهرة رياضية عنيفة أعقبت إحدى المباريات ( التاريخية ) ، وجدت نفسي فجأة بين أمواجها الهادرة ، حصل فيها من المنكر والبلاء ما تشيب له نواصي الولدان ، وكانت تلك المنازلة الرياضية مع منتخب أوربي عريق ، تمكن فيها الأخضر الإبرا ، (عفوا أخطأت لكثرة ما يطرق الأخضر الإبراهيمي أسماعنا هذه الأيام ) من انتزاع تعادل ثمين مع هذا المنتخب بواسطة اللاعب العويران ، ما أدراني بالرياضة ولاعبيها؟! لولا أن الأمر جلل ، وجدت نفسي أسبح بل أغرق(ومعي عائلتي) في موجها اللجي ، عشت ساعات على أعصابي المحروقة خوفا على أهلي من وحوش متفلتة ، ولكن الله سلم ، والذي أدراني بالتفاصيل السالفة ، أنني سارعت إلى مذياع السيارة لأستطلع الخبر ، فسمعت المعلق شارقا بدمعه ، غارقا في بكائه ، وهو يجاهد في متابعة تعليقه قائلا : برافو عويران ، برافو برازيل الشرق ، يا من أعدت لنا الأمجاد ، بكى المذيع لأمر ، وبكيت لآخر ، وما أدراكم أن الفرح والحزن يبكيان ويضحكان
ولربما ابتسم الكريم تجملا ... والنار في أحشائه تتلهب
فالضحك والبكاء من أفعال العقلاء المعللة ، لا كما قال المهجري الأخطل الصغير:
تبكي وتضحك لا حزنا ولا فرحا ... ككاتب خط خطا في الهوا ومحا 
ورجعت إلى داري فكتبت القصيدة المذكورة، تحت تأثير حالتي الراهنة حزنا وقهرا،  وهي من الأعمال الأدبية التي أدبت عليها وحوسبت حسابا عسيرا،
)
حتى حُفظت من الهواء سنينا
ولذلك وإشارة إلى ما سمعت من المذياع قلت فيها
يا برازيل شرقنا ... هكذا قيل للخُضُر
استعدتم أمجادنا ... عاد مجد لنا غبر
هكذا قال قائل ... وبه صوته جهر
والعويران قادنا ... للمعالي وللظفر
آه يا لشبابنا ... كلكم أرمد البصر
أعويران واحد ... كلكم صابه العور
أيها اللاعب الذي ... عندنا الشمس والقمر
عملة أنت صعبة ... في زمان قد انحدر
في زمان شعاره ... أشغلوا الناس بالكور
ودعوا الشعب شيعا ... بينه النار تستعر
في اتحاد ووحدة ... وهلال وفي نصر
إلى آخر القصيدة ، وهي من قصائدي الطوال
أردت أن أقدم من هذه القصيدة ببيتين،( لكني استطردت وعادتي الاستطراد حتى يقال ليته سكت ) لحديثي عن جنون الرياضة الذي لا صحو منه كما قال الشاعر :
قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... العشق أعظم مما بالمجانينِ
العشق لا يستفيق الدهرَ صاحبه... وإنما يصرع المجنون في الحينِ
والجنون هنا أردت به العشق إلى درجة الهوس الذي لا يلتفت معه الواله إلى دين المعشوق وقدره ، حتى تندك أمامه حواجز الولاء والبراء ، كما هو حاصل في الرياضة ، والفتنة برموزها وفرقها ، مسلمهم وكافرهم وعربهم وعجمهم ،  وهي نوع من نفس السحر ومس الجن كما في الحالة المسية أي (مسي اللاعب الأسطورة) 
وهو لا عب إسباني نصراني ، زعم بعضهم إسلامه ، ولا إخاله ، وعلى كل تقدير ، فهو لم يشرف بلدنا حاجا ولا معتمرا ولا داعيا ، وإنما جاءنا لاعبا مع طاقم فريقه الأرجنتيني الصليبي ،
 
والفتنة والولع والوله والتعشق باللاعب ولو كافرا أحد مظاهر مس الرياضة وجنونها الكروي ، قد يبلغ بضحيته الشرك ،والزندقة؛ ألم يقل أحدهم عن كافر صليبي كلمة على الهواء جلجلت في الآفاق ( معبود الجماهير(.
وقال أحدهم عن منتخب الكرة ( إنهم فتية آمنوا بربهم ) وتمثل معلق وعلى الهواء لما ترك لاعب الكرة لزميله بقوله تعالى ( ويؤثرون على أنفسهم ) وأمثال هذه المقالات : قد قالها الذين من قبلهم ، ومن بعدهم أيضا والقافلة تسير 
والطامة أن مثل هذا لايصدر من مراهقين وحسب ،  بل يتعداهم إلى الشيوخ ( سنا ) والكهول كما قال السلوم بالأمس في جريدة الرياضية ، بل عنون لمقاله وبالحرف العريض : ( الأهلي فعال لما يريد )  فأي مجاهرة أكبر وأي تلاعب أشهر وأي محادة أظهر ، ومن أمن العقوبة أساء الأدب.
وإن سفاه الشيخ لاحلم بعده ... وإن الفتى بعد السفاهة يحلم
والبلية والرزية كل الرزية إذا كان الضحية صبيا أو فتاة فتغلغل عشقه في سويداء فؤاده فلا تسأل عن هلكته ! ولا أزال أذكر نجما كرويا رافضيا وسيما لاعَبَ فريقه فريق بلادنا عام ١٤٠٩هـ هلك الشباب وكثير من الفتيات في إعجابه حتى اضطرت الهيئة للمرابطة لدى باب الفندق محل إقامته وضبطت عشرات الفتيات متسربات من كلياتهن وثانوياتهن لمحاولة التصوير معه أو توقيعه لهن ، وقداطلعت على هذه الحادثة بيقين وقرأت محاضرها ؛ إذ إن بعض مراكز الهيئات آنذاك كانو يتعاونون مع خطباء الجوامع للمشاورة والمعالجة
 
ومثل هذا وأشنع منه كثير عافانا الله وذرارينا وإياكم والمسلمين.
وإنني لأعرف شيبات بلغوا أرذل العمر ما فتئوا فتيان الهمة في متابعة الكرة ومبارياتها ، ومنهم من أوصى على فراش موته من زاره من لاعبي الكرة بالمثابرة والجد لتحقيق الفوز لناديهم ومنتخبهم ، قرأت هذا في صحيفة محلية آنذاك ؛ ولولا أن يشجع كلامي بعض المراهقين لذكرت من أخبار خاصة الناس مع الرياضة عجبا ، وماذاك إلا لأن قلوبهم أشربت حبها لتعلقهم بها منذ الصغر ، وعدم مزاحمة ما يقوى على إخراجها من حب ضدها من معالي الأمور وشريف المقاصد
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا
وتعود بي الذاكرة وراءَ ، في قضية التعلق والإعجاب باللاعبين والكفرة وتقديسهم- إلى درجة التفدية- واستضافتهم وفرقهم بالغة تكلفتهم مابلغت إلى أيام الصبا والطفولة، فلقد وعيت عصري والشباب والصبيان مهووسون باللاعب البرازيلي (بيليه) وبات الشباب يتباشرون باستضافة بلادنا له ولفريقه ( سانتوس ) عام ١٣٩٣هـ
وكنت في الابتدائية حينها، وأذكر أن أكثر الشباب بُلي ببيليه كما مسّهم مسُّ مسّي في هذا الزمان حتى من ليس له اهتمام بالرياضة أصلا، لكن اللقاء تاريخي والمناسبة فرضت نفسها، والذين لايمتلكون التلفاز في بيوتهم حشروا أنفسهم في صوالين الحلاقة حتى غصت بهم وامتلأت كراسيها وأراضيها بالزبائن والمرافقين لهم وهم الأكثرون ، وخشعت الأبصار وسكنت الحركات ، ووجفت القلوب ، وافترّت الشفاه بالابتسامات العريضة لما وقعت أعينها على ( بيليه وزملائه مارينو وجورزينو ) لأول مرة حيث كان النقل التلفازي الخارجي غير متاح في ذلك الزمان.. 
وهيمن الحدث على أحاديث المجالس والمدارس والشوارع بل وحتى المساجد في حلقاتنا لتحفيظ القرآن..
جاء شباب البرازيل ملممين تضرب لممهم على أكتافهم، فكانت موضة الشباب عندنا سنين، لم يقلعوا عنها حتى نزل منتخب الأرجنتين الملاعب محلقين رؤوسهم (بالأمواس) لا تفرق رؤوسهم عن وجوههم، فكانت موضة الشباب عندنا زمانا يحلقون بالأمواس في الملاعب وغيرها..
مساكين شبابنا مع الخيل يا شقراأو قل مع العير يا شهبا ؛ لأن حال كثير منهم:
لو يسمعون صهيل الخيل لانخرعوا.. أو ينهق العير لاهتزوا له طربا
على كل حال انتهت أسطورة بيليه ليحل محله آخرون ( بيكن باور، وكرويف، حتى لمع نجم ريفي لينو) ولايخطر ببالك أخي القارئ أنني تابعت أخبار هؤلاء وتحفظت أسماءهم ، كلا ولكن كما أسلفت هذه الظواهر تفرض نفسها شاء الإنسان أم أبى.. وأنّى التفت المرء فلا تخطئ عينه أسماءهم مسطورة على جدر الأحياء والمدارس ودورات مياه المساجد ، بل والمساجد نفسها أمامك تراها وأنت تصلي على قمص الفتيان والرجال !! فأين تذهبون ..؟!. 
وأردت بهذا العرض بيان حجم المصيبة وتحقق وصايا (بروتو كولات أكابر مجرمي صهيون) التي منها: أشغلوا شبابهم بالفن والرياضة..
ريفي لينو .. لاعب برازيلي أسطورة صليبي يغلو في مذهبه وصليبه استأجره أحد أندية بلادنا المشهورة ليلعب مع فريقه بالملايين الطائلة ، وأذكر أننا حينها قسمنا أجرة عقده على مدة إقامته لنعرف أجرة الشهر فسخرنا من أنفسنا؛ لأننا وجدنا أن القسمة على شهر هائلة ، وأن الدقيقة بل الثانية بكذا من الريالات ، وكان هذا اللاعب الصليبي أمام صيحات الجماهير من شبابنا في ملاعبنا ينحني ويُصلِّب على جبهته وأكتافه وصدره.. فتن الشباب بريفي لينو وأذكر أنني كنت وقتها في المتوسطة ، مررت على ملأ من الفتيان وقد رفعوا صورته الضخمة على أعناقهم، بالضبط كما يفعل شبابنا من أعضاء ناديه إذا أحرز هدفا طأطأ أحدهم له وامتطى العلج ظهره وجعل يدور به في الملعب.. مررت بهم وهم كذلك فنصحتهم وقلت: أتقدسون مشركا يدّعي لله شريكا وصاحبة وولدا؟!!!، وبلغ بي الحماس أن دخلت المسجد وصليت الصلاة الحاضرة وتكلمت بعد الصلاة بحرقة وألم، وحينها خاطبت شباب أمتي بقصيدة منها :
يا أمة الدين والآلام مبرحة .. من للأرامل والأيتام ينتصر
أكلما سامنا الأنذال مجزرة.. والعين تبكي دما والقلب ينفطر
تستنكرين ومن للحق يسمعه.. وتشجبين ومن بالشجب يزدجر؟!
أبالرياضة نبني مجد أمتنا .. أم بالفنون وبالأفلام ننتصر
بيليهُ أو رفلينو ما سينفعكم ... أتعقلون ؟ وهلاّ تُسمع النذر ؟
إلى آخرها..
ولازلنا مع أساطير الأولين .. جاء بعدهم أسطورة ملأ الدنيا وأصاخ العالم : إنه ( دييجو مارادونا ) أو مردوه إياه لا إيانا على حد وصف الشيخ إبراهيم المحبوب في خطبته الشهيرة -رحمه الله-
مارادونا.. صليبي حشاش شاذ -نسأل الله العافية- استضافه النادي الأهلي قبل عشرين سنة أو تزيد، فأطل علينا بشعره وأقراطه وكلبه وعشيقته، قضى عندنا أياما شدادا ، ولعب في ملاعبنا ، وأنفق عليه وعلى فريقه الملايين، وفُتن به شباب المسلمين، أهداه من استضافه بعد مباراته سيفا مرصعا بالذهب، وأهداهم بعد المباراة فانيلته ترشح عرقا ونتنا، فخطب الخطباء، وأنكر المنكرون، وبكى الباكون، وأولئك في أوديتهم يهيمون..
والقافلة تسير كما أسلفت..
حتى مسّ مسِّي شبابنا بمسٍ من الهوس والجنون، وأول ماعرفت ذلك لما رأيت اسمه منقوشا على القُمص يرتديها الصغير والكبير .. كنتً من قبل ترى مزاحمين له من خلال أسمائهم ( كرونالدو )  وأسماء عربية قبل أن يستولي على الألباب، فتوحد بالساحة وامتلأت القلوب له عشقا وحبا وهياما، فإذا ماذكر اسمه اهتز الشاب والصبي والطفل طربا وشمخ فخرا ووقف إجلالا.. هذا ماتفعله الرياضة بشبابنا..
وأيام زيارته المشؤومة لاتكاد ترى صبيا ولا شابا لم يعرب عن بهجته بارتداء قميص منقوش باسمه ، حتى نفد هذا النوع من القمص من الأسواق ، وطلب بأبهض الأثمان ، ومن لم يجد عمد إلى تفصيله .
والفرق بين عهد مسي ومن تقدَّمه :
أولا: أن أسطورة مسي خدمتها وسائل الاتصال والتواصل السريع ، فكانت صورته على كل جهاز وأخباره في كل منزل، وتوبعت حركاته بدقة، وعلم عن تفاصيل حياته مالم يعلم من سيرة محمد صلى الله عليه وسلم والأبطال من أصحابه فضلا عن العلماء بعدهم  والمجاهدين، أو أحوال أمة الإسلام المنكوبة.
ثانيا: أنه في هذا العصر الذي تبجحت وتمردت فيه البنات أكثر مما مضى، فشاركن الشباب همومهم وإعجابهم إلا من رحم الله..
حتى سمعت أن مجموعة هائلة منهن تجمعن قرب المطار ليلة استقباله، وقرب الملعب ليلة مباراته، وقرب الفندق ليلة رحيله، حتى ( اضطروا) إلى نقله بطائرة خاصة .. فماللبنات وللرياضة، ومالهن وللعبث والجنون.. فلتقر أعينكم ياسفهاء صهيون.
ثالثا: أن جمهورا جديدا ومن نوع آخر انضاف إلى الجمهور المعجف الشغوف: إنهم المتحولون وإن شئت قل المنتكسون وما أردت بهم المنسلخين صراحة لكني عنيت بهم من اعتنقوا مذاهب عصرانية تنويرية - زعموا - مع بقائهم ظاهرا على هيئاتهم وخطابتهم وتلاوتهم ووظائفهم الدعوية أو الحسبية.
خلوت مع نفسي مفكرا متذكرا أيامنا الخوالي مع رفاق درب كنا نجتمع معهم ونتناقش ونتشاور في الموضوعات الجديرة بالطرح على المنابر والموائد الدعوية والحسبية ، وأيام مارادونا كنا نتناول الحديث عنه بحرقة ما أنا بأشد منهم فيها ، وسمحنا لأنفسنا من قبيل التأسي أن نستطلع الأفق البعيد ونستشرف من وراء ستار الغيب إلى ما بعد عشرين سنة وهل مثل ذلك يمكن أن يكون ؟ فأجمعت آراؤنا المتفائلة على النفي لتمكّن الصحوة واستواء سفينتها على الجودي ، ونشوء جيل جديد في شرانق أحضانها ، وقال قائل : ولعل عامة ذلك الجيل تكون كخاصة جيلنا الحاضر وخاصته كخاصة خاصتنا ، يعني أن عامة الجيل الشبابي ستكون - منهجا وتفكيرا وعملا - كما الخطباء والدعاة والمحتسبين ، واليوم نرى  الحال كما قال أحمد مطر في قصيدته المشهورة : الثور فر .. من حظيرة البقر : ماعاد الثور ولكن جرت وراءه الحظيرة ، وُجد من مشاهير الخطباء ومستشاري الوظائف الشرعية والدكاترة وقادة الصحوة آنذاك من يتبجح في مقابلاته الصحفية بمتابعة الأندية ومبارياتها والإعجاب برموز الكرة الكفرة وحق الفتاة في ممارسة  الكرة في الملاعب ، ويشنع على من رأى خلافه ، وينعى على المتحجرين ، المستائين من استضافة مسي ويفتري على رسول الهدى أنه لو رآه ماكان منه غير البشاشة ، كما ابتسم للأحباش يلعبون في المسجد ،  ويشرع للباطل ويستدل للمنكر ويلوي صدور النصوص ، ويبتر أعجازها ، ويجردها من سياقاتها ، فضلوا وأضلوا وأضحكوا عليهم أقل الشباب علما وأسطحهم تفكيرا ممن لازال على شيئ من سلامة الفطرة ، فهذا جمهور جديد كسبته بروتوكولات صهيون هنيئا لها بهم وهنيئا لهم بها، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.
وأخيرا : ألا يخجل أولئك المستضيفون من أنفسهم ، وقبل ذلك من الله والمسلمين وإخوانهم المضطهدين ؟! وهل عهد شرعا وعقلا أن يتفرغ أو يُفرغ  أناس وجهات ومؤسسات للّعب ورعايته، وترصد لذلك الميزانيات الطائلة الهائلة والله عز وجل يقول ( وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ) هذا في حال الرخاء فكيف في أحوال البلاء ، لا تقولوا نحن في رخاء وأمن ، فحال المسلمين واحد ، وجسد الأمة واحد . كيف يهنأ لنا عيش ويطيب ، كيف يغمض لنا جفن ونسلو بحبيب ، وأحبتنا في الشام تحت أنقاض القصف وركام الدمار أطفالهم وشيبهم ونساؤهم ،
ممزقين فلا تلقى سوى جسد ... من دون رأس ورأس دونما جسد
 
أو في خيام لا تقي برْدا ولا برَدا ، بين أنياب الجوع ، وبراثن الخوف ، أليسوا أولى بهذه الأموال المهدرة على ذلك العلج وفريقه ؟!!
نحن نتفهم موادعة الكافر سياسة ، ومراعاة مصالح ، لكن الذي لا نفهمه ، أن يفعل ذلك لعبا ولهوا ، ولو دفع هو لنا مالا فكيف إذا كان العكس ؛ الأمر الذي علق أفئدة شبابنا وملأها بحبهم والإعجاب بهم ، فإن لم يكن هذا ولاء فماذا يكون ؟!!!
نتفهم أن يمارس هذا العبث والسفه قوم ملكوا ناصية القوة ، وتربعوا على عرش التمكين ، وقلّ الفقر والجهل والمرض والأمية في بلادهم ، لكن الذي يصعب علينا تفهمه أن يمارس هذا في بلاد غارقة في الجهل والتخلف ، بينها وبين أعدائها في القوة والتقدم قرون ضوئية ، يمارس معها عدوها  أبشع أشكال التعسف والاستذلال ( وكلامي هنا لا أريد به دولة ما ولكن العالم الإسلامي بدوله وشعوبه كافة )  وحالها مع عدوها كما قال المتنبي :
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ... أراه غباري ثم قال له الحقِ
نتفهّم إقحام شبابنا في فرقه الداخلية ودوراته الأولمبية ومعسكراته الخارجية ؛ لكن ما معنى إقحام البنات بهذه البلية !!!؟ 
نفهم أن تكثف الرياضة ودوراتها ودورياتها ومواسمها واستضافاتها في الإجازات لكن الذي حارت أفهامنا له أن تبدأ الدوريات والدورات والمواسم والكؤوس للمتازة والأولى والناشئين والشباب والأشبال وكأس الملك وولي العهد والخليج وآسيا والقارات والصداقات ووو كلها مع بداية الموسم الدراسي،  ومخاضها ونتائجها مع الاختبارات !!! فأية نتيجة ننتظرها من أبنائنا ، لا جرم من لم يسافر منهم لتشجيع المنتخب أو النادي لدولة أو مدينة ، فسيحضرها في الملاعب ، ومن لا فالشاشات ، ومن لديه اختبار ، ذاكر بعينيه وقلبه مشغول وفؤاده فارغ مع النادي والمنتخب ، وأذناه مع صيحات المعلقين ، وعينه معلقة بشاشة جواله يترقب الخبر بقلب واجف ، فبالله عليك قل لي أي اختبار سيؤديه وأي نجاح سيحقق ؟
متي يبلغ البنيان يوما تمامه .. إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم 
إذا ألفُ بانٍ خلفهم هادم عثا .. فكيف ببانٍ خلفه ألف هادم
أبناؤنا يا سادة فُرّغت عقولهم ، أشربت حب الكرة التي ما مارسناها بتعقل بل بجنون وهوس حتى صار أولادنا : من لم يشتغل بها برجله فبيده ( بلاي ستيشن وسوني وهلم جرا ) ومن لم يمارس بيده فبعينه، ومن لم يشاهد بعينه فبقلبه بالسؤال والاهتمام..

  مَن قدُّنا وبدارنا مِسِّي ؟!!
 
أسطورة الدنيا من الإنسِ
اليوم نقصر قصر قيصرهم ...
 
ولنكسرنّ أكاسر الفُرس 
واليوم من أقصى ومسجده
 
نقصي اليهود ومن ربى قدس
وطلائع الفتح المبين بدت
وعلى القيادة عنتر العبسي
مانغبط النيتو لوحدته
أومصر ليلةَ توَّجت مرسي
يا ليلة ما كان أصخبها
أنوارها ومباهج العرس
بشباب قومي أتخمت طرق
متجمهرين كجحفل حُمس
وكأنهم سيل طمى عرمٌ
 
بالأمس هد بِنا نيو جرسي 
أتراهمو قد أنشدوا طربا
لما أطل بوجهه مسي
وشدا الغناء بكل حنجرة
طلع الهلال ومفرق الشمس
وتساقطوا صرعى تَعَشُّقه 
واجتالهم كتخبط المس
معشوق فتيتنا بدا لهمو
رأي العيان ودونما لبس
يا نظرة حيِيَت لها مهج
من بعد عهد مواتها التَّعْس
يانظرة رتعت بها مقل
بربيعها وخمائل الأنس
يا نظرة سعدت بها عمرا
بعد الشقاء وطالع النحس
مسي العظيم يحل بلدتنا 
يا فرحة لديارنا مَسِّي
أترى أنحن نعيش في حلم
يا قوم لست مصدقا نفسي 
لوكان أحمد بين أظهرنا 
ربَمَا نراه ببهجة يمسي
ياقولة ماكان أقبحها 
ليست من الحاخام والقسِّ
قد قالها تغريدة وشدا 
علم الزمان (طبيبنا النفسي)
أولم يصف بالنقص سيدنا 
وتناقلوها عنه بالأمس
أولى فأولى بعد سقطته
صمت كصمت حجارة خرس
مسي لعينك أُهلكت لُبدٌ
فتحت لها بوابة الحبس   
عشرين مليونا بها اعترفوا 
والظن ذلك مبلغ السدْس
لك والنصارى في معيتكم 
بذل النفيس كدرهم بخس
كي تلعبوا وتفّرجوا مرحا 
وتبطّحوا بفنادق الخمس
شرف عظيم أن نلاعبكم
من نحن لولا لطف ذي حس 
حس رهيف من تواضعكم 
مسي فشكرا وافر ( مِرسي )
يا حسرة الفقراء في بلدي 
من ساكني أطلالها الدُّرس
كم لاعبٍ مليونُ يطرده 
أو تاعب ومطاردِ الفَلس
أولى بهذا المال مفتقر
ومهجّر في غاية البؤس
في الشام يصلى نار طاغية
ملعونِ نهجٍ حاقد نجْس
برد وبارود يطارده
والجوع عض بقاطع الضرس
وتنافس الصبيان في ولهٍ
وتسابقوا بالركض والبَسِّ
وتوسلوا في كل غالية
وتملقوا باللعق واللحس
كيما يحوزوا صك مغفرة
فخر لمجد حياتهم يرسي 
إن أبصروا محبوب مهجتهم 
متربعا بأريكة الكرسي
ولئن أتيحت صورة معهم 
سعد لكل شقائهم يُنسي
ولئن تعذر كل ذا فإذن 
يجزي القليل فأضعف الرس
أن يلبسوا قُُمُصا بها نقشوا 
فيها اسمه بروائع اللمس
كل يجاهد حسْب مقدرة
من لم يطق فعليه باللبس
مسي لعينك كم بقوا زمنا 
متحملين حرارة الطقس
متزاحمين كأنهم حشروا
يوم القيامة ساعة الدهس  
 
مسي لعينك كم ترى تركوا 
من طاعة وفرائض الخمس
أين العقول شباب أمتنا 
أين البراء لكافر رجس
أو تعشقون لمشرك نجس 
ومصلّب ومثلّث ركس
ما جاء كم إلا ليسلبكم
من عملة الدولار والبنس 
تالله لم يمتز بموهبة 
عقلية وبراعة الدرس
ما امتاز إلا في تلاعبه 
وتبجح بالركل والرفس
تالله لا يرضى أبو لهب 
مع شركه والأسود العنسي
تأبى على عرب حميتهم 
وتعصب للعرق والجنس
بلْهَ الموحد في عقيدته
بكتابه وحديثه القدسي