تعديل

بحث

الأربعاء، 27 نوفمبر، 2013

مقامة : أهل الوفاء


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،،،،، وبعد:
الوفاء صفة كريمة، وشيمة عظيمة ، ومما جاء عن سيد ولد عدنان، حفظ العهد من الإيمان، ومن القصص الرائعة، والحكايات الذائعة، حول الوفاء بالعهد، وإنفاذ الوعد، حكاية حُدثنا بها في الصغر، وحديث الصغر كما يقال كالنقش في الحجر..
فقد روى الرواة، وحكى الحكاة، عن فتاة كالمهاة، بين الحريم كالريم ، ومع النساء كالخنساء ، قدّ وخد، وجيد مجيد، وقوام النعام، وجمال الغزال، ونواظر لواحظ،لا غوائر ولا جواحظ، ودقة ورقة،ووطَفٌ وهيَف،جعلها الخالق للحسن قاموسا، وللعيون فردوسا، 
تنافس إليها المتنافسون، واستهم المستهمون، فألقوا أقلامهم، ورموا سهامهم، ومنهم الأمراء والوجهاء، والفضلاء والنبلاء، فعادوا بخيبة الرد، وحرقة الصدّ،
حتى تقدم لها شاب وسيم، جسيم قسيم، له قوام المهند، وطرف المسهد، يوسفي الحسن، ألمعي الذهن، فوافق شن طبقة، وبلّ صادٍ رمقه ، كان اسمه الأطلسي واسمها حمامة اللوا، فرضيته  وألفته وإنما لكل امرئ ما نوى.
عاشا عيشة رضية، ومدة هنية، يظللهما غمام الحب، ويجللهما لحاف الصب، ولكنما الدنيا دوارة، خداعة غرارة، إذا حلت أوحلت، وإذا أينعت نعت، وإذا أوجفت جفت، فقد عرض للأطلسي حاجة بعيدة، يتطلب تطلابها مدة مديدة، من دونها القفار والبحار، وفيها تفنى الأعمار، وضرب لها حينا ، من الزمان سنينا، فإن عاد وإلا فهي في حل الطلاق، و فك الوثاق، لكنها ودعته بالزفرات والعبرات، وأقسمت بكل الأليات، أن تظل بعده أيٌما، ولو لم تجد من الناس قيّما:

أستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً
 بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارِ مَطلعُهُ

وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي
 صَفوُ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُهُ

وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ضُحَىً  
وَأَدمُعِي مُستَهِلّاتٌ وَأَدمُعُهُ

مرت الأيام والشهور، كأنها القرون والعصور، وكلما اقترب الميعاد، خفق قلبها وحمّت بالارتعاد، وكانت كل عشية وضحاها، تخرج إلى البحر تترقب أيان مرساها، حتى فرغت المدة، وانتهت العدة، وتتابعت الأيام، وتصرمت الأعوام، وعم الخبر الفلَك، أن الأطلسي قد هلك، فصاحت وناحت، واشتكت وبكت، وأقامت الجواثي، وأنشدت المراثي، وتسامع الرجال، وتنافس الأقيال، وأنفسوا البضاعة، واستشرفوا الشفاعة، ولكن  هيهات هيهات، فما كان منها هاك ولا هات، وأخيرا تقدم ابن الأمير، الوزير المشير، وقال: لا بد منها رغبة أو رهبة، فاتخِذوا للأمر الأهبة، فوافق الوالد مكرها، إذ خشي من الملوك مكرها، وضرب الأجل، ونفس في المُهل، وأعلنت في المدينة الأفراح، وتوافد إليها السياح، وضرب في الميدان الفسطاط ، وأعلن حوله الرباط ، وطلب من كل أسرة وفصيلة، وناحية وقبيلة، أن تقدم الهدايا،فتنافست إلى ذلك البرايا، وكلما أزف الأجل، تكاثرت في الحمامة العلل. 
وأخيرا أصبحوا على يوم الزواج، وموعد الابتهاج، وما بينهم وبين العرس، إلا أن تغيب الشمس، ودنت الشمس للأفول، 
واستعد النهار للقفول، والحمامة على أحر من جمر السمر، ولظى الغضا، وإنها لكذلك، وقبل أن تفارق جسمَ النهار الروح، إذا بمركب في سراب البحر يلوح، وما أبطأ حتى رفأ، ولا أمسى حتى أرسى، فأشرع بابه، ولفظ ركابه، وكان منهم شاب ينهب الأرض، وينظر في الطول والعرض، فرأى الفسطاط والجلبة، فشده ذلك وجلبه، فانطلق إليه يسعى، لعله يجد عنده نفعا،وسأل الناس ماالخبر؟! فأخبروه أن الأطلسي قد انقطع له الأثر، وأن الحمامة الليلة عروس، على الأمير المحروس، وماكان الأطلسي سواه، فتحير لذلك وتاه، وفكر قدر، وقدم وأخر، فتوسم في أحدهم عقلا ونصحا، فأفضى إليه ولم يخش فضحا، فقال له ويلك أولى لك، انفذ بجلدك واغنم حالك، فسمع داخل الفسطاط صيتا، فأصغى ليتا ورفع ليتا، وقال ماهذا البكاء؟ فقالوا: هي الحمامة مازالت في كرب وعناء؛ فنشج وشهق، حتى قيل روحه زهق، فقال: لا بد من نفوذنا إليها .. ولو قطعت إربا لديها،
فقال له صاحبه: أما ولا بدّ، فعجل وإياك والبعد، فعما قليل يحضر العريس، ويصطاد الفريس، وعليك بفلانة العجوز، صانعة التمائم والحروز، فإنها ذات جبروت وشطنوت، تقودالبغل الحرون بخيط العنكبوت، فانصب إليها انصبابا، وطرق لها بابا، فرأته ثائرا فزعا، خائفا هلعا، فقالت: ليفرخ روعك، وليبرد لوعك، فقص عليها القصص، وشكى إليها الغصص، فقالت: هذا والله أمر عظيم، وخطب جسيم، وما لنا طاقة بالسلطان، ولا لنا فيه يدان، فقال: فإما لا، فسأنتحر على الملا، فقالت: لا والله سأفعل المحال، حتى أحقق لك النوال، فامكث مليا، حتى أستطلع الأمر جليا، فذهبت العجوز إلى فسطاط العرس، وجاست كما يجوس ابن عرس، ثم كرت راجعة إلى البيت، فوجدته حيا كالميْت، وماهو إلا كارتداد الطرف إلى الأنف، واختراق الشهاب للسحاب، حتى جاءت العجوز، على عربة تجرها بغلة، ووصلت فسطاط الحفلة، ومعها هدية كريمة، سلة زهور عظيمة، فلما رأتها الحاشية، غشيتهم من رؤيتها غاشية، وقالوا: هذه والله هدية سنية، وتحفة بهية، لايليق إلا أن تكون عند سرير الأمير، حتى ينظر إليها نظر قرير، فقالت العجوز: ذلك ماكنا نبغ، وقد صبغتمونا بالكرامة أيما صبغ، وكرت العجوز راجعة، على تخوف أن تسمع الفاجعة، وماهو إلا قليل حتى سمع جلبة وضجيج ، وصار الناس في أمر مريج، وسمعت الأبواق، وازدحمت الأسواق، فعُلم أن موكب العريس قد وصل، وصاح الجمع واحتفل، والحمامة على السرير راقدة، وهي للإدراك فاقدة، وقد أنهكها البكاء والنياح، حتى ذاب كحلها وساح، ولم يرعها حتى فتح الباب، وأطل الأمير العريس وحوله الأصحاب، فحينئذ شهقة حرى، حتى كأنما تزفر جمرا، وأطلقت آهة مفجوعة، من كبد موجوعة، وقالت:

ياليت شعري أين بات الأطلسي
حيا يُرى أم بات تحت الأرمسِ

وفي أسرع من لمح البصر، وأدنى من لمع الفِكَر، انتفضت سلة الزهور، وقفز منها الأطلسي كأنه الأسد الهصور، وجرد السيف صلتا، وصرخ ممزقا صمتا : 

في سلِّ وردٍ ياحمامة اللوا
ماكان ظني فيك أن تتعرسي

فوقف العريس الأمير مشدوها، حتى ظنه الرائي معتوها، ثم قال:

أمسيتما بالخير ياأهل الوفا
ماجئت إلا زائرا للمجلس

فنثر عليهما الدنانير، وزف إليهما التباشير، وبارك لهما بالزواج، وأحكم عليهما الرتاج، فلا تسأل عن فرحة حبيبين، ولقاء صبين، وعناق أليفين، كل منهما إلى لقاء الآخر هائم، واشتياقه كما يشتاق إلى الماء الصائم، 
فأي الثلاثة للعهد أوفى ، وللود أصفى ،  بل كلهم كأفراس رهان، و نخيل صنوان.

إن الذي جمع الحمامة كرة بالأطلسي
من بعدما ظنوه ميْتا دارسا في الأرمسِ
من قال أقلع ياسماء الغم يا أرض احبسي
هو قادر أن يُبْدل الشوك القتاد بنرجس
ويزيل أمواج الظلام بنور شمس مؤْنس
فترقب الفرج الجميل من الكريم الأقدس
يا من جمعت حبيبة بحبيبها المستيأس
اجمع إلهي كعبة .. ولْهَى ببيت المقدس

هناك تعليقان (2):

  1. مااروع الوفاء
    وسيده ؛ سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم ولك مني وفاء لا ينتكس ! فأول معرفتي بك مهلا بالخير مسببا لعمرة الحياة ،، /تذكّر يا شيخي ان أوله ترفيه ،،، في مركز علمي معهدي مرتبع ؛ترفيه ! وأوسط عمري وسعيي من أوله تفقيه
    وارجو ثواب ممليه
    قد ارسلت لك مرات و
    لظنة ؛ لا أدري كنهها ..
    ثم جاولتك في تويتر (فرحا ) فصاولت عجبا ،،
    والحب والبغض في النفس مرتهن بالوفاء ؛ وهو لك صافيا ..
    اتذكر سعدا ؛ فقد أبدى عذرا وقبلته
    .
    جبلان لي رقدا
    ياشيخ يا غيثا همل ،،،
    استفت قلبا ؛ لا وجل
    سارسل لك هنا رسالة وفاء ؛ وما أجمل منظومة الوفاء ..
    دعواتك يا شيخنا فقد اكتحلت العين بختم رسالة واسأل الله ان تكتحل الاخرى برؤية نيّالة ؛ نجدد فيها العهد والبسمة التي كانت ولا زالت ببرائتها لكم ،، وفقكم الله لكل خير والسلام عليكم

    ردحذف
  2. ثرّ هو طالب كان غضا في معهد عرعر العلمي ومركزه الصيفي ولا يحسن شيئا عدا التوكل على الحي الذي لا يموت
    تصدق ! رسائلك لا زالت عندي ؛ سأتحين الفرصة لنشرها .. بعد موافقتك ولو لك لوحدك
    اخوك ابو محمد ملفي

    ردحذف