تعديل

بحث

السبت، 7 ديسمبر، 2013

قتل الخراصون: رأيت فيما يرى اليقظان.



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،،،،،،،،، وبعد:
قال الله تبارك اسمه: "قتل الخراصون"
هذه الآية الكريمة من سورة الذاريات من الآيات الجوامع العظام، تنتظم أصنافا شتى من البشر، ذكر المفسرون الأولون من هذه الأصناف: أهل الغرة والظنون، والمنكرين للبعث والمرتابين، والكهنة العرافين، والمتخرصين الكذبَ على النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم: ساحر، وكذاب، وكاهن.

وفي زماننا هذا زمان العجائب، رأينا أصنافا كثيرة لا يمكن إلا أن تتذكر الآية الكريمة وأنت تراها أو تسمع عنها، أو لها؛ رأينا منها فنونا وجنونا لاتبرأ الذمم بغير كشف حالها والتحذير من أهلها فمنها:

أهل المنامات:
وهذا الصنف من أعجب وأغرب ما رأيت في حياتي، هو أهل: رأيت فيما يرى النائم رأينا منهم في اليقظة حديثا ليس بالظنون ولا بالأغاليط، لقد أصبحت طريقتهم مهنة ووسيلة مريحة للتكسب والإثراء، وتسابقت القنوات إلى إعلان لقاءات وحلقات، وتنافست على الخراصين الخراطين الذين أدرك كثير منهم أنه ما بينه وبين المشيخة والإثراء إلا أن يرتدي مشلحه ويقول: من رأى منكم رؤيا؟!!
تعرف بعضهم جيدا، لا علم ولا حلم، ولا ورع ولا تقوى، ولا آثار تدين ظاهرة، وأمْسُك القريب وهو مع شلل الحواري والمقاهي؛ فإذا بك تراه ملء الشاشة، قد سود لحيته كجناح الغداف، أو أنهكها إلى قرب الإتلاف، تتهافت عليه السؤالات من أصقاع الأرض، وخاصة من النساء المسكينات، المكروبات المتلهفات حتى لو وجدت ضالتها لدى ساحر مبين، وأحيانا تزدحم الأسرة برمتها، إذ كان حظها خرافيا برد الشيخ عليها الليلة وسط كثافة المكالمات، وتأخذ الحريم دورها على سماعة الهاتف، وكل واحدة تسأل رؤيا أو أكثر، غير الوصايا من الأخت والزميلة، وفضيلته يغلبه الورع أحيانا ويشترط من باب العدل الذي قامت عليه السموات لكل واحدة سؤالا، تسأله المسكينة: فيرفع طرفه ويشخص بصره صُعُدا متأملا وكأنه في نوبة إلهام أو إشراقة وحي، قبل أن يفصفصها ويفللها على الهواء مباشرة بالسؤالات عن عمرها وطولها ولونها وخصرها وشعرها ومتزوجة أو لا، وهل تحس بصداع أو غازات ولو مرة في عامها أو عمرها، وأسرار زوجها وبيتها وخصوصيات حملها وعادتها هل هي منتظمة أولا؟ ويفتح دولابها ويفتش ملابسها الداخلية وغيرها، ويا لفرحته إذا أجابت سؤالا بالإيجاب يفترّ ثغر فضيلته ضاحكا، ويهز رأسه وكأن ماأجابت به تحصيل حاصل عنده، وتبدأ الوصفة السحرية، وخداعها بالآمال الكاذبة عن الزواج بفتى الأحلام وفارس العمر الذي ما بينه وبين أن يطرق بابها إلا أن تضع سماعة الهاتف، ولا يخلو الجواب من إيهامات وإيماءات باتهام المحيط من أقارب وخدم وزميلات، فتسبح المسكينة في بحر لجي من الشك والحيرة والريبة، ويترسخ في نفسها سوء الظنون والتشكك الذي ربما آل بها إلى عالم الوسواس وأسلمها إلى بلاء الأمراض النفسية، والسبب فضيلته الخراص.
بسبب رجم الظنون وخرص الخراصين خربت بيوت، وتشتت أسر، وطلقت نساء، وظلم برآء من خدم وغيرهم، والسبب فضيلته وقنوات الخرص والإثراء على حساب الدين والخلق..
لقد سمعت أحد هؤلاء الخراصين مرة على الهواء مباشرة يفصفص امرأة بالأسئلة عن أدق تفاصيل الحياة ومفاصل الجسم، فقلت لمن حضرني: حسبي الله ونعم الوكيل كيف لو سمع زوجها ما أظنها تبقى عنده ليلة، ويا لهول الصدمة حين قالت: يا فضيلة الشيخ خذ زوجي عنده رؤيا؟
هل هان على الرجال أن تنشر أسرار بيوتهم وأوصاف حريمهم على العالم ومحاورة بينها مباشرة وبين فحل ذكر؟ أين الغيرة
يا رجال؟ والله لا يرضى بهذا عباد اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.
مثل هؤلاء الخراصين مثل الكهنة تلقي الشياطين على ألسنتهم الكلمة من الوحي، فيخلطون معها مئة كذبة ويصدق الكاذب بما معه من الوحي لو أصاب مرة وكذلك هؤلاء الخراصون.
والعجيب أن أكثر هؤلاء الخراصين يجزم جزم اليقين، ويحلف جهد اليمين، مع أن العارفين المشهود لهم من الله بمعرفتهم هذا العلم المؤيدين بالوحي لا يجزمون، ويحجزهم الورع فيجعل للخطأ البشري مساحة حتى قال أصدق القائلين عن يوسف: "وقال للذي ظن أنه ناج منهما" ومع ذلك لا ينسب الفضل إلى نفسه وذكائه بل يعترف بالفضل لله "ذلكما مما علمني ربي"
فأين هذا من عمل صفيقي الوجوه الذين يحلفون على الظن وهم يعلمون، ويضرب أحدهم آجالا، ويحدد مهلا، ويقطع بنتائج معارك ومباريات، وقتل طغاة، ويجازف بمصداقيته أمام الدنيا، ويجعلها وهي أصلا كالرماد في مهب ريح عاصف، ويراهن على خروجه إعلاميا، ويشهد القريب والبعيد كذبه وفشله، ثم لا يخجل أن يرى على الشاشة مرة أخرى...عجب لا أعجب منه، إلا سائل أو سائلة يطرقه بعد هذا كله..

 أما لماذا اتساع وانتشار هذه الخراصة الجديدة فلأسباب؛ منها:
= ضعف الوازع والتقوى والهجوم بجرأة والإقدام على الظهور في الإعلام والدعاية المجانية، بل على العكس هي دعاية مدفوعة الثمن لمن تعمل له، ونوع استمتاع بعضٍ ببعض على طريقة السحرة والشياطين فالقنوات تستمتع بالخراصين إثراء وشهرة والخراصون بالقنوات كذلك.
يا سادة ..
إن هذه علوم محترمة لا يهجم عليها إلا من أوتي حظه من التقوى والورع والعلم بالكتاب والسنة، ووهب الفراسة والذكاء والزكاء وقبلها الإحسان "نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين"، ومع ذلك لا يدعي تقي هذه الكمالات، بل يهرب فراره من الأسد من تشبعٍ بما لم يعط ونصبِ نفسه معبرا ولا يزال متواضعا وجلا مهما قصد، هاضما نفسه مهما بلغ ما بلغ: سئل الإمام مالك عن رؤيا، فأبى أن يجيب، وقال: أبالنبوة يُلعب؟ يشير إلى أن الرؤيا جزء من النبوة، وسئل أحد السلف، فقال: هذا علم لم نؤته، وهذه فتيا لسنا لها، قال السائل: ما هي بفتيا بل رؤيا يا إمام، قال: وهل تعبير الرؤيا إلا فتيا قال الله تعالى عن الملك: "أفتوني في رؤياي"وقال: "أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان"

=ومنها: أن هؤلاء الخراصين  طلبوا علما لايخطّئهم فيه أحد؛ إذ كل العلوم من فقه وحديث ونحو وطب فلسفة لها كتبها ومصادرها وقواعدها وحراسها وعلماؤها، مهما خاض فيها خائض وتخرص خارص قالوا له: قف، وقالوا: (ما ذا بعشك فادرجي) فلما رأوا طلاب العلوم تتبارى في مضاميرها كأفراس رهان في ميدان، من فطاحل فقه وحملة قرآن، وحفاظ حديث وأرباب بيان؛ ورأوا أنهم خُلْوٌ فقراء مفلسون يهلكون في عشق الشهرة ولا يملكون أدواتها:

ورأيت نفسك بين أهل مواهب
فإذا لسانك خامل مغمورُ

طلبوا بل ادعوا هذا العلم اللدني الإلهامي الوجداني الذي يقول صاحبه: حدثني قلبي عن ربي، وبَوْحي عن روحي، ووجداني عن جناني، ومن ذا سيقول له أخطأت؟!! ومع ذلك:
لا بأس أن يجعل له مخرج طوارئ، فيقول قولتهم المشهورة المدبج بها كل تعبير: (إن صدقت رؤياك)، حتى إذا لم يصب التعبير كانت المشكلة في الرؤيا كاذبة خاطئة وأضغاث أحلام، وأخلاط منام، أما هو فلا يمكن ولا يكون ولا ينبغي له أن يخطئ أو تغلبه أوهام.

=ومنها: أنه وجد كثير من هؤلاء الخراصين -وأنا أتكلم عن اطلاع سنين وسبر طويل- وجدوا هذا الضرب من الخراصة وإخوانه مما سيأتي في حلقات آتية إن شاء الله أقصر سبيل لشهرة وشهوة، أما الشهرة: فلقد ضربوا بها شأوا بعيدا وأصبح لصعلوك الأمس الذي ربما قدم من بلده منتّفا هالكا أصبح له اليوم مكاتب وثيرة وسيارات فارهة وشهرة عريضة، ومنسق أو منسقان، يتوليان الرد على الهاتف وتنسيق المواعيد واللقاءات، واتخذ فضيلته الموظفين بل والموظفات لشؤون النساء، عجب هذه الدنيا!
وأما الشهوة: فشهوة المال والثراء كما أسلفت، وأخرى يحبونها، تيسرت أسبابها وتذللت كأداؤها بارتقائهم هذه المرتقيات الصعبة التي بها ذاب جليد الحشمة وهتكت أستار البيوت الرفيعة، فأصبحوا يتلهون بالحديث مع كرائم البيوت التي كانت على شواربهم حجرا محجورا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض طفقوا يروون دعاباتهم مع البنات وحديث المعجبين والمعجبات.
لقد وقفت بيقين على طريقة واحد من هؤلاء الصعاليك كلما عبر لواحدة رؤيا قال: لعلها زوج صالح وأرجو أن أكون أنا، قالت: مستحيل ياشيخ أنا فتاة هاشمية، قال: وأنا هاشمي كذلك، ماالمشكلة!!!
المضحك المبكي أن أخت هذه الفتاة اتصلت قدرا بفضيلته وسألته عن رؤيا: فأجابها الجواب نفسه، فقالت: ما قلت هذا لأختي؛ أنت على أي مذهب يا فضيلة الشيخ؟ فبهت الخراص.
إن لم تذد هذي الكلابَ أسودها
أكلت بلا عوض ولا أثمان
 ولقد والله تسبب هؤلاء بتعذيب فتيات ونساء، بل وخيانة متزوجات، حلّقوا بهن في فضاء العشق عبر كلمات الغرام والهيام، وغاصوا بهن في بحار الوجد والشوق حتى غرقن في سكرة الغرام وعذاب الهوى؛ يطرقون أبواب هواتفهن آناء الليل وأطراف النهار..
ولقد نصحت مفتونا بأحد من ذكرت هالكا في حبه، واقفا حياته له، يتبعه (منسقا) ذليلا، فقال لي: أنت متحامل، قلت: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين.. وماهي إلا أيام حتى جاءني فزعا هلعا يذكر فضائحه واتخاذه الخليلات، وتهربه لتكليمهن حتى في دورات المياه عافانا الله مما ابتلاهم.
يوم كانت هذه الحوادث فردية قهرت نفسي وألجمت قلمي واكتفيت بالنصائح المباشرة، حتى إذا قُننت هذه البلايا إعلاميا، وأصبح لها قنواتها وأسواقها الرائجة فلا، ولا كرامة فمصلحة المسلمين أولى وأحرى..
وكل ما تقدم لا ينفي وجود معبرين ذوي عدل أخيار صلحاء أتقاء أخفياء بعيدين عن بهرج القنوات وضجيج الإعلام، من ابتلاهم بالسؤال أجابوا على كره ومن تركهم تركوه.
فاعتبروا يا أولي الأبصار، وتيقظوا لنوع من المعاكسات مختوم بختم على الشريعة الإسلامية.
بهذا آتي على نهاية هذه الحلقة من "قتل الخراصون" وإلى الحلقة القادمة بإذن الله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق