تعديل

بحث

الخميس، 17 يناير، 2013

ورحل.. الشاعر الذي أبكى الملك..


الحمد لله والصلاة على رسول الله..
أمابعد..
فيا قرائي الكرام:
بودي أني أطالعكم مبشرا لا مكدرا ومسليا لا معزيا، ولكن هكذا أقدار مَنْ كل شيئ عنده بمقدار، وما أفعل بدنيا الأسى، وبزمن كلما لان قسا، والله المستعان وعليه التكلان، وأحسن الله عزاءنا وعزاءكم وعزاء الشعر الأصيل والأدب الجميل واللغة العربية والأمة الإسلامية في شاعرها الفحل، محمد الدبل، أستاذ البلاغة والأدب الهمام، في جامعة الإمام رحمه الله، وأكرم مثواه..
وشاعرنا من النجوم اللامعة في سماء الشعر، أحببته وشعره ساعة وقعت عيني عليه ملقيا قصائده على مسرح معهد الرياض العلمي الذي كان معلما فيه، وهو أول شاعر ملك قلبي وعقلي، وحببني للشعر.. كنت حينها طالبا مستجدا بالمعهد في السنة الأولى المتوسطة، وكان مسرح معهدنا حافلا باللقاءات العلمية والمساجلات الشعرية والندوات الأدبية، وكان الجميع يرقب بكل لهف شاعرنا الشاب المتوقد المتطلع محمد الدبل، فما أن يطل على خشبة المسرح حتى تشتعل القاعة بالهتاف والفرح، ثم يصغي الحضور لقصائده الرائعة فلا تسمع همسا، ولا أزال أسترجع رجع صوته الأجش، وأتذكر بعض قصائده من إلقائه وأنا في أوائل الصبا، وكم طلب الحضور والمشايخ منه إعادة بيت أو قصيدة برمتها..
ومن ذكرياتي الرائعة حينها: لما أطربنا وأبكانا بنشيد المعاهد العلمية، في أعقاب حرق المسجد الأقصى، فكتب على لسان الأقصي يشتكي إلى الله تخاذل أهله وزعماء الدول وشعوبها -وهي موجودة في ديوانه (إسلاميات)- وأنشدها طلاب المعاهد على مسرح معهدنا، فضج الحضور بكاء وعويلا، ولما فرغ المنشد جلجل صوت شيخنا ومقرئنا عبد الله المنيف -متع الله بأيامه- وهو المشهور بصوته الجهوري لا أخمد الله له صوتا، فقال : يعاد النشيد من أوله، فأعيد النشيد، وحفظناه من ليلتنا وتغنينا به سائر أيامنا ومطلعه:
نحن عرب في علانا كالنجوم الساطعة
ولنا الإسلام ذخر واعتداد ووسام
ومنه:
أيها الشاكي بلحن كف عينا دامعة
إنما يحلو نشيدي يوم جردت الحسام
ثم صليت بساحي وقرأت الواقعة
وسبقت الخطو تعدو بين أرجاء الزحام
كيف ترضون بقائي في مهاوي القارعة
يشرب الخمر بساحي وصمة هذا الكلام
أصبحت صهيون منكم في نفوس وادعة
لم تخف يوما جهادا في قعود أوقيام
غير شجوى دمع باك وشكاوى ضارعة
ومن الإيمان خلو أنفس ترجو السلام
لصلاح الدين ذكرى جددوها رافعة
أعلنوها باعتصام وحذار الانقسام
ولقد بلغ من حماسة شباب المعهد أن تقدم الطالب الحيوي المقدام الشيخ المعروف صالح السحيباني، وكان وقتها رائد جمعية النادي بطلب زيارة للديوان الملكي بفريق الإنشاد، فجاءته الموافقة حالا ببساطة ذلك الزمن وعفويته وبعده عن الرسميات القاتلة، وأخطر المعهد -الذي تفاجأ بالموضوع- بموافقة على زيارة لا يدري من طلبها، وتوجه فريق الإنشاد بسيارة بيجو الأستاذ الفاضل علي أبو لبن التي تعطلت في الطريق، فنزل الطلاب يدفونها..
يا سقى الله ذلك الوقت وبساطته ..
المهم أن الزيارة تمت ووجد الطلاب وقائدهم الشيخ صالح الملك الصالح الأسيف خالدا باتظارهم وكان حديث عهد بجلوس، وأول ما صدح المنشدون انخرط الملك بنوبة بكاء مرير، حتى هم الحجاب بإيقاف النشيد لولا اعتراض الملك، ثم سلم على الطلاب الصغار واحدا واحدا، وهو يكفكف دمعته ويبلع عبرته، ولما سلم عليه صالح السحيباني شد الملك على يده وهزها، فقال صالح : القدس ياخالد، الأقصى يا خالد، فانخرط بالبكاء ثانية، وقال بصوت متهدج: إن شاء الله إن شاء الله..
وبقية المواقف لعلها تسنح في كتاب مسلسل في هذه المدونة بعنون: (شيوخي) إن كان في العمر بقية أعان الله على ذلك وغيره..
والذي أرى أن الشيخ الشاعر الدكتور محمدا لم يقدر في حياته حق قدره، ولم تبرز مواهبه الفذة وشاعريته وعبقريته؛ ربما كان من الأسباب جحوده لنفسه ومبالغته في التخامل والانغمار، ولعل ذلك له خير..

وهذه مرثيتي في أستاذنا وشاعرنا رحمه الله أعتذر لمحبيه عن تأخرها؛ إذ قد بلغني نعيه مسافرا لم تسمح ظروف الحل والترحال بكتابتها حتى رجعت:

سلوا الشعراء كم وقفت بطلِّ
تناجيه وتندب كل خل

وكم هامت بأودية سحاق
بأقوال ضخام دون فعل

كما غيلان أبكى طلَّ ميٍّ
وعنتر إذ بكى أطلال عبل

وذلك كي يسليَ بعض هم
ويبرد وقْدَ مهجته ببَلّ

فما أجدت عن المحزون شيئا
ولا روّت طلول ٌحرّ غل

ولكن زادت الأحزان وجدا
وأذكت نارها بحميم ملّ

ألا ليت المنايا طاوعتنا
وأبقت من يحب لمن يسلّي

وهيهات الأماني والمنايا
مقدرة  بتقدير الأجَلّ

ونحن لها فرائس في يديها
موثِّقة تراقيَنا بحبل

إذا طلبت طرائد عاجلتها
بسهم لا يضل القلب نبلِ

فلم تخطئ لنابضه فؤادا
ولم تحتج لعلٍّ بعد نهْل

أقول من التوجّد وجدَ وُرْقٍ
مروعة ومَن مُنيت بثَكل

مفجعة على فنن هتوف
من الألحان تسجع كل شكل

ألا يا موت قد أفنيت حتى
أقول وهل لنا خلّا تُخَلّي

تفانى من أحبتنا رجال
كثير ودعوا غير الأقل

وأوحشت الديار فلا أنيس
سوى نفر على حذر وذلّ

وأقبلت المنايا زاحفاتٍ
بأسيافٍ بواترَ ذاتِ صقل

محدبةٍ قواطعُها رهاف
بلا نَبْوٍ إذا ضربت وكَلّ

إذا أردت ضحيتها سألنا
من التالي لسابقنا المصلّي

فكم أفنت لجيل بعد جيل
وكم شتَّت لشمل بعد شمل

وكم برقت سحائبها بشزْر
كوالحَ قبل ما جادت بوبل

فأمطرت الوجود بفاجعات
وأمطرت الخدود بدمع مُهْل

وأجرت كل ساقية نحيبا
وأدمت كل غيداء وطفل

وأيأست الحبيبة من حبيب
فقالت ليته ما كان قبلي

وهذا اليوم قد فجعت بشهم
وفحل للقوافي أيِّ فحل

وفذٍّ من نوادرنا يسمى
محمداً بنَ سعدٍ آل دبل

وهل يخفى بليل التمِّ بدر
وشمس بالنهار إذا يجلّي

ولكني أسميه اعتزازا
وأنسبه لأَشْرُفَ لا لجهل

إمامَ الشعر مَنْ للشعر بعداً
وكنت بنا مقدَّم كل قبلِ

وفي الشعراء أنت لهم زعيم
لك القدح المعلَّى والمعلِّي

وما عرفت منابرنا أديبا
كمثلك يا مؤدب كل نجل

وما شهدت محافلنا هزبرا
كزأرك يا مدرِّب كل شبل

وما لفظت شفاهك شعر مجن
وضيع أو نكثت متين غزل

وما هبطت قوافٍ منك يوما
بسوقيٍّ ومبتذل وهزل

ولكن للأصالة أنت سوق
يروج بها وينفق كل جزل

نظمت الشعر مرتجلا قديرا
بإفصاح وتحقيق وعدل

وإن جاروا عليك ولم يراعوا
مواهب فيك لم تدرأ بعذل

عرفتك يا ظريف الروح رَوحا
وريحان الرفاق خفيف ظل

وهمّا أنت للإسلام تبكي
وتبكينا بدمع مستهلّ

وعفويا حديثك لا كليف
ولم يرزء مُجالسكم بثقل

كذلك نحن إن وافى حبيب
وودعنا ذكرناه  بفضل

وعددنا محاسنه عظاما
وسطرنا مراثيَه بحفل

وقلنا فيه ما قالت بصخر
تماضر إذ به رزئت بقتل

ألا ياليت شعري أين هذا
وخلُّك في الحياة  بدار مُهل

لماذا ذا الجفاء بنا لماذا
نرى زهد المحب له بوصل

ألا لا يستفيق قبيل موت
تذوب له الكبود كوقع نصل

فيصلح من فساد الهجر قلبا
ويزجر من لدُنْه هوى بعقل

محمدٌ بنَ سعد طبت حيا
وميْتا يوم آزفة التولي

وأسكنك الكريم جنان خلد
وثبتك المهيمن عند سؤل

ألا يا شعرُ من لك بعد فحل
ومنجاب يورِّث خير أصل

أعزيك - الغداة - أم التعازي
بفقدك أنت يا شعر التجلّي
..............................

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق