تعديل

بحث

الخميس، 28 نوفمبر، 2013

جيل الخنافس

  وقعت عيني عليه بهيئته البغيضة ومشيته الأنثوية يتسكع مع بعض أشكاله في ساحات الحرم، يدخنون السجائر،زوار البيت عربا وعجما ممن أتوا من كل فج عميق يحثون السير لإدراك الركعة، وهم قد أداروا ظهورهم للحرم، ما خطرت لهم الصلاة على بال، ونقول بادئا الحمد لله الذي عافانا، ولا يؤخذ عليّ ما فيها من شدة ؛ فأنا أردت الجنس أما ذلك الشخص بعينه ، فأسأل الله له الهداية ، والعجيب أنهم حسب لهجتهم جاؤوا من بعيد وإن كانوا من أهل البلد فأهلهم في الحرم وهم في الأسواق:

لقيته ليتني ما كنت ألقاه
​يمشي الهوينى تخط الأرض رجلاه

مخنفس خسف الله بقامته
​حتى يكون إلى سجينَ مثواه

لا مرحبا بشبيه البنت إذ وقعت
​عيني عليه ولا حيا  محياه

مالي أرى الشعر مفروقا بهامته
​مربوطة خلف أذْنيه بقاياه

ولحظه فاترا والطرف منكسرا
​كأنما كُحلت بالنوم جفناه

و صَنْفَر الوجه حتى كاد يقْشُره
​خوف الخشونة أو يسود لحياه

وربما شكّل الباقي وهندسه
​كأنما لوحة الديكور خدّاه

سطا على كحل أختيه وصبغهما
​فطالما ولولت بالويل أختاه

دهْنُ المراهم أوْهَى منه جلدته
​لو دبّ ذرٌّ عليه بان مجراه

تدلُّلُ البنت يبدو في تنعمه
​سيماه سيما لعوب ساء سيماه

إذا مشى يتثنى عند مشيته
​كأنه ثمل واهتز ردفاه

وإن أريد بعدوان يصِحْ هلعا
​وقد يدافع بالتقبيص ظفراه

وربما هدد الجاني بتفلته
​إذا تجرّى وذا منه قصاراه

قميصه دون أكمام فواخجلا
​إذا تحرك تبدو منه إبْطاه

لا يشتهي الزاد أياما مُشَاهدُه
​إذا رأى جلده البادي خباياه

والبنطلون قصير ضيق فلذا
​صارت تموج لفرط الضيق إلياه

عليه من ماركات الغرب أقبحها
​كأنما ببلاد الكفر مرباه

وثوبه لاصق يبدي دواخله
​مخصر ناعم قد ضاق جنباه

وفي الشفاه سجار سجّرت بطرا
​من الدلال تحامتها بناناه

وفي الذراع أساوير وسلسلة
​في جيده تحتها قد بان ثدياه

هنا نظرت إلى رجليه أبحث عن
​خلخال ساقيه إذ لم يبق إلاهُ

فحرت فيه غلام ذا أم امرأة
​أم ثالث حرت في التحديد ويلاه

سألته أنت أنثى؟! قال واأسفا
​أواه لو كنت أنثى ثم أواه !!

لو لم يقل فلسان الحال يفصح عن
​هذي الأمانيْ وذاك الفعل معناه

أذا وأمثاله أحفاد يعربَ أم
​من قوم بوشٍ ومن شروى نتنياهُ؟!

إن لم يكونوا نساء في خليقتهم
​ليسو رجالا ولكن ثَمّ أشباه

لولا الخنافس ما صدقت أن فتى
​يودّ لو بادلت بالخلق أنثاه

فكان أنثى وكانت أخته ذكرا
​ينسى فحولته الأولى وتنساه

لمّا رأى نحوه الأبصار شاخصة
​أيحسب الأمر إعجابا بمرآه؟!

الناس تنظر إشفاقا لحالته
​ترثي له وتقول: العاصم الله

والبائس الخنفس المسكين مبتهج
​يستعرض الجسم مسرورا ببلواه

رباه عافيتنا فضلا ومكرمة
​فعاف أبناءنا رباه رباه

لا يعرف المرء كم لله من نعم
​عليه حتى يرى في الناس شرواه

ولو رأى عمر الفاروق خلقته
​بدرّة العدل أو بالسيف داواه

ليهْنِ صهيون هذا الجيل إنهمو
​هم قرة العين للغازي وسلواه

جيل الخنافس توبوا من فضائحكم
​عقوبة الله للمفتون عقباه

إن المخنث ملعون بفعلته
​في سنة المصطفى الهادي وفتواه





الأربعاء، 27 نوفمبر، 2013

مقامة : أهل الوفاء


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،،،،، وبعد:
الوفاء صفة كريمة، وشيمة عظيمة ، ومما جاء عن سيد ولد عدنان، حفظ العهد من الإيمان، ومن القصص الرائعة، والحكايات الذائعة، حول الوفاء بالعهد، وإنفاذ الوعد، حكاية حُدثنا بها في الصغر، وحديث الصغر كما يقال كالنقش في الحجر..
فقد روى الرواة، وحكى الحكاة، عن فتاة كالمهاة، بين الحريم كالريم ، ومع النساء كالخنساء ، قدّ وخد، وجيد مجيد، وقوام النعام، وجمال الغزال، ونواظر لواحظ،لا غوائر ولا جواحظ، ودقة ورقة،ووطَفٌ وهيَف،جعلها الخالق للحسن قاموسا، وللعيون فردوسا، 
تنافس إليها المتنافسون، واستهم المستهمون، فألقوا أقلامهم، ورموا سهامهم، ومنهم الأمراء والوجهاء، والفضلاء والنبلاء، فعادوا بخيبة الرد، وحرقة الصدّ،
حتى تقدم لها شاب وسيم، جسيم قسيم، له قوام المهند، وطرف المسهد، يوسفي الحسن، ألمعي الذهن، فوافق شن طبقة، وبلّ صادٍ رمقه ، كان اسمه الأطلسي واسمها حمامة اللوا، فرضيته  وألفته وإنما لكل امرئ ما نوى.
عاشا عيشة رضية، ومدة هنية، يظللهما غمام الحب، ويجللهما لحاف الصب، ولكنما الدنيا دوارة، خداعة غرارة، إذا حلت أوحلت، وإذا أينعت نعت، وإذا أوجفت جفت، فقد عرض للأطلسي حاجة بعيدة، يتطلب تطلابها مدة مديدة، من دونها القفار والبحار، وفيها تفنى الأعمار، وضرب لها حينا ، من الزمان سنينا، فإن عاد وإلا فهي في حل الطلاق، و فك الوثاق، لكنها ودعته بالزفرات والعبرات، وأقسمت بكل الأليات، أن تظل بعده أيٌما، ولو لم تجد من الناس قيّما:

أستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً
 بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارِ مَطلعُهُ

وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي
 صَفوُ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُهُ

وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ضُحَىً  
وَأَدمُعِي مُستَهِلّاتٌ وَأَدمُعُهُ

مرت الأيام والشهور، كأنها القرون والعصور، وكلما اقترب الميعاد، خفق قلبها وحمّت بالارتعاد، وكانت كل عشية وضحاها، تخرج إلى البحر تترقب أيان مرساها، حتى فرغت المدة، وانتهت العدة، وتتابعت الأيام، وتصرمت الأعوام، وعم الخبر الفلَك، أن الأطلسي قد هلك، فصاحت وناحت، واشتكت وبكت، وأقامت الجواثي، وأنشدت المراثي، وتسامع الرجال، وتنافس الأقيال، وأنفسوا البضاعة، واستشرفوا الشفاعة، ولكن  هيهات هيهات، فما كان منها هاك ولا هات، وأخيرا تقدم ابن الأمير، الوزير المشير، وقال: لا بد منها رغبة أو رهبة، فاتخِذوا للأمر الأهبة، فوافق الوالد مكرها، إذ خشي من الملوك مكرها، وضرب الأجل، ونفس في المُهل، وأعلنت في المدينة الأفراح، وتوافد إليها السياح، وضرب في الميدان الفسطاط ، وأعلن حوله الرباط ، وطلب من كل أسرة وفصيلة، وناحية وقبيلة، أن تقدم الهدايا،فتنافست إلى ذلك البرايا، وكلما أزف الأجل، تكاثرت في الحمامة العلل. 
وأخيرا أصبحوا على يوم الزواج، وموعد الابتهاج، وما بينهم وبين العرس، إلا أن تغيب الشمس، ودنت الشمس للأفول، 
واستعد النهار للقفول، والحمامة على أحر من جمر السمر، ولظى الغضا، وإنها لكذلك، وقبل أن تفارق جسمَ النهار الروح، إذا بمركب في سراب البحر يلوح، وما أبطأ حتى رفأ، ولا أمسى حتى أرسى، فأشرع بابه، ولفظ ركابه، وكان منهم شاب ينهب الأرض، وينظر في الطول والعرض، فرأى الفسطاط والجلبة، فشده ذلك وجلبه، فانطلق إليه يسعى، لعله يجد عنده نفعا،وسأل الناس ماالخبر؟! فأخبروه أن الأطلسي قد انقطع له الأثر، وأن الحمامة الليلة عروس، على الأمير المحروس، وماكان الأطلسي سواه، فتحير لذلك وتاه، وفكر قدر، وقدم وأخر، فتوسم في أحدهم عقلا ونصحا، فأفضى إليه ولم يخش فضحا، فقال له ويلك أولى لك، انفذ بجلدك واغنم حالك، فسمع داخل الفسطاط صيتا، فأصغى ليتا ورفع ليتا، وقال ماهذا البكاء؟ فقالوا: هي الحمامة مازالت في كرب وعناء؛ فنشج وشهق، حتى قيل روحه زهق، فقال: لا بد من نفوذنا إليها .. ولو قطعت إربا لديها،
فقال له صاحبه: أما ولا بدّ، فعجل وإياك والبعد، فعما قليل يحضر العريس، ويصطاد الفريس، وعليك بفلانة العجوز، صانعة التمائم والحروز، فإنها ذات جبروت وشطنوت، تقودالبغل الحرون بخيط العنكبوت، فانصب إليها انصبابا، وطرق لها بابا، فرأته ثائرا فزعا، خائفا هلعا، فقالت: ليفرخ روعك، وليبرد لوعك، فقص عليها القصص، وشكى إليها الغصص، فقالت: هذا والله أمر عظيم، وخطب جسيم، وما لنا طاقة بالسلطان، ولا لنا فيه يدان، فقال: فإما لا، فسأنتحر على الملا، فقالت: لا والله سأفعل المحال، حتى أحقق لك النوال، فامكث مليا، حتى أستطلع الأمر جليا، فذهبت العجوز إلى فسطاط العرس، وجاست كما يجوس ابن عرس، ثم كرت راجعة إلى البيت، فوجدته حيا كالميْت، وماهو إلا كارتداد الطرف إلى الأنف، واختراق الشهاب للسحاب، حتى جاءت العجوز، على عربة تجرها بغلة، ووصلت فسطاط الحفلة، ومعها هدية كريمة، سلة زهور عظيمة، فلما رأتها الحاشية، غشيتهم من رؤيتها غاشية، وقالوا: هذه والله هدية سنية، وتحفة بهية، لايليق إلا أن تكون عند سرير الأمير، حتى ينظر إليها نظر قرير، فقالت العجوز: ذلك ماكنا نبغ، وقد صبغتمونا بالكرامة أيما صبغ، وكرت العجوز راجعة، على تخوف أن تسمع الفاجعة، وماهو إلا قليل حتى سمع جلبة وضجيج ، وصار الناس في أمر مريج، وسمعت الأبواق، وازدحمت الأسواق، فعُلم أن موكب العريس قد وصل، وصاح الجمع واحتفل، والحمامة على السرير راقدة، وهي للإدراك فاقدة، وقد أنهكها البكاء والنياح، حتى ذاب كحلها وساح، ولم يرعها حتى فتح الباب، وأطل الأمير العريس وحوله الأصحاب، فحينئذ شهقة حرى، حتى كأنما تزفر جمرا، وأطلقت آهة مفجوعة، من كبد موجوعة، وقالت:

ياليت شعري أين بات الأطلسي
حيا يُرى أم بات تحت الأرمسِ

وفي أسرع من لمح البصر، وأدنى من لمع الفِكَر، انتفضت سلة الزهور، وقفز منها الأطلسي كأنه الأسد الهصور، وجرد السيف صلتا، وصرخ ممزقا صمتا : 

في سلِّ وردٍ ياحمامة اللوا
ماكان ظني فيك أن تتعرسي

فوقف العريس الأمير مشدوها، حتى ظنه الرائي معتوها، ثم قال:

أمسيتما بالخير ياأهل الوفا
ماجئت إلا زائرا للمجلس

فنثر عليهما الدنانير، وزف إليهما التباشير، وبارك لهما بالزواج، وأحكم عليهما الرتاج، فلا تسأل عن فرحة حبيبين، ولقاء صبين، وعناق أليفين، كل منهما إلى لقاء الآخر هائم، واشتياقه كما يشتاق إلى الماء الصائم، 
فأي الثلاثة للعهد أوفى ، وللود أصفى ،  بل كلهم كأفراس رهان، و نخيل صنوان.

إن الذي جمع الحمامة كرة بالأطلسي
من بعدما ظنوه ميْتا دارسا في الأرمسِ
من قال أقلع ياسماء الغم يا أرض احبسي
هو قادر أن يُبْدل الشوك القتاد بنرجس
ويزيل أمواج الظلام بنور شمس مؤْنس
فترقب الفرج الجميل من الكريم الأقدس
يا من جمعت حبيبة بحبيبها المستيأس
اجمع إلهي كعبة .. ولْهَى ببيت المقدس

الثلاثاء، 26 نوفمبر، 2013

فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الهادي الأمين ،،،، وبعد :
فإن المسافر في سفره عرضة لمواقف عجيبة يتعرض لها أو تتعرض له ، ومن ذلك ما وقع لي في سفرة كنت مسافرها قبل حج هذا العام رفقة الشيخين عبدالله المقحم ومحمد المهنا ولنعم الصاحبان في السفر هما، فقد حضرنا مجلسا لفت انتباهنا فيه شاب وسيم جسيم حديث السن مهذب الطبع لطيف المعشر رقيق الكلمة له حديث جاذب ، جعل هذا الشاب يقص علينا عن نفسه حياته ودراسته وسفره للخارج وتفوقه على أقرانه ونبوغه واختراعاته حتى ظننا أن ما ذكره ضرب من المبالغة !!
وانفض المجلس وانهمك معه أبو ثابت في حديث جانبي ثم خرج علي أبو ثابت وقال : يبدو أن لهذا الشاب سرا فاسمع منه ، فقلت للفتى: ماذا يقصد أبو ثابت ؟!
قال الفتى : قد أخبرته أنني ماهر في الألعاب وما يسمى بخفة اليد وأنني أفعل كذا وكذا فتعجب صاحبك !!
قلت : وحق له أن يتعجب فإن صح ما ذكرته عن نفسك فأنت مشعوذ وممخرق !!
فقال الفتى : أبدا هذه ألعاب وخفة يد وإن شئت أريتك !
قلت : فإني أشتهي أن أرى منك بعض هذا، ثم أحكم على فعلك.
فقال الفتى : نبدأ بالساعة ، كم ساعتك يا أبا ثابت ؟ قال الحادية عشرة والنصف ليلا. قال كم تحب أن أجعلها ؟ قال اجعلها كذا وذكر رقما ، قال اقلبها أي اجعل زجاجتها أسفل ، فقلبها فضرب بإصبعه ضربة واحدة ، على ( سنقلها) لم يمس محركها  وقال انظر إليها فإذا كما طلب .
فقلت : لا شك أن هذا سحر من عمل الشيطان ، وإلا كيف دخلت على عقارب الساعة فغيرتها وما رأينك مسست إبرة محرك العقارب قال : هذه خفة يد وهذه شغلتي وسر مهنتي .
ثم طلب مني إضمار رقم في نفسي ، ففعلت فوضع عينيه في عيني وحدق النظر لمحة ، ثم ذكر الرقم كما أضمرته ، قلت : هذا يؤكد لي أن عملك سحر إما بعلمك أو أنك مغلوب على نفسك، وطفقت أقرأ في سري ، فلاحظ حركة لساني فضحك وقال : اقرأ اقرأ ، قد قرأ قبلك كثير وتبين لهم أنها خفة يد ، فقلت : هل من خفة اليد علمك بما في ضميري ، لا شك أنك تستعين بالقرين فسألت قريني فأخبرك ، والقرين يجري من ابن آدم مجرى الدم ،أو أنك متلبَّس يتعامل جنيك مع القرناء، وكذلك فعل مع المقحم فقد طلب أن يضمر رقما فأضمر فقال : أضمرت كذا وستجد الرقم مكتوبا على شاشة جوالك المغطى بغطائه ، ففتحناه فوجدناه كما ذكر.
انتقل بعد ذلك لورقة اللعب : فأخرجها وجعل يفعل حركات لا يفعلها بشر ، أقرب ما تكون إلى حركات أفلام ( الكارتون )
مثلا: أمسكها بيد ورفعها للأعلى ثم أطلقها فنزلت في كفه الآخر متسلسلة متتابعة في لمح البصر ، ثم رفع يده فتدافع الورق من كفه إلى مرفقه بعضه فوق بعض ثم قلب واحدة فقلبت كل واحدة جارتها حتى النهاية لم تسقط ورقة، ثم فردها على كفه فشكلت دائرة عجيبة ثم حرك يده وتراصّ الورق .. إلى آخره.
ثم اختار ورقة أراناها بلونها ورقمها وجعل يخبص الورق وفي كل مرة نراها أعلى ، وللتوثق وقّع على الورقة بالقلم ودسها تحت وسادة الكنب وخبص الورق فوجدناها الأولى، ووضعها في جيبه وخبص فرأيناها الأولى ، وأخيرا مزقها أربع قطع رأي العين ، فوجدناها عادت سليمة وصارت الأولى، كل هذا مع محاولة كل منا القراءة في سره لكننا نبهر أمام حركاته ونغفل عن إتمام الآية أو الجهر بها، واختار ورقة بلونها ورقمها ، وأخرى بلون ورقم مغاير ، وأعطى كل واحد منا ورقة وقال:  اقلبها ، ثم اكشفها مرة أخرى فوجد كل واحد منا ورقته مع الآخر، ويختلس غفلة صاحبي المقحم وبحركة كلمح البصر يخرج من ياقة ثوبه من تحت الشماغ مجموعة ورق مع تأكدنا من خلو يده فعلها مرارا.
المهم : أن الفتى بهر الموجودين ، ومع تأكدنا من أنه ساحر مبين ومع محاولة القراءة إلا أن سحره لم يبطل ، فاحترنا في أمره وأحرجنا، وشعر الفتى بنشوة النصر ، ولاحظنا أننا مكثنا معه وقتا طويلا ولم نشعر فقد جاوزت الساعة الثانية عشرة والنصف . 
صعدنا للسكن فوجدنا بعض الإخوة ، وذكرنا لهم ما رأينا من هذا الشاب وعزمنا على محاولة إبطال سحره ، أو التعاون عليه للقراءة عليه ، والتمسناه فأدركناه قبل خروجه ، وطلبنا أن يكرر ما فعل وبدأ فعلا بالورق ، غير أنه طلب منا أن بجتمع في ركن المجلس فلا يكون وراءه أحد . 
 كان محمد المهنا في غرفته لم يشهد شيئا مما جرى معه ، فسمع الأصوات فخرج مبهورا ، وهداه الله لما غفلنا عنه ، فبينما كان الفتى منهمكا في حركاته العجيبة ، جلجل صوت المهنا الجميل فقطع الصمت وملأ المكان " الله لا إله إلا هو الحي القيوم" والله ما زاد عليها ولا قرأ غيرها ، فارتبك الفتى وعرق جبينه ، وتفلت الورق من يده ، لم تستطع أصابعه الإمساك بها فضلا عن الحركات العجيبة ، وقال : خلاص طولنا عليكم أسهرناكم في أمان الله ، وبيدين مرتجفتين جعل يربط حذاءه ، وولى مدبرا ولم يعقب ، وحاولنا ثنيه ، وقلنا ما عملت شيئا أنت في البداية ، وهو يقول راكضا متلعثما: طولنا عليكم خلاص خلاص،
حاولنا رده لإقناعه أو القراءة عليه لكنه هرب وما رأيناه بعدها ، وربما لم يبت تلك الليلة في بلده.
هذه الحادثة شهدها جمع من الناس أنا وصاحباي وضيوف لمضيفنا آخرون .
الله أكبر إنه القرآن ، كلمتان فقط من هذه الآية العظيمة ومن هذه السورة الكريمة ، البقرة التي أخذها بركة ، وتركها حسرة ، ولا تستطيعها البطلة ( السحرة )كما في حديث بريدة .
أيها السادة : السحر عجيب ، والقرآن أعجب ، والسحر - كما ذكر الله - عظيم والقرآن أعظم ، السحر باهر والقرآن أبهر
وصدق الله العظيم " فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين" ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين"بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون"
والحمد لله رب العالمين .

الأحد، 24 نوفمبر، 2013

احذروا العقرب فها قد بدا قرناها

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،،، وبعد:
الشمس نزلت الشمس على برج القوس وهو آخر بروج الخريف ، وهي الميزان والعقرب والقوس .

وقد جمعتها في منظومتي الفلكية:

وفي الخريف فاضبط الميزانا
وعقربا فارم بقوس لانا

هذابالنسبة للبروج ، فأما الأنواء والطوالع والنجوم ، وهذه الثلاثة أسماء لمسمى واحد : فاليوم ذرّ نجم الزبانا وهو آخر نجوم الخريف ، وعلى رأي الفلكيين الذين يعتمدون حركة الشمس آخرها نجم الإكليل بعده ، والزبانا آخر نجوم الوسمي ، ونجوم الخريف : الجبهة ، والزبرة ، والصرفة ، العوا ، والسماك ، والغفر ، والزبانا.
جمعتها في المنطومة بقولي :

وللخريف ( جبهةٌ زبْرًٌ صَرَفْ 
عَوَّا سماكُ غَفْرُ زَبْنٍ ) قد عُرف

ونجوم الوسمي منها الأربعة الأخيرة

والمراد بطلوع النجم إشراقه أول مرة بعد اختفائه من السماء مدة.

والزبانا أول برج العقرب وهو برج عظيم يماني على شكل عقرب فزباناها وهما الملقطان في مقدم جسمها ، ثم إكليلها أول نجوم الأربعينية ( المربعانية ) يذرّ في السابع من كانون أول (ديسمبر،وهو أول نجوم الشتاء ، في عرف أهل جزيرة العرب ، وفلكيا يدخل الشتاء بداية نجم القلب بعده) ، ثم قلب العقرب ، ثم شولتها، والإكليل والقلب والشولة : هي عدة الأربعينية تنتهي في الخامس عشر من الشهر الأول الشمسي كانون ثان ( يناير)

ولا تزال الشمس تتباعد جنوبا ، والليل يطول حتى يتناهى طوله في العشرين من الشهر الثاني عشر الشمسي ، نهاية برج القوس ، حيث تقف الشمس على مدار الجدي في أطول ليلة في السنة ثم تكر راجعة ، ليبدأ فصل الشتاء فلكيا، 

وبطلوع قلب العقرب ، تسقط الثريا غاربة ، وفي المثل المشهور : الثريا والقلب كالثور والغرب ، أي أن ثور السواني إذا اختتفى نازلا في المِنحاة بان الغرب من البئر وإذا سقط الغرب في البئر بان الثور من المنحاة ، وهكذا عكسا فإدا طلعت الثريا مشرقا سقط القلب مغربا ، وبهذا نعلم أن الثريا نجم شتوي وجودا في السماء صيفي مطلعا وعكسها القلب .

قلت في منظومتي :
قالوا الثريا أصبحت والقلبُ
كاالثور يختفي ويبدو الغربُ

فيستحيل منهما اجتماعُ
متى هوى فشأنها ارتفاعُ

بقي أن أشير إلى أمور:

الأول : أن ما ذكرته هو مواقيت طلوع نجوم برج العقرب ، أما نزول الشمس على موقع برجها ، فذلك في الثلث الأخير من الشهر العاشر تشرين أول ( أكتوبر) فافهم الفرق.

الثاني : أن العقارب في حساب العامة هي حسبة أخرى آخر الشتاء وأول الربيع يريدون بها الثلاثة نجوم سعد الذابح د وسعد بَلَع ،  وسعد السعود ، وابتداؤها في العاشر من شباط (فبراير) فلا يلتبس عليك.

الثالث : أنه بطلوع زبانا العقرب ( هذه الأيام ) وما بعدها يتحول الجو ويبدأ البرد فليُتوقّ  وليوق الأطفال لفحته فإن الأجسام من بعد الصيف رخوة ومسام الجلد مفتوحة فدخوله يسير ومتعب ومهلك أحيانا عكس برد الربيع :

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا حضر الشتاء تعاهدهم وكتب لهم بالوصية : إن الشتاء قد حضر وهو عدو فتأهبوا له أهبته من الصوف والخفاف والجوارب ، واتخذوا الصوف شعارًا ( وهي ما يلي البدن ) ودثارًا ( الملابس الخارجية ) فإن البرد عدو سريع دخوله بعيد خروجه .
ويروى عن علي رضي الله عنه في البرد ( أولَه توقّه ، وآخرَه تلقّه ؛ فإنه يفعل في الأبدان فعلَه في الأشجار ، أوله يحرق وآخره يورق)

الرابع : في ابتداء هذا النجم يتناهى طول الليل من طرف المساء ، وأما من طرف الفجر فيستمر الليل متوغلا  ويستمر النهار متقهقرا حتى انتهاء الأربعينية وحلول شباط الأول (نجم النعايم). 

الخامس : أن على المسلم استغلال الشتاء فإنه غنيمة باردة ، بالقيام لطول ليله وشبعه من نومه ، وبالصيام لقصر نهاره.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة ) رواه أحمد وغيره عن عامر وجابر وحسنه الألباني
وأخرج أبو نعيم بإسناد صحيح عن عمر قال ( الشتاء غنيمة العابدين)
و عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : مرحبًا بالشتاء ، تنزل فيه البركة ويطول فيه الليل للقيام ويقصر فيه النهار للصيام .
ومن كلام يحيى بن معاذ : الليل طويل فلا تقصره بمنامك والإسلام نقي فلا تدنسه بآثامك .
وعن الحسن البصري قال : نعم زمان المؤمن الشتاء ليله طويل يقومه ، ونهاره قصير يصومه .
وعن عبيد بن عمير رحمه الله أنه كان إذا جاء الشتاء قال : يا أهل القرآن ! طال ليلكم لقراءتكم فاقرؤوا ، وقصر النهار لصيامكم فصوموا .

السادس : أن عليه أن يتفقد ضعفة المسلمين وفقراءهم ومهجريهم فإن البرد لا يرحم ، فلا يليق أن ينعم وأولاده بالدفء وشيوخ وعجائز وأطفال في العراء لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا.
أعاننا الله على ذكره وشكره وحسن عبادته .

 والله أعلم وصلى الله على عبده ورسوله وآله وسلم.

السبت، 23 نوفمبر، 2013

عندما طرق الزائر المليون

طرق المدونة اليوم الزائر رقم (مليون) فكانت هذه الأبيات :

يا مرحبا أهلاً وسهلاً أيها المليونُ زائرْ

ما عند صاحبكم قِرىً ..إلا الصحائفُ والمحابرْ

لو أستطيع لأجلِكم .. لأقمتُ للجُزِرِ المجازرْ

وقَرَيْتُكم من كلِ كوماءٍ عليها الشحمُ وافر

لكنّ صاحبكم ضنِين فاقبلوا منه المعاذر

مليونُ لو معشارُ عُشْرٍ من عشور العشرِ عاشر

خرجوا بفائدةٍ لكان مُنى المسيكين المغامر

مَنْ أقحم الجهلُ اليراعََ له فأورده المخاطر

ومضى كحاطبِ ليلةٍ ظلماءَ يحْطِبُ حطْب عاثر

متطفلا في كل فنٍ ناهجا نهجَ الأكابر

أَوَ غرّه أنْ قيل ذو فقهٍ وذو أدبٍ وشاعر

والتفّ حولَ بساطه الطلابُ تزحف بالتواتر

ماذا يظن بنفسه .. يالَلمُغيرير المكابر

أيظنه ابن قدامةٍ .. أو كابن حزمٍ وابنِ شاكر

أم لم ينبأْ بالذي .. قد صحّ في كتب المآثر

فيما روى الشيخان عن نفرٍ عن الشعبيّ عامر

عن سبط عاصٍ ما الذي يجري إذا  رأست أصاغر

ما ظنُّه بالله رب العالمين إذا يغادر

مِن داره الدنيا إلى دار الفظائعِ والمقابر 

يا ويله إن لم يداركْه الإله بعفوِ غافر

الخميس، 21 نوفمبر، 2013

رصد المواقف والردود إزاء مقابلات داود

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،،،،، وبعد:
كغيري تابعت لقاءات الأستاذ داود الشريان مع بعض الموقوفين منّ الله علينا وعليهم بالهداية إلى الصراط المستقيم والفرج العاجل ، والبصيرة في الحق والعزيمة على الرشد آمين.
كما أنني رصدت بعض الانطباعات والمواقف - غير قاصد ولا عامد -  لهذه المقابلات ، ولكنْ لا تخطئ العين حرفا والأذن صوتا لأشتات من الناس متباينة في رؤاها وفهمها وتعاطفها وتدينها كذلك إزاء هذه المقابلات فأقول :

يا سادة ماذا تتوقعون من حبيس منذ عقدين من الزمان يجاء به من زنزانته الانفرادية لا يتمالك مشاهده نفسه أن يقول إذ وقعت عينه عليه "وأن الله يبعث من في القبور" ثم يعود إلى زنزانته تلك وبين هذا وذاك يغرق بالأسئلة الاستفزازية والتهكمية والسخرية والاتهام الضمني له في عقله ورشده ، ماذا تتوقعون منه ومن المشاهد له ؟!!

لم أحاول الكتابة عن اللقاء تحت أسر العاطفة وقبل استطلاع المواقف حتى إذا بردت حرارة العاطفة وعادت جيوش العقل إلى مواقعها مطاردة ما تبقى من فلول العاطفة كتبت :

لا أجازف إن قلت إن أكثر من سمعت وقرأت له من مقلد وحر التفكير ومتدين ومتساهل وعالم وجاهل خرج من اللقاء بأحد ثلاثة انطباعات :
الأول : الشفقة والرحمة على هذا الحبيس والرأفة له والأسى لحاله وأولاده وأهله وهم يجدون بين يوم وآخر مقطعا لأمه العجوز مناشدة أو قصيدة أو دعاء وابتهالا، وهذا أمر لا ينكر، وشيئ لا يجحد، والنفوس مطبوعة على الرحمة حتى للكافر؛ فما الظن بمسلم أخطأ ما أخطأ، واجتهد ما اجتهد، وحصل ما حصل، من حوادث، وسفك من الدم ما سفك ، وسقطت وقامت دول ، وتشكلت خرائط ، وتغير تاريخ وهو في سجنه، لا يعلم عنه إلا بالسماع، لقد أنست هذه الرحمة ما تلفظ به من ألفاظ اقشعرت لها الأبدان عن رموز من علماء وغيرهم.

الثاني : الإعجاب بهذا السجين وإرادته الفولاذية وعزيمته التي لم تقهرها سبعة آلاف يوم أو تقارب ظل فيها بين أربعة جدر ثم لا يسمعون منه إلا نبرة التحدي ولهجة اللثبات والعزيمة على المضي وأن فراق روحه جسده أقرب من كتابة سواد في بياض وهم يدركون جيدا أن الرجل يتكئ على رصيد هائل من المصداقية، وليس الدعوى المجردة، فإن سبعة آلاف ما بعدها إلا الحكم مدى الحياة ( وأنا أنقل بكل حيادية مواقف الناس أشتاتا) .

ألم يفكر الشريان وقناته : أن مثل هذه النماذج هي ضالة الشباب المتعطش إلى البطولات الأسطورية والنماذج الخارقة
ألم يدر في خلدهم أن الرجل سيخرج بآلاف المعجبين اتفقوا معه أو اختلفوا ؛ فالشباب دوما يتعطش إلى ما يسميه بالإقلاع
والمغامرة ،وروح التحدي وعدم الانكسار،  ولن يجد أبلغ مما وجد في المقابلة،

الثالث : النقمة والتمعر والامتعاض الشديد من أسلوب إدارة الحوار الذي هو إلى التهريج أقرب،  فلا علم ولا تعقل ولا حجة ولا إقناع ؛حتى بات الناس يتساءلون ما الدافع  ؟ ومالمراد ؟ هل المقصود إقناع الحبيس بخطئه ؟ أو إقناع الناس بفكرة ورسم صورة وإعطاء نموذج للمئات أمثاله ؟ أم التشويه وإظهارهم بأنهم ليسوا بأسوياء العقول والنفسيات المتزنة ؟ أو المقصود إشغال الناس بشيئ عن شيئ ؟!، أسئلة كثيرة لها أول وليس لها أخر، خرج المشاهد بفكرة أن أسئلة معدة يراد من ورائها إثارة قضايا، وكلما وصل الحديث فيها زاوية حرجة نحي بالحديث منحى أخر وشرع في سؤال آخر وقضية جديدة.

مرة أخرى هل يهون على حبيس منذ عقدين وأهله وأسر عديدة مرتبطة به وأمام الملايين أن يفتش دولاب عقله ويتهم ضمنا بالخبال ويتهكم به بالإلحاح في مطالبته بالخروج إلى نفود الثويرات وفتح باب الرقية له وكي رأسه، وسؤال زميله عن أمور خاصة كطريقته في الاغتسال وعمله في دورة الخلاء !! إلى غير ذلك مما سمعه الملايين من أسئلة خارج حتى عن الذوق الإعلامي ، لقد كانت بحق مقابلة غير موفقه وما أشار بها ناصح لله ووطنه وولاة أمره.

والعجيب جدا والمذهل أن يتذرع هذا الحبيس الذي ليس عنده ما يخسره ، والذي لا تنقصه الشجاعة إزاء هذه الاستفزازات بالحلم والصبر والتحمل، والذي يعرف أبا سبيع حق المعرفة يدرك صدق ما أقول، وأسوأ وأشد كلمة سمعت منه لمن يتهمه في رشده وعقله قوله : ( هذا رأيك ، لا تلبّس ، يظهر أنك في واد والحق في واد آخر) 
أعرف يقينا أن هذا خلق جبل عليه وليد غير متكلف ؛ فقد كنت جاره سنين كان قمة في الخلق، واحترام محدثه ولو طفلا وإنزال الرجال منازلهم ، والوفاء لصاحبه ، وإكرام ضيفه ، وإتحافه بأنفس طعام وأطلق وجه وأسنى التحف والسوالف والقصائد على قلة ذات يده وضعف مرتبه الذي يخرج منه آخر الشهره صفرا أو تحت الصفر  
كان منذ صباه شهما شجاعا مقداما حافظة راوية حليما كريما بشوشا صبورا صبر الجمال ، يغلب الفئام بالمغالبة ويغلبه الطفل إذا دخل عليه من باب الكرم والشهامة !!

ولقد طرح هو مبادرة ( الإقامة الجبرية) أرجو أن تجد من المسئول قبولا فذلك خير له ولأمه العجوز التي لا تدري متى تفارقه ويفارفها وخير لأهله وبناته ، لاسيما والرجل طلبها أمام العالم ، والتحفظ والتوثق بالكفلاء يسير ، وماذا بعد العشرين عاما، ولعل هذا يغسل شيئا من أثر السنين عن أمه وأهله ، لقد تشعبت قضيته وامتدت إلى أبنائه وإخوانه وأسرته!

كل هذا لا يمنع إبداء الاستنكار لما تفوه به عن الإمام ابن باز رحمه الله والمفتي فهذه الفتاوى إن صحت جوابات خاصة لم تشتهر فلا يفرح بإثارتها إلا أعداؤنا عقيدة وبلدا ، فهل هذا ما أراده المقابل وقناته ؟!!
وكذلك تكفير الدولة فإن هذه سلسلة لا تنتهي فمن تكفير الحكام إلى العلماء والعسكر وخصوص الشعب إلى عمومه ،  وإن كان وليد لا يقول، بالعموم مع محاولة المقابل جره له ؛ لكن يأتي من يسلسل التكفير ويجره إلى مالا نهاية .

بقي أن أشير إلى أن هذه القناة لا تخلو من تعمد تزوير؛ فمن خلال متابعة اللقاءين مع السناني والفراج أرى المقابل يطرح السؤال ويصوغه صياغة خاصة محاولا جر المقابَل إلى الإقرار، ثم يطبع العنوان على الشاشة كنتيجة ومحصلة من غير نظر إلى تحفظات واحترازات المجيب والأمثلة كثيرة، وعلى سبيل المثال كتبت القناة على الشاشة عن إصابة حمود الفراج والد خالد بثمانين طلقة، وهذا غير صحيح فأنا الذي توليت تغسيله رحمه الله وصليت عليه وعلى العسكر في المقبرة يوم التروية ، عام أربعة وعشرين، ووجدت به قريبا من ست إصابات في الوجه والركبة والصدر والساق، ورأيت الضحايا من العسكر رحمهم الله فوجدت أن الطلقات متشابهة؛ فقد أصيب أبو خالد بالرصاص الذي أصاب العسكر ، وهو  من العيار الكبير فقد طحن ركبته طحنا، وهو على حسب ظني من نوع سلاح ( البيكا) الذي كان موجودا بيد القتلة المهاجمين ، وأي مصلحة للعسكر في قتله ؟!
كما أن ما أشار إليه خالد من احتمال أن العسكر تترسوا به بعيد فحسب شهود العيان -أحد أبناء حمود كان في السيارة مع زوجة خالد - أن المهاجمين وجدوا حمودا لدى الباب فبدؤوا بإطلاق النار من السيارة وهو يلوح بيده فأصيب في قدمه وجعل يرفعها ويراوح برجليه خشية الرصاص ،ثم سقط وتخرمه الرصاص المنهمر ، أوضح هذا حتى يعلم أن الإنصاف مطلوب ، والحق ضالة المؤمن ، فقاتل حمود هو من قتل العسكر.
هذا ما أردت بيانه سائلا المولى جل وعز الهداية للجميع والتوفيق لكل خير والمعافاة من كل فتنة. 
وصلى الله وسلم وبارك على عبده وسوله محمد وآله والله أعلم .

إيناس الناس


هذه إحدى المعوذتين اللتين رُقي بهما سيد الخلق من سحر البليد لبيد، وعصم بهما من كيد الأعصم، وأهل الجبت والسحر اليهود، أهل التوراة منهم وأهل التلمود، منهم بدأ وإليهم يعود.
وعدد آياتها مع جارتها إحدى عشرة، عدد عقد السحر حصلت بها النشرة، فوقع الحق وبطل ماكانوا يعملون..
(والناس) التي نتحدث اليوم عنها إيناس من الشرور الداخلية (والفلق) من الخارجية والشرور منهما أحدهما أو كليهما.
والآن تعالوا نحلق في آفاقها ونغص في أعماقها:
الملاحظ أنه في هذه السورة الكريمة تعدد المستعاذ به (أي بصفاته) من مستعاذ منه واحد.
عكس الفلق التي توحد المستعاذ به وتعدد المستعاذ منه.
والحكمة -والله أعلم- قوة سلطان العدو الداخلي (النفس والهوى والشيطان) فهو يجرى من ابن آدم مجرى الدم يغلبه ويسيطر على تصرفاته وحركاته وتفكيره وكلماته، ويتجلى هذا في حال المصروع عافانا مولانا.
"إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون"
كما يتجلى في غلبة الهوى للنهى، والتدنس بشرور الأنفس، ولهذا كان سيد الخلق يستعيذ بالله من شرور النفس وسيئات الأعمال. 
والمعوذتان أمرهما كبير وشأنهما خطير، ولهذا أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقرأهما بعد كل صلاة مع الإخلاص 
وعند النوم مع نفث الريق في الكفين ومسح الجسد، حصانة من أقدار تنزل ليلا مواقعها كمواقع القطر، حري أن تصاب ببعضها الأنفس الغافلة، والقلوب الذاهلة.
يعلو طريقة متنها متواتر
في ليلة كفر النجوم غمامها
صادفن منها غرة فأصبنها
إن المنايا لا تطيش سهامها

قال صلى الله عليه وسلم: (سبحان الله ماذا أنزل الله الليلة من الفتن من يوقظ صواحب الحجرات كي يصلين) رواه البخاري وغيره.
يانائم الليل مسرورا بأوله
إن الحوادث قد يطرقن أسحارا

والآن مع إيناسات الناس..

إيناس الاسم: الناس كلمة موحية بالأنس من وحشة اليأس، و كربة الغربة، وأحوال الأهوال، ولذلك كررت الناس هنا لما فيها من العلاج النفسي جرسا وجنسا، ففي كل آية في المستعاذ به والمستعاذ منه تكررت الناس سوى آية ختمت ب(الخناس)ما ذكرت الناس جنسا بل جرسا وجناسا، فتداخلت مع السابق واللاحق ولم تكد تتميز.

إيناس الجرس: والوقع وهذا الأمر لا ينكر، ويقربه ويستعمله علاجا حتى المادي الملحد حسب ما يرى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في رقيته (اللهم رب الناس أذهب الباس)

إيناس الجنس: وهل يأنس الإنس إلا ببني الجنس، وهل سمي إلا لذلك فالله خلقه ميالا بفطرته إلى الاجتماع في صورته الصغرى (الزوجية) والوسطى (الأسرية) والكبرى (القبلية ثم الشعبية ثم الأممية ثم الجنسية) هكذا ركبه الذي قال: ( في أي صورة ماشاء ربك) ولهذا قالوا الإنسان مدني بالطبع.

إيناس العياذ: (أعوذ) وللتقريب ولله المثل الأعلى تخيل طفلا يطارد فيلجأ إلى حنان حضن أمه يرتمي به ويشعر بدعة الأمان ويرمق خصمة نظرة إعجاز وتحد من طرف خفي.
ومن أعاذه مولاه فممن يحاذر وإذا ألاذه زالت المخاطر. 

يا من ألوذ به فيما أؤمله 
ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره
ولا يهيضون كسرا أنت جابره

كان شيخ الإسلام يناجي الله بهذه الكلمات، وإن قالها المتنبي في الأمير( ابن كَيْغَلَغ) إلا أنها لا تصلح إلا لله ولهذا حذف بيتا بين البيتين:

ومن توهمت أن البحر راحته
جودا وأن عطاياه جواهره

إيناس الربوبية: الرب هو المالك والمتصرف والمربي بالنعم والقائم على الشيئ المصلح له فيكون له مربوبا وربيبا.
وهل يقوى على شفاء النفس من أدوائها الدينية والدنيوية إلا هذا المالك المتصرف المربي المتودد المتحبب الذي عبده في كنفه بمنزلة الربيب المدلل من الراب.
ومن جهة أجرى فإن التأمل في هذا المعنى يكرس في نفس العبد ارتياحا وثقة من تدبير وتقدير هذا الرب المربي له فلا يرى منه إلا الأنس ، والرضى مهما به مسّ.

إيناس الملكية: ومن جهة ثالثة يوحي للعبد بأن نفسه أولى بها أن تطوع لمالكها المحسن إليها من غيره من شياطين الجن والإنس.
ولهذا أفرد الملك من أفعال الربربية (ملك الناس) من باب الخاص بعد العام.

إيناس الألوهية: (إله الناس) وأخر الألوهية هنا وقدمها في الفاتحة على الربوبية؛ لأن المقصود الأول بالفاتحة العبادة فعل العبد (إياك نعبد) بينما هنا المقصود شهود أفعال الربربية والملك والقدرة على التصرف في العبد بعصمته من الشرور دفعا ورفعا، أي فعل الرب به.
مع أن الألوهية مقدمة في الجملة ولهذا قال: (قل أعوذ) والاستعاذة ألوهية.
فأما المعنى فإن الإله هو المألوه حبا وإجلالا وخوفا ودعاء ورجاء وتعلقا واستعانة واستغاثة واستعاذة واستلاذة، وهو من تسكن إليه النفس وتطمئن وترتاح إليه هذه معانيها، ومن تأمل هذا وشهده شهود حقيقة وشهادة حق عوفي من الداء ونجّي من الأعداء، 

المستعاذ منه (الوسواس) ووصف بأوصاف ثلاثة :
الأول: أنه شر؛ لأنه لايخلو من أحوال:
وسواس تحبيب المعصية وتثقيل الطاعة الذي لا يكاد يسلم منه إلا من سلمه مولاه.  
وسواس الخطرات في الصلوات والتشكيك في الركعات وغير ذلك فهذان دواؤهما العصيان والاستعاذة بالرحمن
وسواس قهري مرضي مقلق، ناقل للمرء من الهناء إلى العناء، ومن الألق إلى القلق، ومن النعيم إلى الجحيم، ومن الأنس إلى التعس، وهذا من أعتى الأمراض وأقساها وكم فَرَط هذا بأقوام إلى جنون أو كالجنون وأدى بهم إلى الخروج من خدمة الحياة والعيش في هامشها بقية أعمارهم من لم يتعجل منهم هلاكه ويعجل بنفسه إلى ربه.
وله صور منها وسواس العقيدة والعبادة بالشك والحيرة والتردد في النية وتكرار العمل، والمبالغة، ووقوع الكفر وإيقاع الطلاق، ووسواس العدوانية ، والنظافة والمرض وغير ذلك نسأل الله العافية، وهذا كما تقدم شبيه بالجنون وللمبتلين به حكايات فيها مصنفات، قد يهبط أحدهم به إلى درك الهلع والهوس والتفكير الطفولي بل الجنوني والمعصوم من عصمه الله وإني لأعرف واحدا ممن ابتلي بوسواس الطهارة والنية مازال به حتى ترك الصلاة شهورا فكأني بالشيطان له قائل: "ذلك ما كنا نبغ"
ومما جاء عن المتقدمين أن مبتلى به اعتراه الشك أنه حبة قمح لا إنسان فصار يهرب من الدجاج والدواجن وحاول الطبيب إقناعه خلال جلسات، حتى إذا زال شكه من نفسه قال: أما أنا فاقتنعت فمن يقنع الدجاجة، وإن اقتنعت واحدة فمن يقنع البواقي.
الثاني: التردد وهذا من اسمه ومصدره وفعله وسوس وكل ما كرر أوله في ثالثه وثانيه في رابعه فهو دال على التردد والتكرر   
كمضمض وزلزل وهذا من طبيعة الوسواس ينشط ويفتر ويقبل ويدبر ويكنس ويخنس؛ لأنه من النفس وشيطانها وقرين السوء فيها والشيطان يفر من ذكر الله قرآنه وأذانه ويقبل بالغفلة "ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين"
 الثالث الجبن والخور: فهو على شره خناس فزاع لا يصمد للحق ولا لذوي الإيمان من الخلق "إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون" أي بالإسراف بالمعاصي والشهوات واللهو الإعراض عن الذكر والاعتماد على الكهنة والسحرة وغير ذلك من أنواع التولي .
وأخيرا فإن هذا الوسواس له سببان جني بالتسلط والتلبس والتزيين والصد والإزعاج وقدم لخطورته وهو الأصل والأقدم قال تعالي: "فوسوس لهما الشيطان ليريهما ما ووري عنهما من سوآتهما"
وإنسي بالعين والحسد وتزيين المعاصي والصد عن الطاعات
ولا عاصم لذلك كله إلا بالله والالتجاء إليه والعياذ بكلماته .



الأربعاء، 20 نوفمبر، 2013

الفروق والتقاسيم الفقهية

القسم الثاني:ما اختلف في اعتباره طاهرا وهو ما رفع بقليله حدث أصغر أو أكبر أو كان آخر غسلة زالت النجاسة بها وانفصل غير متغير، أو استعمل في غسلة وضوء ثانية أو ثالثة ،أو قليل غمس فيه قائم من نوم ليل يده ، أو خلت به انثى لطهارة كاملة عن حدث ،
والراجح أنه لا يخرج عن طهورية وإن ترك شيئ منه تقذرا أوصحة ، فيتمم لذلك .

(تقسيم) موجب الطهارة إما حدث، أو نجس
تقدمت آقسام الحدث ، وأما النجس فثلاثة أقسام :

- نجاسة عينية وفرقها أنها لا تقبل التطهير : وهي على ضربين :
.. ما اتفق على نجاسته : وهي الميتة لحمها وكل ما تتصل به الحياة منها، والكلب والخنزير سؤرهما وبولهما وعذرتهما وعرقهما ولحمهما، وبول الآدمي وعذرته وبول  كل ما لا يؤكل لحمه وعذرته ودم الحيض والاستحاضة والنفاس وكل خارج من سبيلين مترطب سوى المني ، والدم المسفوح. 
.. ما اختلف في نجاسته : وهو الدم غير المسفوح الفاحش ،  والقيئ والقيح والصديد ، وعرق وسؤر مالا يؤكل لحىه مما فوق الهر في الخلقة من السباع وغيرها كالحمار الأهلي، والخمر ، والخارج من غير سبيل كفتحة في البطن ، والراجح طهارتها.

- ونجاسة حكمية وهي المحل الطاهر من ثوب وجسد وأرض تصيبه نجاسة عينية، وفرقها : أنها تقبل التطهير وهي المقصودة في الطهارة

- ونجاسة معنوية: لا حسية،  تذكر تتميما وإزالة للبس وإن كان من الفقهاء من يعدها نجاسة عينية وهم ندرة.
كنجاسة المشركين والأنصاب والأزلام والميسر والخمر على الصحيح .

(تقسيم) : الفرق بين الحدث والنجس من حيث إن كلا منهما محل التطهير:
- الحدث معنى والنجس عين 
- الحدث رفع: لا بد له من نية ، والنجس رفع وارتفاع فلو ارتفعت بلا نية طهر محلها.
- الحدث يرفعه الماء والتراب ، والنجس يرفعه الماء فقط ، إلا في السبيلين ، والنعلين، والتراب يبيح الصلاة عند عدم الماء عند الحنابلة.
- لايعفى عن شيئ من الحدث من حيث القدر ، ويعفى من النجس ،عن القليل  الذي يشعر به ولا يدركه الطرف كرشاش البول من النجس  .
- يعفى عن بعض الحدث من حيث الوقت كمن به حدث دائم كالسلس والاستحاضة، ولا كذلك في النجس كمن يلابس النجاسة ويلامسها مهنة.

( تقسيم) الحدث أصغر أكبر، والفرق بينهما :
- من حيث السبب ويذكر في بابه إن شاء الله
- الأكبر يعم البدن والأصغر يحل بعضه ، ويستثنى مسألة واحدة عند الحنابلة، قالوا بجواز لبث الجنب في المسجد إن توض
- الأكبر يمنع من العبادات أكثر مما يمنعه الأصغر
- الأكبر يدخل فيه الأصغر لا عكس
- الأكبر يكره معه النوم والأمل والشرب بخلاف الأصغر.
ويأتي الفرق بين الوضوء والغسل في بابه إن شاء الله. 

(تقسيم) : مسائل الاشتباه :
الاشتباه أقسام تبنى عليها فروق وهي كما يتبع :

- اشتباه ماء طهور بنجس : وهذا على قول من قال ينجس القليل بالملاقاة وجعل المياه ثلاثة وأما على القول الآخر، فلا يتصور :
وهوعلى ضربين:
.. إما أن يمكن خلطهما لوجود إناء يتسع ويكونان قلتين فيجب الخلط خروجا من الاشتباه
.. أو لايمكن لعدم الإناء المتسع ، أو للحاجة إلى شرب الطهور أو سقيه بهيمة :
فذا على ضربين :
إما أن يزيد عدد أواني الطهور كثيرا فله التحري والأخذ بغلبة الظن.
أو يتساويان أو يزيد النجس فيعدل إلى التيمم من غير اشتراط خلطهما ولا إراقتهما.

- اشتباه ماء طهور بطاهر على رأي من جعل المياه ثلاثة وعلى القول الثاني لا يتصور وقد يتصور عند من رجح رفع الطهورية باستعمال الماء في عبادة :

والحكم أنه إن لم يمكن الخلط يتوضأ وضوءا واحدا من كل إناء غرفة مالم يكثر العدد فإن كثر فالمشقة تجلب التيسير يتحرى ويتوضآ بما غلب على ظنه ، ولا يتيمم.

- اشتباه الثياب :
نجسة بطاهرة وهذا لمن يلابسون النجاسة ويلامسونها كالمراضع والكساحين والزبالين والحجامين وعمال المخابر الصحية والقوابل ،
.. فإن أمكن الغسل أو التبديل وجب
.. وإلا فيصلي في كل ثوب صلاة بعدد النجس ويزيد واحدة ، ليتأكد أنه صلى واحدة في طاهر بيقين ، وإزاد العدد كثيرا تحرى للمشقة.
ومثل النجس المحرم كمغصوب.

-اشتباه البقع :
فلو علم أن ركنا من أركان بيت أو غرفة منه نجسة ثم نسيها ولا مكان غيرها ولا وسيلة تطهير:
صلى بعدد النجس وزاد صلاة ما لم تكثر البقع كما تقدم في الثياب

- اشتباه ميتة بمذكاة:
لو ذبحت ذبيحتان الذابح لأحدهما لا تحل ذكاته لردة أو ترك تسمية، ثم اشتبهتا:
حرمت الاثنتان إحداهما يقينا والأخرى اشتباها، وكذا لو زاد الذكٍيّ أو الحرِج،  إلا إن زاد الذكي كثيرا وقلّ الحرج جدا فيمكن التحري.

- اشتباه النساء:
لو اشتبهت من تحل له بمن تحرم كما يحصل في مسائل الرضاع كثيرا:
- إن اشبهت في قليل وجب ترك الجميع فيترك الخمس والعشر والأسرة لأجل واحدة.
- وإن اشتبهت في كثير كنساء قرية لم يحرم عليه النكاح منها لأن وقوعه على الحرام نادر والله أعلم

الجمعة، 15 نوفمبر، 2013

الرقطاء الغادرة


كم في القصائدِ من مدحٍ وتثريبِ 
ومن نسيب وترغيب وترهيبِ

إذا تصدى لقول الشعر منشدُه 
أذكى الشعور بتحزين وتطريب

كأنه آخذٌ من روح سامعه
شدًا  إليه وجذبا بالتلابيب

رفقا فليست قلوب الخلْقِ من حجر
يا حاديَ العيس رفقا بالرعابيب

من كل حوراءِ طرفٍ جلّ خالقها
وذات خدر عن الأنظار محجوب 

ليس الأصيل الذي كثْرٌ خواطبه
ككاسد من هزيل القول مجلوبِ 

هذا يقول وهذا، غير أنهما 
في الفرق مثل النواصي والعراقيب 

لا أدعي أنني في الشعر واحدُهُ
ولا أقول بأني غير موهوب

لكنْ إذا قلتُ قلتُ الحق محتسبا 
ثواب ربي وهذا كل مطلوبي 

واليوم أهجو فَتوناً طالما سلبت
عقول قوم من الشبان والشيب

بيضاءَ ناحلةَ الخصرين فاتنة 
فتْنَ الغواة إذا هاموا بمشروب

مقتولةً بلهيب النار قاتلة 
لقاتليها وذي إحدى الأعاجيب

سِرُّ الطواعين مخبوء بجلدتها
وإن بدا ناعما مثلَ الأرانيب

متى تصاحبْ خليلا  من فرائسها 
فقل سلاما على الريحان والطيب 

وقل وداعا فلا لقْيا لعافية 
وقم عليه بتمريض وتهذيب

يحنو عليها حنانا وهي غادرة 
تغتاله غيلة الرقطاء والذيب

يسعى عليها (بتعمير) وما فتئت 
تسعى عليه بتدمير وتخريب 

وإن نأت فعذاب البعد يهلكه 
وإن دنت فعذاب فوق تعذيب

وإن تفارقْه يسهرْ ليله أرقا 
يبكي بدمع على الخدين مسكوب

حتى إذا التقيا في الحال بادرها 
لثْمَ الشفاه ومسحا بالأشانيب 

جاءته من معشر لا يعرفون لهم 
دينا سوى دين تثليث وتصليب 

قد زينوها وقالوا ناصحين لها 
ألا افتني كل فتيان الأعاريب 

لا تتركي أحدا من أهل ملتهم 
إلا وأنتِ لديه خير محبوب

اقضي عليهم فلا تبقي لواحدهم 
جسما صحيحا ومالا غيرَ مسلوب 

فأنت أمضى سلاح بات يقتلهم 
بمالهم لا بأموال الأجانيب

ليهلكِ النصف من أموالهم هدرا
مهرا لعينيك والباقي لتطبيب

يا من يدافعُ عن رقطاءَ  قاتلةٍ
خذِ الحقائق ليست بالأكاذيب

إذا رأيت وجوه القوم كالحة
وللأنوف صبيبا كالأنابيب

وفي اللثاه لمَىً ، وفي العيون أسىً
وفي الشفاه سوادا  غيرَ مخضوب

وللحلوق سعالات وحشرجة
وللصدور صفيرا كاليعاسيب

أيقنت أن أفاعي الشر راعفةٌ
سمّا زعافا بأفواه المعاطيب

فسل نعوشا لأموات بما حملت 
من الضحايا وأحضانَ المحاريب

وسل مشافيَنا وسل مقابرنا 
تجد جوابا صحيحا غير مكذوب 

تنبيك عن هذه الرقطا وأبلغُ من 
هذا سؤال ذوي سبق وتجريب 

يا للأسى أين ألباب الرجال أما 
لهنّ زجر ونهي عن ألاعيب

أعدى عدوٍّ لهم قد بات مسكنه 
بين النواجذ والأضراس والنيب

من يحرقِ المال مجنون فكيف بمن 
بجوفه المال أضحى شرّ  معطوب

لا آسفُ اليومَ من شيئ كما أسفي
على كريمٍ من الولدان محسوبِ

كم ذا يجاهد إخفاءً وتجْهده
تذيع سراً بريحٍ عند ترحيب

مهما يحاولْ فلا جدوى روائحها
غلّابة رغم إخفاء وتطييب

الحمد لله ما عافى وماقُدِرَت
منه العوافي بتزيين وتحبيب  



الأربعاء، 13 نوفمبر، 2013

من وحي عاشوراء

أي ذكرى ليوم عاشوراءِ
تغمر القلب من عظيم الرجاءِ

تَعِدُ الأنفس العطاش بريٍّ
وغذاء من سيرة الأنبياء

وتُمدّ الدنى بدفقة نور
وضياء في ليلة ظلماء

حدثينا عشرَ المحرم ماذا 
فعل اليمُّ في زعيم الشقاء

يوم أن أصبح العبيد ملوكا
وتلاشت أسطورة العظماء

يوم داست أقدام شعث حفاة 
وأذلت مفارق الكبرياء

حدثينا عن جمع حشر خِضَمٍّ
أصبحوا في الخضم مثل الهباء

والزعيم العظيم أوما به الموج هزيلا فعاد للمومِياء

فإذا العالة الرعاع ملوكٌ
تتلهّى في حلة الزعماء

قصَرَتْ قصْرَ أُقْصُر الملك فيه
قاصراتُ العيون مثل الإماء

ورِرثتها عبيدها فاستحالت
خادماتٍ للعالة الفقراء

جبروتٌ له البحار جنود
من جنود في أرضه والسماء

معلنٌ للصدام ساعةَ صفر
أطلقتها فجلجلت بالنداء

اترك البحر يا ابن عمران رهواً
وتأمل مشاهد الهيجاء

فلدى المارد الرهيب ستلقى
لصدور العبيد أشفى الشفاء

معك الصاعق العصى إن تلامس 
يسرِ منها في البحر كالكهرباء

أيها المارد الرهيب تقدم 
باكتساح وغضبة هوجاء

وابتلع عسكر الطغاة بومض البرق لمحا بغيمة سوداءِ

أنت لله خادم ومطيع
طاعة الجندِ أعبُدِ الأمراء

يا له مشهدا وموقف هول
قصرت عنه همة البلغاء

شعراءُ القصيد مهما أفاضت
لم تُحِطْ وصف سورة الشعراء

هل يعود التاريخ يا بحرُ أخرى
نتمنى.. على أحرّ الرجاء

الاثنين، 11 نوفمبر، 2013

فتوح الفاتحة من (سلسلة بيان القرآن)..


الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله..

أول مانبدأ به وأولى، فاتحة أصدق الحديث قولا، أم الكتاب وفاتحته، ومقدمة الذكر وقائدته، ولن يتشعب الحديث في مفردات تفسيرية، ولا أحكام تفصيلية؛ فهذه مكانها كتب التأويل والتفسير، كابن جرير وابن كثير، وغيرها من الكتب في جم غفير.
ولكني أنحي الحديث منحى واحدا؛ لعل القارئ يجد فيه فوائدا، وهو الكلام عما تضمنته الفاتحة من فتوح من جمل علمية،أو حديث بوح:
فأقول بعون الله خير مسؤول، وأرجى مأمول، مستمدا منه الخيرات والبركات، وملتمسا فتوح هذه الآيات، رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري: 

عجيب أمر هذه الفاتحة الحامدة لله المادحة، ووجه العجب دقيق، وسر الأرب عميق، أحاول أستشف قطرة من بحره، ورشفة من غمره، من وراء ستر رقيق؛ فمن ذلك:

أولا: اسم السورة:

(الفاتحة) و (الحمد) اسم ماأروعه، وفأل ما أمتعه، وانظر كيف بدأ المولى العظيم كتابه الكريم، بالفتح الحبيب، والفضاء الرحيب، فما أفرح الأنفسَ بسماع الفتح والإعتاق، وماأبغضها لذكر الضيق والإغلاق، قال المولى عزوجل:"مايفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها" وهذا فتح آخر،وقع في سورة فاطر، وهي كالفاتحة فتحت  بالحمد، وورود هذه الآية فيها من قبيل القصد والعمد، ثم انظر إلى فتح ثالث في قول المولى عزوجل:" ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم" وهذه الآية وقعت في سورة سبأ، وهذا برهان آخر لما أسلفت من نبأ؛ فسورة سبأ مبتدأة بالحمد لله، وهذا يؤكد صدق ماأسلفناه، وأن الكتاب العزيز متشابه مثان، يوافق الأول منه الثان، في الألفاظ والمعان، وإذا أطلقت للفكر العنان ، وجدت في سور أخرى البرهان؛ ففي سورة الكهف وهي من السور الحمدية، تجد قول المولى عزوجل في إشارة حانية دفية:" فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا"
وفي سورة الأنعام وهي سورة حمدية كذلك، تجد مصداق ذلك، في قول الحق سبحانه:"وعنده مفاتح الغيب" وقوله:"فتحنا عليهم أبواب كل شيء" وهلمّ جرا ، في مواضع أخرى، تجد العلاقة الحميمة، بين الفتح والحمد ديمة، من السورة الفاتحة إلى السورة الخاتمة، إذا جاء نصر الله والفتح.. حتى أمر بشكر هذا المنح، فسبح بحمد ربك واستغفره، فاعتبر لهذا المعنى واستبصره.

ثانيا: معنى الفتح
 
الفتح كلمة عامة، ومفردة آمّة، تناسب كونها للكتاب أمّا؛ إذ إليها تصير معانيه وتعمها عمّا، ولهذا كانت الأم من أسماء الراية؛إذ إنها لكل الجيش مقصد وغاية، قال الشاعر:

على رأسه أمٌّ لنا نقتدي بها
جماع أمور ليس يعصى لها أمر

فمن وجوهه:
١-فتح  النصر، قال تعالى:" فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده" وقال:"وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب"إنا فتحنا لك فتحا مبينا""إذا جاء نصر الله والفتح"، وهذالسورة في فتح الفتوح أجلى فتوح الفتح .
٢-فتح الرزق، قال تعالى:"مايفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها" وقال:"فتحنا عليهم أبواب كل شيء".
٣- فتح رتاج الفهم، لاستخراج كنوزالعلم ، والسعاية في طلب الهداية قال تعالى:"ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم" وقال:"ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين" 
٤-فتح مغاليق الكرب بأنواعه ، من سجون وديون ،  وأمراض وأعراض ، وأكدار وأقدار ، وهموم وغموم ، وأسقام وآلام، وهي مشمولة بقول الله عز وجل:" مايفتح الله من رحمة فلا ممسك لها"
وخلاصة الكلام ، وجملة المرام ،  أن هذه السورة الكريمة إشارة بالمنح ، لكل أنواع البشارة بالفتح.

ثالثا: فتوحات الفاتحة: 

الأول : فتح الحمد، والحمد كلمة جميلة، ومفردة نبيلة، تدل على توافر النعم ،  ودفع النقم ، والعبد متى يفتح عليه بالحمد ، آل إلى باحة الراحة، وفضاء الرجاء، وسكينة الطمأنينة، وعوفي من حبس اليأس، وأسر العسر.. 
قال الشاعر:
من لا يزال شاكرا على المَعَه
فهو حرٍ بعيشة ذات سعة

والحامد الشاكر لايزال مفتوحا عليه ، مهما تسارعت أنواع البليات إلبه، مرتاح الفكر، منشرح الصدر، فلايزال الدهر حامدا شاكرا ، وكلما ألهم نعمةَ الشكر شكرها شكرا آخِرا..
ولابن أبي الدنيا:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة
وفيها وفي أمثالها يجب الشكر

فحقي إذاً أن أبرح الدهر شاكرا
وإن طالت الأيام واتصل العمْر 
 
فتح الألوهية: (لله)، وقدم على الربوبية؛ لأنه المقصود أساسا بدعوة الرسل وأكثر النزاع فيه،ولأنه العلم الأعلم ، والاسم الأعظم ، والمفرد الأفخم ، والفتح هنا من معنى الإله فهو فِعال بمعنى مفعول ، ككتاب مكتوب ورسالة مؤنث مرسول، والمألوه من تتوجه له القلوب حبا وإرادة وتعلقا، وسؤالا وتملقا ، وهذا التعلق للنفوس غريزة، ضرورة وحاجة عزيزة، وإكمال الكلام والإفادة ، عند فتح العبادة.

فتح الربوبية: (رب)، ومن معانيها المربي، والمربي ألوف عطوف رحيم كريم، قائم على المرَبَى، ومن معانيها صاحب النعمة والمنة التي ترب للمنعم، وتحفظ للمكرم، ومتى شعر المخلوق الضعيف بحسه الرهيف أنه ليس وحيدا، على لاحِبِ الجادة شريدا، يواجه كأداءها، ويصارع داءها، بل له رب مربٍّ، ومولى ذو ود وحبٍّ، فُتح عليه من استرواح الأرواح وأنس النفس، وبهجة المهجة مالا يخطر على بال ولا يدور في خيال..

لايعرف الشوق إلا من يداه به
مغموستان ومَنْ حلواه في فيهِ

ومن له كل يوم من لذائذه
لو صدّ عنها فعن بعدٍ تناديهِ  

فتح الرحموت: (الرحمن الرحيم)، وهذه آية تامة، كلها رحمة عامة؛ فالرحمن صفة ذات تدل على الثبوت والدوام، والرحيم صفة فعل تدل على تجدد الرحمة للخاص والعام.
والرحمن دالة على السعة والشمول؛ فهي في اللغة بناء يدل على الامتلاء والاستيعاب من المباني للمعاني؛ فريان ممتلئ ريا وشبعان ممتلئ شبعا وغضبان ممتلئ غضبا، ولاريب أن رحمة الله عامة وشاملة شمول نعمه وربوبيته للعالمين جنسا جنسا، جنا وإنسا، وناطقا وبهيما، ومسلما وكافرا.
وهذه الرحمة بهذه الصفة مناسبة للحمد أيما مناسبة؛ ولهذا نظائر كما في سورة الإسراء:" قل ادعوا الله وادعوا الرحمن أيما ماتدعو فله الأسماء الحسنى" قال بعده:"وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا"

فتح الملكوت: (مالك)، فالملك العظيم العام - مكانا وزمانا متصلا إلى يوم الدين لهذا الرب الكريم- مشعر بكثرة خيره وجوده، ووفرة عطائه وموعوده، فيده ملأى سحاء الليل والنهار، على كر الدهور وتعاقب الأعصار، معطاءة غدقة، لا تغيضها نفقة، وبيده خزائن الوجود، وبأمره مواهب الجود، وهذا مشرع لعابده وداعيه، أبواب الفأل والأمل والرجاء من أياديه.

كأني لدى سؤلي لربي وحاجتي
أشاهد خلف الغيب جمّ المواهب

أكاد ولم ترجع يدي من دعائها
أشاهدها مملوءة بالمطالب

فتح العبودية: (إياك نعبد)، والعبادة بمعنى التذلل والخضوع، والانكسار والخنوع، والتوجه للمعبود، بالركوع والسجود، والمحبة والرجاء، والرهبة والدعاء، وضعف العياذ، وافتقار اللياذ، وسكينة الرهبة، وتطلع الرغبة، والإنابة والتوبة، والتضرع والأوبة، والتماس الإثابة، وتحري الإجابة، والجهاد والاستشهاد ، وغيرها من المعاني: حاجة فطرية، وضرورة أصلية لاتصلح حياة البشر دونها؛ ولهذا ترى الذين لايُهدون إليها، ولايقبلون عليها.. يتخبطون في عمى الجهالة، وعَمٓهِ الضلالة، فتلجأ قلوبهم إلى حجر أو شجر، أو بشر أو قبر، مثل طفل البهيمة لحظة فصاله، من رحم أمه مغمض العينين واهن اليدين، يقوم ويسقط، ويتلمظ ويتلمس، ويتحمس ويتحسس، وأمه بدورها تعينه وتهديه، وتحوطه وتؤويه حتى يهدى إلى سبيل رزقه، فيلتقم ثدي أمه، هذه الحالة والمحاولة، من الفصيل للوصول، إلى الضرع ثم استدرار لبنه، هي التضرع والضراعة، ومن هنا سمي شدة الدعاء والقصد والافتقار والاستدرار تضرعا، وقد قيل إذا جثم الساجد ، فتحت عليه المحامد ، فلا يزال حتى يقال : ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع . 
والمقصود: أنه لا صلاح للبشر ولا استقامة لحياتهم بمعزل عن التأله ، ومنأى عن التأَوُّه ، فحاجتهم إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم قبل كل ضرورة، والحياة بلا ذكر وصلوات، وصوم وعبادات، ومناسك وقربات، تيهٌ ووحشة وظلمات. 
وكثير من الخلق عن هذه الفتوح في غفلة ، وإلا لوجد على فقدها وجد عنتر على عبلة، ولردد صادقا ، قولا لعنتر شائقا، كلما أوهى جلَده نصب العبادة ، وهجر الوسادة ، ولازم جهاده :

ولقد ذكرتكِ والرماح نواهل 
مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها
لمعت كبارق ثغرك المتبسم

 ولا يجد هذه المعاني طعما ولونا وريحا، من كان في ملذاته مستريحا ، لا يشعر بها شعوره بإنعامه عليه بمتاع الدنيا، فيقتصر على حاجات الدنيا في الدعاء، ويؤدي العبادات بثقل وعناء..

وتالله لم يصِب من سمى العبادات تكليفا،  إذ العارفون المتذوقون المتنكهون يرونها أنسا وراحة وتشريفا، فأية لذة للحياة بلا توحيد وصلاة وصوم وزكاة، وهل للحياة ثمرة ، بلا حج وعمرة، وهل سياحة العباد، إلا بالعلم والجهاد، ولقول المولى عزوجل:"قل أرأيتم إن جعل عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء" معنيان: معنى تدركه الأبصار وهو المتبادر، ومعنى آخر تدركه البصائر ،  فما أقبح وأوحش ظلمات السرمد بدون ضياء الرسالات والصلوات، والمناسك في المناسبات ، أرأيت إذا جمعت القافلة في السفر، والمدينة في المطر:أية وحشة تشعر بها القلوب إذا حانت العشاء ، وصمتت المنائر ، وأغلقت أبواب مساجدها،  عياذا بالله من تعطيلها وخرابها، وهل يمزق يأس ووحشة الساهر السقيم ، والمتطاول ليله الغميم ، أروع وأرجى من جمل الآذان تجلجل في الآفاق، وتسري في الأعماق، فاللهم لاتحرمنا، ياكريم،وهذا باب واسع جدا يستعصي سبره، ويستحيل حصره.
وللمتنبي:
وقد وجدت مجال القول ذا سعة
فإن وجدت لسانا قائلا فقلِ

خذ ماتراه ودع شيئا سمعت به
في طلعة الشمس مايغنيك عن زحلِ
 
فتح المعونة: (وإياك نستعين)، والمعونة أيضا فيها من معاني الفتح ودلائله، فكما أنها إرشاد للعباد بتوحيد التوجه بطلب العون ممن بيده الملك فيما لايقدر عليه غيره، ففيها بشارة بالمعونة وتأميل لأصحاب الحاجات والمؤونة ، ومالهم لا يأملون  مِن إله عرّف عباده  بنفسه  ،  أنه مالك كريم ، ورب رحيم.

ومايبلغ بالعبد اجتهاده وذكاؤه وقوته لولا عون رب العالمين، فليستعن به على كل أموره، من رزق وعافية ودفع بلاء ، وكيد عداء وعلى رأس ذلك كله الاستعانة على العبادة التي قرنت بها الاستعانة.
ولبعضهم:
إذا لم يكن عون من الله للفتى
فأول مايجني عليه اجتهاده

والمقصود بها المعونة القلبية بصرف الرب قلب عبده للعبادة وتحبيبها إليه وهذا من أعظم الفضل ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما "ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم" ثم قال:" فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم".
ثم الإعانة البدنية والمالية للصلوات والجهاد والحج وغير ذلك من الطاعات.
 

فتح الهداية: (اهدنا الصراط المستقيم)، وياليت شعري من يملك مفاتيح القلوب إلا علام الغيوب الذي امتن في محكم تنزيله بنعمه الجزيلة، وجعل أعظمها وأفخمها نعمة الهداية، يبين هذا ماجاء في هذه الفاتحة "صراط الذين أنعمت عليهم" ويجليه ماجاء في النساء "ولهدينهم صراطا مستقيما ، ويمثله حالة الخليل " شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم " ويتممه ويكمله تمام الفتح وكمال المنح للخاتم ، أبي القاسم " إنا فتحنا لك فتحا مبينا ؛ ليغفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما " 
ومن ذلك تحبيب الإيمان وتزيينه ، وتكريه الكفر والفسوق وتشيينه ، للعبد معونة ، وكفاية مؤونة " ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم "

ويالله ماذا يقول القائل لوقال ، وأسعفه مقال ، عن فتح الهداية ، التي نفذت إلى محمد صلى الله عليه وسلم في غاره ، وانتشلته من محاره ، 
ولأبي العتاهية بتصرف:
أتته (الرسالة) منقادة
إليه تجرجر أذيالها

فلم تك تصلح إلا له
ولم يك يصلح إلا لها
 
لسان حاله ، وتعليل أفعاله ، مع جيله ورعيله، وأهله وبني قبيله " وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا"
هذه الهداية الإلهية ، منحة ربانية ، نالها عبيد الحبشة ، كبلال والنجاشي وأنجشة ، وحرمها الملوك والسادة ، والشيوخ والقادة ، منحها غير المطالب ، وتأبّت على المطلب والطالب ،كعبد المطلب وأبي طالب ، مطايا الهداية والبركة ، بركت بفناء مولاته (بركة)، فاتت أمه ، ونالت أمته ، أوت إلى أم أيمن ، ونأت عن آمنة ، ما آمنت آمنة ، ولا أسلمت زوج نوح الخائنة ، قوافل السعادة تركت والده ، واحتضنت ولائده. 
هل لذلك تأويل ، إلا قول التنزيل ، "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها "، ولذلك مُنحها البلهاء، ومُنعها النبهاء ، ولله في خلقه شؤون.
ومهما سرح الفهم ، وجرى القلم ، تبقى فتوح الهداية ، وفتوح الفاتحة لها أول ومالها نهاية ،فليركض كلٌ حصانه ، وليسابق أقرانه ، وسيقال لجميعهم ، ريّضهم وسريعهم ، 
وللبوصيري بتصرف:
وكلهم من (فتوح الحمد) ملتمس
رشفا من اليمّ أو قطرا من الديَمِ

والله أعلى وأجل وأعلم ، وصلى الله على رسوله وآله وسلم.