تعديل

بحث

الثلاثاء، 3 سبتمبر، 2013

الجرح والتجريح..


الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله.. 
أما قبل:
 فإن طال عليك أيها القارئ موضوع كهذا فلا تلحق كاتبه ملامة، فإن رأيته جديرا بالقراءة فاعتبره حلقات وجزئه أجزاء واقرأ كل مرة حلقة، وما أفعل في زمان اعتاد أهله على الوجبات العلمية السريعة (ماك تويتر أو تويتر كنج) كما اعتادوا على (برجركنج وماك دونالدز) ولي حديث حول هذا الموضوع تحت هذا العنوان بإذن الله.

وأما بعد: 
فإن من شر ما بليت به الأمة الإسلامية في هذه الفترة من الانحطاط فتنة الانقسامات الجاهلية، والتعصبات الحزبية التي أنهكت قواها، ومزقت شواها، وأبانت عن مقاتلها للأعداء، حتى باتت مهددة بسفك الدماء، ومن أخطر هذه الفتن التي أحوجت أفاضل العلماء في سبيل علاجها إلى التأليف والتصنيف، فتنة العدوان على الجماعة والتأليف، بالمسارعة إلى التأليب والتصنيف، بدعوى تحذير المسلمين وإحياء سنة الجرح والتعديل زعموا، وهؤلاء في الحقيقة لايمتهنون هذه الوظيفة بهذا الاصطلاح المتوازن على الأقل (أي الجرح والتعديل) ولكن كل عملهم محصور في الجرح، ومقصور على التجريح والقدح، أما التعديل فلا يعرفونه ولا يكادون، وما ينبغي لهم وما يستطيعون، إذ هم عن العدل معزولون؛ إلا لنفر يسير جدا هم من يشاطرهم الاهتمام، ويشاركهم تكريس الانقسام، ومع ذلك فسرعان ماينقلب هذا القليل على القليل، بالحرب والتنكيل، بكل ضراوة وشراسة، ويضيق كل صاحبه بأسه؛ ليكون شريك الأمس في المنهج، أخطر من اليهود وأهوج، وأضل من النصارى وأعوج، وبعد ذلك تتسعر حمى التصنيف، ويتفجر بركان التأليب والتحذير والتخويف، وتسويد الصفحات، وإشغال الساحات والإجلاب بالخيل والرجل، والضرب بالحصى والعصى، والجلد بالنعل والركل بالرجل، نكاية وانتقاما، وتصابيا بالألفاظ واغتلاما، وهكذا دواليك في حلقة بئيسة، ودوامة تعيسة، حتى أنبتت هذه البذرة الخبيثة أشجارها، وفرعت أغصانها وأثمرت ثمارها، إغراءا بالفجور، وإيغارا للصدور، وتكريسا للنفور، وتجرئة للأحداث، على مهم الأحداث، والحكم على الأحياء وأهل الأجداث وتربية للنشء على بذيء القول واللعن، وسيء الظن، وكل ذلك بدعوى الانتصار للسنة العتيدة، والغيرة والذب عن العقيدة.

وأنت إذا تأملت وجدت أن معظم ضحايا هذه الفتنة أول مايصابون به من شؤمها: تحول اهتماماتهم، وبرود هماتهم، وتبلد غيراتهم جهة محارم الله وانتهاكها وجرائم دعاة الرذيلة وأساطين العلمنة والانحلال وعدم اكتراثهم  لمآسي المسلمين ودمائهم وكوارثهم، بل رأيت لبعضهم أنه عدّ التباكي على مآسي المسلمين والحزن لقرحهم من ألاعيب الحزبيين وخداع الحركييين وشغلهم الناس بهذا عن هموم الوطن والمواطنين، ولابن عساكر في أهل العلم (من تجرأ على أعراضهم بالثلب ابتلاه الله بموت القلب) 
وهم إن خاضوا هذا المعترك فهم عون للأعداء ووبال على أهل الإسلام بآرائهم وأقوالهم، فيصفون القائم على حدود الله والحامي لمحارمه بالتهييج والاندفاع، ويلمزون خير الناس وأفضلهم من أهل الجهاد والرباط بالخروج والثورية والابتداع، ويتكلمون في هذه الفتن كلاما يوهن عزائم أهل الحق ويشد أزر أهل الباطل ويزيدهم إمعانا في التنكيل والتقتيل من مثل قولهم: لولا هؤلاء المتسرعون الثوريون ماثار طاغية الشام ولاغيره غير ناظرين إلى إلحاده وعظيم كفره وإفساده، وتسلطه وآبائه على عقيدة الإسلام ودماء المسلمين وعناده، ويوحي له كلامهم ببراءته من الدماء، ومظلوميته من الأعداء،  وأن البلية كل البلية، والرزية كل الرزية، من هؤلاء الحزبيين، فيمعن في التقتيل، ويوغل في التنكيل، وهم في ذلك يرون أنفسهم أهدى طريقة من أئمة الدين الذين قاتلوهم وحرضوا على قتالهم كشيخ الإسلام ابن تيمية، وإن لم يقولوه جهارا، لزمهم اعتبارا.

وثاني ما يصابون به: الحيرة والضلال البعيد، والانتكاس الشديد، فيعود واحدهم خصما عنيدا، وشيطانا مريدا على أهل الإسلام عامتهم عامة، وخاصتهم خاصة، من رفقاء الدرب، بالقذف والشذب، ويعود بمثابة الدليل، والقواد الذليل، لأهل الزندقة والعلمنة والرفض، على عورات أهله ويهتك لهم العرض، وربما وظفته جهات فكرية مشبوهة وظائف مرموقة، ذات مرتبات مغرية، ورواتب مجزية، وربما شارك أولئك في صحفهم وقناهم، وحقق مرادهم ومناهم، بتجريد الأقلام، وإنتاج الأفلام، الغامزة الساخرة، اللامزة الفاجرة، للجهاد وأهله والحسبة ورجالها والدعوة ودعاتها، حتى إنك لتتساءل برهة: أهذا مسلم؟! لشناعة ما يقول، وهو عينه الذي كان بالأمس يجترئ على الصالحين بالتبديع والتفسيق، والكذب والتلفيق، وربما التكفير بغيا وعدوا، وبلغ في ذلك المجال شأوا.
هذا عجب لا أعجب منه إلا نسبة هذا الجور إلى هدي السلف واتباع طريقة التابعين لهم بإحسان، وزعْم أن هذا المنكر القبيح والكبيرة الخطيرة مما يحبه الله ويرضاه، ومرتكبها مجاهد أعظم الجهاد وأولاه، والسخرية والتضاحك ممن عن أعراض الخلق تورع، فلا فسّقَهم ولا بدَّع، ونسبة هذا المتحوّط إلى الورع البارد، والفهم البالد، ونسي مدعي ذلك أو تناسى أنه متنكب هدي السلف متجاف عن طريقتهم متجانف لمخالفتهم محسوب على أهل البدع في هذا الأمر منتظم في سلكهم ملتحق بركابهم وذلك لوجوه:

أن السلف الصالح ماكان دافعهم التشفي والغل والحسد والولع بالغيبة والثلب وخوض غمار هذا المعترك الصعب هوى وهواية، وتلذذا بلحوم الخلق وغواية، وإنما كان دافع السلف الغيرة لله حقا، وحراسة سنة الهادي صدقا، بحمايتها من إفك الكاذبين وانتحال المبطلين وإدخال الوضاعين، ثم لا تجد منهم توسعا في هذا الباب إذ تعرضهم لأعراض الخلق ضرورة تقدر بقدرها فواحدهم كباضع جلد مريض وجوفه، لبتر عضو فاسد أو استئصال ورم مضر، يفعل ذلك متأففا متخوفا، متلثما متذمما، وكذي مخمصة غامس يده في لحم ميتة غير متجانف لإثم ولا باغ ولا عاد يسد بلغته ويبقي على مهجته ثم يقلع، قبل أن يشبع، وكمسيغ غصته بخمر لا يعتدي بالاستكثار منه، ولا يتنكه به ولا يتفكه، ويتمعض ولا يتلمظ، ويتقزز ولا يتمزمز.

ومن ذلك أن السلف قصروا هذا الجانب على العلميات كرواية الحديث وما أشبه وشيء من العمليات كالمجالسات ولم يعدوه إلى سائر وجوه الحياة ويصبغوا أنفسهم بصبغته، فلا يكاد المشتغل به ينفك عن التعميم ووصف الهمزة اللمزة المشاء بالنميم.

ومنه أن السلف وإن اعتمدوا هذا الجانب وصنفوا فيه وتكلموا به فإنهم استقاموا كما أمروا ولم يطغوا ويجاوزوا ولذا سموا هذا العلم الجرح والتعديل.
وإذا رأيت ثم رأيت وضعهم للمصدر الثلاثي (للجرح) أي ذكر الجرح الظاهر دون تكلف ولا تقصد، والمصدر الرباعي (للتعديل) من عدل بتشديد الدال وهذا المصدر وفعله موحيان بالتكلف والتماس سببه الجلي الخفي والحرص على سلامة الموصوف من ضده، وإذا رأيت مصنفاتهم وحكمهم على الرجال وجدت أوصاف التعديل مضاهية وربما غالبة للجرح كقولهم ثقة أو ثقة ثقة أو تقة ثبت أو أوثق الناس أو أعدلهم أو إمام وحافظ ومتقن وعالم وفقيه إلى غير ذلك،  فأين هديهم مِن مَن معجمه قفر من ألفاظ الثناء، فقر من حسن الظن وجميل الوصف والدعاء، مافيه إلا الثلب والسلب والحرب والضرب والتماس الجرح بكل سبيل وتكلفه بدليل وغير دليل ولذا سميتهم في العنوان أهل (الجرح والتجريح) هذا ديدنهم لا تكاد حاسة الواحد منهم تقع على بر وحسن ظن ولا يشتمّ أنفه إلا أقبح الروائح وأخسها يسقط عليها سقوط الغراب على جيفته، والضبع على ميتته، والذباب على قذره، والجعل على بعره، هذا هو الأصل والأعم الأغلب لديهم لا يكاد يعثر على صالح إلا  لندرة  من موافقيه لا يلبث أن ينقلب عليه لأتفه سبب.. 

ومن جهة أخرى تجد عدل السلف في حسن الأدب واختيار رقيق العبارة ولطيف القول من باب: إذا قتلتم فأحسنوا القتلة؛ فترى قولهم (صدوق) لخفيف الضبط ومثله (صالح) و(لا بأس به) (شيخ)( يكتب حديثه) و(رمي  بالإرجاء) أو القدر أو بكذا هكذا دون جزم وإذا بالغ أحدهم قال (فيه غفلة الصالحين) لاتجد الفظاظة والمسارعة إلى رميه بالبدعة والتشوف إلى إثباتها وإرسائها بكل سبيل وفرح الجارح بإثبات جرحه (فرح الجارح بإثبات جريحه) أوفرح الواجد المضل راحلته عليها طعامه وشرابه في يوم قائظ بأرض فلاة، بل تجده كارها ثبوتها على مسلم متمنيا براءته منها، إلا من نادى على نفسه بالبدعة وهتك ستر الله عليه فهذا يبينون حاله من الكذب والبدعة ضرورة براءة الذمة ومن باب تقديم ضرورة الدين على ضرورة العرض.

ومن مخالفتهم للسلف: إهدار قاعدة البراءة الأصلية والأصل السلامة من التهمة حتى يثبت العكس، والتبيّن من التهمة ليس العكس، وهؤلاء عندهم الأصل التهمة والتبين في العدالة حتى يثبت لهم أن المقصود على منهاجهم ومنوالهم وإعمال نقيض هذه القاعدة من سوء الظنون بالمسلمين بلا بينة ولا ثبت، ولهذا تجد الذين يزكونهم يعدون على الأصابع والطاعنين فيهم لا يعدون ولا يحصون، ولا يغيب عني هنا ما قيل إن المثبت مقدم على النافي في مسألة الجرح ولو أن الأصل مع النافي فهذا لمن حسنت نيته وسلم قصده وكملت معرفته بأحوال الناس وعرف عدله وعدالته. 

ومن مخالفتهم للسلف وهديهم: إهمال ما درج عليه السلف من رد متشابه القول إلى محكمه كما أرشدهم وهداهم إليه ربهم في صدر آل عمران أن يفعلوا بكلام ربهم، وكلام رسوله كذلك، ومما نص عليه أهل العلم في كتب القواعد والأصول أن قول الفقيه والعالم والإمام يعامل معاملة نص الشارع من هذا الجانب فيردّ متشابهه إلى محكمه ويحمل مطلقه على مقيده وعامه على خاصه ومجمله على مبينه، ويقدم نصه على ظاهره وإشارته، وكذلك نفعل مع آحاد البشر إذ إن هذا موجَب العدل ومقتضى الإنصاف ولايصح أبدا أن نأخذ قول الإمام المتشابه غاضين النظر عن محكمه وننسبه مذهبا له أو نحاكمه عليه هذا من الحيف والجور .
والمقصودون بالحديث خالفوا هذا الأصل وأخذوا بمتشابه قول الشخص بل بحثوا عنه بتلمظ وتيقظ ونسبوه مذهبا له به ضللوه وبدعوه أو كفروه مع أن أقواله المحكمة بينة ساطعة تناديهم إليها وتسمع الأصم وتتراءى للأعمى لكن ذا الهوى لا حيلة فيه، أقول هذا مع أن الذي ينبغي على المرء والعالم وطالب العلم أن يحرص أشد الحرص -سلامة لدينه وعرضه- على الحذر من تعمد التشبيه واللجوء إلى الألفاظ المدغمة وترك البين الواضح المحكم لكنْ إن حصل هذا منه لغفلة أو ذهول أوقصور عبارة فنعامله كما تقدم إعمالا لإحسان الظن وبعدا عن الإثم وأن لا نفرح بزلته، ونتكلف في بدعته، أما البارئ فلا يسأل عما يفعل من خطاب عباده بمتشابه، وهو يمتحن عباده بما شاء كيف شاء من أمره وخبره، تعالى عن خلقه علوا كبيرا.
ولهذا خطأ العلماء من تعمد تجشم المتشابه وترك المحكم وألحقوه اللائمة كما قالوا في أبي إسماعيل الهروي صاحب المنازل بسبب قوله الذي جرّه الاتحادي إليه بسببه وأقسم بالله جهد أيمانه أنه معه وهو من ذلك الزعم بريئ والمقصود قوله:
ما وحّد الواحد من واحدِ
إذ كل من وحده جاحدُ
توحيد إياه توحيده
ونعت من ينعته لاحد
ومثله قول عبد القادر الجيلاني: كل الناس إذا نظر في القدر تحير إلا أنا فتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق والرجل من يعارض القدر لا من يوافقه.

ومن تنكُّبهم الخطير لمنهج السلف في هذ الجانب إهدار قاعدة التفاوت في الولاية للمؤمنين تفريعا على تفاوت الناس في الإيمان زيادة ونقصا وعليه فكل مؤمن له حق الولاية (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) والولاية المطلقة لأهل الإيمان المطلق ومطلق الولاية لأهل مطلق الإيمان والمؤمن الفاسق والفاجر ومرتكب الكبائر أحب إلينا وأولى بولايتنا من الكافر وهم في ذلك درجات (هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون)
وأنت إذا رجعت البصر في مذهب القوم وجدتهم أقرب إلى أهل البدعة من أهل السنة في ذلك من حيث إيثار أقرب المؤمنين إليهم بأشد العداوة وأنكى البغضاء والعكس بالعكس ولربما أنفق أحدهم حياته أوجلها في تتبع ما يراه سقطات لإخوانه يجمعها ويضخمها ويبني عليها صروحا من سوء الظنون والتهم والطعون حتى يورده المنون ثم يواريه دون غسل ولا كفن ولا صلاة ، وربما تركه في فلاة ، دون مواراة، فكان الغراب خيرا مته (أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي)

وأعني بأهل البدعة هنا من زعم أن الإيمان لا يتجزأ ولا يتقسّم ولا يتشعب ولا يتبعض وهم على ضربين:
من قال إن زواله بالأعمال محال، وأنه المعرفة ليس للأعمال فيه مجال وأهله في أصله سواء وهم المرجئة وبناء عليه ترهلوا وتسهلوا وزعموا أن إيمان أفجر الأمة كإيمان أبي بكر وعمر ومحمد وإبراهيم وجبريل وميكال،
ومن قال يزول كله بزوال بعضه فكفروا بالكبائر، أو أخرجوا من الإيمان وقالوا بالمنزلة بين المنزلتين
الأولون الخوارج والآخرون المعتزلة وعندهم من وطئ كبيرة فلا حظ له في الإيمان كالكافر سواء، لا، ربما عذروا الكافر من الجهل بما لم يعذروا به فاعل الذنب والكبيرة وهؤلاء شابهوا -لا أقول من كل وجه بل من وجه من الوجوه - هذه الفرق كلها شابهوا(المرجئة) في تعاطيهم مع الفجرة والظلمة والطغاة الذين ربما ارتكبوا من الكبائر ما اختلف السلف في عده مكفرا كالحكم بغير ما أنزل الله وشابهوا (الوعيدية) في تعاملهم مع أهل الدعوة والعلم والجهاد حتى رأينا منهم من يبرر لأولئك ضلالهم ويهون جرائمهم وقتلهم وإحراقهم لهؤلاء، ومن العجب أن الطاغية يعلن بتأسف مصنوع أن قتل (المحتجين على عزل ولي أمرهم وتبديل حكم الله) أبغض الحلال بينما تجد من يسمي نفسه ويسميه مريدوه شيخا وداعية وعالما يرى أن ما فعل الطاغية هو الواجب عليه وهو لم يخرج فيما فعل عن الدين وهدي السلف وتأديب أهل التأليب، ورأينا منهم من صرح بأن ما فعله الهالك حافظ في أهل حماة لا يخرج عن مقتضى العقل ونصوص الشرع. 

ومن تنكبهم لنهج السلف بناء الود والبغض والولاء والبراء على مواقف شخصية وحظوظ نفسية فلربما تواصوا بهجر وطعن وثلب من عرف بالعلم وشهر بالورع والزهد والتقوى لزلة لسان أو نبوة بيان وبالمقابل ترى ملاينة وموادعة ومقاربة ومصافاة من هو أبعد منه عن التقوى والورع بمراحل، وإذا أجلت النظر وجدت الأمر لا يخلو من دوافع شخصية وحظوظ نفسية إما بحسد أو خلاف قديم أو غير ذلك مع الأول ومصلحة دنيوية وصداقات وعلاقات شخصية مع الآخر فلا يكون غضبه لله والحق ولا غيرته صادقة ومهما قدم ذلك الضحية لدينه علما وعملا لم يشفع له بل ربما زاد عليه في النكال والعداوة، شراسة وضراوة،
والسلف من هذا براء فالإمام أحمد (مثال) ما كان أحد من أصحابه أصفى بوده وأقرب إلى قلبه من صاحبه وخليله ورفيقه في طلبه وأسفاره أبي زكريا يحيى بن معين مع ذلك هجره أحمد منذ خروجه من السجن ومات هاجرا له ولما زاره في مرض موته أدار له ظهره؛ لأنه أجاب في مسألة القرآن متأولا خائفا، وفي المقابل قال المَرُّوذي: (وذكر له -يعني أحمد- رجل، فقال: ما أعلم إلا خيراً، قيل له: قولك فيه خلاف قوله فيك؟ فتبسم، وقال: ما أعلم إلا خيراً، هو أعلم وما يقول، تريد أن أقول ما لا أعلم! وقال: رحم الله سالماً زحمت راحلته راحلة رجل، فقال الرجل لسالم: أراك شيخ سوء، قال: ما أبْعَدْتَ).
وقال عبد الله بن محمد الوراق: (كنت في مجلس أحمد بن حنبل، فقال: من أين أقبلتم؟ قلنا: من مجلس أبي كريب، يعني محمد بن العلاء فقال: اكتبوا عنه، فإنه شيخ صالح، فقلنا: إنه يطعن عليك، قال: فأي شيء حيلتي، شيخ صالح قد بُلِي بي).
وأهل العلم والفضل المتجردون للحق والسلف الصالح على هذا. 

ومن ذلك ما يصاب به من تلوث بهذه الرزيئة من الأشر والبطر والتعالي والتعاظم واحتقار المسلمين وازدراء المؤمنين  والجرأة على ظلمهم والتحريض على دمائهم وأعراضهم والتضييق عليهم في أرزاقهم وإيغار صدور الولاة والتحريش إليهم والسعاية لديهم، وهذه ذنوب عظائم وجرائم ومظالم والسلف الصالح ما كانوا من هذا الخلق في قليل ولا كثير بل تخلقوا من أخلاق النبيين بالرأفة والرحمة والحنان والزكاة وترك القسوة والجبروت والشقوة والتواضع لله وهضم الذات وإقالة العثرات والتغاضي عن العورات (وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا) (وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا)(إنك لأنت الحليم الرشيد)(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) ولهذا تجد لدى أهل العلم الراسخ والإيمان والتقوى والصدق من الرحمة بالخلق والتوخي للحق والتواضع والصدق وإيثار الرحمة على الغضب والعفو على الجهالة واللطف على العنف في حكمهم على الأفراد والجماعات  إلا من استفحل شره وتعاظم ضره وكان الواحد منهم كثير الاتهام لنفسه والتخوف على قلبه والإشفاق على خاتمته، حدثني أخي وصفي ودي أبو محمد يوسف بن زبن الله العطير عطر الله سيرته في الآخرة كما عطرها في الدنيا: أنه استأذن شيخ الجميع ذا المقام الرفيع الإمام عبد العزيز ابن باز في صحبته آخر عمرة اعتمرها الإمام قبل وفاته بعام سنة تسع عشرة وأربع مئة وألف من الهجرة  قال: فكنت له كظله وحرصت على مرافقته ومراقبته والإنصات له والإخفات، قال: فكان أكثر دعائه في المطاف وعلى الصفا والمروة (رب أصلح لي قلبي، رب احفظ علي سمعي وعقلي رب زدني علما) فذكرت (أنا محدثكم) هذا لوالدنا وشيخنا الإمام العلم العلامة عبد الرحمن البراك فتهلل وجهه وتبلج وتطّلق وزاد بياضا على بياضه وضياء فوق ضيائه وقال: الله أكبر والله لقد صليت خلفه صلاة العصر في الخرج يوم كان قاضيا في الدلم فسمعته في آخر ركعة قبل السلام يدعو بهذا الدعاء: رب أصلح لي قلبي، قال أبو محمد: وسمعت واعظا يعدد مناقب الإمام بعد وفاته فذكر أنه سُمع يدعو بصلاح قلبه عام خمسة وستين وثلاث مئة وألف من الهجرة وعام ثمانية وثمانين بدار الحديث في المدينة وستة وأربع مئة في الجامع الكبير بالرياض بين خطبتي الجمعة، ومعنى هذا حرصه على هذ الدعاء من صغره إلى كبره وفي جميع مراحل عمره فأدركت سرّ حفظ الله له بسلامة قلبه وسلامة المسلمين من لسانه ويده وتوفيقه له إلى الاعتدال ولزوم الوسط وترك الشطط، رحمه الله وأسكنه فسيح الجنات ورفيع الدرجات.

ومخالفتهم للسلف كثيرة جدا لو ذهبت أتتبعها لطال الحديث وتشعب. 

ولقد كادت تزل بي قدم في هذه الفتنة أول استعارها ثقة ببعض من تولوا كبرها من أهل علم وفقه وكان لي إليهم بعض التفات يصدني عن الإيغال فيه إيغالهم في الفتنة حتى رأيت أن لايسلمُ منهم أحد، وخشيت على نفسي وأشفقت على قلبي إلى أن شرح الله صدري أنها فتنة لا يسع إلا الهروب منها ونفض اليدين من أهلها وكان لذلك أسباب منها رؤيا رأيتها عام ثلاثة عشر وأربعمائة وألف من الهجرة فلقد رأيت رؤيا هالتني وأفزعتني واستيقظت وما في جسدي شعرة إلا تحركت فعبرتها بل هي من الوضوح بحيث عبرت نفسها بهذه الفتنة وذلك أنني رأيت فيما يرى النائم أن شهابا هائلا هوى على الأرض ارتجت له الدنيا وعلمت أنه وقع في المدينة النبوية فتشظّى ثم تناثر في الأرض وأصاب أو جزء كبير منه المدينة الجامعية بالرياض (الإمام) ثم توزع في الرياض والأرض جميعا حتى رأيت أنه لم يدع بيتا إلا دخله على أهله فأحرق من أصابه فوليت الفرار وقبل دخولي بيتي أصابتني منه شرارة صغيرة ثم وقعَتْ على الأرض ففزعت جدا وأشفقت منها وجعلت أدفن الشرارة بالتراب ونظرت إلى يدي فوجدتها سالمة واستيقظت على هذا وعلمت أن الله تداركني ونجاني منها وأنه سيكون لي دور في دفنها وهذا ما حصل ولله الحمد والمنة ولعل هذه الأحرف من طهور تراب دفنها وتطهيرها أسأل الله ذلك وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والحمد لله رب العالمين. 

شادن عنَّ لنا يا صاح عنّا
لا تسل لمّا لقلب الصّبّ عنّى

بقوام وابتسام ونفور
وشعور كم له شعري تغنى

يا بنفسي غصن بان خيزران
ورزان كلما قام تثنّى

هل على الصب جناح إن ِملاح
في صباح لاح منها حسن مغنى

كلما هز نسيم الفجر فرعا
وتثنى منه نسرين حننّا

قلت يا ذا الحسن أقبل قال كلا
قلت مهلا قال جهلا تتمنى!

أو لم يكفك شيب خطّ وَخْطاً
وخطا العمر حثيثا وارجحنّا

لا أرى جهلا يفوق اليوم جهلا
أن ترى كهلا بغى لهوا وفنّا

غير جهل من ظلوم وغشوم
نهش الأعراض نهش الذئبِ ضأنا

جعل الأخيار زادا ومزادا
حيث سوقٌ لفسوق يتجنّى

أولم يكف أولاء القوم نص
لحديث : ليس منا ليس منا

ولئن تعجبْ فمن زعم شنيع
أن خير الرسْل هذا الشرَ سنّا

أي إفك وافتراء واجتراء
يا بني الإسلام هذا القول منا

أوَ كلَّ الدين تجريح وقذف
لقتيلين أتمّا اليوم قرنا

وصريعين لعدوان وظلم
وهما سيد قطب وابن بنّا

لست أغلو فيهما لست مريدا
لهما في كل شأن يتبنى

وبيان الحق أولى من حُميّا
لإمام كائنا ما كان شأنا

خطأ القائل مردود عليه
باعتدال واعتذار ليس شحنا

يا بني الدين حنانيكم ألما
تقرؤوها (وحنانا من لدنا)

منهج الأسلاف ما كان سيوفا
مصلتات لم يكن وَخْضًا وطعنا

منهج الأسلاف ما كان بذاء
وعلى العرض افتراءات ولعنا

يا نصوحا إن ترد خيرا وصلحا
يا مريد الخير قل للناس حسنا

فتن تعصف فينا عصف هوج
من رياح قذفت بالموج سفنا

واشتغلنا باحتراب بحراب
مزقت من إخوة الإسلام شجْنا

كل هذا وعدو الدين يعثو
عثيان النار في القشّ استشنا

من يهود الغدر أحلاف نصارى
ومجوس شيعة الآل استجنا

جمعوا هولا وآلاتٍ لحرب
ونواة تذر البلدان فرنا

فلمن هذا ترى قد جمعوه؟!!
أيها السني بالله استعنا

اتركوا عنكم لقد قلنا وقالوا
وانفروا للدين إن الحرب شُنّا

وانظروا مصر أيا لله مصر
وانظروا شاما خذوا درسا ومعنى

ذبحوا السنة ذبحا كخراف
نحروها أشبهوا بالنحر بدنا

سلفيون وإخوان تراهم
وفّر الكفر لهم نفسا وحصنا؟!!

كلهم كانوا سواء عند رفض
يأكل السنة بطنا ثم بطنا

يابني السنة نصح من نصوح
إن رأى جرحا بأهل الدين أنّا

ينثر الأشعار دمعا من عيون
ودماء من شرايين المعنّى

كلما سجّع لحنا راعبيٌّ
رجّع الأشعار لحنا ثم رنّا

يتباكى ، كلما أظلم ليل
يرقب الصبح حثيثا يتأنى
  

هناك تعليق واحد:

  1. محمد الغماس5 سبتمبر، 2013 10:21 م

    يا شخنا أبو عبدالله لقد عهدتك صريحا واضحا لا تخشى في الله لومة لائم ... فلم تسمهم ( الحزبيون ) ولم لا تسميهم بإسمهم وهو الجامية لا كثرهم الله الذين هم في كل قضية ضد أهل الحق ومع أهل الباطل - الخروج على مرسي أوضح مثال - ويأبى الله إلا أن يفضحهم قاتلهم الله أنى يؤفكون ... من إجرامهم وخبثهم ّهب بعضهم إلى الشام قبل أيام بدعم دولي ليحذروا من المجاهدين ويفرقوا بينهم ولم يكفهم جهدهم وليس جهادهم في الداخل أسأل الله أن يكفينا شرهم .. لقد أصموا آذاننا بعدم جواز الخروج على ولي الأمر فإذا بهم يتباشرون بالخروج على مرسي .. ومع ذلك فالأمر لله وهذا تدبيره ولا شك في خيرته

    ردحذف