تعديل

بحث

السبت، 16 فبراير، 2013

إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء..


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله :
وبعد: لم أر ولم أجد أبلغ مما حصل صباح اليوم في روسيا وبالتحديد في منطقة (أورال) وبالتحديد الدقيق في مدينة (تشيليابنك) تفسيرا لقول الحق تبارك وتعالى:
" أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير"
وقوله تعالى:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم "
وقوله: "إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب" وأمثال هؤلاء الآيات الكريمات.
وأورال أحد القطاعات العظيمة في الإمبراطورية الروسية وهو في الأصل اسم جبال ربما تكون هي المقصودة ببيت امرئ القيس في اللامية الثانية :
تخطيت خزان الشريّة بالضحى 
وقد حجرت منها ثعالب أورال
ولا عجب فهو رحالة سعاء في الأرض ذكر أنقرة وحوران وأذرعات وأنطاكية وبعلبك وسواها.
لقد استيقظت المدينة على رجف وقذف رج الأرض رجا وسمع دوي انفجاره على بعد مئات الأكيال وخطف سنا وميضه أبصار أهالي مدن بعيدة  من المدينة المقذوفة وخلف هذا القذف الإلهي بأعداد من النيازك شقت غلاف الجو في أسرع من الصوت آلاف الإصابات ودمارا هائلا ورعبا وهلعا وشللا شبه تام للمدينة !!
فمن ينصرك يا روسيا من الله ؟!
وأين الفأر فلادي مير بوتين من التصدي لثورة العقوبة الإلهية ؟!!
كما تصدى لثورة الأبطال في الشام، وإذا كان عدو الله وعملاؤه يقصفون الأطفال والنساء  في أجواف بيوتهم  ويقذفونهم عزلا محاصرين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ولا يجدون ملجأ ولا مهربا، إذا فعلوا هذا آمنين من ردهم وقصفهم المضاد؛ (أفأمنوا مكر الله)؟!!
فليعلم عدو الله أن هناك قوة قادرة أن تثأر لهم وتنتقم .
قوة لا يستطيع لها الشقي ردا ولا منعا ولا صرفا ولانصرا.
في غزو هذا الشقي بوتين للشيشان قبل ثلاث عشرة سنة: قال الأحمق المطاع كلمة بلهاء قبيحة لا زلت بعدها موقنا أن الله سيرينا فيه نكال الآخرة والأولى، وأن الله سيسحتهم بعذاب ..
قال: سأقاتل الشيشانيين وأقاتل إلههم معهم .انتهى كلامه لعنه الله،
وانتهت ولايته المشؤومة.. ولم نر عقوبته واضحة.
وجاء بعده الدمية ديمتري ميديفيديف والذي تبين أن الأول وضعه ليحتفظ له بالمنصب ..
ولا أكتم القارئ الكريم حديثا أني لم أُسأ لعودة عدو الله السفاح بوتين إلى العرش الروسي آملا أن ينكبه الله وينتقم منه ومن دولته، ويشفي منهم صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم.
ولم يكتف السفاح بأفعاله الدموية في الشيشان حتى أضاف إليها جرائم أخرى في الشام لاتقل عنها دموية وتدميرية .
ولازال عدو الله يتحدى ويصرخ عاليا بدعم شقيقه في الغباء والدموية بوتين في نسخته العربية بشار وإن كنت أعلم يقينا أن الأخير يبتُّ ولا يمتُّ إلى العربية بأدنى صلة فضلا عن العلوية حاشا أمير المؤمنين علي منه وأمثاله وكم يصدق عليه بيت المتنبي :
وفارقت شر الأرض أهلا وتربة
بها علوي جده غير هاشم
أيظن الشقي بوتين أن الله سيغفل عنه ويغفل له ما صنع من ذبح أطفال الشيشان ونحر أطفال الشام من الوريد إلى الوريد ؟!!
وهل دمر الشام وذبح شيوخه وأطفاله إلا بأطنان أمداد الروس من طائرات ودبابات وقذائف ؟!!
لكن مما يشرح الصدر أن هذه الأمة الروسية الحمقاء دوما يراهنون على جواد خاسر، ولن يكون بغلهم بشار أوفر حظا من شاوششسكو ورادوفان كرى ديتش وسلوبودان ميلو شيفيتش وهونكر ونجيب وعبد الفتاح إسماعيل..
لاجرم أنهم أغبى الناس سياسة في العالمين، وكم تدرعت بهم أمريكا وتذرعت وجعلتهم مسخرة الساخرين، والمسألة السورية أوضح شاهد، ولي في هذه المدونة (مأساة الشام بين مهزلة النيتو ومسخرة الفيتو) و(الزائية البازية فوق رؤوس الروس) وفيها قلت :
أجدى لذي الدنيا وأنفع للورى 
من مجلس الدوما زريب معاز
وما كرهت أحدا كرهي لهذا الأحمق المطاع في نسختيه الروسية والسورية فهما هما مقلوبان وجهان لعملة روس وسور
وما كان أثقل إن بدت صورته الكريهة على الشاشة :
يقلب رأسا لم يكن رأس سيد 
وعينين حولاوين بادٍ عيوبها
ألا إن النظر إلى مثله من أقسى عذابات الروح :
ويل العيون الناظرات لصورة
نظر العيون لمثلها تسميرُ
ومن الطرف المتداولة: في سبب رتب الأزرار على مقدم ظاهر أكمام الأكوات أن جنود القيصرية الروسية كانوا في جبهات الحرب تحمر أنوفهم وتسيل من البرد فيمشّونها بالأكمام (فعل الصبيان) فتسود فإذا فتش عليهم وجد المنظر مقرفا فجاءت الفكرة لزجرهم والتي أصبحت زيا مكملا والفضل لأنوف الروس !!
وعلى كل حال: فمشّ يمش فعل عربي صحيح وضعا واستعمالا وليس من موّلد النجدي كما يظن البعض، قال حامل لواء الشعر كبير المراقسة (جمع امرئ القيس) وهم أكثر من أربعة عشر والمقصود هنا امرؤ القيس بن حجر الكندي صاحب المعلقة، قال في البائية الجندبية :
نمشّ بأعراف الجياد أكفّنا
إذا نحن قمنا عن  شُواء مضهّبِ
والفضل أيضا في هذه الفائدة لأنوف الروس
أفمثل هؤلاء يتبؤون في مجلس الخمس الطواغي كرسيا يملكون بموجبه النقض والفرض على العالم ؟!!!
وليست النيازك عليهم بجديد قبل أربع سنين رجموا بنيزك ملتهب أحال ما مساحته مليونا كيل متر دمارا.
فاللهم زدهم منها ولا تنقصهم وعلى الكرملين يا كريم .
اللهم دمر ديمتري وبيّت بوتين وبشرنا بهلاك بشار ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا. 
  
اللهم أرنا في الروس والمجوس وطواغيتهم من آيات الآفاق وفي أنفسهم عجائب قدرتك حتى نقول :
"
فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين"
ألا حبذا قصف الرجوم النيازكِ
على روسِيا يارب زدها وباركِ
أغارت صباحا فاستحال صباحهم
من الرعب ليلا مثل سود الحوالك
وسيئت وجوه الكافرين وقد رأوا
عذاب إلهي زلفة في تدارُكِ
شواظا على روس وبردا وبلسما
لأكباد قوم موجعات هوالك
ألا فاشتفي يا أمة الدين منهمو
فما الجبت والطاغوت إلا أولئكِ
فكم أحدثوا في دارنا من مصائب
وكم أوقدوا في شامنا من معارك
وكم أسعفوا طاغوته بسلاحهم
رواجم نار مثل حمر النيازك
وجاءهمو من فوقهم قصف قادر
عليهم وما في ملكه من مشارك
لئن صنعوا ميجا وسوخوي إنها
وإن حلّقت في الجو تحت الملائك
ولن يعجزوا الجبار في البطش إنهم
وإن فجّروا النترون في كف مالك
وإن أمعن الروس العتاة عداوة
وضاقت علينا واسعات المسالك
فليس لنا إلا القنابل والقنا
وسحق النواصي تحت صم السنابك
لنا مطلب سام يسمونه الردى
ألذ من الحلواء فوق الأرائك
وأحلى من الشهد اللذيذ شهادة
بيوم عبوس بالمخاطر شائك
سيعلم روس  من أشد صلابة
إذا اصطدم الأبطال يوم التشابك
وزال حديد الروس مما تذيبه
لوافح نيران الكماة الفواتك
وأقوى من السوخوي والميج دعوة
تشق عنان الكون من كف ناسك
إذا ما كلاب الروس شد غطيطها
من النوم أو عبّ الكؤوس العوارك
تسربل ثوب الليل يا حبذا له
نشيج وأنهار الدموع السوافك
وتقرع أبواب السماء سريعة
فما من حدود دونها وجمارك 
فيرفعها الجبار جل جلاله
ويرسلها بين الشداد السوامك
بقذف وخسف للطواغي فلا ترى
سوى هالك في دارهم أوكهالك
وياليتها كانت كسجيل مكة
حجارة نار أو كحاصب آفك
وترمي شرارا مثل قصر مشيّد
وحجم الجمال المترفات البوارك
تحيل قلاع الكرملين خرائبا 
كثيبا مهيلا كالركام الدكادك
ليعلم بوتين الشقي بأنه
ذباب أمام الله أقدر فاتك

الأربعاء، 6 فبراير، 2013

سلام على عبدالله في العالمين..



الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا على فراقك ياعبدالله لمحزنون ولا نقول إلا مايرضي ربنا إنا لله وإنا إليه راجعون..
لقد تابعت كغيري تفاصيل الرواية الباكية والقصة الحزينة للمقصوص المرحوم بإذن الله عبدالله بن فندي الشمري،
ولقد تأثرت (كالملايين) وحزنت له كعموم المسلمين، ولكنْ هذه المنايا والآجال "فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون"
وأنا سوف تدركنا المنايا
مقدرة لنا ومقدرينا..

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
تعددت الأسباب والموت واحد

والمحزن في قصة عبدالله رحمه الله: هذا العمر المديد الذي قضاه في حبسه أكثر من عمر حريته، مترقبا الموت كل جمعة، متوقعا أن ينادى كل لحظة، آرقا جفنه، قلقا فكره، متجافيا عن المبيت جنبه، متحيرا بين الخوف والرجاء، مترددا بين الأمل والوجل، متعذبا بين الأمنية والمنية، وحاله كلما سمع رنة القصاص بأذن، ورمق حد السيف بعين وسمع ورأى بأختيهما تباشير العفو وقصص التنازل بمقابل وغير مقابل، وآمال المساعي بحقن الدماء وفك الرقاب - حاله هنا كما قال أبو الطيب:
فقاسَمَك العينين منه ولحظَه
سميّك والخلّ الذي لايزايل
فأبصر منك العفو والعفو مطمع
وأبصر منه الموت والموت هائل
ولكن:
مايخفف هول المصاب، ويفرغ جميل الصبر، ويعزي من هول الفاجعة أن نتذكر مايلي:
أولا:
أن عبدالله مات بقضاء الله وقدره، ولو كان بين أهله ناعما وادعا مات في لحظته بغتة:
لو كان للإنسان آخر شربة
والعمر تمّ لكان فيها يشرق
وما هذه المنايا إلا أقدار، وماهذه الحتوف إلا أسباب، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف يشاء، ولو شاء الله لصرف قلوب أولياء الدم -رحم الله قتيلهم- إلى العفو لفعل، ولكن الله أراد إنفاد قدره، "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون" والحمد لله على قضائه وقدره فما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن، والإيمان بالقضاء والقدر، واليقين أن كل صغير وكبير مستطر، وكل شيء فعلوه في الزبر يريح القلوب ويطمئن الأفئدة ويسلي المصاب.
ولله الحكمة البالغة في استحياء عتاة قتلة المجرمين والمفحطين وقبول الشفاعة فيهم ودفع عشرات الملايين، وبالمقابل استيفاء القصاص من هذا العبد الصالح غير ذي السابقة المرتكب جنايته غرا صغيرا في حداثة سن واقتبال عمر في مشاجرة ولم يكن قتله غيلة ولاعن سبق ترصد وإصرار، ومن يدري لعل الله أحبه فطهره وهذبه واجتباه واصطفاه، وربك يخلق ما يشاء ويختار.
ويشبه حاله إلى حد ما حال الشاعر العربي هُدبة بن خشرم الأسلمي الذي بدأه ابن عمه بالمهاجاة والشر، فتطاولا حتى تشاحنا، فقتل هدبة زيادة وهرب، فحبس أمير المدينة سعيد بن العاص أهله، فسمع بذلك فرجع وأمكن من نفسه وخلص أهله، وحكم بالقصاص وحبس ست سنين حتى يبلغ المسور بن زيادة، وتشفع أهله بكل وجيه من أمير وعالم، وعرض أمير المدينة على أخي زيادة مائة ناقة حمراء مافيها من جداء ولا ذات داء فأبى وقال: والله لو ملأت لي كذا وكذا ذهبا ما شفى غليلي إلا دمه، فقدم للقتل، فقال: أمهلوني كي أصلي فصلى ركعتين وخفف، فلما انصرف قال: والله لولا يظن بي الجزع لأطلتهما، فإني أحوج ما أكون اليوم إليهما ثم قال لأهله: إذا طاح رأسي فأمهلوا فإني سمعت أن القتيل يعقل بعد سقوط رأسه ساعة، وإن علامة عقلي أن أقبض رجلي وأبسطها ثلاثا، ففعل ذلك، ولما قدم للقتل، رفع رأسه وقال آخر بيت له:
فإن تقتلوني في القيود فإنني
قتلت أخاكم مطلقا غير موثق
ومن شعره في سجنه قصيدته (طربت وأنت بالذكرى طروب..وكيف وقد تعلاك المشيب)، ومنها:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه
يكون وراءه فرج قريب
فيأمن خائف ويُفك عانٍ
ويلقى أهله النائي الغريب
رحمه الله وغفر له..

ثانيا:
أن عبدالله رحمه الله إنما قتل بسيف الشرع وحكم القضاء، ولا اعتراض على شرع الله، ومالنا إلا التسليم والرضا "ولكم في القصاص حياة ياأولي الألباب لعلكم تتقون"، وهذا اجتهاد من حكم من القضاة يلقى به الله، فمأجور أو معذور، والتحسر والتأسف لن يرد قضاء، ولن ينفخ روحا، ولن يعيد حبيبا.
ثالثا:
أن نتذكر جيدا أن هذه الحدود والقصاص رحمة وكفارة على القول الصحيح، كما قال صلى الله عليه وسلم:(فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، وإلا فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له)
فحرارة الموت لحظات ثم برد وسلام إن شاء الله، وحمرة الدم قطرات ثم خضر سندس وإستبرق في الخيام..
تردّى ثياب الموت حمرا فما أتى
لها الليل إلا وهي من سندس خضر
والنبي صلى الله عليه وسلم قال في ماعز المرجوم في الزنا: "إنه لفي أنهار الجنة ينغمس فيها" رواه أبوداود والبيهقي وغيرهما.
وهكذا يستريح من سجن الدنيا إلى أريحية الجنة وحياة النعيم، وهو أحد المعاني لقوله تعالى:"ولكم في القصاص حياة" أي حياة الخلود الباقية، والسعادة الدائمة في روضات الجنات للمقصوص والمحدود إذا تاب وقبله الله، والمعنى الآخر أن لكم أيها الأمة والجمهور حياة في الدنيا بارتداع العامة وكف الكافة عن التعدي والقتل، ولامانع من إرادة المعنيين..
واليوم استراح عبدالله وانتهت رحلة العناء وألقى عصا الترحال وحط برحله في الجنة بإذن الله..
فألقت عصاها واستقر بها النوى
كما قر عينا بالإياب المسافر

بردت تباريح الحَزَنْ.. للشمري المرتهن
عمرا تقلب في الترقب والتوقع والمحن
زال الجميع بلمحة.. فكأن شيئا لم يكن
إني لأرجو أن يكون بجنة خضرا عدن

رابعا:
كما يقال: رب ضارة نافعة، "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم" وربما صحت الأجسام بالعلل؛ فكثير من الخلق غبطوا عبدالله على ميتته، ولك أن تقارن بين موت فجأة وأخذ بغتة لإنسان في غفلته ولهوه ومعصيته، أو على فراش نومه أو على دابة سفره، ما توقع الموت ولا تحراه ولا انتظره ولا توقعه ولادراه، ولا خطر له ببال ولا دار له بخيال، ولا تاب ولا أناب، ولا استعفى ولا استغفر، ولاعهد ولاتشهد، ولا ودع ولا أوصى، ولاتصدق ولاصلى، ولكن كذب وتولى، فأُخذ أخذة أسف، ومات ميتة حتف "فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون" وبين موت كموت عبدالله ينتظر الموت منذ أكثر من ثلاثين عاما، وكل جمعة يقول هذه خاتمتي، فإذا أدبرت وأقبلت الأخرى قال هذه هذه، وبينهما إقامة صلوات واستغفار واستنفار وانكسار، وتوبات وركعات وسجدات وآهات ودمعات وإحسان وصدقات وأمر ونهي ودعوة ودعاء ووصيته عند رأسه كل ليلة يصلي صلاة مودع كل صلاة، وإذا أصبح لم ينتظر المساء وإذا أمسى لم ينتظر الصباح، وهو في دنياه غريب وعابر سبيل، يتحرى كل لحظة أن ينادى ليرحل إلى منزله ومثواه وسكنه ومأواه، صك صك الموت سمعه من سنين، ونعيت إليه نفسه منذ حين، وكل يوم وليلة، بل كل لحظة وثانية يعدها عمرا جديدا ومكسبا فوق رأس المال، يودع فيها من الأعمال الصالحة لا من الريال ماأقدره الله عليه من الأقوال والأعمال (خيركم من طال عمره وحسن عمله)، ثم يقدم إلى ساحة الموت وقد اغتسل وتطهر، واستاك وتعطر، وكرر الشهادة، وانتظر الوفادة، واحتسب مصابه في نفسه، واسترجع إلى ربه لينال الصلوات والرحمات التي وعد بها أهل المصيبة في الآية الكريمة الحبيبة، وهل أعظم مصيبة من مصيبة المرء في نفسه، وخطوه برجليه إلى رمسه، قال تعالى:"إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت" وقال صلى الله عليه وسلم:(من كان آخر كلامه من الدنيا لاإله إلا الله دخل الجنة) وفي الصحيحين من حديث عتبان: (إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: عوفي من كثير من الواجبات وسومح من عديد من التبعات التي وجبت على غيره من أهل الحرية فقصر فيها؛ فسومح من صلة رحم وبر قريب وعيادة مريض وتشييع جنازة، ومتابعة حج وعمرة، وإعداد وجهاد، بل كتب له أجرها وإن لم يفعلها بنيته الطيبة إن شاء الله، وعوفي من كثير من آفات اللسان المهلكة والخلطة المفسدة المقسية للقلب والنظر الحرام إلى الحريم والمحارم، وسماع الملاهي وغير ذلك مما يرتع فيه أهل الحرية.
وما أعظمها وأكثرها إذا تجمعت أعني إطلاق البصر والنظرات، ومابعد ذلك من الموبقات والغيبات والنميمات ماأكثرها لو أحصيتها في اليوم فكيف في ثلاثين عاما.. إنها لو أثبتت في كراريس وقراطيس لناء بحملها العصبة أولو القوة من الرجال بل البغال بل الجمال بل الجبال..
شيخ كبير له ذنوب
تعجز عن حملها المطايا
قد بيضت شعره الليالي
وسودت وجهه الخطايا..
والمظنون أن المسجون معافى من هذه البلايا كلها لانعدام أسبابها ومسبباتها، وهو مانرجوه لعبدالله، ومن جهة ثالثة: فمصحفه بين يديه خلا ورفيقا لايفارق كفه وراحته يجد فيه سلوانه وراحته، فهو معه في رحيق مختوم، وختام مسك وختمات تترى حال ومرتحل، ما آب من سفر مع القرآن إلا أزمع سفرا:
كأنما هو في حل ومرتحل
مُوكل بكتاب الله يقرؤه
ما آب من سفر إلا وأسعده
تأهب لمسير عاد يبدؤه

وهو دائم الإقامة في مسجده لايتأخر عن صلاة، ولايتخلف عن جماعة، ولاتفوته تحريمة، ولا يحضر إلى الصلاة بعد تسليمة، طيلة هذه المدة الطويلة الأليمة، وكم تفوت من صلاة وركعات وجمعة وجماعات لمن عوفي من البلاء وعاش في الحرية في يوم وشهر فضلا عن عام فضلا عن ثلاثين عاما..
ثم هو في أيام صبر وسني تمحيص وتخليص وتطهير وتكفير وما أشق السجن وأشده، وإن عاما للسجين كفيل بالإشراف به على حافة الجنون فكيف بثلاثين عاما أو تزيد " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب" " وبشر الصابرين" " والله مع الصابرين"
هذا وأمثاله مايجعل كثيرا من الناس يغبط عبدالله في منيته ويحسده على ميتته.
إن يحسدوني على موتي فواعجبا
حتى على الموت لا أخلو من الحسد
وأخيرا..
فإن العفو منقبة عظيمة وخصلة كريمة لا يوفق لها كل أحد، ولا يمنحها الله إلا من اختصهم بحبه واجتباهم بقربه قال تعالى:"والعافين عن الناس والله يحب المحسنين"
وقد قال أحد الخلفاء: لقد حبب إلي العفو حتى خشيت أن لا أؤجر عليه.
هذا مع أن القصاص حق لا يلام صاحبه ولايستطال على عرضه ولايعنف عليه..
وهذه أبيات رثيت بها عبدالله وعزيت بها أهله وأحبابه، بل عموم من فجع به من المسلمين، وعزيت بها نفسي قبلهم:


لمن نشكو الفجيعة ياابن فندي
وقد حسم القضاء بحدّ هندي

بكى الجبلان أي أجأٌ وسلمى
وذابت كل ناظرة وكبْد

وودت كل أرض الله لو أنْ
تقدم كل غالية وتفدي

بكاك المصحف المفجوع لما
له قلت: الوداع، وما بودّي

ومسجدك الذي صليت فيه
من الأعوام عمر أب وجدّ

بكاك السجن لاجرم ففيه
قضيت العمر موثوقا بقِدّ

شببت به وشخت وكنت خلاّ
لأهل السجن محبوسٍ وجندي

وذقت من المنية ألف موت
وكابدت العذاب وكل جهد

ومن عرف السجون وما حوته
من الأحزان ما أعياه قصدي

فسل عنها ومحنتها خبيرا
فكم عنها من الأخبار عندي

وقصّك ذا القصاصُ بكل عضو
وحدّتك السيوف بكل حدّ

ومابرحت تباريح الليالي
تهدك بالترقب أيَّ هدّ

إلى أن حان حينك واستتمت
لك الأيام واكتملت بعَدِّ

ولست أرى بأمرك من جديد
فمن قبر إلى قبر ولحد

بلى أملي بلحدك أن تُلقّى
ثواب الصبر في نزلٍ مُعَدّ

وترتع في أرائك ناعمات
بجنات مهيأة وخلد

وتنهل من شراب سلسبيل
بأنهار الروا لبن وشهد

وسندسِ أخضرٍ في دار عدن
نمارق أو زرابي المخدّ

وتأنس معْ كواعب قاصرات
وحور ذات تدليل وقدّ

تمشّى بينهن على بساط
من الألوان أفنان ورند

بكاك المشفقون وأنت فيهم
تَبَسَّمُ كالعروس بيوم سعد

وأهوال أمامك قد تراءت
هي الموت الرهيب بدون بد

وجئت إلى القصاص حديد قلب
وثيق الخطو  كالجبل الأشدّ

وأنت لهذه الأهوال عمرا
مديدا كالزعيم المستعد

وكم بطل مكانك قد تراخى
وخانته النهى يوم التحدي

فخار له عزائم صادقات
وخفاقٍ من الترويع رِعد

بذلت المستحيل لعلّ تبقى
ولكن للإله قضاء عهد

تقول: أطل بأيامي إلهي
وقال الله: قد أنفذت وعدي

وقلتَ: لعله يختار عفوا
وقال الله: إني اخترت عبدي

سلام الله عبدالله حتى
تلاقي في القيامة أهل ودّ

بظل العرش في ملأ كريم
مع المقتول في أنس ورغْد