تعديل

بحث

الخميس، 5 ديسمبر، 2013

أدار الظهر واحتضن العباءة

ياله من موقف، يذوب له الصخر رأيته واقفا على شفير قبر أمه وهم يهيلون عليها الثرى، غارقا في تفكيره، سابحا في بحره اللجي ، محتضنا عباءة حبيبته ، أمه الشابة التي عاش  طفولته مع فصول مرضها الطويل ، ياله من موقف ، بين الفينة والأخرى يحنو على العباءة ، يضمها إلى صدره ويشمشمها ، فرغوا من الدفن وما فرغ من رحلة تفكيره ، شرعوا في العزاء فأدار ظهره واحتضن عباءة الحبيبة، هتف الرحيل ، وصاحوا به فكأنما يقتلع رجليه من طين لازب ، عين لهم وعين للقبر، لفتة ولفتة، وخطوة وخطوة ، حاولت أن أخترق مكنون صدره ، وأصحبه في رحلته تفكير الأليم وهو على شفير القبر فكانت الأبيات

أدار الظهرَ واحتضن العباءة
وخلّف كل بهجته وراءه

يرى ريحَ العباءة حضنَ كهفٍ 
له يأوى ويحسبه حراءه

يراها بلسما للروح يأسو
جراحته ويحجوها دواءه

يشمشمها ويلثمها برفق
ويسقيها من العينين ماءه

ويمضي خطوةً ويردّ أخرى 
إلى قبر به دفن الهناءة

ويقتلع الخطى قلعا كما لو
يصيح القبر لا يبرحْ فِناءه

صبيٌّ باكرته يد المآسي
رقيق القلب في عمر البراءة

أسارقه فأرمقه غريقا
ببحر الفكر لا يرجو نجاءه

وحاولت التغلغل في ضمير
له علّي أشاركه عناءه

وما أقسى الفراقَ بدار دنيا
فكيف بمن تَحَقَقْنا فَناءه

يودعه الحبيب وداع يأس
ويقطع من علائقه رجاءه

يهدّ الموت قوة كل قرم
فكيف الطفل، ما أقسى بكاءه

بكاء الطفل ويحك نقشُ شوكٍ
من القلب الذي هتَكَتْ غشاءه

له الهادي تجوّز في صلاة
وقصّر من تأثره دعاءه

سأنفذ في شعور الطفل ماذا
يعاني حين هول الموت جاءه

سأصنع من شعور الطفل شعرا
وأقرأ في نواظره رثاءه

وأعلم أن شعري لا يوفّي
رثاءً من مشاعره هباءة

كأني بالصبي رهين حال
رهيب داهمته على فجاءة 

أعاد على شفير القبر ذكرى
طوى ألِفَ الزمان بها وياءه

بها اختصر الحياة شريطَ عرضٍ
يمرره يجول به سماءه

تذكّر أمه وجها بشوشا
إذا ابتمست تكلله الوضاءة

تخيل أمه شمسا وغابت
فمن في الكون يمنحه ضياءه

تذكرها ملاكا فاض طهرا
يرى في كل عالمه نقاءه

تذكر عهدها فصلا ففصلا
لحين الموت من عهد البداءة

تذكر إذ تلقّمه برفق
بأطراف البنان لها غذاءه

تمَلَّقُه اللقيمةَ ثم أخرى
ليكْمل في توددها غداءه

تلاحقه بصحن الزاد مهما
تنقّل لو قضت جوعا فداءه

تذكر يوم كانت بانتشاء
تلقنه الكتابة والقراءة

تذكر حين تلبسه ثيابا
ومن ريق لها تجلو حذاءه

تذكر قبل نومته فراشا
ترتبه تجلله غطاءه

تهدهده وتشرع في حكايا
قبيل النوم تختلس اغتفاءه

ينام على تراتيلٍ ملاحٍ
تناغيه وتسمعه حداءه

تذكر يوم تهتف في حنان
وترحاب ملبية نداءه

تذكر يوم ترضى حين يرضى
وتغضب حين تبلغه المساءة

وتفرح حين يفرح ثم تأسى
إذا يأسى وتحتمل البذاءة

وتصبح لبْوَةً غضبى إذا ما
دهى خطر تقاتل في جراءة

وتُصرع حين يصرعه سقام
ويسهر جفنها ترجو شفاءه

فمن بعد الحبيبة كلَّ هذا
سيصنعه ويمنحه صفاءه

تذكر أنه أضحى يتيما
وبُدّل ريفه الحاني عراءه 

سيرجع وحده وبغير أم
إلى أبد فما أعتى بلاءه

ربيع العمر ولى إذ تولت
يصارع في مفاوزه  شتاءه

يكيلون العزاء له ومهما
يكيلوا لن يوفيَّه عزاءه

تنهد واحتشى نفسا عميقا
وقد هتف الرحيلُ به فساءه

تذكر كل هذا ثم أغضى
حسير الطرف،  واحتضن العباءة






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق