تعديل

بحث

الأحد، 20 أكتوبر، 2013

دمعة على أطلال منى..

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله :
مررت بمنى رابعَ عشر فلم أكد أصدق أنها منى التروية ، إذا هي أطلال وحيشة وقفر من عمارها ، وإذا أهلها الذين قبل أيام جادون في عمارتها : أجدّ ما يكونون اليوم في هدمها وخرابها وحمل ما أمكنهم من بقاياها ، صاح قلبي : رفقا بمنى أيها الباغون ، أما تعلمون أية مشاعر تهدمون، اتركوا حبيبة قلوبنا ومنى أرواحنا ... آه لو كان فيكم شاعر!!
صاح قلبي بهذا ، وصاح لساني بقول الشاعر العبقري أبي الطيب ورددت رغما عني مطلع قصيدته الذي ما أظن شاعرا قال ولا يقول مثله :

لكِ يا منازلُ في القلوب منازلُ
أقفرتِ أنتِ وهنّ منكِ أَوَاهِلُ

وهربت أكفكف دمعتي وأقول في فراق المشاعر  :

لكِ يا مشاعرُ في القلوب مشاعرُ
أقفرتِ أنتِ  وهنّ منكِ عوامرُ


لمّا مررتُ بكِ الغداةَ مودّعا
والدمع من آمَاقِه متناثرُ

تَسقيه مِن مَدّ الفؤاد غمائم
يُزْجِيه عصفٌ في الجوانح ثائر

ما أثقلَ -اليومَ- الوداعَ على الورى
القول عن توصيفه يتقاصر

كم في فراقك -يا منى- من لوعة
بعد الوصال فكلّ لبٍّ حائرُ

أوَ هكذا تطوى الحياة كأنها
حُلُم جميل -في الليالي- عابرُ

والصّحْوُ أثقلُ من جبال  تهامة
إن كان صبحكَ فيه هجر باتر

قُتِلَ الفراق فما أمَرّ مذاقَه
فهو الغشوم على المحب الجائرُ

والهجر صابُ الصّبِّ علقم روحه
والوصل صيِّبُه الهتون الماطرُ

لكِ -يا منى الأرواح- جَذْبٌ مثلما
جَذَبَ الشعورَ إلى المشاعر ساحر

إن قال لبيك استجاب كأنما
يمضي على متن العنان مغامرُ

لكِ -يا منى الأحباب- عشقٌ مثلما
شدّ الحبيبَ إلى الحبيبة قاهر

ما قيسُ ليلى ما نَوَارُ فرزدقٍ
ما الأخْيَلِيّةُ والخيال الآسر

لكِ وحشة لما مررتُ مسلّما
فإذا العوامر في الربوع دوامر

وإذا الديار وحيشة فكأنها
ما قام فيها -ذات يوم- عامر

أُصغي لبلبلها الطروب وطالما
أَشجى بها صدحٌ وأطْرَبَ سامر

فإذا نعيب البوم في خرباتها
وإذا الرياح خلالهن صوافر 

رفقا بحبات القلوب أيا منى
رفقا حنانَكِ فالقلوب جواهر

حساسة هي أو زجاج ناعم
فيها يؤثر مَرُّ نسمٍ باخرُ

أو رِقّةُ الورد الذي ظلمٌ  له
أن يقطفوه ولو حَوَته مَزاهر

كسْر العظام له الجبيرة بلسم
أما القلوب فما لهن جوابر

لكِ -يا منى- أغلى مُنىً من عاشق
بكِ  والِهٌ،  وعناؤه متواتر

أنتِ الشفاء له وأنتِ عزاؤه
في دفء حضنك مستريح خامر

ويراكِ جنةَ عدْنِه في رَوحها 
راحاته تُهدى إليه بشائر

ومتى رآكِ تبددت أحزانه
وطغى السرور -إذنْ- وبِشْرٌ غامر

وتجددت أفراحه وتبدلت
أحواله وهو السقيم الفاتر

وسرى النشاط وطاقة جبارة
في جسمه والعنفوان الباهر    

فكأنما ولدته من أرحامها
منجابة ما عاقرته عواقر 

ولدته غضا رائعا متألقا
ما أثخنته عواثر وجرائر

هي أمه ولدته (صفحة عمْره
بيضاءُ) ما بقيت عليه كبائر

ويكاد حسن الظن يكشف غيبه
بالله وهْو المستجيب الغافر

يا مسجد الخيف الذي كم شاقنا
منه الأذان تقاذفته منائر

كم هزّ أوتار القلوب فدندنت
فتفجرت من أهلهنّ محابر  

يا لَلْجمال  فيا جبالُ  فأَوِّبي
والطيرُ في أجوائهن زوامر

سرِّح خيالك ما استطعت فإنما 
يُمليك بحر بالمواهب زاخرُ

ولئن وجدت مجال قول فاستعر
صور الجمال فكلها متوافر

وانظم قصيدا من قلائدِ جوهرٍ
أنت الخبير بها وأنت الماهر

ليست مواهبَك الغزار وإنما
أنت المدبَّرُ والإله الآمر

أوحى إليك الروحُ روحُ روائعٍ
بمنىً  لها زَجَلٌ وسَبْحٌ طاهر

كملت صفاتكِ يا منىً  وأولو النهى
إن واصلوك فحظهم بكِ وافر

فلئن تقطَّعَت المُنى فقلوبنا 
بمِنىً معلقةُ العيون سواهر 

ولئن رجعنا للديار فإنما
بمِنىَ الحياةُ  وذي الديارُ مقابر

هناك تعليق واحد:

  1. هناك حالة مخاض في جزيرة الإسلام وأرى وميضا من تحت الرماد .. أسأل الله أن يكون في صالح الاسلام ومناصريه

    ردحذف