تعديل

بحث

الثلاثاء، 29 أكتوبر، 2013

ثم تولى إلى الظل..


   
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أما عنوان هذه المقالة فهو جزء من آية القصص الكريمة ( فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير)والمعنيّ بها النبي الكريم الكليم موسى صلى الله عليه وسلم، والمناسبة ذلك الموقف النبيل والعمل الشهم الشجاع الذي هو ليس بغريب على سير النبيين وأخلاقهم الذين بلغوا الغاية في المروءات والشهامات وأفعال الرجال  ولهم في ذلك قصص وحكايات يطرب لها الساري ويهيم بها القارئ ف"هل أتاك حدث ضيف إبراهيم المكرمين" ولوط إذ قال:" إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون" وشعيب الساعي بالصلح المعروف بالإصلاح " إن أريد إلا الإصلا ما استطعت"وحنان وبر (ابني الخالة ) يحيى وعيسى " وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا وبرا بوالديه"" وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا"وإقدام داود "وقتل داود جالوت" وفروسية وعزة سليمان "ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لاقبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم لها صاغرون" ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم  على حد وصف أعرف الناس به:(إنك لتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق)فهو غاية الكمالات البشرية وأفعال المروءات والرجولات كرما وشجاعة وشهامة وبرا وعطفا وإحسانا:
تراه إذا ما جئته متهللا
كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ولو لم يكن في كله غير روحه
لجاد بها فليتق الله سائله
ولموسى صلى الله عليه وسلم من هذه الشهامات والمروءات ماقصته الآيات ، من ذلك: نجدته وإغاثته للملهوف في أحلك الظروف، وأشد الأوقات خطرا عليه، وأحوج مايكون فيها إلى التخفي والاستتار، لكن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب..
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم
طاروا إليه زرافات ووحدانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم 
في النائبات على ماقال برهانا
يصنعون المعروف غير منتظرين جزاءه إلا من ربهم وغير ناظرين مكانه حتى لو كان غير أهل، ولو كان من اللؤم والحقارة مستعدا أن يبوح بسرهم ويفضح أمرهم ويشي بهم إلى أعدائهم لمجرد تعنيف لفظي كما جرى لموسى مع صاحبه "أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس"
موسى عليه الصلاة والسلام دخل المدينة على حين غفلة من أهلها؛ لأنه كان على رأس قائمة المطلوبين للطاغية فرعون، ومع ذلك أغاث الذي استغاثه، بكل إقدام وبسالة، فوكز خصمه فقضى عليه، ومرة أخرى أصبح يترقب:"فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه"
إن عمل الإحسان ونجدة الملهوف والفزع للمكروب في حال الرخاء عمل جميل وجليل، وأجل منه وأجمل حينما يكون هذا المحسن المنجد نفسه في حالة من الشدة والكرب والترقب الذي يجعل المبتلى به يموت كل لحظة، ويفزع من كل صيحة، كما جرى لموسى صلى الله عليه وسلم
والأمر عينه حينما خرج من مصر خائفا يترقب هائما على وجهه سائلا ربه أن يهديه سواء السبيل جائعا غريبا لم يمنعه ما هو فيه من ممارسة أعذب هواية للأماجد الكرام هواة المجد عشاق السؤدد، رأى موسى المرأتين على حال من الضعف والاستكانة تذودان غنمهما من دون أمة من الناس تتزاحم بكل جشع على المورد أيها يسقي ، وتتقاتل بكل الأثرة على الماء أيها يغلب ، كما قال ابن كلثوم شاعر تغلب :
ونشرب إن وردنا الماء صفوا 
ويشرب غيرنا كدرا وطينا
وما هلكت القبائل وفنيت الشعوب ، إلا حيث تلتطم الدليّ وتشتبك الغروب ، وما اازدحمت الأجداث إلا على شفير الموارد . 
كما قال أحمد بن الحسين ( المتنبي ) :
من الحلم أن تستعمل الجهل دونه
إذا اتسعت في الحلم طُرْق المظالم
وأن ترد الماء الذي شطره دمٌ
فتسقي إذا لم يسق من لم يزاحمِ
ومن عرف الأيام معرفتي بها
وبالناس روّى رمحه غيرَ راحم
فليس بمرحوم إذا ظفروا به
ولا في الردى الجاري عليهم بآثمِ
هذه إذا فلسفتهم في الحياة وهذا فهمهم لها على طريقة ( إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب )
وأين هاتان الضعيفتان الحييتان  من مزاحمة الرجال بالمناكب ومدافعتهم بالراح  (ويل الأيتام على مأدبة اللئام) ومَنْ لرب الشويهة أمام رب البعير إلا الله ثم كرام الخلق وساداته، أهل الغوث والنجدة والشهامة، وعلى رأسهم المرسلون الذين شعارهم (لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على رب العالمين)
أليس أجدرَ بالالتفات لهاتين المرأتين ذوو القرابة والعشيرة من غريب لا يعرفهما ولا تلحقه بتركهما ملامة، ثم هو مطارد قد وضعت على رأسه أسنى الجوائز؟!! ولكن (الله أعلم حيث يجعل رسالته).. فسقى لهما ثم تولى إلى الظل ، إنها صورة تستحق من الشعراء والروائيين الوقوف عندها طويلا. 
والآن حان الورود على المقصود والإشارة إلى الشاهد:
فماكان أحوج موسى في نظر قوم إلى استغلال هذا الموقف وهو الجائع المطارد الهارب من بلد إلى بلد بل من قارة إلى قارة ما كان أحوجه لإشباع بطنه وإيمان خوفه على الأقل، وماكان أدعاه إلى الدعاية لنفسه وهو القوي الأمين، لكن أخلاق النبيين تأبى ذلك كله وتجنح بأربابها من بهر الأضواء إلى سكون الظل وخفائه حيث روعة الاستكانة وجمال السكينة ولذة المناجاة (رب إني لما أنزلت إلي مت خير فقير) 
ما أحوج الناس اليوم إلى هذه المثل الراقية والقيم الرائقة، وأخص من الناس خاصتهم العلماء والدعاة الذين بهروا ببهر الأضواء وصخب الإعلام وضجيجه وصريخ الدعاية؛ فأصبحت الكاميرات تلاحقهم أوهم يلاحقونها في كل عمل ديني ودنيوي، أصبحت الدعاية والتصوير جزءا لا يتجزأ من حياتهم ملكت أسماعهم وأبصارهم، وجرى حبها في دمائهم حتى تركبت في شخصياتهم ونفسياتهم، لايستغنون عنها إلا إذا استغنى السمك عن الماء والحيوان عن الهواء، ولهم في ذلك فنون ترقى أو تنزل إلى عالم الجنون يخرجون بها عن سمت الصمت وشعار الوقار الذي تدثروا به وتجللوا أيام فتوتهم وشبابهم، فتبجحوا في كهولتهم وشيخوختهم، وتظاهروا بأعمالهم، حتى أصبحت حياتهم بأدق تفاصيلها وفي أجواف بيوتهم، وفي أسفارهم وتنقلاتهم وعباداتهم ودعوتهم وأكلهم وشربهم وصحوهم ونومهم ولقاءاتهم وزياراتهم -أصبح ذلك كله في العراء وأصبحت حياتهم ( إمبروطورية لا تغيب عنها الشمس )، ويوشك أن تلج معهم كاميراتهم غرف نومهم ودورات خلائهم؛ فماذا أبقى هؤلاء للملوك والزعماء الذين كانوا يوما من الدهر يسخرون بهم وبإعلامهم، ويصفونه بأنه إعلام (استقبل واستدبر) أي (استقبل وودع)، وأنت إذا سبرت أحوال هؤلاء الدعاة المبتلين بداء الدعاية والذين أصبحوا قدوة لطلبتهم وعموم الشباب في تعشق الدعاية والتصوير، حتى أصبح أولئك يبالغون في إظهار كل مايستطيعون إظهاره،ويضخمون الحوادث ويبالغون ، فإن تهيأت لهم التغطية المباشرة فعلوا، وإلا فأضعف الجهد اختلاس غفلة الرقيب وتصوير مايستطيعون تصويره من درس في مسجد أو مناسبة في مجلس أو ماشابه ذلك، وأنا لا ألوم هؤلاء إذا رأيت تهوّك قدواتهم، وتهافت قاداتهم إلى هذا العالم الممرض.
