تعديل

بحث

السبت، 29 مارس، 2014

الأصمعي والرشيد

قال أبو علي المحسّن التنوخي في سفره العظيم  الفرج بعد الشدة :
وجدت في بعض الكتب عن الأصمعي ، قال : كنت بالبصرة أطلب العلم ، وأنا مقلّ ، وكان على باب زقاقنا بقال ، إذا خرجت باكرا يقول لي : إلى أين ؟ فأقول : إلى فلان المحدث ، وإذا عدت مساء ؛ يقول لي : من أين ؟ فأقول : من عند فلان الأخباري  أو اللغوي.

فيقول : يا هذا ، اقبل وصيتي ، أنت شاب ، فلا تضيع نفسك ، واطلب معاشا يعود عليك نفعه ، وأعطني جميع ما عندك من الكتب ، حتى أطرحها في الدنّ ، وأصب عليها من الماء للعشرة أربعة ، وأنبذه ، وأنظر ما يكون منه ، والله ، لو طلبت مني ، بجميع كتبك ، جرزة بقل ، ما أعطيتك.

فيضيق صدري بمداومته هذا الكلام ، حتى كنت أخرج من بيتي ليلا ، وأدخله ليلا ، وحالي ، في خلال ذلك ، تزداد ضيقا ، حتى أفضيت إلى بيع آجر أساسات داري ، وبقيت لا أهتدي إلى نفقة يومي ، وطال شعري ، وأخلق ثوبي ، واتسخ بدني.

فأنا كذلك متحيرا في أمري ، إذ جاءني خادم للأمير محمد بن سليمان الهاشمي ، فقال : أجب الأمير.

فقلت : ما يصنع الأمير برجل بلغ به الفقر إلى ما ترى ؟ فلما رأى سوء حالي ، وقبح منظري ، رجع فأخبر محمد بن سليمان بخبري ، وعاد إلي ، ومعه تخوت ثياب ، ودرج فيه بخور ، وكيس فيه ألف دينار.

وقال : قد أمرني الأمير أن أدخلك الحمام ، وألبسك من هذه الثياب ، وأدع باقيها عندك ، وأطعمك من هذا الطعام ، وإذا بخوان كبير فيه صنوف الأطعمة ، وأبخرك ؛ لترجع إليك نفسك ، ثم أحملك إليه.

فسررت سرورا شديدا ، ودعوت له ، وعملت ما قال ، ومضيت معه ، حتى دخلت على محمد بن سليمان ، فسلمت عليه ، فقربني ، ورفعني.

ثم قال : يا عبد الملك ، قد اخترتك لتأديب ابن أمير المؤمنين ، فاعمل على الخروج إلى بابه ، وانظر كيف تكون ؟ فشكرته ودعوت له ، وقلت : سمعا وطاعة ، سأخرج شيئا من كتبي وأتوجه.

فقال : ودعني ، وكن على الطريق غدا.

فقبلت يده ، وقمت ، فأخذت ما احتجت إليه من كتبي ، وجعلت باقيها في بيت وسددت بابه ، وأقعدت في الدار عجوزا من أهلنا ، تحفظها.

وباكرني رسول الأمير محمد بن سليمان ، وأخذني ، وجاء بي إلى زلال(أي سفينة صغيرة)قد اتخذ لي ، وفيه جميع ما أحتاج إليه ، وجلس معي ينفق علي ، حتى وصلت إلى بغداد.

ودخلت على أمير المؤمنين الرشيد ، فسلمت عليه ، فرد علي السلام.

وقال : أنت عبد الملك بن قُريب الأصمعي.

قلت : نعم ، أنا عبد أمير المؤمنين بن قريب الأصمعي.

قال : اعلم أن ولد الرجل مهجة قلبه ، وثمرة فؤاده ، وهو ذا أسلم إليك ابني محمدا(الأمين)بأمانة الله ، فلا تعلمه ما يفسد عليه دينه ، فلعله أن يكون للمسلمين إماما.

قلت : السمع والطاعة.

فأخرجه إلي ، وحولت معه إلى دار ، قد أخليت لتأديبه ، وأخدم فيها من أصناف الخدم والفرش ، وأجري علي في كل شهر عشرة آلاف درهم ، وأمر أن تخرج إلي في كل يوم مائدة ، فلزمته.

وكنت مع ذلك ، أقضي حوائج الناس ، وآخذ عليها الرغائب ، وأنفذ جميع ما يجتمع لي ، أولا فأولا ، إلى البصرة ، فأبني داري ، وأشتري عقارا وضياعا.

فأقمت معه ، حتى قرأ القرآن ، وتفقه في الدين ، وروى الشعر واللغة ، وعلم أيام الناس وأخبارهم.

واستعرضه الرشيد ، فأعجب به ، وقال : يا عبد الملك ، أريد أن يصلي بالناس ، في يوم الجمعة ، فاختر له خطبة ، فحفظه إياها.

فحفّظته عشرا ، وخرج ، فصلى بالناس ، وأنا معه ، فأعجب الرشيد به ، وأخذه نثار الدنانير والدراهم من الخاصة والعامة ، وأتتني الجوائز والصلات من كل ناحية ، فجمعت مالا عظيما.

ثم استدعاني الرشيد ، فقال : يا عبد الملك ، قد أحسنت الخدمة ، فتمن.

قلت : ما عسى أن أتمنى ، وقد حزت أمانيّ.

فأمر لي بمال عظيم ، وكسوة كثيرة ، وطيب فاخر ، وعبيد ، وإماء ، وظهر ، وفرش ، وآلة.

فقلت : إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في الإلمام بالبصرة ، والكتاب إلى عامله بها ، أن يطالب الخاصة والعامة ، بالسلام علي ثلاثة أيام ، وإكرامي بعد ذلك.

فكتب إليه بما أردت ، وانحدرت إلى البصرة ، وداري قد عمرت ، وضياعي قد كثرت ، ونعمتي قد فشت ، فما تأخر عني أحد.

فلما كان في اليوم الثالث ؛ تأملت أصاغر من جاءني ، فإذا البقال ، وعليه عمامة وسخة ، ورداء لطيف ، وجبة قصيرة ، وقميص طويل ، وفي رجله جرموقان ، وهو بلا سراويل.

فقال : كيف أنت يا عبد الملك ؟ فاستضحكت من حماقته ، وخطابه لي بما كان يخاطبني به الرشيد.

وقلت : بخير ، وقد قبلت وصيتك ، وجمعت ما عندي من الكتب ، وطرحتها في الدن ، كما أمرت ، وصببت عليها من الماء للعشرة أربعة ، فخرج ما ترى.

ثم أحسنت إليه بعد ذلك ، وجعلته وكيلي.

هناك تعليقان (2):

  1. جزاكم الله خيرا

    ردحذف
  2. ما حكم قوله انا عبد امير المؤمنين ؟

    ردحذف