تعديل

بحث

الثلاثاء، 24 ديسمبر، 2013

الزنبقة

غلب الجمالُ حِجَا الحليم ومنطقَه
ماعذره ياصاح ألا يعشقه

من لا يهيم بمقلة نعسانةٍ
حوراءَ زهرةِ نرجسٍ متفتّقة

ولغُرّة  في دلجة  كالبدر في
ريعانه أو شمس صبح مشرقة

ولمسِّ ناعمة حرير سندس
بليانه وحنانه ماأرفقه

ولفرع رائعة القوام كبانة
ريانة ميالة متألقة

برزت فأذن في الأنام مؤذنٌ
الطرفَ غضوا واحذروا أن تسرقه

وسألتها والقلب من نظراتها
حذرٌ وعين رقيبها متعلقة

ياذا الدلال أما تخاف قوانصا
كثُرا بآجواء السماء محلقة

متربصا بك غرة صيادها
أو من كلاب سلوقها المتسلقة

كم من كحيل الطرف رائعة اللَمى
كل العيون لحسنها متشوقة

حجبت جمالا مثلما حجبت لها
ثوبَ الجمال فراشةٌ في شرنقة

ما ضرها هذا وما نفع التي
عرضته والمقل الجياع محدّقة 

ما السر في هتك الستور وإنها
حرز الأمان لحرة ما أوثقه 

فرنا محاذرةَ الرقيب وقال لي
السر عند زعيم بيت الزنبقة

فسألته من ذا الزعيم فقال لي
هو من بني أعرابنا في المنطقة 

ومن الذين إذا ترى متفحصا
سيما الوجوه عرفته بالعنفقة

عشق الفخامة واستبته حلاوة
منها كشهدٍ مدمن أن يلعقه

متخيلا إياه هتلر عصره
متوسطا أركانه أو عفلقه

ويرى المواهب منه لوقسمت على
كل الخلائق صوتت : ما أخلقه

هو قائد هو مبدع هو رائع 
هو عبقري شاعر ما أحذقه

ولربما قد قال قولا مضحكا
عبثا يراه المعجبون معلَّقة

فيها يباري في القصيد جريره
في الحسن وامرأَ قيسه وفرزدقه

وله ولي فيما مضى أقصوصة
وحكاية حمقاء لكن شيقة

قد رام مني طلبة من دونها
مهج ؛ لأبدوَ في العرا متأنقة

وأرادني لبضاعة أنكرتها
في كل أنحاء البلاد مسوقة

أغدو وأسرح في الديار وحيدة
أو معْ صويحبة له مسترزقة

سنحت وبادر كلبه في قنصها
من عانس مسكينة ومطلقة

كم ليلة ليلاء زرت بأمره
جرش الشآم سفيرة أو جُلّقه

وأراد مني رحلة مكُّوكَة
مثل الخواجة عندنا المستشرقة

بمثلث ضلعاه في شامٍ وفي
صدر الحجاز ورأسه في الغردقة

ولاجة خراجة حوامة
دوما مغرّبة المسير مشرّقة

وأكون رائعة على أتكيتهم
رسمية نشمية متنمقة

وإذا بمؤتمرٍ سُئلت صراحةً
أبدو مراوغة الجواب كزئبقة 

وأراد يصهرني أنا ورفاقه
وصويحباتي كلنا في بوتقة

في مجلس أو ملعب أو مطعم
الكأس يجمعنا معا والملعقة

والفكر يحضننا وكل شؤوننا
حتى الفراش لربما والنمرقة

لكنْ مع التقوى وحسن الظن لا
أحد يخضْ بحر الظنون المغرقة

حتى ولو أبصرته متوسدا
أفخاذها ورأيتها متلصقة

هم في البراءة كالعصافير التي
في دوحة تقضي الزمان مزقزقة

مرحا تَغنَّى بالحياة جمالِها
ريعانِها أجوائها المتطلقة

أتريده أبد الزمان مكشرا
أتريدها مهمومة متغلقة

من رهطه عم وخال مشفق
والخال في إحساسه ما أعمقه

هو خال كل صديقة والخال لا
