تعديل

بحث

الثلاثاء، 8 يناير، 2013

بيان القرآن وحديث الحديث...


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد :
فقد اقترح علي من يهمه أمري ويعجبني رأيه أن لا أخلي هذه المدونة من فوائد علمية مستمرة يجد فيها المختلف إليها والمتردد عليها جديد مفيد وبديع صنيع وشرائد فوائد ؛ وإن كنت لا أظن هذا الظن منه بنفسي إلا أنه شجعني عليه ودفعني إليه ما لمسته من الزيارات المستمرة من قراء أفاضل ينشدون جديدا ويرومون مفيدا وربما دافعهم إلى هذا الصنيع مزيد تشجيع على هذه المسالك وإن كنت أظن بل أجزم أني لست هنالك ؛ ولكن ما الحيلة فقد تورطنا إذ أحرمنا وما اشترطنا، فلا يليق التململ قبل التحلل، والله المستعان وعليه التكلان ولعمرو الحق لا أجد لي مع هذه المدونة والقراء مثلا إلا قول القائل :
لعمرو أبيك ما نسب المعلى 
إلى كرم وفي الدنيا كريم 
ولكن البلاد إذا اقشعرت 
وصوح نبتها رعي الهشيم
وعلى كل حال فقد استقر نظر القاصر والفكر الحاسر على جعل هذه الفوائد من (بيان القرآن وحديث الحديث) أحدهما أو كلاهما في كل مرة ؛ وهل أشرف وأجمل، وأروع وأفضل، وأحسن وأكمل من هذين إذ هما أنفع مادتين، وأمتع مائدتين، والله المسؤول، أن يبلغنا كل مأمول .
والأصل في الفوائد التي أذكرها أنها من الفوائد المرتجلة،والاستنباطات المقتبلة، والسوانح المهتبلة، مالم أذكر أني إليها مسبوق، فهذا لابد من بيانه حفظا للحقوق؛ ولئلا يتشبع المرء بمالم يعط فيكون كلابس ثوبي زور، وذلك بدافع التكثر أو الغرور، وتلك لعمرو الحق آفة كثير ممن ابتلي بإسهال التأليف، وإكثار التصنيف، فلا يزال يسطو على الكتبة، ويتلصص على الطلبة ، ويتفضل على هذا وذاك ويستثمر تعبه، ضرورة اطراد نهر الثروة، وبقاء النجم لامعا في عالم الشهرة، وإرواء النزوة ، وإشباع الشهوة، ولا يزال هذا دأبه وطبعه، وكل يوم له كتاب وجديد طبعة، وربما ندل فصولا ندل الثعالب، دون إشارة أو اعتذار للكاتب، وقد يستولي على الكتاب كله دونما نص، ومن كبّر اللقمة لاجرم غص، وربما تمطى ، فكشف المغطّى ، ولا يستفيق رغم ما يشيع عنه من أخبار، في سرقة الأنثار والأشعار، إلا على لطمة موجعة وربما من أغمار أوذات خمار وسوار،فيصدق عليه المثل الأول :(لوغير ذات سوار لطمتني) وقد يكون ذلك بريئا من بعض مانسب إليه، وحُطّ عليه، ولكن : كيف وقد قيل، وأين يذهب من زيادات الإعلام الضلِّيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
من أجل ذلك : حسن التنبيه،  وقبح التمويه، ورحم الله امرأ ذب عن نفسه الغيبة، وكشف عنها الريبة.
وياليت أحد هؤلاء إذا سطا، أو استأجر لذلك بعض البسطا، يتخفى تخفي القطا، فيكلف نفسه مراجعة أخيرة، قبل إخراجه إلى النقدة البصيرة، بل تراه ينقل الكتاب بل يقوم بتصويره، بحذافيره، أعاجيره وأباجيره، وأذكر أنني اطلعت يوما على كتاب لأحد المعنيين، بعنوان قريب جدا من عنوان كتاب لأحد المتقدمين، فلما قرأته وجدته ينقل عنه بالحرف والفاصلة، مع إضافات يسيرة حكاية أو أمرا ذا صلة، وأعجب من ذلك أن المسكين لم يحسن السرقة، حينما انتحل محققه، وهو عبود الشالجي العراقي، بتحقيقه الجميل الراقي، والشالجي إذا أتى على شيئ من المطلحات القديمة للمصنف - كالعمارية والمطمورة - قال : وتسمى عندنا في بغداد اليوم كذا وكذا لأنه بلديُّ المصنف، فيأتي هذا اللص المسكين ويورد الكلام عينه، مع أنه من بلادنا السعودية، وكان لهذا المذكور دار نشر معروفة، لا أدري الآن ما فعل الله به وبها.
 وقد تقرأ لكاتب إنشاءً أو إنشادا، فتجده لفلان قبله دون تفرقة، حتى لاتشك أنه سَرِقة، والواقع أن الثاني على كلام الأول لم يطلع، ولا إياه رأى ولا عنه سمع، بل هو من توارد الخواطر، ووقع الحافر على الحافر، ولذلك نظائر وما أكثرها، لكن إليك أشهرها، من كلام الفطاحل، وحديث الأوائل.

فهذا قول الكندي في معلقته :
كأني غداة البين لما تحملوا 
لدى سمرات الحي ناقف حنظل
وقوفا بها صحبي عليّ مطيَّهم
يقولون لاتهلك أسى وتحمل
وافقه وواطأه تماما قول البكري في معلقته :
لخولة أطلال ببرقةِ ثهمَد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليدِ
وقوفا بها صحبي علي مطيَّهم 
يقولون لا تهلك أسى وتجلدِ
فأنت ترى أنه لا فرق بين البيتين سوى الكلمة الأخيرة منهما بل بنقطة وتقديم حرف وإبدال آخر، مع أن الشاعرين من هما ؟ وقصيدتاهما أجود المعلقات ، وأفضل الطويلات
ومثل هذا تماما قول الفرزدق :
وما الناس بالناس الذين عهدتهم 
ولا الدار بالدار التي كنت تعرف
أي فرق بينه وبين قول العباس بن عبد المطلب :
وما الناس بالناس الذين عهدتهم 
ولا الدار بالدار التي كنت تعلم 
وقد وقع مثل هذا لي، وأقربه القصيدة التي نظمتها أخيرا من مجزوء الرمل ومطلعها :
لاتسامح لا تسامح .. بعد هاتيك المذابح
فقد ناداني الشيخ الفاضل محمد العريفي إلى قصيدة بعدما رسم شطرها الأول: لاتسامح لا تسامح .. لإكمالها، فانقدح الشطر الثاني : بعد هاتيك المذابح .. في ذهني لأول وهلة ومضيت في الأبيات، ثم وجدت الشطر عينه لأخ يمني يسمى فؤادالحميري، في ضمن أبيات من الأوزان والقوافي المتحررة، والله ما علمت عنه ولا اطلعت عليه ولا سمعت به إلا بعد انتشار أبياتي ثم اطلعت عليه في بعض المواقع.
والأمر عينه في قصيدتي :
يا طبيب العيون كم من عيون 
منك ذابت وحرّقت من جفون
وهي من الخفيف .
إذ وجدت في المواقع للشاعر السنوسي :
يا طبيب العيون شكوى عيوني
من لحاظٍ حورية التكوين
وربي الأكرم الذي علمني مالم أعلم ما علمت به حتى نشرت قصيدتي.
   
وما دمنا طرقنا هذا الطريق وسلكنا هذا المسلك فلنذكر هذه القصة الطريفة التي ذكرها أبو القاسم الزجاجي في مجلس الأصمعي مع عباس بن الأحنف من كتابه : مجالس العلماء :
 قال الأصمعي : بعث إلي محمد بن هارون،(يعني الأمين)فدخلت عليه وفي يده كتاب يديم النظر فيه ويتعجب منه ، فقال لي : يا عبد الملك(يعني ابن قريب الأصمعي)، أما تعجب من هذا الشاب وما يجيء به ؟ فقلت : من هو ؟ فقال : عباس بن الأحنف، ثم رمى إلي الكتاب فإذا فيه شعر قاله عباس ، وهو :

إذا ما شئت أن تصنع شيئا يعجب الناسا
فصور ههنا فوزا... وصور ثَمّ عباسا
ودع بينهما شبرا... وإن زدت فلا باسا
فإن لم يدنوا حتى ... ترى رأسيهما راسا
فكذبها بما قاست ...وكذبه بما قاسى
قال الأصمعي : وكان بيني وبين عباس شيء ، فقلت : مستَرَق يا أمير المؤمنين.
قال : ممن ؟ قلت : من العرب والعجم.
قال لي : ما كان من العرب ؟ قلت : رجل يقال له : " عمر " ، هوي جارية يقال لها : " قمر " ، فقال :
إذا ما شئت أن تصنع شيئا يعجب البشرا
فصور ههنا عمرا ... وصور ههنا قمرا
فإن لم يدنوا حتى ...ترى بشريهما بشرا
فكذبها بما ذكرت ...وكذبه بما ذكرا
قال : فما كان من العجم ؟ قلت : رجل يقال له : " فلقا " ، هوي جارية يقال لها : " روق " فقال :
إذا ما شئت أن تصنع شيئا يعجب الخلقا
فصور ههنا روقا ... وصور ههنا فلْقا
فإن لم يدنوا حتى ... ترى خلقيهما خلقا
فكذبها بما لاقت ... وكذبه بما يلقى 
فبينا نحن كذلك إذ جاء الحاجب فقال : عباس بالباب ، فقال : ائذن له، فدخل فقال : يا عباس ، تسرق معاني الشعر وتدعيه ! فقال : ما سبقني أحد، فقال محمد : هذا الأصمعي يحكيه عن العرب والعجم، ثم قال : يا غلام ادفع الجائزة إلى الأصمعي، فلما خرجنا قال لي العباس : كذبتني وأبطلت جائزتي ! فقلت : أتذكر يوم كذا،ثم أنشأت أقول :
 إذا وترت امرءا فاحذر عدواته

من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا .
فأنت ترى هنا كيف ترادفت قرائح هؤلاء الشعراء على هذه النظُم والمعاني؛ إذ لا تلزم صحة دعوى الأصمعي على العباس بالسرقة، هذا إن سلم من انتحال الأصمعي واختراعه في الحال مكايدة لابن الأحنف كما ذكر الأصمعي نفسه له، وليس ذلك من الأصمعي ببعيد؛ فهو في هذا الشأن عفريت مريد، غفر الله لناوله وعفا.
والمقصود أن بين هذا وذاك بونا شاسعا، وهذا أراه بابا واسعا، صنفت فيه المصنفات، وألفت المؤلفات، وليكن ما تقدم مقدمة ، لما هممت أن أسطره وأرسمه :
والآن حان الشروع في المقصود، بعون الله المعبود، وحيث طال بنا الاستطراد، أكتفي بهذا القدر من الإيراد، وإلى الفائدة التالية بإذن الله ، والله أعلى وأعلم، وأجل وأحكم، وصلى الله على رسوله وآله وسلم.

هناك 4 تعليقات:

  1. جزاك الله خيراً وكتب لك الأجر!

    ردحذف
  2. جزاك الله خير ياشيخ ونفع ورفع بك وبعلمك..
    هل لك دروس تقام حاليا فضيلةالشيخ؟؟

    ردحذف
    الردود
    1. وإياك أخي الكريم..
      دروسي في جامع البصير بحي خنشليلة
      بعد مغرب يومي الأحد والثلاثاء..

      حذف
  3. بارك الله فيك وجزاك خير الجزاء شيخنا الكريم
    زدنا من هذه الفوائد والفرائد لا عدمناك شيخا وأديبا

    محبكم
    د. عبداللطيف العنزي

    ردحذف