تعديل

بحث

الثلاثاء، 29 أكتوبر، 2013

ثم تولى إلى الظل..


   
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أما عنوان هذه المقالة فهو جزء من آية القصص الكريمة ( فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير)والمعنيّ بها النبي الكريم الكليم موسى صلى الله عليه وسلم، والمناسبة ذلك الموقف النبيل والعمل الشهم الشجاع الذي هو ليس بغريب على سير النبيين وأخلاقهم الذين بلغوا الغاية في المروءات والشهامات وأفعال الرجال  ولهم في ذلك قصص وحكايات يطرب لها الساري ويهيم بها القارئ ف"هل أتاك حدث ضيف إبراهيم المكرمين" ولوط إذ قال:" إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون" وشعيب الساعي بالصلح المعروف بالإصلاح " إن أريد إلا الإصلا ما استطعت"وحنان وبر (ابني الخالة ) يحيى وعيسى " وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا وبرا بوالديه"" وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا"وإقدام داود "وقتل داود جالوت" وفروسية وعزة سليمان "ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لاقبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم لها صاغرون" ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم  على حد وصف أعرف الناس به:(إنك لتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق)فهو غاية الكمالات البشرية وأفعال المروءات والرجولات كرما وشجاعة وشهامة وبرا وعطفا وإحسانا:
تراه إذا ما جئته متهللا
كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ولو لم يكن في كله غير روحه
لجاد بها فليتق الله سائله
ولموسى صلى الله عليه وسلم من هذه الشهامات والمروءات ماقصته الآيات ، من ذلك: نجدته وإغاثته للملهوف في أحلك الظروف، وأشد الأوقات خطرا عليه، وأحوج مايكون فيها إلى التخفي والاستتار، لكن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب..
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم
طاروا إليه زرافات ووحدانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم 
في النائبات على ماقال برهانا
يصنعون المعروف غير منتظرين جزاءه إلا من ربهم وغير ناظرين مكانه حتى لو كان غير أهل، ولو كان من اللؤم والحقارة مستعدا أن يبوح بسرهم ويفضح أمرهم ويشي بهم إلى أعدائهم لمجرد تعنيف لفظي كما جرى لموسى مع صاحبه "أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس"
موسى عليه الصلاة والسلام دخل المدينة على حين غفلة من أهلها؛ لأنه كان على رأس قائمة المطلوبين للطاغية فرعون، ومع ذلك أغاث الذي استغاثه، بكل إقدام وبسالة، فوكز خصمه فقضى عليه، ومرة أخرى أصبح يترقب:"فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه"
إن عمل الإحسان ونجدة الملهوف والفزع للمكروب في حال الرخاء عمل جميل وجليل، وأجل منه وأجمل حينما يكون هذا المحسن المنجد نفسه في حالة من الشدة والكرب والترقب الذي يجعل المبتلى به يموت كل لحظة، ويفزع من كل صيحة، كما جرى لموسى صلى الله عليه وسلم
والأمر عينه حينما خرج من مصر خائفا يترقب هائما على وجهه سائلا ربه أن يهديه سواء السبيل جائعا غريبا لم يمنعه ما هو فيه من ممارسة أعذب هواية للأماجد الكرام هواة المجد عشاق السؤدد، رأى موسى المرأتين على حال من الضعف والاستكانة تذودان غنمهما من دون أمة من الناس تتزاحم بكل جشع على المورد أيها يسقي ، وتتقاتل بكل الأثرة على الماء أيها يغلب ، كما قال ابن كلثوم شاعر تغلب :
ونشرب إن وردنا الماء صفوا 
ويشرب غيرنا كدرا وطينا
وما هلكت القبائل وفنيت الشعوب ، إلا حيث تلتطم الدليّ وتشتبك الغروب ، وما اازدحمت الأجداث إلا على شفير الموارد . 
كما قال أحمد بن الحسين ( المتنبي ) :
من الحلم أن تستعمل الجهل دونه
إذا اتسعت في الحلم طُرْق المظالم
وأن ترد الماء الذي شطره دمٌ
فتسقي إذا لم يسق من لم يزاحمِ
ومن عرف الأيام معرفتي بها
وبالناس روّى رمحه غيرَ راحم
فليس بمرحوم إذا ظفروا به
ولا في الردى الجاري عليهم بآثمِ
هذه إذا فلسفتهم في الحياة وهذا فهمهم لها على طريقة ( إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب )
وأين هاتان الضعيفتان الحييتان  من مزاحمة الرجال بالمناكب ومدافعتهم بالراح  (ويل الأيتام على مأدبة اللئام) ومَنْ لرب الشويهة أمام رب البعير إلا الله ثم كرام الخلق وساداته، أهل الغوث والنجدة والشهامة، وعلى رأسهم المرسلون الذين شعارهم (لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على رب العالمين)
أليس أجدرَ بالالتفات لهاتين المرأتين ذوو القرابة والعشيرة من غريب لا يعرفهما ولا تلحقه بتركهما ملامة، ثم هو مطارد قد وضعت على رأسه أسنى الجوائز؟!! ولكن (الله أعلم حيث يجعل رسالته).. فسقى لهما ثم تولى إلى الظل ، إنها صورة تستحق من الشعراء والروائيين الوقوف عندها طويلا. 
والآن حان الورود على المقصود والإشارة إلى الشاهد:
فماكان أحوج موسى في نظر قوم إلى استغلال هذا الموقف وهو الجائع المطارد الهارب من بلد إلى بلد بل من قارة إلى قارة ما كان أحوجه لإشباع بطنه وإيمان خوفه على الأقل، وماكان أدعاه إلى الدعاية لنفسه وهو القوي الأمين، لكن أخلاق النبيين تأبى ذلك كله وتجنح بأربابها من بهر الأضواء إلى سكون الظل وخفائه حيث روعة الاستكانة وجمال السكينة ولذة المناجاة (رب إني لما أنزلت إلي مت خير فقير) 
ما أحوج الناس اليوم إلى هذه المثل الراقية والقيم الرائقة، وأخص من الناس خاصتهم العلماء والدعاة الذين بهروا ببهر الأضواء وصخب الإعلام وضجيجه وصريخ الدعاية؛ فأصبحت الكاميرات تلاحقهم أوهم يلاحقونها في كل عمل ديني ودنيوي، أصبحت الدعاية والتصوير جزءا لا يتجزأ من حياتهم ملكت أسماعهم وأبصارهم، وجرى حبها في دمائهم حتى تركبت في شخصياتهم ونفسياتهم، لايستغنون عنها إلا إذا استغنى السمك عن الماء والحيوان عن الهواء، ولهم في ذلك فنون ترقى أو تنزل إلى عالم الجنون يخرجون بها عن سمت الصمت وشعار الوقار الذي تدثروا به وتجللوا أيام فتوتهم وشبابهم، فتبجحوا في كهولتهم وشيخوختهم، وتظاهروا بأعمالهم، حتى أصبحت حياتهم بأدق تفاصيلها وفي أجواف بيوتهم، وفي أسفارهم وتنقلاتهم وعباداتهم ودعوتهم وأكلهم وشربهم وصحوهم ونومهم ولقاءاتهم وزياراتهم -أصبح ذلك كله في العراء وأصبحت حياتهم ( إمبروطورية لا تغيب عنها الشمس )، ويوشك أن تلج معهم كاميراتهم غرف نومهم ودورات خلائهم؛ فماذا أبقى هؤلاء للملوك والزعماء الذين كانوا يوما من الدهر يسخرون بهم وبإعلامهم، ويصفونه بأنه إعلام (استقبل واستدبر) أي (استقبل وودع)، وأنت إذا سبرت أحوال هؤلاء الدعاة المبتلين بداء الدعاية والذين أصبحوا قدوة لطلبتهم وعموم الشباب في تعشق الدعاية والتصوير، حتى أصبح أولئك يبالغون في إظهار كل مايستطيعون إظهاره،ويضخمون الحوادث ويبالغون ، فإن تهيأت لهم التغطية المباشرة فعلوا، وإلا فأضعف الجهد اختلاس غفلة الرقيب وتصوير مايستطيعون تصويره من درس في مسجد أو مناسبة في مجلس أو ماشابه ذلك، وأنا لا ألوم هؤلاء إذا رأيت تهوّك قدواتهم، وتهافت قاداتهم إلى هذا العالم الممرض.
إذا أبصرت ذلك كله أدركت أنهم لم يبقوا للزعماء من هذه الدعاية إلا الفتات.
لست بصدد الكلام عن حكم التصوير؛ فهذه مسألة قتلت بحثا، وكفانا علماؤنا فيها القول، ومن رخص منهم فيها رخص بحدود الضرورة والحاجة الشديدة، التي يدخل فيها دخولا أوليا كثير من المحاضرات والمناظرات ، ونقل مآسي المسلمين والتعريف بمضطرهم، ولكن كلامي عما هو أكبر وأخطر من أمر الإخلاص بالعمل، وابتغاء وجه الله به، والاستخفاء والاستغناء عما لدى الناس بما عند الله، وليت شعري ماذا سيبقى من إخلاص وثواب-إلا ماشاء الله- لمن فتن بهذه الأضواء والدعاية والتصاوير، لضرورة ولغير ضرورة ولحاجة ولغير حاجة، وإلى حدٍ يخرج بالمرء إلى القرف والسخرية.
حسنا.. سلمنا جدلا مرجوحية تحريم التصوير واخترنا معهم الرأي الآخر، ياترى هل يصبح في لحظة حلالا زُلالا طيبا مباركا فيه لا يحصى للداعية صوره وتصويره مع كل من يزوره أو يحاضرهم، ويتفنن في مكساج وإخراج، وتكلف حركات وابتسامات، وتصنع المثالية المفرطة؛ جذبا للأبصار وخلبا للأنظار.
أليس الأجدر بهؤلاء الفقهاء المحدثين الأفاضل المتفننين في مسائل العلم وأبوابه أن يحملهم وقارهم الذي لجمهم عن (السلوك إلى عالم الملوك) و(التزيين لأفعال السلاطين) وحملهم على (الازدراء لكبرياء الأمراء) على عدّ هذه المسائل من متشابه الدين التي من اتقاها فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع فيها وقع في الحرام أو قاربه، والمقارب يوشك أن يقارف.
لقد أسرف كثير من أحبتنا في إظهار أعمالهم والدعاية لأنفسهم، أو تسخير أموال بذلها المحسنون لدعوتههم وأعمالهم الخيرية، فاستغلت في هذه الدعاية أسوأ استغلال.
وإني لا أدعو الفضلاء إلى التواري واعتزال الحياة والانكفاء على الذات، بل أحظهم وأحثهم -ومن كثير منهم أتعلم الخير- على المخالطة والمصابرة والاحتساب والاختلاط بالناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتصدي لأعمال البر والإحسان والإغاثة والنجدة، ولكن إن اعتبروا هذا التصوير والدعاية شرا لابد منهما، فليأخذوا من العُقار بمقدار، وليجعلوه كدواء في زجاجة، يقطرون منه بقدر الحاجة "وكان بين ذلك قواما".
ولاتغلُ في شئ من الأمر واقتصد
كلا طرفي قصد الأمور ذميم
أول سفرة سافرتها إلى الولايات المتحدة كانت في عام ١٤١١ه وكأي زائر لتلكم القارة فُجئْت بأشياء عجيبة وغربية؛ من ذلكم أني رأيت عامة شيبهم وشبابهم وفتياتهم متقلدي كاميراتهم لايستغنون عنها لحظة، واضعي سماعات موسيقاهم في آذانهم يستمعون الليل والنهار لايفترون.
وفي جلسة استرخاء أغمضت عيني وطوحت بفكري بعيدا في نوبة تأمل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم(لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا يارسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟)
وتساءلت في نفسي: قد قلدهم قومنا في أشياء كثيرة، فهل سيصل بهم التقليد إلى هذا الهوس بالتصوير والأفلام،  بحيث تكون كاميرا الواحد كتوأم أو شق سيام، وكذلك الحال بالنسبة للموسيقى، لم أستبعد هذا خاصة وأن الاتباع (حذو القذة بالقذة) و(شبرا بشبر وذراعا بذراع ) وفي كل أمر حتى ولو كان من العنت والتعقيد ماكان (كجحر الضب)، لم يطل تساؤلي كثيرا فمن طريق الجوال بطل عجب السؤال ،  الذي كسر عند كثير من الناس  الحظائر وصغر الكبائر، ومن ذلك التصاوير والمزامر، حتى احتوت الجوالات على ألوان الموسيقات وأشكال النغمات، وأفحش المقاطع وأقبح الفظائع التي ربما كانت جنبا إلى جنب مع برامج القرآن والسنة، وكثيرا مايولج بهاالمساجد، وتعزف على مسمع الراكع والساجد، وهكذا هونت المنكرات، ووهنت المحظورات حتى كدنا أو قاربنا أن نكون كمثلهم (والأمر يومئذ لله)
ورأيت شبابنا وبناتنا متقلدي كاميراتهم ملازمين إياها ليلا ونهارا وحضرا وسفارا وأصبح التصوير ذاته هواية من هوايات الحياة تنفق فيها الأعمار وتنشأ لها الأسفار وتقام لها المسابقات وترصد المكافآت ، وتفتتح لها أقسام الدراسات والتخصصات، وأصبح لدعاتنا فرقهم الإعلامية والتصويرية المفرغة المواكبة لهم في جيئاتهم وروحاتهم، وفتحوا لأنفسهم كغيرهم من الصبيان والصبايا مواقع مخصصة للصورة المسماة( الآنستقرام) وربما خصص بعضهم الندوات الفقهية والمحاورات العلمية التي استمات المتحاورون فيها في إساغة التصوير والقضاء على كل محاولة لتحريمه وتجريمه، مع وضوح وصراحة وصحة النصوص الموعدة عليه بأشد العقوبات، ولو لم يكن من شؤمه إلا كشف الحجاب وهتك الستر ووقوع حوادث الابتزاز وجر الحرائر إلى الكبائر، لكان ذلك وجها قويا في المنع منه عقلا وذوقا..
حدثني أحدهم أنه رأى في سوق الجوالات شابا يصرخ ويولول: سرق جوالي أدركوني أكاد أجن! قال: فهونت عليه وقلت: يا هذا:الرجالُ تفجع في أنفسها وماملكت ولا يرى الناس منها إلا التجلد والتجمل وإن كان جوالك بألف فهذه ألفان، قال: فمازاده كلامي إلا الحسرة والأسى، فقلت: إن كان قصدك الشريحة فخذ جوالي اتصل وأوقفها، قال ياهذا الأمر أكبر وأخطر ليته كان مالي ليتها روحي ذهبت، ألا تعلم أن لي مع أهلي فيه صورا في أوضاع خاصة جدا، فماذا لو نشرت بالانترنت أو ابتزنا أحد بها، وقال : (حسبي الله على من أفتى بحلّ هذا، عليه من الله كذا) ثم خرّ على الأرض مغشيا من الأسى الحسرة، قلت: عائذا بالله من حال الشماتة:
 يداك أوكتا وفوك نفخا، 
(ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا)..
إن من الآثار غير الحميدة للانغماس والانهماك والتهوّك في عالم التصاوير ما تقدم ، وما تأخر ومنه :
- الجناية على الإخلاص في الأعمال والقضاء على أجورها بحب المدح والتشوف للشرف والتطلع للإعجاب والتكاثر في  المعجبين وتصيّد(المعجبات) .
- تمكن داء حب الظهور قاصمة الظهور الذي يحجب المرء عن تفقد حاله ولوم نفسه ومراجعة أخطائه ، وهو القائد لكثير من الفتن والشرور التي لا تنتهي أحيانا ولا تقف بالمبتلى دون عتبة الشك والاضطراب ثم النكوص والانقلاب عافانا العفوّ بعفوه ومعافاته .
- الانهماك في هوس التشبب والتفتي والتظاهر بخلاف المظاهر ، وربما تسامح في محرمات (فأنهك لحيته ، وجر ثوبه ، وزاحم النساء في الحركات والنعومة) ، وأعاد تشكيل علاقاته ، وغير جلساءه ، وبدل رفقته إلى قوم لا خلاق لهم.
- التزوير والتلبيس والإفراط في ادعاء المثالية للنفس ، والتشبع بما لم يعط المبتلى وفي الصحيح أن فاعل ذلك ( كلابس ثوبي زور ) والتظاهر برهافة الإحساس ورقة الطبع ورفعة الذوق و ( الرومانسية ) في التعامل ، ولو سألت أخص أهله من زوج ووالد وسبرت بيته من الداخل سردت عليك قصص العذابات الأليمة والهجران والحرمان والشقاء والعقوق والإهمال إلا من رحم ربك ( وقليل ماهم ).
هذا المهم وغيره كثير نسأل الله العافية والسلامة ونعوذ به من الخذلان إنه هو المستعان وعليه التكلان .  

قلت إن صورة المرأتين تذودان ونجدة موسى لهما، صورة مُلهمة للشاعر والروائي ، وهذه أبيات مستعجلة ، قد يبلغ المتأني أبلغ منها وأجود :

لك الله من شهم لك الله يا موسى
لقد كنت في الإحسان والبر ناموسا

نبيَّ الهدى والعزم والبذل والندى
ومدرسة الصبر الذي أعجز الشُّوسا

ونجدة ملهوف وغُنية بائس 
وكنزا من الأفضال كم عالج البوسا

ألم يُلْهِك الحال الذي ذقت كربه
ألم تخش فرعونا أما خفت جاسوسا

شريد هموم يذرع الأرض ما مشت
له قدم إلا على شفرة الموسى

لدُن كان حملا والمخاضِ بِهالةٍ
من الهول حتى أخضع البحر تيبيسا

يرى الموت مخبوءا له كلَّ مرصد
وكلُّ امرئ يلقاه يخشاه مدسوسا

وما صده هذا البلاء ورده
عن النجدة العظمى إذا رام تنفيسا

رأى ضعف حواءٍ وحشمة مريمٍ
تذودان حتى يُصدر الواردُ العيسا

بُلِين بأرحام قساة  قلوبهم
إذا ما ضعيف جاء من حولهم ديسا

ولو كان أنثى يجهش الصخر إن رأى
لها شعثا - من سوء حال - وتفليسا 

لقد كانتا في خفضِ عيشٍ ومنْعَة
وعز ولكنْ أصبح العز منكوسا

ثوى والد قد أوهن الدهر عظمه
وأصبح في ركن من البيت محبوسا

فيا ويح ذات الخدر إن لم يكن لها
رجالٌ ،  ولا شهماً من الحيّ مأنوسا

فلا راحم إلا لنفع يربُّه
ولا منجد إلا يساوم تخسيسا

يساوم في ماذا؟! ويطلب مالذي ؟!
فبؤسا لغاو ظل في الغيّ مهووسا

وما أحوج الدنيا إلى فتح فاتح
نبيٍّ ووالٍ لا يرى البذل تسييسا

ويسهر كالفاروق يخدم شعبه
يقطّع كل الليل بحثا وتعسيسا

إذا ادّكر الأيتام عند أرامل
أطار الجوى نوما وشرّد تنعيسا

لكَم أبكت الأنثى عيونا وأوجعت
قلوبا لحرّ كرس الودّ تكريسا

إذا أبصرت عيناه وجه يتيمة
بئيساً من الإملاق ما زال متعوسا

( إذا نال منها نظرة ريع قلبه )
وصار زمانا حاضر الهم منحوسا

ذكرت مثالا قد تقدم حكمة
وأوردت شطرا لامرئ القيس تحميسا

يقولون : ما تكفي النساء رعاية
ألم ينظروا موسى ألم ينظروا عيسى

ألم ينظروا هذا النبي محمدا 
عليه صلاة الله صبحا وتغليسا

يتيم أبٍ إذ أشرقت شمس روحه
يتيمهُما طفلا إلى الحُلْم محروسا

وأربعة أعلام فقهٍ أئمة
يتامى وهم من أثروا الكون تدريسا

أيا أمَّ موسى لو علمتِ بما حوت
طواياك والتابوتُ طهرا وتقديسا

تولته عين للعناية إن رعت
مروّعَ قلب أبصر الموت تأنيسا

ألا إنه موسى الكليم وحسبه
من الشرف الأعلى مقاما وتأسيسا

بوادي طوى خرت له الأرض رهبة
يكلمه جهرا ويسمع قدوسا


  




  

الأحد، 20 أكتوبر، 2013

دمعة على أطلال منى..

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله :
مررت بمنى رابعَ عشر فلم أكد أصدق أنها منى التروية ، إذا هي أطلال وحيشة وقفر من عمارها ، وإذا أهلها الذين قبل أيام جادون في عمارتها : أجدّ ما يكونون اليوم في هدمها وخرابها وحمل ما أمكنهم من بقاياها ، صاح قلبي : رفقا بمنى أيها الباغون ، أما تعلمون أية مشاعر تهدمون، اتركوا حبيبة قلوبنا ومنى أرواحنا ... آه لو كان فيكم شاعر!!
صاح قلبي بهذا ، وصاح لساني بقول الشاعر العبقري أبي الطيب ورددت رغما عني مطلع قصيدته الذي ما أظن شاعرا قال ولا يقول مثله :

لكِ يا منازلُ في القلوب منازلُ
أقفرتِ أنتِ وهنّ منكِ أَوَاهِلُ

وهربت أكفكف دمعتي وأقول في فراق المشاعر  :

لكِ يا مشاعرُ في القلوب مشاعرُ
أقفرتِ أنتِ  وهنّ منكِ عوامرُ


لمّا مررتُ بكِ الغداةَ مودّعا
والدمع من آمَاقِه متناثرُ

تَسقيه مِن مَدّ الفؤاد غمائم
يُزْجِيه عصفٌ في الجوانح ثائر

ما أثقلَ -اليومَ- الوداعَ على الورى
القول عن توصيفه يتقاصر

كم في فراقك -يا منى- من لوعة
بعد الوصال فكلّ لبٍّ حائرُ

أوَ هكذا تطوى الحياة كأنها
حُلُم جميل -في الليالي- عابرُ

والصّحْوُ أثقلُ من جبال  تهامة
إن كان صبحكَ فيه هجر باتر

قُتِلَ الفراق فما أمَرّ مذاقَه
فهو الغشوم على المحب الجائرُ

والهجر صابُ الصّبِّ علقم روحه
والوصل صيِّبُه الهتون الماطرُ

لكِ -يا منى الأرواح- جَذْبٌ مثلما
جَذَبَ الشعورَ إلى المشاعر ساحر

إن قال لبيك استجاب كأنما
يمضي على متن العنان مغامرُ

لكِ -يا منى الأحباب- عشقٌ مثلما
شدّ الحبيبَ إلى الحبيبة قاهر

ما قيسُ ليلى ما نَوَارُ فرزدقٍ
ما الأخْيَلِيّةُ والخيال الآسر

لكِ وحشة لما مررتُ مسلّما
فإذا العوامر في الربوع دوامر

وإذا الديار وحيشة فكأنها
ما قام فيها -ذات يوم- عامر

أُصغي لبلبلها الطروب وطالما
أَشجى بها صدحٌ وأطْرَبَ سامر

فإذا نعيب البوم في خرباتها
وإذا الرياح خلالهن صوافر 

رفقا بحبات القلوب أيا منى
رفقا حنانَكِ فالقلوب جواهر

حساسة هي أو زجاج ناعم
فيها يؤثر مَرُّ نسمٍ باخرُ

أو رِقّةُ الورد الذي ظلمٌ  له
أن يقطفوه ولو حَوَته مَزاهر

كسْر العظام له الجبيرة بلسم
أما القلوب فما لهن جوابر

لكِ -يا منى- أغلى مُنىً من عاشق
بكِ  والِهٌ،  وعناؤه متواتر

أنتِ الشفاء له وأنتِ عزاؤه
في دفء حضنك مستريح خامر

ويراكِ جنةَ عدْنِه في رَوحها 
راحاته تُهدى إليه بشائر

ومتى رآكِ تبددت أحزانه
وطغى السرور -إذنْ- وبِشْرٌ غامر

وتجددت أفراحه وتبدلت
أحواله وهو السقيم الفاتر

وسرى النشاط وطاقة جبارة
في جسمه والعنفوان الباهر    

فكأنما ولدته من أرحامها
منجابة ما عاقرته عواقر 

ولدته غضا رائعا متألقا
ما أثخنته عواثر وجرائر

هي أمه ولدته (صفحة عمْره
بيضاءُ) ما بقيت عليه كبائر

ويكاد حسن الظن يكشف غيبه
بالله وهْو المستجيب الغافر

يا مسجد الخيف الذي كم شاقنا
منه الأذان تقاذفته منائر

كم هزّ أوتار القلوب فدندنت
فتفجرت من أهلهنّ محابر  

يا لَلْجمال  فيا جبالُ  فأَوِّبي
والطيرُ في أجوائهن زوامر

سرِّح خيالك ما استطعت فإنما 
يُمليك بحر بالمواهب زاخرُ

ولئن وجدت مجال قول فاستعر
صور الجمال فكلها متوافر

وانظم قصيدا من قلائدِ جوهرٍ
أنت الخبير بها وأنت الماهر

ليست مواهبَك الغزار وإنما
أنت المدبَّرُ والإله الآمر

أوحى إليك الروحُ روحُ روائعٍ
بمنىً  لها زَجَلٌ وسَبْحٌ طاهر

كملت صفاتكِ يا منىً  وأولو النهى
إن واصلوك فحظهم بكِ وافر

فلئن تقطَّعَت المُنى فقلوبنا 
بمِنىً معلقةُ العيون سواهر 

ولئن رجعنا للديار فإنما
بمِنىَ الحياةُ  وذي الديارُ مقابر

الثلاثاء، 8 أكتوبر، 2013

ما فعلت أسماء؟!

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه..
 أما بعد:
   فإن هناك مسائل مشكلة في المناسك لم يتم عنها الكشف، هي ميدان واسع للبحث والنظر وربما التيسير ورفع الحرج، من ذلك حديث أسماء بنت عميس رضي الله عنها في حجة الوداع، ويحسن قبل البحث إيراد نبذة يسيرة عن هذه الصحابية العصامية الشهمة الكريمة:
فهي أسماء بنت عميس بن معد الشهرانية الخثعمية من خثعم بن أنمار
وأمها هند بنت عوف بن زهير الحميرية، أكرم النساء أصهارا، فبناتها:
أم المؤمنين زينب بنت خزيمة الهلالية، أخت أسماء بنت عميس لأمها. 
وأم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية الهوازنية، أخت أسماء بنت عميس لأمها، تزوجها بعد وفاة أختها زينب.
ولبابة الكبرى بنت الحارث شقيقة ميمونة أم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب.
ولبابة الصغرى شقيقتهما أم خالد بن الوليد رضي الله عنه.
وأسماء بنت عميس زوج جعفر بن أبي طالب ثم أبي بكر الصديق ثم علي بن أبي طالب 
وسلمى (وقيل أروى) بنت عميس شقيقة أسماء زوج حمزة بن عبد المطلب أم ابنته الوحيدة من ذريته.
فهؤلاء السادة هم أصهارها ولها من النبي صلى الله عليه وسلم مصاهرتان.
أول أزواج أسماء بنت عميس جعفر بن أبي طالب تبكرها شابا صغيرا وهي كذلك وهاجر بها عروسا إلى الحبشة، أي أنها قضت (شهر العسل) نهب الأسفار والمخاوف والتغرب في سبيل الله وفرارا بدينها، ووفاء لزوجها، ولا شك أنه عسل في مذاقهما أو أحلى من العسل.
بقيت في الغربة سنين عددا، ولدت فيها عبد الله بن جعفر أكرم أهل زمانه بعد النبي صلى الله عليه وسلم ومحمدا وعونا.
وهاجرت في السفينة التي حملت الأشعريين أبا موسى ورهطه أقلعت السفينة من اليمن عام سبع ورفأت في الحبشة وحملتها وزوجها، ورملة أم المؤمنين وبقية المهاجرين ورست قبالة المدينة ولحقوا بالنبي في خيبر وفرح بهم فرحا عظيما.
لم تكد تتم فرحة اجتماع الشمل بالأحبة في المدينة حتى فجعت بحبيبها جعفر الذي قضى شهيدا في مؤتة، فوجدت عليه وجدا شديدا حتى زارهم النبي صلى الله عليه وسلم وضم أبناءها إليه وشمهم وبكى لحالهم.
بقيت موضع رعاية النبي صلى الله عليه وسلم رعاية خاصة جدا يتفقدها تفقد أهله حتى كان عام حنين فزوجها من أحب الناس إليه أبي بكر بعد وفاة زوجه أم رومان الكنانية، وكان أبو بكر يرغبها قبل ذلك، لكن ربما خشي عليها النبي صلى الله عليه وسلم غيرة عائشة حتى ماتت أمها. ولدت لأبي بكر محمدا ثم فجعت بوفاة زوجها وغسلته بوصيته في يوم بارد واستفتت الصحابة بالغسل فأفتوها بعدم وجوبه.
تزوجها علي بن أبي طالب بعده فأولدها ابنيه يحيى وعونا وقيل محمد ولهذا تكنى أم المحمدين.
فجعت بقتل زوجها علي وتوفيت أيما قبل الأربعين رضي الله عنها.
كان عمر رضي الله عنه يمازحها يقول: يا حبشية يا بحرية سبقناكم بالهجرة، وتقول: كنتم عند رسول الله يطعم جائعكم ويعلم جاهلكم وكنا الغرباء الطرداء، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لكم هجرتان أو كما قال.
اختصم ابناها ابن جعفر وابن أبي بكر كل يقول أبي خير من أبيك وعندها زوجها علي فقال: احكمي بينهما فقالت: ما عرفت شابا خيرا من جعفر ولا كهلا خيرا من أبي بكر فقال: ما تركت لنا شيئا ولو قلت غيره لمقتناك فقالت: إن ثلاثة أنت أخسهم لخيار.
وليعذرني القارئ على الاستطراد في التقدمة فإني والله أحبهم حبا يتملكني وأحب سيرهم ولها تهش النفس وتدمع العين، ولي من أبيات القصيدة البدرية:

أولئك أصحاب النبي فليتني
لك الله قد أدركت من عهدهم عصرا

لك الله ما أعملت فكري تذكرا

لأخبارهم إلا اهتززت لها فخرا

وجاشت لهم نفس المحب تطلعا
فجاوزت الجوزاء والبدر والشعرى

وهم وأخبارهم وربي سلوان النفس في أزمان التعاسة والبؤس والانتكاسة جمعنا الله بهم في خير وعفو وعافية:

فيا زائرا  تلك  المراقد  حيِّها
وقل ليت لي من بين أجداثهم قبرا

وآيتها بين الجبال رميلة
صفيراء حاكت في نصاعتها تبرا

(المقصود مكان غزوة بدر)
والآن حان الشروع في الموضوع والورود إلى المقصود بعون المعبود، فأقول:

الحديث عن قضية نفاس أسماء بنت عميس:  فقد ثبت في حديث جابر الطويل عند مسلم وغيره وغير حديث جابر أن أسماء بنت عميس ولدت ابنها محمدا بذي الحليفة قبل إحرامها فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما تصنع؟ فأمرها أن تغتسل وتستثفر بثوب وتحرم مع الناس، فحيا الله هذه الهمة كان بإمكانها الرجوع قبل الإحرام إلى المدينة وهي أي المدينة منهم قريبة جدا (ثلاثة أميال) أو البقاء في المدينة حتى تلد، لكنها لم ترد أن تفرط في أعظم شرف وأرفع وسام وهي الحجة مع خير حملة عرفتها الدنيا بقيادة أطهر نفس رأتها الأرض، ويلوموننا في حب الصحابة!!!!

لحى الله قوما ناصبوهم عداوة
وقاتل أزلاما ترى حبهم كفرا 

روافض لو بالأبحر السبع طهروا

إذن نجوسها بلهَ أن يدركوا طهرا

أما هذا الولد فهو محمد بن أبي بكر التابعي (غير الجليل) عفا الله عنه وجعل ما أصابه كفارة لذنبه وهو الوحيد من آل أبي بكر المحبوب عند الروافض؛ لمشاركته -غرا شابا- في الدخول على عثمان وقت الفتنة مع الخوارج، وتذكر كتب السير أنه أخذ بلحية عثمان فشدها حتى سمع صوت أسنانه فقال: يا ابن أخي دعها فإن أباك كان يكرمها فاستحيا وخرج ولم يشارك في قتله، وانحاز إلى علي وقاتل معه في الجمل، وهو أول من وصل إلى هودج عائشة بعدما عقر الجمل فأمر علي برفع الهودج فأدخل محمد يده في الهودج ليرفعه فقالت -ولم تعلم أنه أخوها-: من ذا الذي يتعرض لحرم رسول الله أحرقه الله بالنار، فقال يا أختاه: قولي بنار الدنيا، فقالت: بنار الدنيا، وأمّره علي على مصر فأمّر معاوية عليها معاوية بن حديج فتفرق الناس عن  محمد بن أبي بكر، فتتبعه معاوية حتى دله عليه بعض القبط في خربة فقتله وأحرقه، وسار بالناس سيرة حسنة، ولما وفد من مصر عبد الرحمن بن شماسة، "دخل على عائشة فقالت: ممن أنت؟ قلت: من أهل مصر. قالت: كيف وجدتم ابن حديج في غزاتكم هذه؟ قلت: خير أمير ما يقف لرجل منا فرس ولا بعير إلا أبدل مكانه بعيرا ولا غلام إلا أبدل مكانه غلاما" قالت:"إنه لا يمنعني قتله أخي أن أحدثكم ما سمعت من رسول الله إني سمعته يقول" اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ومن شق عليهم فاشقق عليه" رواه مسلم.

وقد تزوج محمد بن أبي بكرإحدى بنات كسرى لما جيئ بهن أسيرات بعد سقوط ملكهم لتلد له التابعي الجليل المحدث الفقيه العابد التقي تلميذ عائشة القاسم بن محمد ابن خالة علي بن الحسين زين العابدين وسالم بن عبد الله بن عمر أكرم بهم من سادة علماء فقهاء عباد.



وإلى هنا تنتهي قصة أسماء بنت عميس وينقطع ذكرها في حجة الوداع، فقد أحرمت إثر ولادتها قطعا، وسارت مع الحملة المباركة من خامس العشرين من ذي القعدة حتى رابع ذي الحجة حين وصولهم ونزولهم عند الحجون فهذه عشرة آيام منذ ولادتها وإلى عرفة يتم لها خمسة عشر يوما فقد وقفت في عرفة وهي نفساء بيقين كما أن عائشة وقفتها حائضا، غير أن عائشة طهرت يوم النحر، ولم يرد لأسماء خبر وبتمام الحج وارتحال الحملة قافلة يوم الرابع عشر يتم لها عشرون يوما منذ ولادتها، فماذا يا ترى فعلت وكيف أفاضت؟!! 

لا ذكر لذلك في كتب الأخبار، والفرض والاحتمال واحد من أمور:
- إما أنها طهرت لتمام عشرين أو قبلها وأتمت حجها، وهذا بعيد جدا فإن الغالب الكثير أن النساء يجلسن للنفاس أربعين أو قبلها بيسير أو بعدها بيسير والشهر نادر وخمسة وثلاثون وبعدها وارد.
- وإما أنها بقيت مع أحد محارمها، وهذا أيضا لم يشتهر لأن محرمها زوجها أبوبكر ولم يذكر أنه تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما ابنها عبد الله بن جعفر فقد كان عمره إذ ذاك عشر سنين فهو غير محرم شرعا.
- وإما أنها أفاضت بعدما اغتسلت واستثفرت، وربما كان الأمر النبوي لها عند الطواف لأن فائدة الاستثفار التحفظ من تدنيس المسجد وهو أبين من التحفظ من تدنيس ثيابها حال الإحرام إذ إن النفساء وخاصة أول نفاسها إن تحفظت في وقت لم يمكنها التحفظ دائما، وإن كان الراوي ذكر الغسل والاستثفار عند الإحرام.
- وإما أنها اشترطت وقت إحرامها وتحللت مجانا؛ وهذا بعيد لعدم نقله كقصة ضباعة مع توفر دواعي النقل.
- وإما أنها تحللت تحلل المحصر على قياس قول الفقهاء في اشتراط شرط لركن لا يصح إلا بشرطه، فهي كاليائس من البيت يتحلل بدم تحلل المحصر، وهذا بعيد أيضا لعدم نقله.
- فهذه خمسة احتمالات سادسها أضعفها وهو رجوعها مع بقاء الطواف في ذمتها حتى ترجع إلى البيت. 
وعلى هذا فإنه:
-  لا يتم الاستدلال بالقصة على ترجيح جواز طواف النفساء بالبيت قبل الطهر؛ للاحتمال والدليل متى تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، ويبقى الحديثان الدالان على اشتراط الطهارة (قوله لعائشة: غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري، ولصفية: أحابستنا هي؟) متفق عليهما. 
- ولكن يوجه هذا السكوت للقول بصحة طوافها والحائض (أي يجعله وجيها) وذلك إذا خشيتا فوات الرفقة بعد أن تغتسل وتستثفر  وهو قول ثلاثة أصناف القائلين بصحة الطواف وهم:
- من لم يشترط الطهارة أصلا كالظاهرية وبعض أهل الرأي.
- ومن اعتبرها أي الطهارة واجبا يجبر بدم وهم الحنفية.
- ومن قال بذلك للضرورة حال خشيتها فوات الرفقة، وهو منسوب لبعض السلف وقول ابن تيمية وابن القيم.
قال شيخ الإسلام [الذي لا أعلم فيه نزاعًا: أنه ليس لها أن تطوف مع الحيض إذا كانت قادرة على الطواف مع الطُّهر؛ فما أعلم منازعًا أن ذلك يحرم عليها وتأثم به] اه
ولعله يقصد من اشترط الطهارة لا من لم يشترطها أصلا.
وقال: [ولما كانت الطرقات آمنة في زمن السلف، والناس يَرِدُون مكةَ ويَصْدُرون عنها في أيام العام، كانت المرأة يمكنها أن تحتبس هي وذو محرمها ومَكَارِيُّها حتى تطهر ثم تطوف؛ فكان العلماء يأمرون بذلك. وربما أمروا الأمير أن يحتبس لأجل الحُيَّضِ  حتى يطهرن؛ كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟».. 
وأما هذه الأوقات فكثير من النساء -أو أكثرهن- لا يُمكنهنَّ الاحتباسُ  بعد الوفد، والوفد ينفر بعد التشريق بيوم أو يومين أو ثلاثة، وتكون هي قد حاضت ليلة النحر؛ فلا تطهر إلى سبعة أيام أو أكثر، وهي لا يمكنها أن تقيم بمكة حتى تطهر؛ إما لعدم النفقة، أو لعدم الرفقة التي تقيم معها وترجع معها.. أو لخوف الضرر على نفسها ومالِها في المُقام وفي الرجوع بعد الوفد، والرفقة التي معها: تارة لا يمكنهم الاحتباس لأجلها؛ إما لعدم القدرة على المُقام والرجوع وحدهم، وإما لخوف الضرر على أنفسهم وأموالهم، وتارة يمكنهم ذلك لكن لا يفعلونه؛ فتبقى هي معذورة] اهـ.مجموع الفتاوى(٢٦/٢٢٤).
وهذا بيّن  جدا  في حق النساء القادمات من بلدان بعيدة وتكون ملزمة من دولتها والدولة المضيفة ببرنامج ووقت محدد لا يمكن تجاوزه إذن.
ويقوي هذا ما نقل عن عائشة رضي الله عنها في المرأة تحيض أثناء طوافها أنها تتمه، وقد نقله عنها عطاء بن أبي رباح وهو أعلم التابعين بالمناسك، وهو مقتضى قول عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي في تصحيحهما الطواف إذا حاضت المرأة أثناءه، وقول الحكم بن عُتَيْبة، وحماد بن أبي سليمان، ومنصور بن المعتمر، وسليمان الأعمش؛ كما نقله عنهم إمام المحدِّثين شعبة بن الحجّاج،
وروي نحو ما ورد عن عائشة عن ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم:
- فقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن عطاء، قال: "حاضت امرأةٌ وهي تطوف مع عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فأتمَّت بها عائشةُ بقيةَ طوافِها". ذكره ابن حزم في "المحلَّى" (٥/١٨٩، ط. دار الفكر)، وابن القيم في "إعلام الموقعين" (٤/٣٧٢ ط. دار ابن الجوزي) واللفظ لهما، وابن جماعة في "هداية السالك" (٣/٩١٧)، والزيلعي في "نصب الراية" (٣/١٢٨، ط. مؤسسة الريان)، ولفظه عندهما: "فأتمَّت بها عائشةُ سُنّة طوافها". 
وقال ابن حزم: (والطواف بالبيت على غير طهارة جائز ، وللنفساء، ولا يحرم إلا على الحائض فقط؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منع أم المؤمنين إذ حاضت من الطواف بالبيت.. وولدت أسماء بنت عميس بذي الحليفة فأمرها أن تغتسل وتهل ولم ينهها عن الطواف  فلو كانت الطهارة من شروط الطواف لبينها كما بين أمر الحائض (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) (وماكان ربك نسيا) ولا فرق بين إجازتهم للوقوف بعرفة وبمزدلفة والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمرة على غير طهارة ويين جواز الطواف على غير طهارة إلا حيث منع منه النص فقط .. ثم ذكر حديث عائشة المتقدم  ثم قال: فهذه أم المؤمنين لم تر الطهارة مِن شروط الطواف ولا نقول بهذا في الحيض خاصة للنص الوارد في ذلك) اهـ
- ونقل الإمام أحمد عن عبد الله بن عُمَر رضي الله عنهما التسهيلَ  والتيسيرَ على مَن طاف للإفاضة على غير طهارة ثم جامع أهله، ذكره أبو بكر عبد العزيز في كتاب "الشافي" من رواية عبد الملك الميموني عن أحمد، وأنه قال: "هذه مسألة الناس فيها مختلفون"، وذكَر قولَ ابن عمر وما يقول عطاء وما يسهل فيه، وما يقول الحسن. وهذا يقتضي عدم اشتراط الطهارة في الطواف، وقد نقل ذلك ابنُ تيمية -كما في "مجموع الفتاوى" (٢٠٧-٢٠٨)/٢٦)ثم قال: [وجواب أحمد المذكور يبين أن النزاع عنده في طواف الحائض وغيره، وقد ذَكَرَ عن ابن عمر وعطاء وغيرِهما التسهيلَ في هذا] اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" (٢٦/١٢٦): [ونقَل بعضُ الفقهاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "إذا طاف بالبيت وهو جُنُبٌ عليه دمٌ"] 
وقال الشيخ ابن قيم في "إعلام الموقعين" (٤/٣٧٢): ( وأشار أحمد إلى تسهيل عطاء إلى فتواه أن المرأة إذا حاضت في أثناء الطواف فإنها تتم طوافها، وهذا تصريح منه أن الطهارة ليست شرطًا في صحة الطواف)اه
والمشهور عن أحمد والرواية الراجحة في مذهبه اشتراط الطهارتين له.

على هذا فالأقوال الرئيسة في المسألة خمسة:
الأول : منع المحدث والحائض والنفساء من الطواف بغير طهارة واعتبار الطهارة شرطا وهو قول الجماهير.
الثاني : الإباحة للعموم وهو قول علماء من السلف والخلف مع اعتبار الطهارة مستحبة.
الثالث : اعتبارها واجبا يجبر تركه بدم مع صحة الطواف وهو قول الحنفية.
الرابع : إباحة الطواف للنفساء والمحدث دون الحائض وهو قول ابن حزم .
الخامس : منع المحدث وإباحته للحائض والنفساء من باب أولى، إذا لم يمكنهما التربص بالطهر وخشيتا فوات الرفقة، وهو قول لبعض أهل الرأي ورواية عند الحنابلة اختارها شيخ الإسلا ابن تيمية وابن قيم الجوزية.

بقي أن أشير إلى أن الأفضل ولا ريب أن تحتاط المؤمنة لفرضها، ومهما أمكنها الانتظار تعين ولم يجز لها أن تطوف على عذر قولا واحدا كما أشار إليه كلام شيخ الإسلام، وإن شق عليها فلتسافر إلى بلدها وترجع بعد الطهر ولو بعد انقضاء الشهر، فإن لم يمكنها أو شق عليها جدا، فالرخصة واردة والحمد لله.

هذا ما تيسر إيراده في هذه العجالة وتبقى المسألة مسرحا للنظر والاجتهاد..
والله أعلى وأعلم وأجل وأكرم، وصلى الله على عبده ورسوله وآله وسلم .