تثريب لو حدبت عليه مطوقة

حتى ولو تطوي عليه ذراعها
بتغنج أو أن تقبل مفرقه

لا ترجمنْ بالظن ويلَ الظن ما
أقسى الظنون من النفوس الضيقة

لكنْ ألم تلحظ بقدرة قادر
أنْ ليس في هذي البنات معوقة

الصدفة المحض اصطفت بعناية
مجموعة مع حسنها متزبرقة

وأراد كالبكري صاحب خولة
في وده يبغي الكواعب خِرنقه

مازال يقسم جاهدا أيمانه
حتى منحتُ فؤاده كل الثقة

وومقته والغِر مثلي إن يقل
قرد أحبك يعطه كل المِقة

يغري الفتاة بمكره ودهائه
والبنت من فرط الغباء مصدقة

ويلَ البنية ويلها من قالة
تسبي العقول وألسن متحذلقة

فترى الفؤاد لفقده متولعا
وترى الدموع لهجره مترقرقة

ومع الزعيم عصابة ممقوتة
من كل أجناس الأنام ملفقة

أعياهمو درك المعالي مثلما 
أعيا ابنَ آدم أن يقبل مرفقه

فيهم منافقة له ولأهله
نُسّاك زور بالتقى متلزقة

كالسحْب تمطرهم سواء أَاستقوا
أو لا  تبادر بالسيول المغدقة

من كل أحمقَ فارهٍ متصيد
وقح تحدى في الغباء هبنقة 

وبهم أُهيل مصالح ومنافع
كلٌ بكسب الود يبغي مرزقه

وبهم وجوه كالحات أهلها
مشبوهة بولائها متزندقة

لما أُطيح بهم تولى هاربا
حذر الفضيحة في الورى أن تلحقه

لو كان في زمن التويت رأيته
غرض التويتر مدة والهشتقة

لعن الزعامة والفهامة إذ رأى
هول القيامة والشرور المحْدِقة

ألقى السلاح وعدة الحرب التي
زمنا تقلّدها وخلى بندقه

ومن السراة أوى لغور تهامة
في وهدةٍ فيها يراها خندقه

ومضى يرتل للتعاويذ التى
فيها رماه رفاقه بالهرطقة

زمنا وصاح به قديمُ سلوكه
وحنينه لمراهَقات مرهقة

وأعاد سيرته القديمة لم يجد
فيما مضى من واعظ ما أحمقه

وله مغامرة بساحل بحره
متوسطا شاليهه أو فندقه

وكما تنكر للرفاق فإنه
حتما سينكرني وينقض موثقه 

سيشح لو بنفاثة من ريقه
لو كان أبصرني بقلب المحرقة

أوَ غره الإفلات أول مرة
أوَ لا يخاف عقوبة أن تمحقه

 ربَما تذكر مرة أفعاله
لكنْ ولهزمه بحبل المشنقة 

السبت، 7 ديسمبر، 2013

قتل الخراصون: رأيت فيما يرى اليقظان.



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،،،،،،،،، وبعد:
قال الله تبارك اسمه: "قتل الخراصون"
هذه الآية الكريمة من سورة الذاريات من الآيات الجوامع العظام، تنتظم أصنافا شتى من البشر، ذكر المفسرون الأولون من هذه الأصناف: أهل الغرة والظنون، والمنكرين للبعث والمرتابين، والكهنة العرافين، والمتخرصين الكذبَ على النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم: ساحر، وكذاب، وكاهن.

وفي زماننا هذا زمان العجائب، رأينا أصنافا كثيرة لا يمكن إلا أن تتذكر الآية الكريمة وأنت تراها أو تسمع عنها، أو لها؛ رأينا منها فنونا وجنونا لاتبرأ الذمم بغير كشف حالها والتحذير من أهلها فمنها:

أهل المنامات:
وهذا الصنف من أعجب وأغرب ما رأيت في حياتي، هو أهل: رأيت فيما يرى النائم رأينا منهم في اليقظة حديثا ليس بالظنون ولا بالأغاليط، لقد أصبحت طريقتهم مهنة ووسيلة مريحة للتكسب والإثراء، وتسابقت القنوات إلى إعلان لقاءات وحلقات، وتنافست على الخراصين الخراطين الذين أدرك كثير منهم أنه ما بينه وبين المشيخة والإثراء إلا أن يرتدي مشلحه ويقول: من رأى منكم رؤيا؟!!
تعرف بعضهم جيدا، لا علم ولا حلم، ولا ورع ولا تقوى، ولا آثار تدين ظاهرة، وأمْسُك القريب وهو مع شلل الحواري والمقاهي؛ فإذا بك تراه ملء الشاشة، قد سود لحيته كجناح الغداف، أو أنهكها إلى قرب الإتلاف، تتهافت عليه السؤالات من أصقاع الأرض، وخاصة من النساء المسكينات، المكروبات المتلهفات حتى لو وجدت ضالتها لدى ساحر مبين، وأحيانا تزدحم الأسرة برمتها، إذ كان حظها خرافيا برد الشيخ عليها الليلة وسط كثافة المكالمات، وتأخذ الحريم دورها على سماعة الهاتف، وكل واحدة تسأل رؤيا أو أكثر، غير الوصايا من الأخت والزميلة، وفضيلته يغلبه الورع أحيانا ويشترط من باب العدل الذي قامت عليه السموات لكل واحدة سؤالا، تسأله المسكينة: فيرفع طرفه ويشخص بصره صُعُدا متأملا وكأنه في نوبة إلهام أو إشراقة وحي، قبل أن يفصفصها ويفللها على الهواء مباشرة بالسؤالات عن عمرها وطولها ولونها وخصرها وشعرها ومتزوجة أو لا، وهل تحس بصداع أو غازات ولو مرة في عامها أو عمرها، وأسرار زوجها وبيتها وخصوصيات حملها وعادتها هل هي منتظمة أولا؟ ويفتح دولابها ويفتش ملابسها الداخلية وغيرها، ويا لفرحته إذا أجابت سؤالا بالإيجاب يفترّ ثغر فضيلته ضاحكا، ويهز رأسه وكأن ماأجابت به تحصيل حاصل عنده، وتبدأ الوصفة السحرية، وخداعها بالآمال الكاذبة عن الزواج بفتى الأحلام وفارس العمر الذي ما بينه وبين أن يطرق بابها إلا أن تضع سماعة الهاتف، ولا يخلو الجواب من إيهامات وإيماءات باتهام المحيط من أقارب وخدم وزميلات، فتسبح المسكينة في بحر لجي من الشك والحيرة والريبة، ويترسخ في نفسها سوء الظنون والتشكك الذي ربما آل بها إلى عالم الوسواس وأسلمها إلى بلاء الأمراض النفسية، والسبب فضيلته الخراص.
بسبب رجم الظنون وخرص الخراصين خربت بيوت، وتشتت أسر، وطلقت نساء، وظلم برآء من خدم وغيرهم، والسبب فضيلته وقنوات الخرص والإثراء على حساب الدين والخلق..
لقد سمعت أحد هؤلاء الخراصين مرة على الهواء مباشرة يفصفص امرأة بالأسئلة عن أدق تفاصيل الحياة ومفاصل الجسم، فقلت لمن حضرني: حسبي الله ونعم الوكيل كيف لو سمع زوجها ما أظنها تبقى عنده ليلة، ويا لهول الصدمة حين قالت: يا فضيلة الشيخ خذ زوجي عنده رؤيا؟
هل هان على الرجال أن تنشر أسرار بيوتهم وأوصاف حريمهم على العالم ومحاورة بينها مباشرة وبين فحل ذكر؟ أين الغيرة
يا رجال؟ والله لا يرضى بهذا عباد اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.
مثل هؤلاء الخراصين مثل الكهنة تلقي الشياطين على ألسنتهم الكلمة من الوحي، فيخلطون معها مئة كذبة ويصدق الكاذب بما معه من الوحي لو أصاب مرة وكذلك هؤلاء الخراصون.
والعجيب أن أكثر هؤلاء الخراصين يجزم جزم اليقين، ويحلف جهد اليمين، مع أن العارفين المشهود لهم من الله بمعرفتهم هذا العلم المؤيدين بالوحي لا يجزمون، ويحجزهم الورع فيجعل للخطأ البشري مساحة حتى قال أصدق القائلين عن يوسف: "وقال للذي ظن أنه ناج منهما" ومع ذلك لا ينسب الفضل إلى نفسه وذكائه بل يعترف بالفضل لله "ذلكما مما علمني ربي"
فأين هذا من عمل صفيقي الوجوه الذين يحلفون على الظن وهم يعلمون، ويضرب أحدهم آجالا، ويحدد مهلا، ويقطع بنتائج معارك ومباريات، وقتل طغاة، ويجازف بمصداقيته أمام الدنيا، ويجعلها وهي أصلا كالرماد في مهب ريح عاصف، ويراهن على خروجه إعلاميا، ويشهد القريب والبعيد كذبه وفشله، ثم لا يخجل أن يرى على الشاشة مرة أخرى...عجب لا أعجب منه، إلا سائل أو سائلة يطرقه بعد هذا كله..

 أما لماذا اتساع وانتشار هذه الخراصة الجديدة فلأسباب؛ منها:
= ضعف الوازع والتقوى والهجوم بجرأة والإقدام على الظهور في الإعلام والدعاية المجانية، بل على العكس هي دعاية مدفوعة الثمن لمن تعمل له، ونوع استمتاع بعضٍ ببعض على طريقة السحرة والشياطين فالقنوات تستمتع بالخراصين إثراء وشهرة والخراصون بالقنوات كذلك.
يا سادة ..
إن هذه علوم محترمة لا يهجم عليها إلا من أوتي حظه من التقوى والورع والعلم بالكتاب والسنة، ووهب الفراسة والذكاء والزكاء وقبلها الإحسان "نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين"، ومع ذلك لا يدعي تقي هذه الكمالات، بل يهرب فراره من الأسد من تشبعٍ بما لم يعط ونصبِ نفسه معبرا ولا يزال متواضعا وجلا مهما قصد، هاضما نفسه مهما بلغ ما بلغ: سئل الإمام مالك عن رؤيا، فأبى أن يجيب، وقال: أبالنبوة يُلعب؟ يشير إلى أن الرؤيا جزء من النبوة، وسئل أحد السلف، فقال: هذا علم لم نؤته، وهذه فتيا لسنا لها، قال السائل: ما هي بفتيا بل رؤيا يا إمام، قال: وهل تعبير الرؤيا إلا فتيا قال الله تعالى عن الملك: "أفتوني في رؤياي"وقال: "أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان"

=ومنها: أن هؤلاء الخراصين  طلبوا علما لايخطّئهم فيه أحد؛ إذ كل العلوم من فقه وحديث ونحو وطب فلسفة لها كتبها ومصادرها وقواعدها وحراسها وعلماؤها، مهما خاض فيها خائض وتخرص خارص قالوا له: قف، وقالوا: (ما ذا بعشك فادرجي) فلما رأوا طلاب العلوم تتبارى في مضاميرها كأفراس رهان في ميدان، من فطاحل فقه وحملة قرآن، وحفاظ حديث وأرباب بيان؛ ورأوا أنهم خُلْوٌ فقراء مفلسون يهلكون في عشق الشهرة ولا يملكون أدواتها:

ورأيت نفسك بين أهل مواهب
فإذا لسانك خامل مغمورُ

طلبوا بل ادعوا هذا العلم اللدني الإلهامي الوجداني الذي يقول صاحبه: حدثني قلبي عن ربي، وبَوْحي عن روحي، ووجداني عن جناني، ومن ذا سيقول له أخطأت؟!! ومع ذلك:
لا بأس أن يجعل له مخرج طوارئ، فيقول قولتهم المشهورة المدبج بها كل تعبير: (إن صدقت رؤياك)، حتى إذا لم يصب التعبير كانت المشكلة في الرؤيا كاذبة خاطئة وأضغاث أحلام، وأخلاط منام، أما هو فلا يمكن ولا يكون ولا ينبغي له أن يخطئ أو تغلبه أوهام.

=ومنها: أنه وجد كثير من هؤلاء الخراصين -وأنا أتكلم عن اطلاع سنين وسبر طويل- وجدوا هذا الضرب من الخراصة وإخوانه مما سيأتي في حلقات آتية إن شاء الله أقصر سبيل لشهرة وشهوة، أما الشهرة: فلقد ضربوا بها شأوا بعيدا وأصبح لصعلوك الأمس الذي ربما قدم من بلده منتّفا هالكا أصبح له اليوم مكاتب وثيرة وسيارات فارهة وشهرة عريضة، ومنسق أو منسقان، يتوليان الرد على الهاتف وتنسيق المواعيد واللقاءات، واتخذ فضيلته الموظفين بل والموظفات لشؤون النساء، عجب هذه الدنيا!
وأما الشهوة: فشهوة المال والثراء كما أسلفت، وأخرى يحبونها، تيسرت أسبابها وتذللت كأداؤها بارتقائهم هذه المرتقيات الصعبة التي بها ذاب جليد الحشمة وهتكت أستار البيوت الرفيعة، فأصبحوا يتلهون بالحديث مع كرائم البيوت التي كانت على شواربهم حجرا محجورا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض طفقوا يروون دعاباتهم مع البنات وحديث المعجبين والمعجبات.
لقد وقفت بيقين على طريقة واحد من هؤلاء الصعاليك كلما عبر لواحدة رؤيا قال: لعلها زوج صالح وأرجو أن أكون أنا، قالت: مستحيل ياشيخ أنا فتاة هاشمية، قال: وأنا هاشمي كذلك، ماالمشكلة!!!
المضحك المبكي أن أخت هذه الفتاة اتصلت قدرا بفضيلته وسألته عن رؤيا: فأجابها الجواب نفسه، فقالت: ما قلت هذا لأختي؛ أنت على أي مذهب يا فضيلة الشيخ؟ فبهت الخراص.
إن لم تذد هذي الكلابَ أسودها
أكلت بلا عوض ولا أثمان
 ولقد والله تسبب هؤلاء بتعذيب فتيات ونساء، بل وخيانة متزوجات، حلّقوا بهن في فضاء العشق عبر كلمات الغرام والهيام، وغاصوا بهن في بحار الوجد والشوق حتى غرقن في سكرة الغرام وعذاب الهوى؛ يطرقون أبواب هواتفهن آناء الليل وأطراف النهار..
ولقد نصحت مفتونا بأحد من ذكرت هالكا في حبه، واقفا حياته له، يتبعه (منسقا) ذليلا، فقال لي: أنت متحامل، قلت: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين.. وماهي إلا أيام حتى جاءني فزعا هلعا يذكر فضائحه واتخاذه الخليلات، وتهربه لتكليمهن حتى في دورات المياه عافانا الله مما ابتلاهم.
يوم كانت هذه الحوادث فردية قهرت نفسي وألجمت قلمي واكتفيت بالنصائح المباشرة، حتى إذا قُننت هذه البلايا إعلاميا، وأصبح لها قنواتها وأسواقها الرائجة فلا، ولا كرامة فمصلحة المسلمين أولى وأحرى..
وكل ما تقدم لا ينفي وجود معبرين ذوي عدل أخيار صلحاء أتقاء أخفياء بعيدين عن بهرج القنوات وضجيج الإعلام، من ابتلاهم بالسؤال أجابوا على كره ومن تركهم تركوه.
فاعتبروا يا أولي الأبصار، وتيقظوا لنوع من المعاكسات مختوم بختم على الشريعة الإسلامية.
بهذا آتي على نهاية هذه الحلقة من "قتل الخراصون" وإلى الحلقة القادمة بإذن الله.

الجمعة، 6 ديسمبر، 2013

القرآن قبل ماجلان في كشف الكروية بالدوران..


الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد..

قص الله علينا في سورة الكهف خبر الملك المؤمن والرحالة المجاهد ذي القرنين، وتحمل في طياتها أول كشف عملي لحقيقة كروية الأرض؛ تلك الحقيقة التي ادعاها الغربيون وبنوا عليها بروج الأمجاد..
فرح الغربيون برحلة الرحالة البرتغالي (ماجلان) واعتبروها فخر الكشوف وأول دليل عملي على كروية الأرض، وجعلوها المفصل وحجر الزاوية بين العصور الوسطى والحديثة..
وملخص هذه الرحلة: أن هذا البرتغالي خرج من الخدمة العسكرية بعد أن أصيب بالشلل في إحدى المعارك، فقرر أن يصنع للبشرية شيئا، فجهز عشر سفن بقيادة السفينة (فيكتوريا) وشحنها بالمؤن، وانطلق من البرتغال غربا، فاصطدم بساحل البرازيل، فاتجه جنوبا، ولما بلغ مصب نهر الأمازون فرح ظانا أنه لسعته ملتقى المحيطين، وخابت فرحته بعد أن تبين له سراب وهمه، وواصل المسير جنوبا وبعد رحلة أهوال وعواصف وصواعق وظلمات وصل نهاية الساق لأمريكا الجنوبية، وبلغ ملتقى المحيطين فبكى فرحا، وواصل بما تبقى من سفنه التي آل أكثرها إلى التداعي وعبث الجرذان بأطعمتها وأزوادها وعاثت فيها الخراب، حتى رفأ على البر الفلبيني، وعلى إثر تحرش بنسائهم اشتبك رجاله مع السكان (لبولبو) وهم أو كثير منهم مسلمون فيما يقال فقتلوه وأكثر رجاله، ولم ينج إلا سفينتان استطعتا الفرار، اتجهتا غربا إلى المحيط الهندي، ثم التفتا من عند رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) حتى وصلتا البرتغال، وكان فيهما مدون الرحلة ومؤرخها وهو أهم أفرادها، وقدم البرهان العملي على كروية الأرض بعد التفافه عليها، فهّلل الأوربيون لذلك واعتبروه فتحا مجيدا، وقدموه للعالم..
والمتأمل في القرآن الكريم يجد أنه سبق إلى ذلك الكشف؛ فذو القرنين عليه السلام قال الله تعالى عنه:"فأتبع سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس" أي مكان غروبها في العالم المأهول، ثم قال الله تعالى:" فأتبع سببا" ولم يقل مثلا: كر راجعا، لكنه قال:(أتبع) إلى أن قال:"حتى إذا بلغ مطلع الشمس" أي شرق الأرض والكون المعمور بدليل أنه بلغ بين السدين وبنى الردم (سد يأجوج ومأجوج) والمشهور أنه في المشرق.
وبهذا يكون هذا الملك المؤمن الصالح والرحالة المجاهد أسبق بكشف هذه الحقيقة، والقرآن بين هذا قبل ماجلان بقرون..
فهل يعلم هذا المنهزمون والناعقون والمقلدون والمتطفلون من المسلمين على مناهج الغرب وعلمائه. 

الخميس، 5 ديسمبر، 2013

أدار الظهر واحتضن العباءة

ياله من موقف، يذوب له الصخر رأيته واقفا على شفير قبر أمه وهم يهيلون عليها الثرى، غارقا في تفكيره، سابحا في بحره اللجي ، محتضنا عباءة حبيبته ، أمه الشابة التي عاش  طفولته مع فصول مرضها الطويل ، ياله من موقف ، بين الفينة والأخرى يحنو على العباءة ، يضمها إلى صدره ويشمشمها ، فرغوا من الدفن وما فرغ من رحلة تفكيره ، شرعوا في العزاء فأدار ظهره واحتضن عباءة الحبيبة، هتف الرحيل ، وصاحوا به فكأنما يقتلع رجليه من طين لازب ، عين لهم وعين للقبر، لفتة ولفتة، وخطوة وخطوة ، حاولت أن أخترق مكنون صدره ، وأصحبه في رحلته تفكير الأليم وهو على شفير القبر فكانت الأبيات

أدار الظهرَ واحتضن العباءة
وخلّف كل بهجته وراءه

يرى ريحَ العباءة حضنَ كهفٍ 
له يأوى ويحسبه حراءه

يراها بلسما للروح يأسو
جراحته ويحجوها دواءه

يشمشمها ويلثمها برفق
ويسقيها من العينين ماءه

ويمضي خطوةً ويردّ أخرى 
إلى قبر به دفن الهناءة

ويقتلع الخطى قلعا كما لو
يصيح القبر لا يبرحْ فِناءه

صبيٌّ باكرته يد المآسي
رقيق القلب في عمر البراءة

أسارقه فأرمقه غريقا
ببحر الفكر لا يرجو نجاءه

وحاولت التغلغل في ضمير
له علّي أشاركه عناءه

وما أقسى الفراقَ بدار دنيا
فكيف بمن تَحَقَقْنا فَناءه

يودعه الحبيب وداع يأس
ويقطع من علائقه رجاءه

يهدّ الموت قوة كل قرم
فكيف الطفل، ما أقسى بكاءه

بكاء الطفل ويحك نقشُ شوكٍ
من القلب الذي هتَكَتْ غشاءه

له الهادي تجوّز في صلاة
وقصّر من تأثره دعاءه

سأنفذ في شعور الطفل ماذا
يعاني حين هول الموت جاءه

سأصنع من شعور الطفل شعرا
وأقرأ في نواظره رثاءه

وأعلم أن شعري لا يوفّي
رثاءً من مشاعره هباءة

كأني بالصبي رهين حال
رهيب داهمته على فجاءة 

أعاد على شفير القبر ذكرى
طوى ألِفَ الزمان بها وياءه

بها اختصر الحياة شريطَ عرضٍ
يمرره يجول به سماءه

تذكّر أمه وجها بشوشا
إذا ابتمست تكلله الوضاءة

تخيل أمه شمسا وغابت
فمن في الكون يمنحه ضياءه

تذكرها ملاكا فاض طهرا
يرى في كل عالمه نقاءه

تذكر عهدها فصلا ففصلا
لحين الموت من عهد البداءة

تذكر إذ تلقّمه برفق
بأطراف البنان لها غذاءه

تمَلَّقُه اللقيمةَ ثم أخرى
ليكْمل في توددها غداءه

تلاحقه بصحن الزاد مهما
تنقّل لو قضت جوعا فداءه

تذكر يوم كانت بانتشاء
تلقنه الكتابة والقراءة

تذكر حين تلبسه ثيابا
ومن ريق لها تجلو حذاءه

تذكر قبل نومته فراشا
ترتبه تجلله غطاءه

تهدهده وتشرع في حكايا
قبيل النوم تختلس اغتفاءه

ينام على تراتيلٍ ملاحٍ
تناغيه وتسمعه حداءه

تذكر يوم تهتف في حنان
وترحاب ملبية نداءه

تذكر يوم ترضى حين يرضى
وتغضب حين تبلغه المساءة

وتفرح حين يفرح ثم تأسى
إذا يأسى وتحتمل البذاءة

وتصبح لبْوَةً غضبى إذا ما
دهى خطر تقاتل في جراءة

وتُصرع حين يصرعه سقام
ويسهر جفنها ترجو شفاءه

فمن بعد الحبيبة كلَّ هذا
سيصنعه ويمنحه صفاءه

تذكر أنه أضحى يتيما
وبُدّل ريفه الحاني عراءه 

سيرجع وحده وبغير أم
إلى أبد فما أعتى بلاءه

ربيع العمر ولى إذ تولت
يصارع في مفاوزه  شتاءه

يكيلون العزاء له ومهما
يكيلوا لن يوفيَّه عزاءه

تنهد واحتشى نفسا عميقا
وقد هتف الرحيلُ به فساءه

تذكر كل هذا ثم أغضى
حسير الطرف،  واحتضن العباءة






الأحد، 1 ديسمبر، 2013

الموافقات.. فيما مر بي من عجائب الحياة..



هذا باب من الحياة لطيف، وحديث على المسامر خفيف، حصل لكل واحد منا لاجرم، ووقع له ما يستطرفه القلم، من موافقات اللقاءات، وتحف الصدف، وعجائب الغرائب، ما يستحق الرواية، ويستآهل الحكاية، ولو لتسلية القارئ، وإزاحة الهم الطارئ، ولقد رأيت لذلك بابا معقودا في موقع أهل الحديث، فاستهواني الحديث، فأقول من ذلك ضربان:
الأول ما وقع لي من هذه الموافقات، ومن ذلك:
الحكاية الأولى:
 كنت في الحرم المكي حرسه الله قبل سنين منتظرا الإشراق وإلى جواري ابني أحمد، وبقربي أخ مصري أشبه شيئ بأحد زملائي القدامى لذلك كنت أسارقه النظر بين الفينة والفينة، ويبدو أنه فطن لذلك، فصار يسارقني كذلك ، ثم افتعل مناسبة للحديث، فسأل: متى تشرق الشمس اليوم؟ فأجبته، وبعد الركعتين، تحدثنا، وقلت لأزيل استغرابه، وأبرر فضولي: كم أنت قوي الشبه بأحد الأعزاء علي؛ لذلك أحببتك! قال: لا أصلا حصل انجذاب بين روحينا فلذلك جئت أنت وجئت أنا من بلدينا ثم من سكنينا، وشرع يشرح مقامات السادة على الطريقة الصوفية التي فهمت أنه متأثر بها، فما أحببت أن يتمادى  قلت: أبدا محض القدر، المهم فهمت أنه تاجر كبير في مصر وأنه تردد على مكة عشر مرات، فدعوته إن جاء الرياض للزيارة، وأخيرا قلت: ما تعرفنا، فما الاسم الكريم ، قال : محمد باللهجة المصرية فتح الميمين! قلت محمد أيش؟ قال: محمد فراج، فتبسمت، واستغرب، وقلت: أيش؟ فكرر بلهجة أوضح وأحزم: محمد أحمد فراج، وهنا عقدت الدهشة لساني، وقلت: إن قلت له: إن اسمي الثلاثي محمد أحمد الفراج؛ كذّبني، وناديت ابني الصغير، وقلت: أيش اسمي الثلاثي، قال: كذا، وقلت: خشيت إن قلت لك إن هذا اسمي اتهمتني بالكذب، قال: أبدا ولا كذب ولا غرابة ولا حاجة، أنا ما قلت لك إن بين روحينا سرا وانجذابا وأنت ما نتاش مقتنع. 

الحكاية الثانية:
 لما كنت إمام جامع الخالدية ارتبطت بموعد مع فهيد السبيعي أحد طلابي لنذهب إلى رماح لمحاضرة، وواعدته يصلي معي العصر، وحصل لي شغل تطلب صلاتي في حي آخر وخلفت العم سليمان أبا نمي على المسجد وأفهمته إذا جاء فهيد السبيعي أن يصحبه إلى أول محطة على طريق خريص وينتظراني وذكرت له صفات الرجل، ولما التقينا في المحطة وجدته جاء معه باثنين يحملان هذا الاسم، الآخر أحد طلابي تخرج منذ زمن وعين في الشرقية، وقدم الرياض فجاء يزورني، ولما قضيت الصلاة تقدم إلى النائب، فقال له: أنت فهيد السبيعي؟ قال: نعم، قال فإن محمد الفراج قال لي إنك ستصلي العصر فجيئ به معك هناك، فقال: بسم الله أيش درّاه أني سآتي؟ قال ما أدري هكذا قال لي ويريدك ضروري، لكن الغريب أن صفاتك تختلف عما وصف لي! أنت مبطي عنه؟ قال والله تقدر تقول، قال: يمكن تغيرت كبرت اللحية، قال: أنا قادم من سفر اليوم، ويشق علي السفر إلى رماح، قال: هو يقول لابد من حضورك، قال: والله ما كشف الله له ستر غيب مجيئي له إلا لأمر مهم توكلنا على الله، المهم: ركب معه، وبصر به صاحب الموعد فهيد السبيعي، فقال: أين الشيخ؟ قال: تريده ضروري؟ قال: نعم لأمر يهمه فقال العم أبا نمي: يا الله ورانا، لما تقابلنا حل لغز الكرامة وكانت طريفة ورحلة مع الفهيدين ماتعة.

الحكاية الثالثة:
 سافرت إلى أمريكا عام ١٤١١لحضور مؤتمر في دترويت، وبلغ إحدى عجائز قرابتي خبر سفري وكان لها ابن مبتعث إلى أمريكا، فقالت لبناتها لما بلغها الخبر الحمد لله سيقابل ابني هناك وينصحهم، فاستغرقن في الضحك وقلن: وهل تظنين أمريكا الزلفي؟ بعد المؤتمر سلم لي جدول الجولة على الطلاب في مدن الساحل الشرقي، لأنه أقرب إلى دترويت التي تقع في شمال الشرق، لكني طلبت تحويل المسار إلى الساحل الغربي لرغبتي في زيارة مدرسة في لوس انجلوس أسسها أحد الأمريكان درس معي في الشريعة، فحول المسار وتمت الجولة، وحان يوم الرجوع ووافق الجمعة ومعلوم أن فارق التوقيت بين ساحلي أمريكا، بين بوسطن ولوس أنجلس ثلاث ساعات، والمدة بالطائرة أربع ساعات إلى نيويورك أو تزيد، فاقترح الشباب التوقف في الوسط وخطبة الجمعة في كلورادو، وفعلا رتب الأمر بقدر، حططنا في كلورادو مررنا الطلبة في دنفر وبولدر وفورت كلنز، الخطبة كانت في دنفر، لما فرغت والتأموا للأسئلة، رأيت شابا منتبذا ينظر من بعيد باستحياء كان بالزي الأمريكي ولكن سحنته وملامحه توحي بأنه من قومنا، ظننته من الشام لبياضه البائن، غير أنه دنا ودنا ثم قلت: تفضل ما عند الأخ؟ قال لي: محمد؟ قلت من محمد؟ قال آل فلان؟ وذكر اسما لا يعرفه إلا خواص القرابة! قلت: ما غيره، عرفت لهجته، ثم توسمت شبهه كوني ما رأيته قبل؟ قلت: فلان؟ قال نعم فكان عناقا حارا، فرحت بصلاته جدا وأخذت بيده وأجلسته جواري في الدرس؟ وبعده خلوت به وأعربت عن سروري وغبطتي به وشجعته وأوصيت الإخوة به، فازداد من الخير قربا، لم يكن هذا الشاب غير ابن العجوز الصالحة، بعد اللقاء سارع واتصل بأمه وأخبرها، فطارت فرحا، ونادت بناتها، وكان لسان حالها "ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون"

الحكاية الرابعة:
أول ما تعينت معيدا في الشريعة في مبناها القديم، كانت عندي المحاضرة بعد الفسحة، ولما عقلت سيارتي بعيدا عن الكلية وزحام البطحاء وترجلت عنها كنت جائعا، فغازلت جوعي روائح المطاعم فزقزقت لها عصافير بطني فقرقرت لها أمعائي، وما كان أمام هذا الجيش من الروائح من جلد فانهزمت سريعا، لكن توقفت هنيهة، وقلت مخاطبا نفسي: فإن دخل عليك طلابك وأنت تأكل مع العمال والطلاب؟ فعصيت هذا الخاطر وقلت: ما أبعد هذه المطاعم عن الكلية! والكلية مطوقة بمطاعم الوجبات وبوفيهات الكبدة وخانات الفوالين، فماالذي يحعل الطلاب يأتون هنا، وإن جاؤوا فكم من مطعم ومطعم وإن دخلوا مطعمي، فكم من فصل وفصل وكم من قاعة وقاعة! ومع ذلك سأبحث عن آمن نقطة وألوذ زاوية، تعوذت من الشيطان ودخلت وجاء الطلب، فإذا بوقع أقدام أمامي مباشرة، رفعت رأسي فإذا هم طلاب القاعة التي أنا عندها بعد قليل، ما فيه فائدة وقع الفأس بالرأس، ضحكت وضحكوا وقلت: تفضلوا يا شباب، أدركوا حرجي ولاذوا فرارا، لكن بعد ماذا، طوال المحاضرة كنت أنا وهم نغالب الضحك، كنت أشرد بنظراتي عنهم وبقية الطلاب لا يعرفون الحكاية.

أكتفي بهذا مما وقع لي، ومما وقع لغيري: 

الحكاية الأولى:
 جرت لأحد المسؤولين في المعارف هو من قرابتي، وكان في لجنة التعاقد، بعد جولة مضنية في جامعات القاهرة عاد منهكا مساءا، ولما دخل مصعد عمارة السكن: تنهد وقال: أواه لو ينفع المحزون أواه، كان معه في المصعد أحد المصريين فقال له: هذا البيت لمن؟ قال صاحبنا: هذا لمحمود غنيم، قال: بالمناسبة هو والدي، فكان بداية تعارف، القدر جاء به من بين الملايين. 
الحكاية الثانية:
كان شاب شامي صالح يعمل في مؤسسة الحرمين الخيرية وتحديدا في رسالة الخير والتي هدى الله بسببها ألوفا كثيرة من الكفر وترك الصلاة، والشرك ودعاء الأموات، والبدعة والخرافات، والفجور والفواحش والمنكرات، والفسوق والعصيان وهابط المجلات، كانت الرسالة شمسا تنشر نورها في أصقاع الأرض.
وفكرتها: أن الشباب يتابعون المجلات المنحرفة ويقتنصون هواة التعارف والمراسلة من الجنسين، فلا يشعر أحدهم في بلده إلا وطرد بريد الحرمين يطرق بابه محتويا أجمل ماتنتج المطابع من كتب ورسائل عقيدة وسلوكا، وبالمجان فلا تسأل عن أثرها الطيب. 
رغب هذا الشاب الزواج فذكرت له فتاة في المغرب متميزة جدا لا تريد إلا العفاف، فراسل أهلها وطلبوا حضوره، وفي مطار الرباط، رأى لوحة مرفوعة تحمل اسمه في يد كهل خيل إليه أنه من الفرنجة  وإلى جواره امرأة متبرجة وبينهما فتاة غاطسة في سواد من هامها إلى إبهامها، فاصطحبوه وانصرفوا، إلى دارهم فإذا هم من علية القوم، فتعرفوا عليه وأعجبهم، وتم الزواج، وعاد بزوجته في الطائرة ، وسألها ما منهج أبيك؟ قالت: علماني هداه الله، وأمي مفرطة لكنهما يحترمان الحرية الشخصية وإرادة ورغبة الأولاد، ووالدي مليونير، همه في الدنيا إسعادي، قال سبحان الله: وهل نشأت بينهم؟ قالت: نعم هم أهلي، قال: فكيف أشرق على قلبك النور وسط هذه الدياجير؟ فوجمت برهة ثم اغرورقت عيناها وقالت: والله كنت في غفلة ، وكما قلت: والدي سخر ماله لإسعادي لكن بالشهوات واللهو والغفلة، حتى هبطت علي من السماء رسالة اسمها رسالة الخير فقلبت حياتي، عندها أجهشت بكاء، فلما قلص دمعها قال: وهل تعلمين أني أعمل في هذه الرسالة في مؤسسة الحرمين، فانخرطت في البكاء نوبة أخرى، وانخرط معها كذلك.

الحكاية الثالثة:
خرج مجموعة من الأقارب عيارون يجنون الكمأة في سنة كانت فيها وافرة، وكان أحدهم عنده شيئ من ضعف البصر، فكانوا يتندرون به، فإذا تحينوا غفلته أدخل أحدهم عودا في الأرض فنبشها ليوهمه أنها كمأة فيصيح فرحا ويحفر فلا بجد شيئا ويقول: ما بالكم تجدون ولا أجد شيئا، وهم يتضاحكون، حتى إذا صفوا للصلاة والتفت نبشوا قريبا من موضع سجوده، فلما كبر ووقعت عينه ما شك أنها كمأة ، فتعلقت عينه بها طوال الصلاة، حتى إذا سلم هجم على المكان صائحا وهم يتمايلون ضحكا، حتى إذا حفر المكان وجد أكبر كمأة جنوها، أتراها موافقة، أو أن الله خلقها له!!