إذا أبصرت ذلك كله أدركت أنهم لم يبقوا للزعماء من هذه الدعاية إلا الفتات.
لست بصدد الكلام عن حكم التصوير؛ فهذه مسألة قتلت بحثا، وكفانا علماؤنا فيها القول، ومن رخص منهم فيها رخص بحدود الضرورة والحاجة الشديدة، التي يدخل فيها دخولا أوليا كثير من المحاضرات والمناظرات ، ونقل مآسي المسلمين والتعريف بمضطرهم، ولكن كلامي عما هو أكبر وأخطر من أمر الإخلاص بالعمل، وابتغاء وجه الله به، والاستخفاء والاستغناء عما لدى الناس بما عند الله، وليت شعري ماذا سيبقى من إخلاص وثواب-إلا ماشاء الله- لمن فتن بهذه الأضواء والدعاية والتصاوير، لضرورة ولغير ضرورة ولحاجة ولغير حاجة، وإلى حدٍ يخرج بالمرء إلى القرف والسخرية.
حسنا.. سلمنا جدلا مرجوحية تحريم التصوير واخترنا معهم الرأي الآخر، ياترى هل يصبح في لحظة حلالا زُلالا طيبا مباركا فيه لا يحصى للداعية صوره وتصويره مع كل من يزوره أو يحاضرهم، ويتفنن في مكساج وإخراج، وتكلف حركات وابتسامات، وتصنع المثالية المفرطة؛ جذبا للأبصار وخلبا للأنظار.
أليس الأجدر بهؤلاء الفقهاء المحدثين الأفاضل المتفننين في مسائل العلم وأبوابه أن يحملهم وقارهم الذي لجمهم عن (السلوك إلى عالم الملوك) و(التزيين لأفعال السلاطين) وحملهم على (الازدراء لكبرياء الأمراء) على عدّ هذه المسائل من متشابه الدين التي من اتقاها فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع فيها وقع في الحرام أو قاربه، والمقارب يوشك أن يقارف.
لقد أسرف كثير من أحبتنا في إظهار أعمالهم والدعاية لأنفسهم، أو تسخير أموال بذلها المحسنون لدعوتههم وأعمالهم الخيرية، فاستغلت في هذه الدعاية أسوأ استغلال.
وإني لا أدعو الفضلاء إلى التواري واعتزال الحياة والانكفاء على الذات، بل أحظهم وأحثهم -ومن كثير منهم أتعلم الخير- على المخالطة والمصابرة والاحتساب والاختلاط بالناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتصدي لأعمال البر والإحسان والإغاثة والنجدة، ولكن إن اعتبروا هذا التصوير والدعاية شرا لابد منهما، فليأخذوا من العُقار بمقدار، وليجعلوه كدواء في زجاجة، يقطرون منه بقدر الحاجة "وكان بين ذلك قواما".
ولاتغلُ في شئ من الأمر واقتصد
كلا طرفي قصد الأمور ذميم
أول سفرة سافرتها إلى الولايات المتحدة كانت في عام ١٤١١ه وكأي زائر لتلكم القارة فُجئْت بأشياء عجيبة وغربية؛ من ذلكم أني رأيت عامة شيبهم وشبابهم وفتياتهم متقلدي كاميراتهم لايستغنون عنها لحظة، واضعي سماعات موسيقاهم في آذانهم يستمعون الليل والنهار لايفترون.
وفي جلسة استرخاء أغمضت عيني وطوحت بفكري بعيدا في نوبة تأمل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم(لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا يارسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟)
وتساءلت في نفسي: قد قلدهم قومنا في أشياء كثيرة، فهل سيصل بهم التقليد إلى هذا الهوس بالتصوير والأفلام،  بحيث تكون كاميرا الواحد كتوأم أو شق سيام، وكذلك الحال بالنسبة للموسيقى، لم أستبعد هذا خاصة وأن الاتباع (حذو القذة بالقذة) و(شبرا بشبر وذراعا بذراع ) وفي كل أمر حتى ولو كان من العنت والتعقيد ماكان (كجحر الضب)، لم يطل تساؤلي كثيرا فمن طريق الجوال بطل عجب السؤال ،  الذي كسر عند كثير من الناس  الحظائر وصغر الكبائر، ومن ذلك التصاوير والمزامر، حتى احتوت الجوالات على ألوان الموسيقات وأشكال النغمات، وأفحش المقاطع وأقبح الفظائع التي ربما كانت جنبا إلى جنب مع برامج القرآن والسنة، وكثيرا مايولج بهاالمساجد، وتعزف على مسمع الراكع والساجد، وهكذا هونت المنكرات، ووهنت المحظورات حتى كدنا أو قاربنا أن نكون كمثلهم (والأمر يومئذ لله)
ورأيت شبابنا وبناتنا متقلدي كاميراتهم ملازمين إياها ليلا ونهارا وحضرا وسفارا وأصبح التصوير ذاته هواية من هوايات الحياة تنفق فيها الأعمار وتنشأ لها الأسفار وتقام لها المسابقات وترصد المكافآت ، وتفتتح لها أقسام الدراسات والتخصصات، وأصبح لدعاتنا فرقهم الإعلامية والتصويرية المفرغة المواكبة لهم في جيئاتهم وروحاتهم، وفتحوا لأنفسهم كغيرهم من الصبيان والصبايا مواقع مخصصة للصورة المسماة( الآنستقرام) وربما خصص بعضهم الندوات الفقهية والمحاورات العلمية التي استمات المتحاورون فيها في إساغة التصوير والقضاء على كل محاولة لتحريمه وتجريمه، مع وضوح وصراحة وصحة النصوص الموعدة عليه بأشد العقوبات، ولو لم يكن من شؤمه إلا كشف الحجاب وهتك الستر ووقوع حوادث الابتزاز وجر الحرائر إلى الكبائر، لكان ذلك وجها قويا في المنع منه عقلا وذوقا..
حدثني أحدهم أنه رأى في سوق الجوالات شابا يصرخ ويولول: سرق جوالي أدركوني أكاد أجن! قال: فهونت عليه وقلت: يا هذا:الرجالُ تفجع في أنفسها وماملكت ولا يرى الناس منها إلا التجلد والتجمل وإن كان جوالك بألف فهذه ألفان، قال: فمازاده كلامي إلا الحسرة والأسى، فقلت: إن كان قصدك الشريحة فخذ جوالي اتصل وأوقفها، قال ياهذا الأمر أكبر وأخطر ليته كان مالي ليتها روحي ذهبت، ألا تعلم أن لي مع أهلي فيه صورا في أوضاع خاصة جدا، فماذا لو نشرت بالانترنت أو ابتزنا أحد بها، وقال : (حسبي الله على من أفتى بحلّ هذا، عليه من الله كذا) ثم خرّ على الأرض مغشيا من الأسى الحسرة، قلت: عائذا بالله من حال الشماتة:
 يداك أوكتا وفوك نفخا، 
(ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا)..
إن من الآثار غير الحميدة للانغماس والانهماك والتهوّك في عالم التصاوير ما تقدم ، وما تأخر ومنه :
- الجناية على الإخلاص في الأعمال والقضاء على أجورها بحب المدح والتشوف للشرف والتطلع للإعجاب والتكاثر في  المعجبين وتصيّد(المعجبات) .
- تمكن داء حب الظهور قاصمة الظهور الذي يحجب المرء عن تفقد حاله ولوم نفسه ومراجعة أخطائه ، وهو القائد لكثير من الفتن والشرور التي لا تنتهي أحيانا ولا تقف بالمبتلى دون عتبة الشك والاضطراب ثم النكوص والانقلاب عافانا العفوّ بعفوه ومعافاته .
- الانهماك في هوس التشبب والتفتي والتظاهر بخلاف المظاهر ، وربما تسامح في محرمات (فأنهك لحيته ، وجر ثوبه ، وزاحم النساء في الحركات والنعومة) ، وأعاد تشكيل علاقاته ، وغير جلساءه ، وبدل رفقته إلى قوم لا خلاق لهم.
- التزوير والتلبيس والإفراط في ادعاء المثالية للنفس ، والتشبع بما لم يعط المبتلى وفي الصحيح أن فاعل ذلك ( كلابس ثوبي زور ) والتظاهر برهافة الإحساس ورقة الطبع ورفعة الذوق و ( الرومانسية ) في التعامل ، ولو سألت أخص أهله من زوج ووالد وسبرت بيته من الداخل سردت عليك قصص العذابات الأليمة والهجران والحرمان والشقاء والعقوق والإهمال إلا من رحم ربك ( وقليل ماهم ).
هذا المهم وغيره كثير نسأل الله العافية والسلامة ونعوذ به من الخذلان إنه هو المستعان وعليه التكلان .  

قلت إن صورة المرأتين تذودان ونجدة موسى لهما، صورة مُلهمة للشاعر والروائي ، وهذه أبيات مستعجلة ، قد يبلغ المتأني أبلغ منها وأجود :

لك الله من شهم لك الله يا موسى
لقد كنت في الإحسان والبر ناموسا

نبيَّ الهدى والعزم والبذل والندى
ومدرسة الصبر الذي أعجز الشُّوسا

ونجدة ملهوف وغُنية بائس 
وكنزا من الأفضال كم عالج البوسا

ألم يُلْهِك الحال الذي ذقت كربه
ألم تخش فرعونا أما خفت جاسوسا

شريد هموم يذرع الأرض ما مشت
له قدم إلا على شفرة الموسى

لدُن كان حملا والمخاضِ بِهالةٍ
من الهول حتى أخضع البحر تيبيسا

يرى الموت مخبوءا له كلَّ مرصد
وكلُّ امرئ يلقاه يخشاه مدسوسا

وما صده هذا البلاء ورده
عن النجدة العظمى إذا رام تنفيسا

رأى ضعف حواءٍ وحشمة مريمٍ
تذودان حتى يُصدر الواردُ العيسا

بُلِين بأرحام قساة  قلوبهم
إذا ما ضعيف جاء من حولهم ديسا

ولو كان أنثى يجهش الصخر إن رأى
لها شعثا - من سوء حال - وتفليسا 

لقد كانتا في خفضِ عيشٍ ومنْعَة
وعز ولكنْ أصبح العز منكوسا

ثوى والد قد أوهن الدهر عظمه
وأصبح في ركن من البيت محبوسا

فيا ويح ذات الخدر إن لم يكن لها
رجالٌ ،  ولا شهماً من الحيّ مأنوسا

فلا راحم إلا لنفع يربُّه
ولا منجد إلا يساوم تخسيسا

يساوم في ماذا؟! ويطلب مالذي ؟!
فبؤسا لغاو ظل في الغيّ مهووسا

وما أحوج الدنيا إلى فتح فاتح
نبيٍّ ووالٍ لا يرى البذل تسييسا

ويسهر كالفاروق يخدم شعبه
يقطّع كل الليل بحثا وتعسيسا

إذا ادّكر الأيتام عند أرامل
أطار الجوى نوما وشرّد تنعيسا

لكَم أبكت الأنثى عيونا وأوجعت
قلوبا لحرّ كرس الودّ تكريسا

إذا أبصرت عيناه وجه يتيمة
بئيساً من الإملاق ما زال متعوسا

( إذا نال منها نظرة ريع قلبه )
وصار زمانا حاضر الهم منحوسا

ذكرت مثالا قد تقدم حكمة
وأوردت شطرا لامرئ القيس تحميسا

يقولون : ما تكفي النساء رعاية
ألم ينظروا موسى ألم ينظروا عيسى

ألم ينظروا هذا النبي محمدا 
عليه صلاة الله صبحا وتغليسا

يتيم أبٍ إذ أشرقت شمس روحه
يتيمهُما طفلا إلى الحُلْم محروسا

وأربعة أعلام فقهٍ أئمة
يتامى وهم من أثروا الكون تدريسا

أيا أمَّ موسى لو علمتِ بما حوت
طواياك والتابوتُ طهرا وتقديسا

تولته عين للعناية إن رعت
مروّعَ قلب أبصر الموت تأنيسا

ألا إنه موسى الكليم وحسبه
من الشرف الأعلى مقاما وتأسيسا

بوادي طوى خرت له الأرض رهبة
يكلمه جهرا ويسمع قدوسا


  




  

هناك 4 تعليقات:

  1. نسأل الله لهم الهداية و ( العودة ) إلى بداياتهم لقد كانوا نورا فأصبحوا أوارا ومع ذلك لازلنا نؤمل برجوعهم إلى ما كانوا عليه .. . إن السجن لا يمكن أن يقلب المفاهيم إلى هذه الدرجة فهذا شيخنا سفر الحوالي سجن فلم يغير ولا يبدل وهذا شيخنا ناصر العمر سجن فلم يغير ولم يبدل وإن أنسى فلا أنساك يا شيخي أبا عبدالله سجنت من ضمن من سجنوا ولكنك لم تغير نحسبكم جميعا ولا نزكيكم على الله ... نسأل الله الثبات حتى الممات وألا نكون أغبياء إلى درجة كافية

    ردحذف
  2. اللهم صل وسلم على أنبيائك أجمعين ... عندما أقرأ قصة موسى مع الخضر عليهما الصلاة والسلام أستعجب من حرصه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالرغم من أنه ذهب مع الخضر على أن يتعلم منه ومع ذلك لم يمنعه ذلك من انكار مارآه حسب مابدا له أنه منكر وعدم صبره وسكوته على ذلك فكان الإنكار مباشرة على قتل الفتى وخرم السفينة ... ونحن نؤمر بالصبر على طغمة علمانية لبرالية فاجرة تعرف الحلال وتناوؤه وتعرف الحرام وتحرص عليه .. فئة تحرص بكل ما أوتيت من قوة على نشر الفاحشة بين المسلمين ... الله المستعان

    ردحذف
  3. السلام عليكم ورحمة الله
    بارك الله فيك شيخنا ونفع بك
    ارجو تعديل كتابة الآية ربي إني لما أنزلت الي من خير فقير

    ردحذف
  4. بارك الله في علمك ياشيخنا،،، وسدد خطاك

    ردحذف