تعديل

بحث

الخميس، 21 نوفمبر، 2013

إيناس الناس


هذه إحدى المعوذتين اللتين رُقي بهما سيد الخلق من سحر البليد لبيد، وعصم بهما من كيد الأعصم، وأهل الجبت والسحر اليهود، أهل التوراة منهم وأهل التلمود، منهم بدأ وإليهم يعود.
وعدد آياتها مع جارتها إحدى عشرة، عدد عقد السحر حصلت بها النشرة، فوقع الحق وبطل ماكانوا يعملون..
(والناس) التي نتحدث اليوم عنها إيناس من الشرور الداخلية (والفلق) من الخارجية والشرور منهما أحدهما أو كليهما.
والآن تعالوا نحلق في آفاقها ونغص في أعماقها:
الملاحظ أنه في هذه السورة الكريمة تعدد المستعاذ به (أي بصفاته) من مستعاذ منه واحد.
عكس الفلق التي توحد المستعاذ به وتعدد المستعاذ منه.
والحكمة -والله أعلم- قوة سلطان العدو الداخلي (النفس والهوى والشيطان) فهو يجرى من ابن آدم مجرى الدم يغلبه ويسيطر على تصرفاته وحركاته وتفكيره وكلماته، ويتجلى هذا في حال المصروع عافانا مولانا.
"إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون"
كما يتجلى في غلبة الهوى للنهى، والتدنس بشرور الأنفس، ولهذا كان سيد الخلق يستعيذ بالله من شرور النفس وسيئات الأعمال. 
والمعوذتان أمرهما كبير وشأنهما خطير، ولهذا أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقرأهما بعد كل صلاة مع الإخلاص 
وعند النوم مع نفث الريق في الكفين ومسح الجسد، حصانة من أقدار تنزل ليلا مواقعها كمواقع القطر، حري أن تصاب ببعضها الأنفس الغافلة، والقلوب الذاهلة.
يعلو طريقة متنها متواتر
في ليلة كفر النجوم غمامها
صادفن منها غرة فأصبنها
إن المنايا لا تطيش سهامها

قال صلى الله عليه وسلم: (سبحان الله ماذا أنزل الله الليلة من الفتن من يوقظ صواحب الحجرات كي يصلين) رواه البخاري وغيره.
يانائم الليل مسرورا بأوله
إن الحوادث قد يطرقن أسحارا

والآن مع إيناسات الناس..

إيناس الاسم: الناس كلمة موحية بالأنس من وحشة اليأس، و كربة الغربة، وأحوال الأهوال، ولذلك كررت الناس هنا لما فيها من العلاج النفسي جرسا وجنسا، ففي كل آية في المستعاذ به والمستعاذ منه تكررت الناس سوى آية ختمت ب(الخناس)ما ذكرت الناس جنسا بل جرسا وجناسا، فتداخلت مع السابق واللاحق ولم تكد تتميز.

إيناس الجرس: والوقع وهذا الأمر لا ينكر، ويقربه ويستعمله علاجا حتى المادي الملحد حسب ما يرى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في رقيته (اللهم رب الناس أذهب الباس)

إيناس الجنس: وهل يأنس الإنس إلا ببني الجنس، وهل سمي إلا لذلك فالله خلقه ميالا بفطرته إلى الاجتماع في صورته الصغرى (الزوجية) والوسطى (الأسرية) والكبرى (القبلية ثم الشعبية ثم الأممية ثم الجنسية) هكذا ركبه الذي قال: ( في أي صورة ماشاء ربك) ولهذا قالوا الإنسان مدني بالطبع.

إيناس العياذ: (أعوذ) وللتقريب ولله المثل الأعلى تخيل طفلا يطارد فيلجأ إلى حنان حضن أمه يرتمي به ويشعر بدعة الأمان ويرمق خصمة نظرة إعجاز وتحد من طرف خفي.
ومن أعاذه مولاه فممن يحاذر وإذا ألاذه زالت المخاطر. 

يا من ألوذ به فيما أؤمله 
ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره
ولا يهيضون كسرا أنت جابره

كان شيخ الإسلام يناجي الله بهذه الكلمات، وإن قالها المتنبي في الأمير( ابن كَيْغَلَغ) إلا أنها لا تصلح إلا لله ولهذا حذف بيتا بين البيتين:

ومن توهمت أن البحر راحته
جودا وأن عطاياه جواهره

إيناس الربوبية: الرب هو المالك والمتصرف والمربي بالنعم والقائم على الشيئ المصلح له فيكون له مربوبا وربيبا.
وهل يقوى على شفاء النفس من أدوائها الدينية والدنيوية إلا هذا المالك المتصرف المربي المتودد المتحبب الذي عبده في كنفه بمنزلة الربيب المدلل من الراب.
ومن جهة أجرى فإن التأمل في هذا المعنى يكرس في نفس العبد ارتياحا وثقة من تدبير وتقدير هذا الرب المربي له فلا يرى منه إلا الأنس ، والرضى مهما به مسّ.

إيناس الملكية: ومن جهة ثالثة يوحي للعبد بأن نفسه أولى بها أن تطوع لمالكها المحسن إليها من غيره من شياطين الجن والإنس.
ولهذا أفرد الملك من أفعال الربربية (ملك الناس) من باب الخاص بعد العام.

إيناس الألوهية: (إله الناس) وأخر الألوهية هنا وقدمها في الفاتحة على الربوبية؛ لأن المقصود الأول بالفاتحة العبادة فعل العبد (إياك نعبد) بينما هنا المقصود شهود أفعال الربربية والملك والقدرة على التصرف في العبد بعصمته من الشرور دفعا ورفعا، أي فعل الرب به.
مع أن الألوهية مقدمة في الجملة ولهذا قال: (قل أعوذ) والاستعاذة ألوهية.
فأما المعنى فإن الإله هو المألوه حبا وإجلالا وخوفا ودعاء ورجاء وتعلقا واستعانة واستغاثة واستعاذة واستلاذة، وهو من تسكن إليه النفس وتطمئن وترتاح إليه هذه معانيها، ومن تأمل هذا وشهده شهود حقيقة وشهادة حق عوفي من الداء ونجّي من الأعداء، 

المستعاذ منه (الوسواس) ووصف بأوصاف ثلاثة :
الأول: أنه شر؛ لأنه لايخلو من أحوال:
وسواس تحبيب المعصية وتثقيل الطاعة الذي لا يكاد يسلم منه إلا من سلمه مولاه.  
وسواس الخطرات في الصلوات والتشكيك في الركعات وغير ذلك فهذان دواؤهما العصيان والاستعاذة بالرحمن
وسواس قهري مرضي مقلق، ناقل للمرء من الهناء إلى العناء، ومن الألق إلى القلق، ومن النعيم إلى الجحيم، ومن الأنس إلى التعس، وهذا من أعتى الأمراض وأقساها وكم فَرَط هذا بأقوام إلى جنون أو كالجنون وأدى بهم إلى الخروج من خدمة الحياة والعيش في هامشها بقية أعمارهم من لم يتعجل منهم هلاكه ويعجل بنفسه إلى ربه.
وله صور منها وسواس العقيدة والعبادة بالشك والحيرة والتردد في النية وتكرار العمل، والمبالغة، ووقوع الكفر وإيقاع الطلاق، ووسواس العدوانية ، والنظافة والمرض وغير ذلك نسأل الله العافية، وهذا كما تقدم شبيه بالجنون وللمبتلين به حكايات فيها مصنفات، قد يهبط أحدهم به إلى درك الهلع والهوس والتفكير الطفولي بل الجنوني والمعصوم من عصمه الله وإني لأعرف واحدا ممن ابتلي بوسواس الطهارة والنية مازال به حتى ترك الصلاة شهورا فكأني بالشيطان له قائل: "ذلك ما كنا نبغ"
ومما جاء عن المتقدمين أن مبتلى به اعتراه الشك أنه حبة قمح لا إنسان فصار يهرب من الدجاج والدواجن وحاول الطبيب إقناعه خلال جلسات، حتى إذا زال شكه من نفسه قال: أما أنا فاقتنعت فمن يقنع الدجاجة، وإن اقتنعت واحدة فمن يقنع البواقي.
الثاني: التردد وهذا من اسمه ومصدره وفعله وسوس وكل ما كرر أوله في ثالثه وثانيه في رابعه فهو دال على التردد والتكرر   
كمضمض وزلزل وهذا من طبيعة الوسواس ينشط ويفتر ويقبل ويدبر ويكنس ويخنس؛ لأنه من النفس وشيطانها وقرين السوء فيها والشيطان يفر من ذكر الله قرآنه وأذانه ويقبل بالغفلة "ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين"
 الثالث الجبن والخور: فهو على شره خناس فزاع لا يصمد للحق ولا لذوي الإيمان من الخلق "إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون" أي بالإسراف بالمعاصي والشهوات واللهو الإعراض عن الذكر والاعتماد على الكهنة والسحرة وغير ذلك من أنواع التولي .
وأخيرا فإن هذا الوسواس له سببان جني بالتسلط والتلبس والتزيين والصد والإزعاج وقدم لخطورته وهو الأصل والأقدم قال تعالي: "فوسوس لهما الشيطان ليريهما ما ووري عنهما من سوآتهما"
وإنسي بالعين والحسد وتزيين المعاصي والصد عن الطاعات
ولا عاصم لذلك كله إلا بالله والالتجاء إليه والعياذ بكلماته .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق