تعديل

بحث

الاثنين، 11 نوفمبر، 2013

فتوح الفاتحة من (سلسلة بيان القرآن)..


الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله..

أول مانبدأ به وأولى، فاتحة أصدق الحديث قولا، أم الكتاب وفاتحته، ومقدمة الذكر وقائدته، ولن يتشعب الحديث في مفردات تفسيرية، ولا أحكام تفصيلية؛ فهذه مكانها كتب التأويل والتفسير، كابن جرير وابن كثير، وغيرها من الكتب في جم غفير.
ولكني أنحي الحديث منحى واحدا؛ لعل القارئ يجد فيه فوائدا، وهو الكلام عما تضمنته الفاتحة من فتوح من جمل علمية،أو حديث بوح:
فأقول بعون الله خير مسؤول، وأرجى مأمول، مستمدا منه الخيرات والبركات، وملتمسا فتوح هذه الآيات، رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري: 

عجيب أمر هذه الفاتحة الحامدة لله المادحة، ووجه العجب دقيق، وسر الأرب عميق، أحاول أستشف قطرة من بحره، ورشفة من غمره، من وراء ستر رقيق؛ فمن ذلك:

أولا: اسم السورة:

(الفاتحة) و (الحمد) اسم ماأروعه، وفأل ما أمتعه، وانظر كيف بدأ المولى العظيم كتابه الكريم، بالفتح الحبيب، والفضاء الرحيب، فما أفرح الأنفسَ بسماع الفتح والإعتاق، وماأبغضها لذكر الضيق والإغلاق، قال المولى عزوجل:"مايفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها" وهذا فتح آخر،وقع في سورة فاطر، وهي كالفاتحة فتحت  بالحمد، وورود هذه الآية فيها من قبيل القصد والعمد، ثم انظر إلى فتح ثالث في قول المولى عزوجل:" ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم" وهذه الآية وقعت في سورة سبأ، وهذا برهان آخر لما أسلفت من نبأ؛ فسورة سبأ مبتدأة بالحمد لله، وهذا يؤكد صدق ماأسلفناه، وأن الكتاب العزيز متشابه مثان، يوافق الأول منه الثان، في الألفاظ والمعان، وإذا أطلقت للفكر العنان ، وجدت في سور أخرى البرهان؛ ففي سورة الكهف وهي من السور الحمدية، تجد قول المولى عزوجل في إشارة حانية دفية:" فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا"
وفي سورة الأنعام وهي سورة حمدية كذلك، تجد مصداق ذلك، في قول الحق سبحانه:"وعنده مفاتح الغيب" وقوله:"فتحنا عليهم أبواب كل شيء" وهلمّ جرا ، في مواضع أخرى، تجد العلاقة الحميمة، بين الفتح والحمد ديمة، من السورة الفاتحة إلى السورة الخاتمة، إذا جاء نصر الله والفتح.. حتى أمر بشكر هذا المنح، فسبح بحمد ربك واستغفره، فاعتبر لهذا المعنى واستبصره.

ثانيا: معنى الفتح
 
الفتح كلمة عامة، ومفردة آمّة، تناسب كونها للكتاب أمّا؛ إذ إليها تصير معانيه وتعمها عمّا، ولهذا كانت الأم من أسماء الراية؛إذ إنها لكل الجيش مقصد وغاية، قال الشاعر:

على رأسه أمٌّ لنا نقتدي بها
جماع أمور ليس يعصى لها أمر

فمن وجوهه:
١-فتح  النصر، قال تعالى:" فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده" وقال:"وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب"إنا فتحنا لك فتحا مبينا""إذا جاء نصر الله والفتح"، وهذالسورة في فتح الفتوح أجلى فتوح الفتح .
٢-فتح الرزق، قال تعالى:"مايفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها" وقال:"فتحنا عليهم أبواب كل شيء".
٣- فتح رتاج الفهم، لاستخراج كنوزالعلم ، والسعاية في طلب الهداية قال تعالى:"ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم" وقال:"ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين" 
٤-فتح مغاليق الكرب بأنواعه ، من سجون وديون ،  وأمراض وأعراض ، وأكدار وأقدار ، وهموم وغموم ، وأسقام وآلام، وهي مشمولة بقول الله عز وجل:" مايفتح الله من رحمة فلا ممسك لها"
وخلاصة الكلام ، وجملة المرام ،  أن هذه السورة الكريمة إشارة بالمنح ، لكل أنواع البشارة بالفتح.

ثالثا: فتوحات الفاتحة: 

الأول : فتح الحمد، والحمد كلمة جميلة، ومفردة نبيلة، تدل على توافر النعم ،  ودفع النقم ، والعبد متى يفتح عليه بالحمد ، آل إلى باحة الراحة، وفضاء الرجاء، وسكينة الطمأنينة، وعوفي من حبس اليأس، وأسر العسر.. 
قال الشاعر:
من لا يزال شاكرا على المَعَه
فهو حرٍ بعيشة ذات سعة

والحامد الشاكر لايزال مفتوحا عليه ، مهما تسارعت أنواع البليات إلبه، مرتاح الفكر، منشرح الصدر، فلايزال الدهر حامدا شاكرا ، وكلما ألهم نعمةَ الشكر شكرها شكرا آخِرا..
ولابن أبي الدنيا:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة
وفيها وفي أمثالها يجب الشكر

فحقي إذاً أن أبرح الدهر شاكرا
وإن طالت الأيام واتصل العمْر 
 
فتح الألوهية: (لله)، وقدم على الربوبية؛ لأنه المقصود أساسا بدعوة الرسل وأكثر النزاع فيه،ولأنه العلم الأعلم ، والاسم الأعظم ، والمفرد الأفخم ، والفتح هنا من معنى الإله فهو فِعال بمعنى مفعول ، ككتاب مكتوب ورسالة مؤنث مرسول، والمألوه من تتوجه له القلوب حبا وإرادة وتعلقا، وسؤالا وتملقا ، وهذا التعلق للنفوس غريزة، ضرورة وحاجة عزيزة، وإكمال الكلام والإفادة ، عند فتح العبادة.

فتح الربوبية: (رب)، ومن معانيها المربي، والمربي ألوف عطوف رحيم كريم، قائم على المرَبَى، ومن معانيها صاحب النعمة والمنة التي ترب للمنعم، وتحفظ للمكرم، ومتى شعر المخلوق الضعيف بحسه الرهيف أنه ليس وحيدا، على لاحِبِ الجادة شريدا، يواجه كأداءها، ويصارع داءها، بل له رب مربٍّ، ومولى ذو ود وحبٍّ، فُتح عليه من استرواح الأرواح وأنس النفس، وبهجة المهجة مالا يخطر على بال ولا يدور في خيال..

لايعرف الشوق إلا من يداه به
مغموستان ومَنْ حلواه في فيهِ

ومن له كل يوم من لذائذه
لو صدّ عنها فعن بعدٍ تناديهِ  

فتح الرحموت: (الرحمن الرحيم)، وهذه آية تامة، كلها رحمة عامة؛ فالرحمن صفة ذات تدل على الثبوت والدوام، والرحيم صفة فعل تدل على تجدد الرحمة للخاص والعام.
والرحمن دالة على السعة والشمول؛ فهي في اللغة بناء يدل على الامتلاء والاستيعاب من المباني للمعاني؛ فريان ممتلئ ريا وشبعان ممتلئ شبعا وغضبان ممتلئ غضبا، ولاريب أن رحمة الله عامة وشاملة شمول نعمه وربوبيته للعالمين جنسا جنسا، جنا وإنسا، وناطقا وبهيما، ومسلما وكافرا.
وهذه الرحمة بهذه الصفة مناسبة للحمد أيما مناسبة؛ ولهذا نظائر كما في سورة الإسراء:" قل ادعوا الله وادعوا الرحمن أيما ماتدعو فله الأسماء الحسنى" قال بعده:"وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا"

فتح الملكوت: (مالك)، فالملك العظيم العام - مكانا وزمانا متصلا إلى يوم الدين لهذا الرب الكريم- مشعر بكثرة خيره وجوده، ووفرة عطائه وموعوده، فيده ملأى سحاء الليل والنهار، على كر الدهور وتعاقب الأعصار، معطاءة غدقة، لا تغيضها نفقة، وبيده خزائن الوجود، وبأمره مواهب الجود، وهذا مشرع لعابده وداعيه، أبواب الفأل والأمل والرجاء من أياديه.

كأني لدى سؤلي لربي وحاجتي
أشاهد خلف الغيب جمّ المواهب

أكاد ولم ترجع يدي من دعائها
أشاهدها مملوءة بالمطالب

فتح العبودية: (إياك نعبد)، والعبادة بمعنى التذلل والخضوع، والانكسار والخنوع، والتوجه للمعبود، بالركوع والسجود، والمحبة والرجاء، والرهبة والدعاء، وضعف العياذ، وافتقار اللياذ، وسكينة الرهبة، وتطلع الرغبة، والإنابة والتوبة، والتضرع والأوبة، والتماس الإثابة، وتحري الإجابة، والجهاد والاستشهاد ، وغيرها من المعاني: حاجة فطرية، وضرورة أصلية لاتصلح حياة البشر دونها؛ ولهذا ترى الذين لايُهدون إليها، ولايقبلون عليها.. يتخبطون في عمى الجهالة، وعَمٓهِ الضلالة، فتلجأ قلوبهم إلى حجر أو شجر، أو بشر أو قبر، مثل طفل البهيمة لحظة فصاله، من رحم أمه مغمض العينين واهن اليدين، يقوم ويسقط، ويتلمظ ويتلمس، ويتحمس ويتحسس، وأمه بدورها تعينه وتهديه، وتحوطه وتؤويه حتى يهدى إلى سبيل رزقه، فيلتقم ثدي أمه، هذه الحالة والمحاولة، من الفصيل للوصول، إلى الضرع ثم استدرار لبنه، هي التضرع والضراعة، ومن هنا سمي شدة الدعاء والقصد والافتقار والاستدرار تضرعا، وقد قيل إذا جثم الساجد ، فتحت عليه المحامد ، فلا يزال حتى يقال : ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع . 
والمقصود: أنه لا صلاح للبشر ولا استقامة لحياتهم بمعزل عن التأله ، ومنأى عن التأَوُّه ، فحاجتهم إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم قبل كل ضرورة، والحياة بلا ذكر وصلوات، وصوم وعبادات، ومناسك وقربات، تيهٌ ووحشة وظلمات. 
وكثير من الخلق عن هذه الفتوح في غفلة ، وإلا لوجد على فقدها وجد عنتر على عبلة، ولردد صادقا ، قولا لعنتر شائقا، كلما أوهى جلَده نصب العبادة ، وهجر الوسادة ، ولازم جهاده :

ولقد ذكرتكِ والرماح نواهل 
مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها
لمعت كبارق ثغرك المتبسم

 ولا يجد هذه المعاني طعما ولونا وريحا، من كان في ملذاته مستريحا ، لا يشعر بها شعوره بإنعامه عليه بمتاع الدنيا، فيقتصر على حاجات الدنيا في الدعاء، ويؤدي العبادات بثقل وعناء..

وتالله لم يصِب من سمى العبادات تكليفا،  إذ العارفون المتذوقون المتنكهون يرونها أنسا وراحة وتشريفا، فأية لذة للحياة بلا توحيد وصلاة وصوم وزكاة، وهل للحياة ثمرة ، بلا حج وعمرة، وهل سياحة العباد، إلا بالعلم والجهاد، ولقول المولى عزوجل:"قل أرأيتم إن جعل عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء" معنيان: معنى تدركه الأبصار وهو المتبادر، ومعنى آخر تدركه البصائر ،  فما أقبح وأوحش ظلمات السرمد بدون ضياء الرسالات والصلوات، والمناسك في المناسبات ، أرأيت إذا جمعت القافلة في السفر، والمدينة في المطر:أية وحشة تشعر بها القلوب إذا حانت العشاء ، وصمتت المنائر ، وأغلقت أبواب مساجدها،  عياذا بالله من تعطيلها وخرابها، وهل يمزق يأس ووحشة الساهر السقيم ، والمتطاول ليله الغميم ، أروع وأرجى من جمل الآذان تجلجل في الآفاق، وتسري في الأعماق، فاللهم لاتحرمنا، ياكريم،وهذا باب واسع جدا يستعصي سبره، ويستحيل حصره.
وللمتنبي:
وقد وجدت مجال القول ذا سعة
فإن وجدت لسانا قائلا فقلِ

خذ ماتراه ودع شيئا سمعت به
في طلعة الشمس مايغنيك عن زحلِ
 
فتح المعونة: (وإياك نستعين)، والمعونة أيضا فيها من معاني الفتح ودلائله، فكما أنها إرشاد للعباد بتوحيد التوجه بطلب العون ممن بيده الملك فيما لايقدر عليه غيره، ففيها بشارة بالمعونة وتأميل لأصحاب الحاجات والمؤونة ، ومالهم لا يأملون  مِن إله عرّف عباده  بنفسه  ،  أنه مالك كريم ، ورب رحيم.

ومايبلغ بالعبد اجتهاده وذكاؤه وقوته لولا عون رب العالمين، فليستعن به على كل أموره، من رزق وعافية ودفع بلاء ، وكيد عداء وعلى رأس ذلك كله الاستعانة على العبادة التي قرنت بها الاستعانة.
ولبعضهم:
إذا لم يكن عون من الله للفتى
فأول مايجني عليه اجتهاده

والمقصود بها المعونة القلبية بصرف الرب قلب عبده للعبادة وتحبيبها إليه وهذا من أعظم الفضل ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما "ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم" ثم قال:" فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم".
ثم الإعانة البدنية والمالية للصلوات والجهاد والحج وغير ذلك من الطاعات.
 

فتح الهداية: (اهدنا الصراط المستقيم)، وياليت شعري من يملك مفاتيح القلوب إلا علام الغيوب الذي امتن في محكم تنزيله بنعمه الجزيلة، وجعل أعظمها وأفخمها نعمة الهداية، يبين هذا ماجاء في هذه الفاتحة "صراط الذين أنعمت عليهم" ويجليه ماجاء في النساء "ولهدينهم صراطا مستقيما ، ويمثله حالة الخليل " شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم " ويتممه ويكمله تمام الفتح وكمال المنح للخاتم ، أبي القاسم " إنا فتحنا لك فتحا مبينا ؛ ليغفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما " 
ومن ذلك تحبيب الإيمان وتزيينه ، وتكريه الكفر والفسوق وتشيينه ، للعبد معونة ، وكفاية مؤونة " ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم "

ويالله ماذا يقول القائل لوقال ، وأسعفه مقال ، عن فتح الهداية ، التي نفذت إلى محمد صلى الله عليه وسلم في غاره ، وانتشلته من محاره ، 
ولأبي العتاهية بتصرف:
أتته (الرسالة) منقادة
إليه تجرجر أذيالها

فلم تك تصلح إلا له
ولم يك يصلح إلا لها
 
لسان حاله ، وتعليل أفعاله ، مع جيله ورعيله، وأهله وبني قبيله " وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا"
هذه الهداية الإلهية ، منحة ربانية ، نالها عبيد الحبشة ، كبلال والنجاشي وأنجشة ، وحرمها الملوك والسادة ، والشيوخ والقادة ، منحها غير المطالب ، وتأبّت على المطلب والطالب ،كعبد المطلب وأبي طالب ، مطايا الهداية والبركة ، بركت بفناء مولاته (بركة)، فاتت أمه ، ونالت أمته ، أوت إلى أم أيمن ، ونأت عن آمنة ، ما آمنت آمنة ، ولا أسلمت زوج نوح الخائنة ، قوافل السعادة تركت والده ، واحتضنت ولائده. 
هل لذلك تأويل ، إلا قول التنزيل ، "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها "، ولذلك مُنحها البلهاء، ومُنعها النبهاء ، ولله في خلقه شؤون.
ومهما سرح الفهم ، وجرى القلم ، تبقى فتوح الهداية ، وفتوح الفاتحة لها أول ومالها نهاية ،فليركض كلٌ حصانه ، وليسابق أقرانه ، وسيقال لجميعهم ، ريّضهم وسريعهم ، 
وللبوصيري بتصرف:
وكلهم من (فتوح الحمد) ملتمس
رشفا من اليمّ أو قطرا من الديَمِ

والله أعلى وأجل وأعلم ، وصلى الله على رسوله وآله وسلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق