تعديل

بحث

الأحد، 30 مارس، 2014

أبشر يا بشريُّ بالبشرى

الأمر من كل التعازي أعظم
إلا اليقين فإنه لا يُهزم

مات الأحبة كلهم في لحظة
لكنْ لجنات الخلود تقدموا

ودفنت بيتك ياله من موقف
عن وصفه كل الفطاحل تحجم


وخلت عيون الوالدين فأينما
نظرت فذكرى بعدهم تتكلم

الجرح أعمق غير أن دواءه
ما في الكتاب من البشائر بلسم

ماذا أقول وكلما انتظمَتْ على
نسقٍ وصغت رويّها أتلعثم

الله أبقى ياسميَّ نبيه
ذاك الذي هو في الكتاب مقدم

فلكُم بإسماعيل أعظم أسوة
لما أكب على الجبين يتمتم

أمْرَ الإله افعل فإني صابر
لو أنه ذبح الحناجر والدم

أبشر ببشرى الله يا بشريُّ لا
جزع ولو أبت المحاجر تكتم

أبشر ببشرى الصابرين بجنة
ولطالما رتلتها تترنم

واليوم بالعمل الذي هو شاهد
برهان صدق للحقيقة مُعلِم

ولك العزاء بخاتم الرسل الذي
أولاده إلا البتولَ تُخُرِّموا

لا يستفيق من المصاب بواحد
حتى بآخرَ في مصاب يدهم

هذي الحياة وكلنا فيها على
خطر ومثلك بالكتاب يعلّم

جبلت على كدر وما ضحكت لنا
إلا وكشر وجهها يتجهم

أما الأحبة فانتهت آجالهم
قدر من الأزل القديم محتّم

فاصبر وربي المستعان ومن لنا
إلّاه في كل النوائب يرحم

السبت، 29 مارس، 2014

الأصمعي والرشيد

قال أبو علي المحسّن التنوخي في سفره العظيم  الفرج بعد الشدة :
وجدت في بعض الكتب عن الأصمعي ، قال : كنت بالبصرة أطلب العلم ، وأنا مقلّ ، وكان على باب زقاقنا بقال ، إذا خرجت باكرا يقول لي : إلى أين ؟ فأقول : إلى فلان المحدث ، وإذا عدت مساء ؛ يقول لي : من أين ؟ فأقول : من عند فلان الأخباري  أو اللغوي.

فيقول : يا هذا ، اقبل وصيتي ، أنت شاب ، فلا تضيع نفسك ، واطلب معاشا يعود عليك نفعه ، وأعطني جميع ما عندك من الكتب ، حتى أطرحها في الدنّ ، وأصب عليها من الماء للعشرة أربعة ، وأنبذه ، وأنظر ما يكون منه ، والله ، لو طلبت مني ، بجميع كتبك ، جرزة بقل ، ما أعطيتك.

فيضيق صدري بمداومته هذا الكلام ، حتى كنت أخرج من بيتي ليلا ، وأدخله ليلا ، وحالي ، في خلال ذلك ، تزداد ضيقا ، حتى أفضيت إلى بيع آجر أساسات داري ، وبقيت لا أهتدي إلى نفقة يومي ، وطال شعري ، وأخلق ثوبي ، واتسخ بدني.

فأنا كذلك متحيرا في أمري ، إذ جاءني خادم للأمير محمد بن سليمان الهاشمي ، فقال : أجب الأمير.

فقلت : ما يصنع الأمير برجل بلغ به الفقر إلى ما ترى ؟ فلما رأى سوء حالي ، وقبح منظري ، رجع فأخبر محمد بن سليمان بخبري ، وعاد إلي ، ومعه تخوت ثياب ، ودرج فيه بخور ، وكيس فيه ألف دينار.

وقال : قد أمرني الأمير أن أدخلك الحمام ، وألبسك من هذه الثياب ، وأدع باقيها عندك ، وأطعمك من هذا الطعام ، وإذا بخوان كبير فيه صنوف الأطعمة ، وأبخرك ؛ لترجع إليك نفسك ، ثم أحملك إليه.

فسررت سرورا شديدا ، ودعوت له ، وعملت ما قال ، ومضيت معه ، حتى دخلت على محمد بن سليمان ، فسلمت عليه ، فقربني ، ورفعني.

ثم قال : يا عبد الملك ، قد اخترتك لتأديب ابن أمير المؤمنين ، فاعمل على الخروج إلى بابه ، وانظر كيف تكون ؟ فشكرته ودعوت له ، وقلت : سمعا وطاعة ، سأخرج شيئا من كتبي وأتوجه.

فقال : ودعني ، وكن على الطريق غدا.

فقبلت يده ، وقمت ، فأخذت ما احتجت إليه من كتبي ، وجعلت باقيها في بيت وسددت بابه ، وأقعدت في الدار عجوزا من أهلنا ، تحفظها.

وباكرني رسول الأمير محمد بن سليمان ، وأخذني ، وجاء بي إلى زلال(أي سفينة صغيرة)قد اتخذ لي ، وفيه جميع ما أحتاج إليه ، وجلس معي ينفق علي ، حتى وصلت إلى بغداد.

ودخلت على أمير المؤمنين الرشيد ، فسلمت عليه ، فرد علي السلام.

وقال : أنت عبد الملك بن قُريب الأصمعي.

قلت : نعم ، أنا عبد أمير المؤمنين بن قريب الأصمعي.

قال : اعلم أن ولد الرجل مهجة قلبه ، وثمرة فؤاده ، وهو ذا أسلم إليك ابني محمدا(الأمين)بأمانة الله ، فلا تعلمه ما يفسد عليه دينه ، فلعله أن يكون للمسلمين إماما.

قلت : السمع والطاعة.

فأخرجه إلي ، وحولت معه إلى دار ، قد أخليت لتأديبه ، وأخدم فيها من أصناف الخدم والفرش ، وأجري علي في كل شهر عشرة آلاف درهم ، وأمر أن تخرج إلي في كل يوم مائدة ، فلزمته.

وكنت مع ذلك ، أقضي حوائج الناس ، وآخذ عليها الرغائب ، وأنفذ جميع ما يجتمع لي ، أولا فأولا ، إلى البصرة ، فأبني داري ، وأشتري عقارا وضياعا.

فأقمت معه ، حتى قرأ القرآن ، وتفقه في الدين ، وروى الشعر واللغة ، وعلم أيام الناس وأخبارهم.

واستعرضه الرشيد ، فأعجب به ، وقال : يا عبد الملك ، أريد أن يصلي بالناس ، في يوم الجمعة ، فاختر له خطبة ، فحفظه إياها.

فحفّظته عشرا ، وخرج ، فصلى بالناس ، وأنا معه ، فأعجب الرشيد به ، وأخذه نثار الدنانير والدراهم من الخاصة والعامة ، وأتتني الجوائز والصلات من كل ناحية ، فجمعت مالا عظيما.

ثم استدعاني الرشيد ، فقال : يا عبد الملك ، قد أحسنت الخدمة ، فتمن.

قلت : ما عسى أن أتمنى ، وقد حزت أمانيّ.

فأمر لي بمال عظيم ، وكسوة كثيرة ، وطيب فاخر ، وعبيد ، وإماء ، وظهر ، وفرش ، وآلة.

فقلت : إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في الإلمام بالبصرة ، والكتاب إلى عامله بها ، أن يطالب الخاصة والعامة ، بالسلام علي ثلاثة أيام ، وإكرامي بعد ذلك.

فكتب إليه بما أردت ، وانحدرت إلى البصرة ، وداري قد عمرت ، وضياعي قد كثرت ، ونعمتي قد فشت ، فما تأخر عني أحد.

فلما كان في اليوم الثالث ؛ تأملت أصاغر من جاءني ، فإذا البقال ، وعليه عمامة وسخة ، ورداء لطيف ، وجبة قصيرة ، وقميص طويل ، وفي رجله جرموقان ، وهو بلا سراويل.

فقال : كيف أنت يا عبد الملك ؟ فاستضحكت من حماقته ، وخطابه لي بما كان يخاطبني به الرشيد.

وقلت : بخير ، وقد قبلت وصيتك ، وجمعت ما عندي من الكتب ، وطرحتها في الدن ، كما أمرت ، وصببت عليها من الماء للعشرة أربعة ، فخرج ما ترى.

ثم أحسنت إليه بعد ذلك ، وجعلته وكيلي.

الأربعاء، 26 مارس، 2014

شكوى

إلى الله نشكو سامع البث والشكوى
مغيث البرايا عالم السر والنجوى

نوازل تفري القلب لو كان صخرة
ولو كان أرسى في النوائب من رضوى

لها كل يوم في المسامع حادث
كصاعق رعد في الغمام إذا دوّى

بنياتنا في بيئة الكفر أصبحت
فرائس للأعلاج ما أعظم البلوى

تلهّى بهن القُلْف من كل مشرك
من الخمر والخنزير والعهر لا يروى

رُمين ببحر هائل الموج قُلّبٍ
وقيل : حذار البلّ ، من ذا له يقوى؟!

وأُلقين في مستنقع الداء والردى
وقيل : حذار الخدش بالجرح والعدوى  

فلا والذي أبكى وأضحك والذي
أمات وأحيا والذي للورى سوّى

يقرّ لهذا الفعل في جاهلية
أبو الجهل بلهَ الشهم ذي الدين والتقوى

يهون على الحرّ الكريم مماته
ولا يرخص العرض الكريم لمن يهوى

عذيريَ من تعليم قومي لو ادعى
بذلك نشر العلم ما أكذب الدعوى

ألوف ملايين بها ألف جامع
وجامعة تبنى بها جيلنا يُؤوى

وتبقى لنا الأموال في عقر دارنا
وأعظم منها الجيل والعرض لا يغوى






الثلاثاء، 25 مارس، 2014

المساجد في البيوت سنة لا ينبغي أن تموت

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه ،،،،،، أما بعد :
فإن من السنن المهملة سنة اتخاذ المساجد في البيوت ؛ مع ما جاء فيها من النصوص الثابتة حثا وعملا فمن ذلك :

عموم قول الله عز وجل :"وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ"

وما رواه أبوداود بسنده إلى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب .
ومارواه بسنده إلى خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان بن سمرة عن أبيه سمرة أنه كتب إلى ابنه أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا بالمساجد أن نصنعها في ديارنا ونصلح صنعتها ونطهرها .
وهذا قيل المراد بها مساجد المحلات والأحياء والقبائل ، ولا مانع من العموم.

وبوب البخاري رحمه الله(المساجد في البيوت)
وروى فيه أن عتبان بن مالك رضي الله عنه قال : وددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى قال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم سأفعل إن شاء الله قال عتبان فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حين ارتفع النهار فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذنت له فلم يجلس حتى دخل البيت ثم قال أين تحب أن أصلي من بيتك قال فأشرت له إلى ناحية من البيت فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر فقمنا فصفنا فصلى ركعتين ثم سلم .

 قال الحافظ ابن حجر : كان من عادة السلف أن يتخذوا في بيوتهم أماكن معدة للصلاة فيها .
و قد روي عن كثير من السلف أنهم اتخذوا في بيوتهم مساجد ، يخصصونها للذكر و صلاة النوافل و غير ذلك ومنها :

 ما رواه الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها في قصة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم و صاحبه الصديق رضي الله عنه إلى المدينة و فيه قالت عائشة عن أبيها إنه ابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن
وتجتمع نساء المشركين وصبيانهم يستمعون تلاوته .. الحديث بمعناه 

وروى أبو دود بسنده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من سره أن يلقى الله عز وجل غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن فإن الله عز وجل شرع لنبيه صلى الله عليه وسلم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى وإني لا أحسب منكم أحدا إلا له مسجد يصلي فيه في بيته فلو صليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم .. الحديث
فقوله : وإني لا أحسب منكم أحدا إلا له مسجد يصلي فيه في بيته دليل على شهرة هذا الأمر عندهم.

ولابن أبي شيبة : عن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه أنه اتخذ مسجداً في داره 

وروى مسلم عن جويرية وزينب -رضي الله عنهما- أنهمهاتخذتامسجداً في بيتهما. 

ورى الإمام أحمد رحمه الله عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي : " أنها أمرت فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل " 

وعلق البخاري جزما أن البراء بن عازب صلى في بيته في مسجده جماعة.

 وروى ابن أبي شيبة في المصنف أن أبا مجلز -رحمه الله- قد اتخذ مسجداً في بيته وربما صلى فيه بأهله وغلمانه جماعة

والعجيب أن الناس اليوم يراعون في تصميم المنازل ورسم مخططاتها أدق أمور الدنيا ومتطلباتها ورفاهيتها من صالات الطعام والنوم والتلفاز والحمامات والمسابح والمطابخ وغرف الخدم ، ولا يراعون - إلا ما رحم الله - الجوانب الشرعية في تصميم المنازل ، فمثلا : مسألة توجيه المراحيض إلى القبلة لا يكاد يراعيها إلا الندرة النادرة مع أن النصوص فيها متوافرة في الصحيحين وغيرهما ، وأن كثيرا من علمائنا المتقدمين والمتأخرين يختارون عموم التحريم في البناء والخلاء ، وعلى القول الآخر فهي مسألة خلافية والخروج من الخلاف متعين ما أمكن وأقل أحوال المسألة أن تكون من المتشابهات التي تركها هو الأولى لا محالة ، ولقد رأيت العجم في بلدانهم أحسن منا حالا في هذه المسألة؛لاسيما وأن مذهب أبي حنيفة رحمه الله 
هو التحريم قطعا ، رأيت مراعاة هذه المسألة في منازلهم وفنادقهم ، فضلا عن مساجدهم ، كما أنهم يسمون المرحاض بيت الخلاء هكذا يكتبونه بالعربية في الفنادق والمطارات كما شاهدته عندهم.

ولنعد إلى مسألتنا فإن اتخاذ المساجد في البيوت سنة تربوية جميلة لها من المنافع الجلية والجليلة مايجدر معها بالمسلمين مراعاتها والاهتمام بها غاية الاهتمام والاعتناء تمام العناية

فمن حكمها وفوائدها :

أولا : تحديد القبلة على وجه الدقة ، وهذه مسألة في غاية الأهمية وسأبسط الحديث فيها أخيرا بإذن الله

ثانيا : تربية الناشئة والحرم على الطاعة وتنشئتهم على الصلاة وغرز العناية بها في نفوسهم على الحداثة وإشعارهم أنها ليست أقل شأنا من الطعام والترفيه اللذين يُبالغ في الاعتناء بمبانيها جمّا . 

ثالثا : التشجيع على سنة صلاة الذكور في المنازل وعدم هجرها كالمقابر.

رابعا : تعليم الصغار والنساء الصلاة على السنة فإن غالبهم وغالبهن ينقرونها نقر الغراب فإذا رأوا والدهم وأخاهم المتعلم يصليها بالسكينة ؛ أدركوا أخطاءهم وتقصيرهم وتلافوها، ولقد حدثني مهندس بريطاني مسلم كان يختلف إلي ويصلي معي أن السبب الرئيس في إسلامه الصلاة ذلك أنه استأجر طابقا أعلى في جازان من مالكه الذي يسكن الدور الأرضي وكان أولاده يختلطون بالأسرة الجازانية فإذا انقلبوا إلى أهلهم طفقوا يحاكونهم في أفعال ومنها الصلاة الخاشعة فسألهم: ما هذا الذي يفعلونه ؟ قالوا: هو الذي يفعله جيراننا إذا سمعوا أصوات المؤذنين ، قال فلما أذن فتحت النافذه ورأيت كلا يترك عمله ويوقف سيارته ويفتح باب منزله ويهب من رقاده ثم يتوجهون إلى المساجد أسرابا ، قال : فتبعتهم وأطللت في المسجد فرأيت أناسا يسلم بعضهم على بعض بشوق وكأنهم ما تلاقوا من سنين ما كأنهم جيران أبعد عهد بهم الصلاة السابقة ، ثم صفوا صفا واحدا خلف إمامهم يفعلون فعله لا تفاوت ولا تقدم ولا تأخر ثم سلموا وانصرفوا ، مما دفعني إلى البحث ثم الإسلام ، قال لي : عندكم كنز ما عرفتم قيمته ، قال  - وأشار إلى مكتبتي الضخمة- ما قيمة هذه المكتبة وهي حبسة جدرك ما قيمتها إذا لم تبلغنا وغيرنا وتترجم ، فيا لله كم في صلاتنا من عظمة يراها مسلمة الاختيار ما لا يراها مسلمة الدار!!

خامسا : التشجيع على انتباذ البنات والأبناء به خلوة وقراءة وحفظ القرآن وقراءته وتدارسه.

سادسا : توفير آلات الصلاة كحجاب الحريم والجواري وتربيتهن عليه وحفظه هنالك.

سابعا : عمارة المنازل بشهود الملائكة وطرد الشياطين.

ثامنا : حفظ المصلى ورعايته مما يلوث غيره من بقع المنزل من نجاسة الأطفال وغيرها 

تاسعا : التشجيع على سنة صلاة أهل البيت جماعة في النافلة وصلاة الضحى وقيام الليل لا على الدوام حثا وتعليما.

عاشرا : أن فيه إعانة للمرأة على الصلاة في بيتها وترك الخروج وهو خير وأحب إلى الله

والحكم والأغراض والمنافع عديدة وكثيرة ..

وهذه المساجد في البيوت مصليات لا يجب لها فعلا وتركا ما يجب للمساجد الموقوفة ، فلا لها صلاة تحية وتمكث فيها الحائض والجنب ولا يعتزلها آكل ثوم وبصل ولا يصح فيها اعتكاف ولا تصلى فيها جماعة فريضة ويجوز ويصح فيها البيع ونشدان الضالة ...إلى آخره.

ولنعد أخيرا إلى الفائدة الأولى وهي القبلة : لاجرم أن استقبال القبلة شرط للصلاة لا يسقط إلا بالخطأ والعجز وصلاة النافلة للمسافر فأما الجهل فهو عذر إن لم يمكن رفعه أو لم يفرط مدعيه في اتحاذ أسباب المعرفة 
فأما المساجد فيتم تحديد قبلتها بالبوصلة والإسطرلاب والمناقل الدقيقة ، لكن الشأن في البيوت ، وكم نسمع ونرى من عجائب سببها عدم الاهتمام لهذه المسألة ورعايتها حق الرعاية ومما وقفت عليه : أن امرأة سكنت بيتا وصارت تصلي إلى منارة المسجد تتجه إليها على أنها القبلة وهي مجانبة لاهي سألت رجالها ولاهم أخبروها وتفقدوها.
ومن ذلك أن امرأة أخبرتني أنها صلت إلى غير القبلة سنة ونصفا ، فقلت : أنت في الصحراء
 قالت : لا والله بل في حي عامر في قلب الرياض ، استحدثنا منزلا وتحريت وصليت ، ورآني زوجي يوما فأخبرني أن القبلة إلى الوراء مني أقرب من الأمام !
قالت : فماذا علي ؟ قلت القضاء لا جرم ، وتحرّيكِ تحرٍّ ناقص ؛فلو كان أمرا دنيويا صحة أو معيشة لكان منك غير هذا ولو كلفت نفسك السؤال أو أخرجت رأسك من النافذه لتبينت الأمر على الدقة فهذا جهل لاعذر معه ، والمسئولية على الرجال الذين أول ما ينبغي أن يعتنوا به إن لم يصمموا مسجد بيت ومصلى فعلى الأقل أن يضبطوا القبلة ويرسموها رسما نافيا للجهالة ، ولو بحثت وجدت أجهزة جوالاتهم لا تتنفس من هذه البرامج التي آخر من يستفيد منها أهلوهم.
واتخاذ المستجد في البيوت وضبط قبلتها أمان من هذه المحاذير والجهالات الشنيعة .
بقي أن أشير إلى أمر مهم جدا وهو : أن مخططات الأحياء أحيانا تكون شوارعها ومنازلها على حذاء قبلة المساجد وأحيانا تكون مجانبة لها والأمر في هذا واضح ، لكن الإشكال حينا تكون منحرفة عن قبلة المساجد وهي في اتجاهها فمثلا عندنا في أحياء الرياض :البيوت الشوارع الغربية قد تكون إلى الغرب تماما أي :  ٢٧٠ درجة ، وأحيانا تكون على قبلة مساجد الرياض : ٢٤٤ درجة ويسمونها شوارع غربية وهي واقعا بين الغربي : ٢٧٠ والجنوب الغربي ٢٢٥ درجة ،
وتصمم المنازل على الشوارع ، والناس لا ينتبهون إلى هذا الفرق في المنازل فتصلي النساء مثلا إلى الجدر الغربية والقبلة عن أيسارهن أو الجنوبية الغربية والقبلة عن أيمانهن وعلى هذا يظل الأمر سنين عددا ، وإذا رمت تبين هذا فاطلب خارطة حيك مثلا وقارن بين المساجد والمنازل ، وهذا الانحراف قد رأيته لدى بعض الأحياء فسألتهم أين تصلون قالوا إلى الجدار الغربي فلما صورت لهم هذا تبين خطؤهم في القبلة (يتضح لك من المصور أدناه)
كل الذي أرجوه أن لا يهون مهون هذا الأمر الخطير المتعلق بالصلاة ولا يتهم الناصح بالتشدد زعما أن الدين يسر، هو كذلك لكن اليسير مغتفر والجاهل يعذر إذا اتقى الله وسعه ، والتسديد مأمور به مهما أمكن وإلا فالمقاربة ،  وهذه مسألة مهمة أعني القبلة نزل فيها عشر أيات في أعظم سورة بعد الفاتحة ، وسماها الله تعالى إيمانا وقال عنها :" وإنها لكبيرة إلا على الذين هدى الله " جعلنا الله وإياكم منهم ، والله أعلى وأعلم ، وأجل وأحكم ، وصلى الله على رسوله وآله وسلم .

هذا مصور لجزء من حي الريان بالرياض لاحظ التفاوت بين قبلة المسجد والجدر الغربية والناس في الغالب هناك يصلون في البيوت على الجدر والمفروض أن ينحرفوا إلى اليمين قليلا وهذا يختلف من حي لحي:

الجمعة، 21 مارس، 2014

التاج خرّ وجاورته الجوهرة

قدَرٌ علينا النائباتُ مقدّرة
ولها الخلائق بالقضاء ميسّرة

والموت لا يروَى  ولو خُضبت له
حُمْرا مياه بحارها المستبحرة

ملِك وكل الجند طوْعُ بنانه
وإذا يُغِير ففاتكٌ ما أمهره

فكأننا وكأنه من هوله
سرب المها قد عاث فيها قسورة

يارب غوثك من فجائع محنة
وبلية تذر النهى متحيرة

بالأمس غاب البدر في ريعانه
واليوم قد تبعته شمس نيّرة

والتاج خرّ وطالما ببهائه
شمخت رؤوس في الورى متبخترة

واليوم عطلت الرؤوس فليس من
تاج يزيّنها ولا من جوهرة

ضاقت بجوهرةَ الرحاب فأسرعت
بالتاج تلحق في لحود المقبرة

وأظنها لو خيّرت بلحاقه
والخلدِ فهي لجنبه متخيّرة

ما قيمة الدنيا إذا ما فارقت
أحبابها والدار منهم مقفرة

هي غربة إن لم تكن أحبابها
بجوارها والنفس منهم مزهرة

نكدٌ هي الدُنيا ولو ضحكت لنا 
يومًا تَبَدّلُ بالعبوس مكشرة 

وتشتت الشمل الذي قد ألّفت 
فإذا الديارُ وحيشة متبعثرة 

فكأنها لم تجتمع يومًا على 
سَمَرِ المجالسِ في الليالي المقمرة 

فنيت وشتتها الخطوبُ فأهلها 
 خرسٌ بأجواف القبور المنكرة

يا للنفوس الزاكيات بدا لها
من حسن خاتمةٍ علائمُ مشعرة 

ما قصة الجُمَع التي فازوا بها
هذا بضحوتها وهذي مُسْحرة

فكأنهم يتخيرون مماتهم
لا سابق عنها ولا متأخرة

جبر الإله مصابنا لفراق من 
نهوى وغمّدهم بسابغِ مغفرة  





الخميس، 20 مارس، 2014

مهرجان الربيع هو عيد النيروز ؛ فهل الاحتفال به يجوز ؟



الحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،،،،،أما بعد:

فلقد رأيت الاتجاه لتثبيت هذا المهرجان في هذا الوقت من العام، حتى صار يقام في المدن والقرى بهذا الاسم (مهرجان الربيع ) وتكون له فعاليات مصاحبة، واحتفالات، وهذه حقيقة العيد؛ لأن العيد ما يتكرر أو يُتكرر عليه، أي العيد الزماني والمكاني؛كما بين شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم ، وغيره

وفي البداية أبين مدلول كلمة ( مهرجان)؛ فهي كلمة فارسية مركبة من (مهر) و(جان)؛ أما (مهر) فمعناها: الشمس، وأما (جان) فمعناها: الروح والحياة. ومعنى الكلمة مركبا: حياة الشمس أو روح الشمس.

والشمس معبود مقدس للمجوس يسجدون لها، ويعبدونها، ويرمزون لها بالنار التي يوقدونها في معابدهم، وقد بقيت شعارا مقدسا حتى عند مجوس العصر( رافضة إيران)؛ ولهذا ترى علمهم يحمل تمثال الشمعدان، وهو ما توقد عليه الشموع.

وسر احتفال أوائلهم بالمهرجان -والله أعلم- ابتهاجا بعودة الشمس من المدار الجنوبي وعبورها خط الاستواء إلى المدار الشمالي بعد الشتاء؛ فيحتفلون بها فرحا بعودة معبودهم، وما يمدهم به من الدفء، وإيراق الشجر، وإشكار الغصن، وتفتح الزهر إلى غير ذلك.

هذا معنى كلمة المهرجان ومدلوله.

أما توقيت الاحتفال بالربيع، فهو اليوم الحادي والعشرين من الشهر الشمسي آذار ( مارس)؛ حيث تنزل الشمس على برج الحمل، وهو أول فصل الربيع، وهو بداية السنة الفارسية، ويسمى عندهم ( النيروز)، ويحتفلون بعيده.

ومعنى النيروز أيضا كلمة مركبة من (ني) و( روز) ومعنى (ني) بالفارسية: جديد مقارب ل(نيو) يعني : جديد بالإنجليزية؛ ومعنى (روز) بالفارسية: يوم؛ و بهذا يكون المعنى: اليوم الجديد،أو بداية العام.

ولهذا دخلت علينا كلمة (روزنامة) أي أسماء الأيام؛ لأن (نامة) اسم بالفارسية، كما أنها بالإنجليزية (نيم)؛

إذن المهرجان والنيروز وعيد الربيع مترادفة أو متقاربة، وهي كما ذكرنا بداية الربيع، وهو إيراق الأشجار وتفتح الأزهار؛ قال البحتري:

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا--- من الحسن حتى كاد أن يتكلما

وقد نبه النيروز في غسق الدجى--- أوائل ورد كن بالأمس نوما

والبحتري الطائي له إعجاب بالفرس وتلادهم - عفا الله عنه- ألم تر إلى قصيدته:

صنت نفسي عما يدنس نفسي---وترفعت عن جدا كل جبس

فهذ القصيدة في الوقوف على أطلال إيوان كسرى والبكاء عليه؛ وفيها:

أتسلى عن الهموم وآسى ---- بمحل من آل ساسان دَرْسِ

والمجوس والفرس الأولون، والإيرانيون المعاصرون يحتفلون بهذه المناسبة ويقدسونها.

كما أن الكنيسة القبطية أيضا تحتفل بهذا العيد، وهذا ليس الوجه الوحيد في التشابه بين الملتين؛

فالشمس مقدسة حتى عند النصارى، وما يسمى بتمثال الحرية الأمريكي، وهو أشهر وأكبر رمز لأمريكا يوضح لك هذا؛ حيث التمثال المنحوت للبشر يعتمر تاج شعاع الشمس، ويتطلع إلى شعلة النار مرفوعة بيده، وهو التمثال الذي يطالعك في أول اليابسة بعد المحيط الأطلسي في أول الأراضي الأمريكية، فهذا له دلالة واضحة.

ومن وجوه الشبه وهي كثيرة: الخطيئة القديمة المصاحبة للبشر، والنواح عليها؛ ممثلة عند هؤلاء بصلب المسيح، وهؤلاء بقتل الحسين.

وكذلك التكفير بالقتل والصلب، واعتقاد أن كلا منهما بقتله وصلبه -زعموا- تحمّل خطايا أتباعه إذا بكوا عليه وناحوا.

وكذلك العذابات المصبوبة على الأبدان عبر الجلد والتطبير وسفك دماء أنفسهم، والحرمان من اللذائذ.

وكذلك تأليه البشر وعبادتهم من دون الله، والاحتفال برأس السنة لكل منهما وجعله عيدا،وتحريف الكتاب المنزل عليهم،واعتقاد عصمة البشر، إلى غير ذلك من أوجه الشبه بين الملتين.

إذا علمنا أن (النيروز) عيد مقدس عند المجوس، ومن بعدهم الرافضة والنصارى يحتفلون به ويقدسونه وتحتفل به قنوات الرافضة، تبين لنا أن مشابهتهم فيه محرمة وتقليد خاطئ، فلايجوز الاحتفال بالربيع، وإقامة المهرجانات له من حيث المبدأ.

وقد نص أهل العلم كابن قدامة في المغني على أنه لا يجوز التوقيت بالنيروز والمهرجان ( أي في المعاملات والمداينات)، وإذا كان ذلك كذلك؛ فالاحتفال به وجعله عيدا من باب أولى.

وقد أخرج أبو داود عن ثابت بن الضحاك قال: ( نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن ينحر إبلا ببوانة ، فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ ، قالوا : لا ، قال : فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ ، قالوا : لا ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أوف بنذرك ، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ، و لا فيما لا يملك ابن آدم .).     

فبهذا الحديث وغيره يعلم أنه لا يجوز مشابهة المشركين في أعيادهم زمانا ولا مكانا؛ فإقامة المهرجانات في هذا الوقت من العام، ووضع الدعايات لها، وجمع الناس عليها محل تحفظ وتخوف؛ وعلى أهل العلم والمهتمين متابعة البحث في هذه المسألة، ونصح المسلمين بما تبرأ به الذمة قبل أن يصبح الأمر واقعا يصعب رفعه.

إن تكثير الأعياد، وإشغال الناس بها، وإقامة المهرجانات لها، وإن لم تسم عيدا؛ هو تقليد لأهل الكتاب وأهل البدع، فعند أهل الكتاب أعياد الأم،والطفل، والشجرة، ورأس السنة، وعند الرافضة عاشوراء، وغدير خم، والنيروز، والموالد للنبي صلى الله عليه وسلم والأئمة من آل البيت؛ وأما المسلمون فلا عيد ولا مهرجان عندهم إلا ماشرع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

أردت بهذا إثارة الأذهان والأقلام للاعتناء بهذه المسألة وتحرير الفتوى فيها، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم