تعديل

بحث

الأحد، 27 أبريل، 2014

جناية الآلات على الأعضاء والقدرات

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله   ،،،،،،   وبعد :
بقدر ما قدمت الحضارة وإفرازاتها للبشر من خدمات وسعادة وراحة مادية فقد جنت على صحتهم البدنية والنفسية جناية مميتة أو شبه مميتة، فشلّت كثيرا من قدراتهم ووظائف أعضائهم أو أوهنتها فآلت إلى حال وجودها وعدمها سواء.
ولست بصدد شرح أمراض الدعة والخمول والفراغ الناجمة عن الحضارة فذلك شأن يطول ؛ لكني أردت هنا بيان شيء من جنايتها على القدرات ووظائف الأعضاء الحيوية ، فأقول :

١/ كان الإنسان يتعاطى كثيرا من حاجاته اليومية بيديه أخذا وشدا وحملا وبطشا واحترافا كان يحفر لاستنباط الماء وينزع دلوه ويمتح غربه ويفلح أرضه ويحتطب ويتعاطى الفؤوس والمعاول والمساحي ويضرب بالسيف ويقطع الحجر ويبني داره ويسوس فرسه ويعلف جمله ويرضح نواه ويحلب شاءه ويطحن حبه ويسقي زرعه وكان يخط بالقلم ويتعلم المهن ويحترف الحرف إلى غير ذلك من المهن الشاقة فيكسب ذلك يديه الشدة والقوة والصلابة والمران والمهارة: 
كما قال امرؤ القيس:

درير كخذروف الوليد أمرّه 
تتابع كفيه بخيط موصّل

وقال طرفة :

أمرّت يداها فتل شزر وأفرعت
لها كتفاها في معالى مصعّد

وقال المتنبي :

وشزّب أحمت الشعرى شكائمها
فوسّمتها على آنافها الحَكَمُ

كل هذا قضت عليه حضاره ظاهرها الرحمة وباطنها من قبلها العذاب ، فقبضت الأيدي عن كثير من هذه الأشغال والمهن والمهارات واستبدلت بها زرا يضغطه أو سلكا يوصله فوهنت الأيدي وترهلت وتنعمت وكلّت عن كثير من شريف المهن وجميل الحرف ، وصار ابن الحضارة  أخرق أحمق كلا على الأمم أينما توجهه لا يأت بخير. 

٢/وكان يمشي إلى حاجاته على قدميه ويتسلق ويصعد ويهبط الدرج والجبال وربما سافر على الأقدام حتى حج البيت الحرام ، حافيا ومنتعلا، فاعتاد المشي وألفه وسلم من كثير من الأدواء والأسقام واللحوم والشحوم والدسوم وما ينتج عنها من أزمات وصدمات لاترحم.
وجاءت الحضارة بمراكبها ومواكبها ومصاعدها وسيورها فكف رجله عن المشي والصعود ، فأصيب بالتكدس والتكلس والتلبك ورانت على عروقه الدسوم وتراكمت على أعضائه الشحوم وإن اضطر للمشي يوما صار كالذي يتنفس من سم خياط أوكما قال الشاعر:
... مثل عملاق له
ألف أنف وله نصف رئة

ومن ابتلي بالدعة والراحة يرى نفسه في مشاعر الحج مثلا لا يستطيع أن يباري شيبات وعجائز المجتمعات الريفية الفقيرة ممن عوفوا من هذه الحضارة وإفرازها.

٣/ وكان في بيدائه وصحرائه وقريته يطوح ببصره بعيدا لا يحد بصره جدار ولا تكسره دار ، كان يمده بعيدا حتى ينقطع دونه السراب ويرمي به في جنبات الأرض وآفاق السماء وأعالي البحار ينتظر المراكب ويسيّر الكواكب ويراقب النيّرين ويقص الأثرين ويميز الخطى وكان مثله مثل زرقاء قال النابغة فيها:

تُحِفُّه جانبا نيقٍ وتُتبعه 
مثلَ الزجاجة لم تكحل من الرمدِ

وكما قال طرفة:

وعينان كالماويتين استكنّتا
بكهفَي حجاجي صخرة قلْتِ موردِ
طحوران عُوّار القذا فتراهما 
كمكحولتَي مذعورة أمّ فرقد

وأما اليوم فيجد المرء طرفه كليلا حسيرا تحده الجدر وتحجبه السقُف ، ففقد لياقة البصر ومرانه، فصار دنوُ بصره إليه أسرع من دنو خطوه ، وما بقي من بصره فشاشات التلفزة والهواتف والحواسب والألعاب والعدسات المقربة والتجميلية له بالمرصاد.

٤/ ومثل ذلك السمع ، فقد اعتاد الناس قديما على الاعتماد على آذانهم رهافة وتحسسا وتوجسا ، يعرفون الأصوات ويميزون بينها ، يميزون في الظلام مشي الإنسان من الناقة من الكلب من الذئب وأصواتها وحفيف الريح وخرير الماء ويعزون كل سجع وصوت إلى طائره ، وربما ميزوا في الظلام وقع آقدام فلان من فلان ، ويستشرفون الجرْس الخفيّ والهجْس القصيّ ، كما قال طرفة:

وصادقتا سمع التوجس للسُّرى
لهجس خفيٍّ أو لصوت مندّد
مؤللتان تعرف العتق فيهما
كسامعتي شاة بحومل مفرَد

وما نصيب الناس من هذا اليوم مع قلة الاعتماد على السمع وطغيان ضجيج الآلات ؟! وما بقي من ذلك اكتسحته دون رحمة ولا هوادة أجهزة الاتصال الملصقة بالآذان فعكرت رهافتها وشوشت صفاءها وأفسدت حسها وقربت سمعها وأحدثت لها من الطنين والضعف والصمم المبكر ومقدماته مالا يحصر ولا يحصى.

٥/ ومن أشد الجنايات ومستحكم البليات ما مني به الجهاز المناعي والقوى المقاومة للأمراض والمضادة للأعراض،أما الأمراض فمعروفة وأما الأعراض فهي تقلبات الجو، فلقد كان ابن القرية والريف والصحراء يأكل من زاده بلا تبريد أو تجميد ويشرب من مائه بلا تكلف تنقية وتصفية ويتعرض لأعراض الجو حرا وقرّا، وروائح وبوارح،فيكتسب جسمه المرونة والتكيف مع جوه حره وقره ، وكانوا في أكباد الصحارى يمشون على رمضائها وزمهريرها حفاة الأقدام عراة الأجسام ، وإذا وعك الواحد منهم تحمل المرض الخفيف وتعاطى ما تقع عليه يده من أعشاب وكي ، فاكتسبت أجسادهم صلابة ومقاومة للأمراض وتكيفا مع الأعراض ، الأمر الذي حرمه جيل الحضارة وما ينبغي لهم وما يستطيعون ، فلقد ركنت أجسامهم إلى المضادات الحيوية التي يتنافس الدكاترة ولا أقول الأطباء في صرفها لداع ولغير داع ؛ إذ إن لكثير منهم نسبا في المبيعات واتصالا مباشرا بمندوبي الشركات ، وشركات الأدواء المسماة بالأدوية أكثر من شركات الأغذية وفي كل شر ، إن الطبيب الناصح لا يسارع في صرف المضاد إلا لأقصى ضرورة لأنه كما اسمه مضاد لحياة البكتيريا وربما لحياة الإنسان ، ولقد ركن الجهاز المناعي للإنسان وأصيب بالخمول نظرا لتواكله عن مهمته بسبب ما يدعم به منذ المهد من مضادات واسعة الطيف أفقدته حساسيته في التعرف على الغزاة وشراسته في القضاء عليها ، فأدمنت الأجسام هذه المضادات وفقدت لياقتها الدفاعية ، وزاد الطين بلة والمرض علة والنار ملة الجهد الفائق الذي يبذله الجهاز الدوري فيما يسمى بالأيض والاستقلاب والتخلص من رواسب هذه المضادات وآثارها الجانبية.
وقل مثل هدا في وسائل التكييف ، فمنذ اكتشاف فريون للغاز البارد واستعماله في تجميد الأطعمه وتبريدها وتبريد الأجواء وتعميمه في العالم أسرف قومنا كثيرا في هذا الفريون ولم يعتبروه ملطفا أو مكيفا كاسمه بل استعملوه لتجميد البشر في المدارس والجامعات والدوائر والمساجد والسيارات ، فصار المرء يخرج من عمله أو مسجده المتجمد إلى حرارة تقارب الغليان والضحية الأجسام التي فقدت مقاومتها لأعراض الجو وتكيفها الطبعي معه فصارت تصرعها أول موجة برد أو لفحة حر ، وعمت الأمراض الموسمية وأصبح الرشح ملازما للإنسان عامّة عامِه.

٦/ وأخيرا لنعرج على أهم مما تقدم كله على أهميته وهي القدرات العقلية ، فمعلوم أن العقل له وظيفتان فاعلية وانفعالية وهما ما يعبر عنهما المناطقة :(بأن يفعل وأن ينفعل )، فأما الانفعالية فهي المرتبطة بالجهاز الودّي المرتبط بالأعصاب النقّالة للذة والألم والحسرة والحزن والفرح والسعادة والهم والخجل والوجل إلى غي ذلك،
وأما الفاعلية : فهي الأعمال العقلية وقدرات الذكاء : الحفظ والتذكر والتوقع والاستدعاء والإقصاء والربط والمقارنة والتحليل والاستنتاج إلى غير ذلك ، وهذا الجانب هو في الغالب محل جناية هائلة للحضارة وإفرازها ، والحديث فيه يتشعب ، ومما لا ينبغي أن يغيب عن البال أن الذهن قوة من قوى الإنسان كالعين واليد والأذن ، والقوى تزيد بالإعمال وتنقص بالإهمال فإذا دُرّبت ذَربت ، وإذا عطلت قلت وكلت ، مثلها مثل الضرع إذا استُدِرَّ درّ وإذا ترك قرّ ؛فالحافظة مثلا مساحة صغيرة جدا في الدماغ لكن مغرز دبوس فيها يكفي لحفظ مكتبة كاملة ، ولاعجب فأنت ترى الذاكرة الصناعية بحجم ظفر الخنصر أو دون ذلك تحفظ بما فيها من النيترون والألكترون والسليكون آلاف المجلدات ، فما ظنك بقدرة دماغ صنعها ؟! تبارك الله أحسن الخالقين،
وأنت ترى القدرة والسرعة الفائقتين للحاسوب في العمليات الحسابية والإقصاء والاستدعاء والربط والمقارنة والاستنتاج ، والبحث والفرز والترتيب فما ظنك بقوة صنعته تبارك الله أحسن الخالقين.
والمقصود أن الناس قبل هذه الحضارة كانوا يعملون أفهامهم ويدربون أذهانهم ويمرنونها على ما ذكرت من أعمال فاعلية فكان الواحد بالفطرة أو المران يحفظ القصيدة من سماعها أول مرة ، ويتذكر دون أن يحك رأسه ويستبط بقدرة وسرعة هائلتين وكان الخطباء والمتحدثون على المنابر يفلقون هام الكلام بلسان كالحسام ويفتضّون أبكار الأفكار ويقيدون أوابد الفوائد ويصيبون أكباد المعاني بأجود المباني ويضعون الألحاظ على مناسب الألفاظ وينشئون وينشدون ويعربون ويستدعون الشواهد من الآيات والأبيات كل هذا بأسرع وقت وأقل جهد دون تلعثم أو تكرير أو تنحنح ، وعلى رؤوس الأشهاد والعباد من النقاد والجهابدة ومتصيدي الأخطاء ومنقبيها بالمناقيش ، واشتهر حفاظ الأحاديث بالأسانيد والمتون بالآلاف وعشراتها ومئاتها وحفاظ الدواوين والمعجمات وغيرها.
 وفي زماننا من الريفيين والصحراويين الذين لم تفسد الحضارة حياتهم من يذكرك بالمتقدمين ، ولقد قابلت صبيا أعمى لم يتجاوز الحادية عشرة يحفظ القرآن من فاتحته إلى خاتمته بأرقام الآيات والصفحات والأحزاب والأجزاء ومكان نزول السور واختبرته في أصعب المقاطع فأجاب دون تردد تارة أعطيه رقم الآية فيقرؤها وتارة أعطيه الآية ويذكر رقمها،ويحفظ جملة عظيمة من المتون والأحاديث ، وخطب في مجلس حاشد خطبة عصماء تجاوز أدق الأعاريب لم يلحن في حرف، ذلك فضل الله ، وقابلت صبيا أعمى يحفظ القرآن بالآيات وأعجب من ذلك أنك لا تذكر له تاريخا قديما أو حديثا منذ سجل التاريخ إلا سمى لك اليوم وقد سألته في حوادث قبل أن يولد فأجاب دون تردد ولا تباطؤ، قبل أن تنطبق شفتاي من السؤال، وأذكر أنني سألته عن تاريخ فأجاب :(ذلك يوم الأحد) فقلت بل الثلاثاء، فرد علي حالا: أدري أنك تريد تاريخ قتل الملك فيصل فهذا بعد تاريخك بيومين ! علما أن الملك فيصلا رحمه الله قتل قبل أن يولد بكثير، وأعرف من العامة شيخا كبيرا مارأيت أدق منه صحبته طويلا يحفظ أعداد الآيات والسور المتشابهة والمتقاربة ويمتحن حملة الشهادات بذلك فلا يكاديون يحيرون جوابا، ويحسب بالبديهة أدق الحسابات ،  يحسب السنة بالدقائق والثواني ويضبط الحساب والنجوم ومنه تعلمت أول ما تعلمت النجوم ، وهو الآن قريب التسعين ولا زال على ضبطه وإتقانه ختم الله لنا وله خير ختام ومتعه وإيانا بالصحة والعافية،
ومما أذكره في صغري أن شابا قرويا من قرى الرمل عندنا لم يدرس إلا الابتدائية ثم تفرغ للمهنة كانوا يذكرون عنه حذقا في الحساب والجبر ومعادلاته فيفزع إليه الطلاب لحل المعادلات التربيعية الحرجة وثلاثية الحد ونحوها. 
هؤلاء وأمثالهم عافاهم الله من مفسدات الفطرة ومنغصات الحياة التي جنت على الأعم الأغلب فلا يكاد واحدهم يضرب الجدول الصغير إلا بحاسبة فضلا عن العمليات الكبرى، واعتمد على ذاكرة جهازه ومسجله في كل شيء ، وأراح نفسه بمحركات بحث جهازه من عبء التفكير والتركيز والتنقيب عن المعلومة ومعرفة النجوم وضبط الجهات والقبلة فعقله في جيبه يحفظ له ويوجه طريقه ويؤذن له ويحدد قبلته ويوقظه للصلاة ووو، إذا أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا،إذا فرغ شحنُ الجهاز قاموا فهم صم بكم عمي لا يرجعون ، هذا إن نجوا من متاهة وبقوا على قيد الحياة،
والعجيب أن الإنسان الغربي المكتشف لكثير من وسائل الحضارة ، في الغالب أقل ركونا إليها وتمتعا بها من الشرقي أو العربي والمسلم بكل أسف ، فلا زال الغربيون يأخذون أنفسهم بالبرامج الصحية الجادة حركيا وغذائيا ، ولا زالت روح البحث تستهوي صغيرهم وكبيرهم ولا زالت ناصية الكشوف وزمام الاختراع بقبضتهم ، وهذا ما ربّوا عليه ولقنوه مع لبان الأمهات، ولما شبت روح المنافسة وهرعت دول الغرب متسابقة للكشوف في القرون الماضية ، كان الواحد منهم يخطط للمعمل عند بناء بيته قبل غرفة نومه وصالون طعامه وترفيهه ، فأنتجوا لدنياهم وفازوا بالصدارة وأصبح العالم محكوما لهيمنتهم عسكريا واقتصاديا وثقافيا،  
هذه سوانح أفكار كنت كتبتها لنفسي على عجالة من قبيل المذكرات ، ثم رأيت نشرها راجيا أن يجد القارئ فيها شيئا من الفائدة ، ولاغنية لها عن مراجعات وإضافات ،،
والحمد لله رب العالمين.

الاثنين، 21 أبريل، 2014

لما توارت بالحجاب

لمّا توارتْ بالحجابْ .. لمعَتْ كواكبها العِذاب
وتألّق القمر المفضّضُ فوق غُرّتها وذابْ
نجلاء ترمي من شهاب كامنٍ خلف النقابْ
إن غار منها أو أغارَ الحسنُ يرجمْه الشهابْ 
هي كعبةُ الطهر التي خُفرت بديباج الثياب
وتلألأ السطر المذهّبُ في ترائبها الكَعابْ
في آيةٍ غرّاء تحكي الطهر من أمّ الكتاب
هي قبلةُ الحسن التي .. يهفو لنضرتها اللُباب
ويطوف باغي الطهر يخطب ودّها أسِفَ الخطاب 
كم من بيوت نُمّقت .. جرداءَ كالقفر اليبابْ
لا طائفٌ فيها ولا .. عَين بها فُتنت صَباب
والقلب يهفو للمخفّرة المحصّنة الجناب
سوداءَ في حرمٍ يحيط بها يكلّلها المَهاب
أيريدها الأنذال عُريًا لا ثياب ولا حجاب ؟!
يا لَلبشاعة يالَقبح العُرْيِ ياشؤم استلاب
يا قبح لحم بارزٍ .. تعدو فتنهشه الكلاب
تسطو عليه بمخلبٍ .. عادٍ يمزقه ( وناب)
تبّت مغرّرةٌ وتبّ مغررٌ كلَّ التبابْ
داعٍ وداعيةٍ إلى الإلحاد عهرٌ بارتياب
خبثان : خبث تخلُّقٍ .. قد حلّ في فكرٍ خراب
حمالةٌ حطبا أبو لهبٍ لها شدّ الرِّكاب  
وسَمَتْ لها وسماً كئيبا كالحاً خابتْ وخابْ
تدعو إلى نبذ الحجاب تحرض الجيل الشباب
وتقمّصتْ ثوب المها - والله أعلم بالصواب -
فلعله قردٌ من اللبرال أو سَعْلاةُ غابْ
شوهاءُ هتماءٌ محدثها يُغرّق بالُّلعاب
بخراءُ تشبهُ جيفةً .. فيها تجمّعت الذباب 
منها يصيح حجابها .. ويلاهُ ما هذا العذابْ
والقبح قبّح خُلقها .. والعيب ذمّمها وعاب
(حربٌ) براءٌ نعم حربٌ للرذيلة هم حِرابْ
عجبي ، كرائمُ في فرنسا قاتلت رغم الصعاب
كي يحتجبن ، وفي بلادي ! ذلك الشيئ العُجاب
بنتَ العقيدة أحبطي .. كيد الجلاوزة الذئاب
ردي عليهم لا أبا .. لهمو وسفّيهم تراب
رمَكٌ مزوّرة مغشّشة تسمّتْ بالعِرابْ
قولي : لهم أنا لست منكم يا أُذينِبة الذناب
أنا رأس كل فضيلةٌ .. أسمو وألتمس السحاب
علّي أكون مع المفضّلة المكرّمة الصِحاب
مع خولةٍ ونسيبةٍ .. ومع الرُّبيِّع والرباب
يا من خدعت بوسمهم .. فجريتِ في طلب السراب
عودي فلاماءُ به .. قبل الهلاك ولا شراب
عتبي عليكِ مضاعفٌ .. وعلى المؤمَٰلَة العتاب
أمّا العقيمُ فما بها .. أملٌ فيا ربّي المتاب 






  











الخميس، 17 أبريل، 2014

يا شيخيَ ابن العين ، ارقد قرير العين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله : 
بلغني نعيُ شيخي وأنا في مكة المطهرة ، أم القرى ، البيت العتيق ، مهوى القلوب ؛فيها تفرغ أحزانها، وتستجم من آلامها،  وتغتسل من أدرانها؛ كلما رانت عليها الأدران ،وحاقت بها الأحزان ؛فالحمدلله الذي جعل لنا في القرى أم القرى. 
وفي هذه الرحلة المكيَة سكنَت قلبي سكينةٌ لم أجد مثلها قبل : 
فساغ لي الشراب وكنت قبلاً
أكاد أغص بالماء الحميمِ  
طاب لي القول ،  وصفا الرأي ،  وراق الفكر، وأغرى الشعر، فشرعت في قصيدة مكية ، أردت أن تكون من فرائد القصائد ، وعيون الفنون؛لأن القائل في الأغراض الشريفة،والمقاصد المنيفة،إما أن يبدع مقالا،فيقول القائل :(هكذا هكذا،وإلا فلا لا)
زورت أبياتا منها في نفسي ، ولم أخرجها من حدسي إلى حسي ، وكلما فرغت من وظيفة تعبدية أو علمية صنفت في ذهني بيتا جديدا ، فكنت كفاتح يشعر بالزهو كلما أضاف إلى مملكته مدينة جديدة، وإني لكذلك حتى وردني نعي شيخي وحبيبي ومعلمي كتاب ربي وأوجب الناس حقا علي بعد والدي، محمد بن علي بن حسان العين الحدائي رحمه الله ، فأرتج عليّ ، واسودت الدنيا في ناظريّ، وفلت مني زمام القصيد ، ونحا الحداء نحو الرثاء ، ولم أشعر بنفسي حتى تمادى بي ، ونسيت لوهل الهول ما شرعت في الشعر لأجله ، فرأيت إبقاءها في عالم الأذهان ، إلا أني خشيت عليها النسيان ، وأشفقت إن أذعتها أسنّة ألسنة النقاد الحداد ، وقولهم : هل عهد في قصيدة أن تبتنى على غرضين ؛ وقلت لعل أحدا من الشعراء يجيد القيل، ويشفي الغليل ، ولما لم تقع عيني على ما يشفي الفؤاد ، ويبل الصاد، من فصيح الضاد، قلت مالي وللنقاد ، ولعل لرهبة الموت ذعرا، قد يُبلغ النقاد من لدني عذرا. 
شيخي محمد علي حسان:هو من ختمت كتاب الله في حلقته ؛ ذلك أنه من فضل الله علي أنه لم يسبق كتابه شئ من العلوم إلى ذهني ، ولم يزاحمه فن من الفنون في فهمي ، فالتحقت بالحلق قبل سن المدارس ، وكان أول من فتق لساني بالقرآن شيخي حمود بن ثنيان العصيمي التميمي في الزلفي جزاه الله عني خيرا وأحسن إليه وتجاوز عني لعقّه،وتقصيري في حقه ، وأوزعني بره ورد جميله ، ثم انتقلت إلى الرياض ، والتحقت بحلقة شيخي إبراهيم العجلان رحمه الله وهو أكثر شيوخي ملازمة وإفادة ، ثم انتقل الشيخ وأكملت في حلقة الشيخ محمد حسن دهمش اليماني رحمه الله ، ولم ألبث طويلا حتى ذكر لي شيخي محمد حسان العين الحدائي اليماني  في مسجد آخر فالتحقت بحلقته وأتممت حفظ القرآن فيها ، وكنت أنا والشيخ خالد اللاحم من الجيل الثاني من المتخرجين الخاتمين ، والجيل الأول عنده كان منهم الشيخ عبد الرحمن السديس إمام الحرم ، كان  الشيخ محمد رحمه الله بشوش الوجه حسن المعاملة سمح المعشر، أليفا لطيفا،كريما حليما، كان ساكنا في الوزير في غرفة مسجد ، ويتردد على حيّنا ثليم من بعيد على دبابه ، وكان مألوفا جدا ذلك الوقت تنقل الأساتذة على الدباب والدراجة الهوائية ؛ فالسيارات ليست في المتناول بكل حال ، والعحيب - ولا الغريب - استمرار الشيخ في مسجده الصغير على حسن صوته وجودة ضبطه وتجويده ، وكانت الفرص مهيأة جدا له لاختيار مسجد أكبر وحيّ أفضل ؛ إلا أن الشيخ ظل على وفائه لحيه ومسجده حتى مات في حادثه رحمه الله وكانت لي مع شيوخي ذكريات ماتعة ، ومواقف رائعة ، وفوائد نافعة،  لعله يتاح لي تناولها فيما أستقبل من كتابة ، فالكتابة عن الشيوخ مما تستحثه متعة الحديث ، وتغري به لذة الذكرى ، وتستدرجه أنواع الفوائد العلمية والأدبية، وهذه هي القصيدة: 

يا درة البلدان يا أمّ القرى
ياقبلة المهموم منقطعِ العرى

يأوي إليك كما أوى - متروِّحا
متفرِّجا - لحرائه  خيرُ الورى

في أُنسه يجدُ الحياة هباءةً
في جنب هائلةٍ تحرّى في حِرا

ولكَم قصدتكِ والحياةُ كأنها
سَمُّ الخياط وسرتُ متصلَ السرى

ولزمت حضنكِ دافئا فإذا به
يسري بروحي نحو شاهقة الذرى

حيث النعيمُ وجنة الدنيا التي
أبداً ، بكل كنوزها لا تُشترى 

يا تاج أرض الله لؤلؤة بها
مكنونة ولها الجمالُ تَخفّرا

اليومَ يومُك والقصيد أصوغه
عقدا من الياقوت عانق جوهرا

سأقول فيكِ قصيدة تحدو بها
كل الحداة من الأيانِق ضُمّرا

لعيون مَنْ خضع الجمال لحسنها
خجلا وأطرق عندها وتحيرا 

ماذا عسى يا قبلتي أنا قائل
لو كنت مِن كل الجهابذ أشعرا

لو فقت قيسا وامرأ القيس الذي
يدعونه ملكَ القصيد وشنفرى

يصفو الزمان فأبتغي من صفْوِه
غراته نزرا وأختلس الكرا

فإذا صفا أو كاد أعقب صفوَه
نأيٌ ونعيٌ للّذائذ  كدرا

هي هكذا الأتراح تطرق لمْحَة
والبشر يزحف أو يسيرُ القهقرى

يا ليت مُبلغيَ الحوادث مثلما
بالحزن أخبر ، بالمباهج أخبرا

أوَ مرةً  يدع الغرير بغِرّة
جذلانَ يهدب سلْوَها مستكثرا

لمَ يا رسولَ الحزن تقتل بهجتي   
أخْطِئْ رسولُ وجِئْ  إليّ مبشرا

نبأٌ سرى ما كاد يبزغ  فجره
حتى لدمعي في المحاجر فجرا

العين مات وإن تمُتْ حَيِيَ العمى
وبأيّ عين سوف أنظر مبصرا

شيخي الحبيب محمدٌ يا ليتني
في قرب موتك قد علمت مبكرا

وإذن لأرويت الغليل بنظرة
هي زاد روحي في زمان أقفرا

شيخي الحبيب تذيب قلبي حسرةٌ
مما عققتك واعترفت مقصرا

تعِدُ الأمانيْ بالوصال وفجأة
نجد الأمانيَ بالمنايا أقصرا

تملي لنا الأيام وهي مليئة
بالفاجعات وما أمرّ وأغدرا

شيخي كبرتُ وإن لقيتك لم أزل
طفلا بغير طفولتي لن أشعرا

وأظن مهما قد فعلتُ فليس لي
ذنب فأستبق العتاب لأعذرا 

ما أجملَ الأيامَ يوم قضيتُها
طفلا تعلمني الكتاب مفسرا

ما العمر كان سوى الطفولة والصبا
وشبيبة بالعنفوان تفجرا

كانت ملاعبه العذاب مغانياً
أودعتها كنز المشاعر متْجَرا

ولها أفرُّ إذا المباهج أقفرت
متزودا متعللا مستمطرا

متقمصا برْدَ الصِّبا متوشحا
مهد الطفولة ماردا متجبرا

ما مثليَ النمرود في سطواته
بطرا وأهزأُ بالملوك  وقيصرا 

يا حسنها ؛ لولا الحقيقة جلجلت:
دع عنك أحلاما ، وأنت وما ترى

شيخي ارتحلتَ وما اشتفيتُ بنظرة
من نور وجهك ما أجلّ وأزهرا

يكفيك يا ابن العين فخرا عندما
قضّيت عمْرك للكتاب محبرا

ومعلما جيلا فجيلا كلهم
أخذوه منك مجودا ومعطرا

منهم من ارتحل المنابر إن تلا
أصغت له الدنيا ؛ فجهدك أثمرا

ورحلت يا ابن العين رحلة صادق
فارقد قرير العين وانهلْ كوثرا










السبت، 12 أبريل، 2014

الإرهاب المسكوت عنه !!

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
تناقل الناس والمواقع مقطعا مصورا، لحادث التفحيط على الدائري الغربي لمدينة الرياض  صباح الجمعة القريب، ولقد كان هذا الحادث بشعا مروعا بكل ما تحمله الكلمات من معنى ودلالة، نتج عنه وفاة مَن في سيارة التفحيط على إثر تقلب سيارتهم، وقذفها لهم عاليا، ثم تناثر أجسامهم وأشلائهم وإلقائها على الجُدَد
ممزقين فلا تلقى سوى جسد... من دون رأس، ورأسٍ دونما جسد
وهذا الحادث، وإن كان من البشاعة والشناعة بمكان، إلا أنه ليس حادثا يتيما، في بابه لا في دهره ولا شهره، وربما في أقل من ذلك.
وقبل السؤال عن مَن يتحمل مسؤولية هذا الإرهاب (العبثي) ونتائجه المأساوية وآثاره المدمرة، عليّ أولا ذكر بعض هذه الآثار والأضرار، ثم النظر بعد ذلك هل هو إرهاب بحق أم لا؟  وقبل هذا وذاك أشير إلى بعض الجهود المبذولة في مكافحة الإرهاب (الفكري)، ومقارنتها بما بذل لمكافحة الإرهاب (العبثي) الأقدم تاريخا والأكثر ضحايا.
لقد بذلت جهود جبارة لمكافحة الإرهاب (الفكري) على المستوى المحلي والإقليمي والدولي والأممي عسكريا وأكاديميا وفكريا وتوعويا واجتماعيا، واستنهضت الهمم، وعبئت القوى، وأنفقت القناطير المقنطرة، وأسست المكاتب والأفرع  الأمنية المعنية، وجعلت لها المقرات الدائمة، ورصدت لها الميزانيات الضخمة، وتنودي لعقد المؤتمرات والحوارات وغرف العمليات، ومراكز الأبحاث والدراسات، وفتحت السجون والمعتقلات والمناصحات والإصلاحيات، ونصب القضاة والمحاكمات، ورصدت الجوائز والمكافآت إلى غير ذلك من الجهود التي تزداد بمرور السنوات.
وذلك شعورا بخطورته على الأفراد والمجتمعات، وما نتج عنه من القتل والتفجيرات.
وباختصار: بكل حزم وحسم تعومل معه، وبلا رحمة ولا هوادة، لكل من تلطخ بأوضاره وناله حتى من غباره، وأخذ من أربابه باليمين، فما تنفعهم شفاعة الشافعين.
 ولذلك خبت جذوته، وتلاشت خطورته في مدة وجيزة على الأقل في الداخل.
أما الإرهاب (العبثي) فيكاد الجميع يجمع أنه لم يقابل (على خطورته وآثاره المدمرة ) بجهود جادة، ولا زال ينظر إلى مجرميه المتمرسين على الإجرام، والنهب للسيارات والسرقة، والاستدراج للغلمان، والإيقاع بهم في عالم الشذوذ والمخدرات،وإيواء الفتيات الهاربات وإغراء المفحطين باصطحابهن في الجولات وسوابق القتل، وتعاطي المخدر والمسكر، وإشاعة الذعر والفوضى، وإرباك المواصلات، وقطع الإشارات، وإسقاط هيبة الأمن والسلطات، وإرهاب الآمنين، وإيقاظ النائمين، والتشويش على المصلين، بأنهم مجرد مراهقين يمارسون هواية عنيفة، ونزوة شبابية عبثية، بل ربما نظر إليهم بعين الدلال الحانية، وطولب للمساكين المحرومين بالبديل، وتخصيص ميادين وحلبات لهم محروسة ومؤمنَة،  مهيأة لاستقبال جماهيرهم المعجبة، هذا مانادى به بعضهم؛ كحل أمثل لهذه الجريمة المتسلسلة، وفي صحفنا المحلية.
وإذا قلنا التفحيط، فلا نعني كلمة عابرة ذات مدلول يسير لشابٍ يستعرض مهارته (أو جنونه) في القيادة كما كان من قبل.
وإنما نعني بهذه الكلمة اليوم إمبراطورية ضخمة أخطبوطية متشعبة من محترفي الجريمة، يباعدهم النوى ويجمعهم الهوى، وتحيط بهم هالة ضخمة من المشجعين والمعجبين من شباب الأمة وصبيانها، نقشت أسماء أكابر مجرميها على جدران قلوبها، قبل حيطان أحيائها، وتعشقتها حبا، وهامت بها إعجابا حتى صارت أعز أماني غلام وسيم مراهق، بل ومراهقة أن يقابل مفحطه المجرم ويفوز بالركوب معه في جولة تفحيط، ولقطة تصوير، وربما وشم اسمه على عضده حبا وإعجاب، وتواكب هذه الشبكات الأخطبوطية سوق رائجة للمخدرات، وتبادل الصفقات، لتوفير المادة اللازمة لحيازة السيارات.
وتخدم هذه الإمبراطورية (ماكينة)  ضخمة، وآلة إعلامية جبارة، وروابط معجبين ومواقع عنكبوتية، ووسائل تواصل تنقل أخبارها أولا بأول، هذه الهالة الإعلامية والجماهير الإعجابية تدفع تلكم الرموز المحترفة دفعا، وتؤزها أزا، وتلهب جذوة الجنون التنافسي في نفوسها، وتدفع لها بسخاء، وتغريها بالسيارات الفارهة، والمخدرات، ومصاحبة البنات الهاربات لها في الجولات، حتى تدفعها لمزيد من أعمال الطيش والجنون التي رأينا أخيرا منها مثالا واضحا في حادث الدائري الغربي.
وإنني أعرف من هؤلاء الرموز المحترفين ممن نقشت أسماؤهم على جدر القلوب والحارات من أراد صادقا أن يتوب، بعد ماضٍ رهيب، وسجون طويلة وبكاء ودموع أمهاتهم، إلى درجة تقبيل أقدامهم وتحريجهم بكل محرجة من الأيمان، فمازال أولئك المشجعون المجرمون الذين يشك المرء أنهم أعضاء خلايا وعملاء جهات بما يملكون من وسائل إغرائية هائلة، مازال أولئك يوسوسون لهم ويؤسِفون على التوبة ويذكرونهم بأمجادهم،ولسان حالهم أترغب عن ملة فلان ويغرونهم بالسيارات الفارهة الجديدة يتبرعون بها لهم للتفحيط، فمايزالون يفتلونهم بالذروة والغارب حتى يتحلحلوا من توبتهم ويتحللوا (غير مُحللين) من أيمان آبائهم وأمهاتهم، ويدخلوا في جولة إجرامية جديدة فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر بعدما بدلوا تبديلا.
أعرف واحدا من هولاء الذين وصفت حالتهم غير مبالغ مات في أول حادث تفحيط بعد السجن والتوبة إثر احتراقه وتفحمه جراء صعق كهربائي باصطدامه بعمود إنارة، علما أن جمهور الإغواء والإغراء  سار معه في موكب مئات الأميال حيث لقي حتفه عفا الله عنه هكذا تحمل إثم نفسه واثنين احترقا معه -ونعوذ بالله من عذاب الحريق - وهذا الجمهور المجرم الذي يسافر مع المفحط من بلد بل من منطقة لأخرى يأبى أن يكلف نفسه مشوار الصلاة عليه وتشييعه لقبره كما جاء في اعترافات المفحطين في صحيفة سبق وهذا أول براءة الذين اتبعوا من الذين اتبعوا
أما المآسي والآلام والأحزان والدموع والدماء والأشلاء والأضرار والأخطار الناجمة عن هذا النوع من الإرهاب، فهي قصة باكية حزينة أليمة تحتمل روايات ليلات وكتابات مجلدات، فلكل أم قصة، ولك بنت حكاية، ولك أب رواية، ولكل شاب مأساة.
فكم من أمهات مفجوعات مكلومات، يبتن على الأعصاب ويسهرن الليالي  إلى أسحارها، بل  إلى أظهار نهارها، وأيديهن على قلوبهن وهن يسمعن صريخ عجلات سيارات أبنائهن المفحطين، أو جمهورهم المعجبين، في المواكب والمراكب يتوقعن الخبر الصاعق عند كل دقة باب ورنة هاتف، أصبن بأمراض الضغط والسكر وتلف الأعصاب، وعميت عيونهن بكاء وابيضت حزنا، وكل هذا قبل أن يقضي عليهن نبأ مصيبة الموت، وحادث الهلاك لأبنائهن ومن تسببوا عليهم، فلا تسأل عن حرق الأكباد بقفد الأولاد وسهر الليال بتذكر العيال، ولعلكم تتذكرون جيدا تلكم الأم التي حصيلتها من الذكور شابان يافعان استدرجا من قبل أشهر المفحطين آل بهم التفحيط إلى حادث كانا ضحيتيه، وكان لذلك المفحط من يحامي عنه ويدافع لدرء عقوبة القصاص عنه.
وكم من  شباب تخطفهم بريق إغراء وإعجاب هذا الإرهاب، فانخرطوا في أعماله ،واندرجوا في عصاباته، وتخطفت أعمارهم، فسحلوا سحلا تحت عجلات سياراتهم في ربيع أعمارهم،هلكوا أو أصيبوا بعاهات مستديمة وكم من شباب آخرين ذهبوا ضحية محترفي هذا الإرهاب، فورطوهم معهم بهلاك أنفس، أو هلاك أرواح في دروب المخدرات المظلمة، وأوكار الشدوذ المنتنة.
وكم من مستشفيات التأهيل والنقاهة يرقد على أسرتها ضحايا برآء أو غير برآء من شيوخ وأطفال ونساء مقاعيد ومشاليل ومصابين بعاهات مزمنة وأدواء مستحكمة  جراء هذا التفحيط، فواحدهم كالميْت بالبيْت مافيه مايدل على الحياة إلا نفسه المتردد، وعيناه الحائرتان، وقصة الفتاة أمل التي نظمتها فيما يأتي شاهد على هذا.
وكم من خليل فُجع بخليل عمره أو تؤام روحه من زوج أو أخ أو ابن أو صديق فرأى الحياة بعده مظلمة غبرة ترهقها قترة  ، وإني لأعرف توأما  متشابها متآلفا متصافيا منذ صغرهما وكل واحد منهما بهجة أخيه وسلوانه وذهاب أحزانه لا يشرب قهوة صباحه ولا يهنأ بوجبته وغدوه ورواحه إلا بحضور شقه ورؤية شقيقه نشآ وشبا وشابا على ذلك حتى كانا في الحياة مثلا يحكى؛ يغدوان ويروحان، ومن إناء واحد يطعمان، ولثوب واحد يلبسان، وعلى المساجد يترددان، ويحجان ويعتمران،وربما عند الحاجة أوراق بعضهما الثبوتية يتبادلان فكانا كنبتتي صنوان ونخلتي حلوان، وإنهما لكذلك ليلا ونهارا، وحِلا وسِفارا، حتى دهاهما من الأقدار ما دهى، وغشّاهما من الأكدار ما غشى، فتعرض أحدهما لحادث من مراهق، مات بسببه هو وروح شقه وشقيقه، فأظلمت الدنيا في ناظره، وذهبت بهجته، وغابت فرحته، فلا تراه بعده إلا في المسجد أسيفا كسيفا غريبا مريبا مستوحشا خائفا مترقبا، تقرأ على وجهه آيات الكآبة والحسرة والندامة حتى فقدناه وما أظنه إلا اخترمه ما اخترم شقيقه ليفرج له همه وضيقه.
أما نخلتا حلوان اللتان ذهبتا مثلا، فلهما قصة عجيبة غريبة تجدونها موضعها في (معجم البلدان) عند ذكره لحلوان، واختصارها أن أمير حلوان علق ابنة الدهقان، وكان له معها كان وكان، ولكنه عف وكتم، وبخلقه التزم، حتى مات وجدا، وقضى كمدا، وما علموا بسر علته، وسبب منيته، إلا من قصيدته، ومطلعها:
أسعداني يا نخلتي حلوانِ ... أسعداني من ريب هذا الزمان
ومنها:
واعلما إن بقيتما أن نحسا ... سوف يأتيكما فتفترقان
فطارت أبياته كل مطار مع العقبان  وسارت كل مسار مع الركبان، وغاصت في البحار مع النينان، ونحتت على الجدران، ومنها البيتان الآنفان، نحتا على ساقي الصنوان؛ فكل من قرأهما تركهما وأشفق من الفراق عليهما، وقال: والله لا أكون أنا هذا النحس الذي يفرق بينهما، حتى أصيب الرشيد في سفرته، وجثا من علته، فوصف الطبيب له جمار النخل ليبرد من حرته، فبعثوا من يلتمس نخلا، وتمادى السير بالرسول، حتى لقي النخلتين أول مالقي، فلما قرأ الرشيد البيتين تغير وجهه واربد محياه، وكان في مجثاه مثواه.
ولنعد من هذا الاستطراد الذي تمادى بنا، كما تمادى السير بصاحب حلوان إلى عالم التفحيط وما فيه من المآسي والأحزان؛ فلا يكاد يمر ليل أو نهار ماقامت له قيامة، ولا انعقدت له غمامة، ترعد وتبرق،  وتقذف وتصعق، وتنذر نذرها المروعة، بسماع النذير والصريخ، لأصوات التفحيط والتصريخ، للعجلات والإطارات، فيفزع الناس في أجواف بيوتهم، وتدق نواقيس المخاطر، وترجف القلوب وتبلغ الحناجر، وتتسع المحاجر وتحاذر، وتلهج الألسن يارب سلم سلم.. وتترقب متى تهدأ عجاجته، وتسكن لجاجته، ويرفضّ صريخه، حتى ينصرف كل وحاجته، ومَن أبناؤهم وأطفالهم خارج بيوتهم لحاجة، ينتظرونهم بأعصاب مشدودة، ونفسيات مكدودة، خوفا عليهم من جنون هذا المراهق الذي تعاطى فعقر، وشرب وسكر، فامتطى هذه الكتلة الهائلة من الحديد ذي البأس الشديد، وأذكى النار في جوفها، وطفق يتلاعب بها تلاعب الوليد بخذروفه، والكاري بمقذوفه.. في سرعة جنونية، وسط الأحياء السكنية، فلا تنكشف ضبابته، ولا تقلع سحابته، إلا بحادث جلل قد تحققت إصابته، إنه مشهد يتكرر كل يوم، وربما أيقظ النوام من النوم، من مريض لم يكد هو وأهله يكحل النعاس جفنيه، أو منتظر اختبارٍ يتقوّى بالنوم عليه، وكم مرة تناهى إلى أسماعنا هذا الصريخ ونحن في الطريق من وإلى المساجد، فالتصقنا بالجدر، ولجأنا إلى الجذر، ولزمنا الحذر، حتى ينكشف الغبار، وينجلي الستار، فنفزع راكضين إلى البيوت حذرا من الإصابة والموت، وهل يغني حذر من قدر
وإني لمطلع على حادث تفحيط انتهى بفقدان المجرم (المفحط) السيطرة على سيارته، فتقحمت سورا وحصدت أرجل عدد من أهل الدار؛ فأين المفر، كلا لا وزر.. حتى أجواف البيوت ماعادت آمنة؛ وإني لأتساءل: ماذا لو اصطدمت السيارة المنطلقة بأقصى سرعة بعد هدم جدار السور بخزان غاز مضغوط بالمكعبات الهائلة من الغازات السائلة، أو صهريج غاز ضخم على سيارة بين المارة، وانقدحت شرارة الاصطدام فانفجر الغاز؛ فيالله كم سيشمل الدمار من المربعات السكنية، وكم سيتلف من ممتلكات وأرواح برية؛ فهل يجادل عاقل بعد كل ماذكرت- وكثير مما لم أذكر- أن هذا إرهاب؟! وهل في هذا من شك أو ارتياب؟!
فمن يتحمل تبعة هذا الإرهاب ومسؤوليته إنها:
أولا: الجهات المسؤولة؛ فإن الله يزع بالسلطان مالايزع بالقرآن، وقد عرفت تلك الجهات كيف تعالج الإرهاب الفكري، فلتعالج الإرهاب العبثي كذلك، بكل أجهزتها الأمنية والإعلامية، وبكل حزم وحسم، وبإيقاع أشد العقوبات ومصادرة السيارات، ونشر قوائم مطلوبين، والتشهير برموزها، والتنكيل بهم، وإنني أرى أن الإذن باستعمال السلاح لتعطيل السيارات في ابتداء جولة التفحيط أولى من بقاء رجال الأمن يتفرجون أو ربما يتهربون، حتى تقع الطامة والكارثة التي رأينا مثالا لها.
ومن المؤسف والمخزي أن يتواطأ الأمنيون مع هؤلاء الإرهابيين كما ذكرت (سبق الإلكترونية) من اعترافات مفحطين تائبين كشفوا عن وفاة عدد من زملائهم، وضعف العقوبات... مبينين أنه كان لهم أصحاب في المرور والدوريات يمررون لهم معلومات تواجد الدوريات، وبينوا تكليف بعضهم بالتصوير والإخراج وآخرين بمسح الطرقات وتوجيه الجماهير وغيرها..
فليحاسب هؤلاء الأمنيون حسبا عسيرا قبل غيرهم - أعني من فرط منهم- بعد إعطائهم الصلاحيات وتحميلهم المسؤوليات لحفظ الأرواح والممتلكات، وإنني على مثل يقين أنه لو طبقت العقوبات الرادعة بدنية ومالية إلى حد عدم التردد في قتل المفحط القاتل ولو لمن كان معه قصاصا أو تعزيرا، لاطمأن الناس على ضرورياتهم، ولازدجر هؤلاء المراهقون حتى تصدق عليهم الطرفة المعروفة ( مايحرك سيارته إلا بالرابع).
ثانيا: المفحطون أنفسهم؛ بما يرتكبون من جرائم الإرهاب وقتل العمد(مآلا)، وأعمال السلب والنهب للسيارات، وغير ذلك من تعاطي المخدرات واجتذاب الشباب إلى أعمال الخراب، ووربي إن اللسان ليتلعثم بالدعاء لأمواتهم خاصة إذا قتلوا معهم غيرهم، ونحن وإن ترحمنا عليهم، فليعلم الشباب المعجبون بهم أنهم ليسوا أبطالا شهداء (كما سمعت أحد المعزين يبشر أهل واحد منهم بأنه شهيد لأنه احترق) وإنما هم قتلة لأنفسهم ولغيرهم، فعلا أو شروعا، ينطبق على حالهم قوله تعالى:" ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا"، وقوله سبحانه: "ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما"، وقوله: "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا" ، نعم هم عفا الله عنهم قتلة مجرمون؛ إن استقام لهم إسلامهم بالسلامة من ترك صلاة، ولا ينبغي لأهل الفضل والعلم أن يشهدوا لهم جنازة ولا يحضروا لهم عزاء؛ نكالا لغيرهم كما ذكر الفقهاء في قاتل نفسه والغال وما أشبه.
ثالثا: المشجعون لهم إعلاما أو حضورا وجمهورا؛ فلولا هم ماتجرأوا فهم شركاء في الجريمة والإثم عند الله، وينبغي أن ينكل بهم حبسا ومطاردة كالمفحطين؛ والله عز وجل أثنى على عباد الرحمن بأنهم "لايشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما".
رابعا: الآباء والأمهات في حال تفريطهم وتوفير السيارات لهم، وإني لأعلم بعض الآباء بضغط الأمهات كلما أتلف ابنه المراهق سيارة استجد له أخرى حتى كان هلاكه.
وأعلم آباء وأمهات آخرين مافي أيديهم حيلة، تبكي محاجرهم دما من أفعال أبنائهم الذين يتحصلون على السيارات إجارة أو استعاراة أو نهبا وسطوا، أو يوفرها قرناء السوء لهم؛ فربنا الرحمن المستعان.
خامسا: المتشفعون لهم ملتمسو الوساطات لإخراجهم إذا تورطوا فلا تزيدهم الشفاعة والعفو إلا جرأة وتمردا، والعفو محمود إذا كان فيه إصلاح لا زيادة إفساد، قال تعالى: "فمن عفا وأصلح فأجره على الله"، وقال المتنبي:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا... مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
وماقتل الأحرار كالعفو عنهمو... ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا
سادسا: كل من تساهل في التحذير والتنبيه والتوعية،وإيقاع العقوبة الزاجرة؛ من قضاة، ورجال أمن، وخطباء جوامع، ومعلمين، ورجال إعلام.
والمسؤولية والإثم تكبر وتصغر، حسب قدرة كلٍ من الجهات المذكورة وسلطتها.
****************************************************
وهذه أبيات نظمتها ترجمة لمعاناة طفلة بريئة من ضحايا هذا الإرهاب، بعنوان:
أمل.. فتاة معوقة ، في أول التأهيل !

أنا طفلة كلي أمل .. كبناتكم واسمي أمل
قد كان لي أمل عظيم في جوانحيَ اشتعل
فلذاك أحببت الحياة وصرت أجهد لا أملّ
وكأنني طير الفراشة يرتدي أزهى الحلل
ويميس من بين الزهور يشَمُّها من بعد طلّ
مَرحا ويمتص الرحيق بها لريحان وفُـــلّ
يوما من الأيام ، لما كنت ألعب في جذل
كانت بداية قصتي لما دهى الخطب الجلل
لمفحط متفنن ، صنع العجائب والحيل
نقشوا اسمه في كل حي عاليا : عاش البطل
أو هكذا زعموه في زمن العجائب والهَبل
خرج المفحط ليلة .. نشوانَ من طرب ثَمِل
وجنى -وسامحه الإله- عليّ حتى لي قتل
قتل الحياة وكل معنى مشرق قبل الأجل
غاب الضياء بمقلتيّ وبدر أفراحي أفل
وبقيت (حيا مثل ميْت) لا فراغ ولا شغل
وتعاطفت معي الجموع وأمطرتني بالقبل
شيئا فشيئا تم ملوا والجميع ليَ اعتزل
وبقيت مفردة بركن البيت حتى من أَهَل
أرنو بمقلة يائس حيران إلا من : لَعَلّ
تمضي حياتي سرمدا لا شئ فيها ينتقل
وتساوت الأيام لا فرح إذا عيد أَهَلّ
وأرى الصبايا يلتهين ويلتحقن على عجل
فتظل تلحقهن عيني والجوارح في ثقل
عين تطال وخطوة قصرت كما قال المثل
وأقول يوما مثلهم .. قد كنت مطلقة الرجل
وأظل في فكري المجنِّح في خيالات الأزل
وإذا سمعت نداءهم .. في وهلة مني أَهِل
 أنسى فأفزع كي أقوم  لهم ويغمرني الأمل
فيقول لي قيدي الثقيل : نسيت يا أملُ الشلل ؟
فأعود أجرع عبرتي والدمع من عيني انهمل
ولربما قد شدني لعب فأنسى ما حصل
فأشد جسمي من حماس مثل أيامي الأول
فأخر للأذقان حتى في دمائي أختضل
ولربما عُيِّرت في شللي ، فأهلِك من خجل
فيقول قائلهم أنبقى في الحبوس وفي القفل
من أجل مقعدة.. أنحرم من سياحتنا؟ ملل
فيذوب قلبي حسرة والدمع يهمل من مقل
وتقول نفسي ويلكم أنا من جلبت لي العلل؟!
ياليتني في حادثي قدْ مِتُّ يا نفسي ، أجل
حتى أريح وأستريح من المتاعب والكلل
ينحون بالبلوى علي كأنني أنا من فعل
أو ما كفى أني على صدري هموم كالجبل
أو ما كفاهم أن جسمي كالثمامة من هزل
أو ما كفى أهلي الأحبة أن عقلي قد ذهل
ملل تقول شقيقتي! لو جَرّبَت بلواي هل:
ستقول ما قالت وهل يوما ستشعر بالوجل؟
وهي التي تمشي كما تهوى وتلعب لم تزل
يا أهليَ الأحباب عن هذي المعاقة لا تسل
سيحوا كما يحلو لكم يا أهلنا أنتم بحِلّ
ودعوا بنيتكم مع الأحزان فهي لها كخِلّ
أضحت ملازمة بقعر الدار فهو لها محل
لا تجعلوها عائقا الله.. عزّ لها وجلّ


قرأت  في صحيفة سبق الإلكترونية هذا الخبر" مفحط يدهس سيدة خمسينية حافظة لكتاب الله".
وكان سياق الخبر وتفاصيل الحادث مؤثرا جدا؛ من حيث بشاعة الجريمة، وشناعة ذاك الجرم، ووضع هذه الضحية الجديدة لذلك الإرهاب الخطير الذي بات من أكبر مايهدد أمننا ويروع آمنينا وينذر بكوارث عقيمة وعواقب وخيمة..
خرجت هذه الشهيدة لهذا الإرهاب برحمة الله متدثرة متعثرة فتعرض لها المجرم العابث وألزقها بالجدار ، ويسقط مصحفها مضرجا بدمائها الزاكية
(اقرأ الخبر في الصحيفة المذكورة عدد الثلاثاء 23/11/1433هـ)
تأثرت لهذه الحادثة وكتبت هذه الأبيات..

خرَجَتْ تجرجر خطوها متعثِّرة
بحجابها وحيائها متدثرة

لولا الذي في قلبها من حُبِّه
 أضحى لها قعر المنازل مقبرة

معها كتاب الله يهدي خطوها
 نحو المعالي والتقى نِعمَ المَرَة

حفِظته عن ظهر الفؤاد كبيرةً
ورَدتْ من السبع المثاني كوثره

خرجتْ تغالب ضعفها وسنينها
 وشعارُها للقبر من ذي المِحْبَرة

والغيبُ يخفي للمنايا فجأة
وفجيعة تذر النهى مُتَحيّرة

ثم التقت هي والحمام بموعد
لا سابق عنها ولا متأخرة

فإذا الحجاب مضرج بدمائها
وإذا العباءة بالثرى متعفرة

والمصحف المكنون فاحت ريحه
 بعبيرها ودمائها المتعطرة

وإذا لها الروح النقية في العلا
 تسمو وأملاك الرضا مستنفرة

يتسابقون وأيُّهم مُتَشرِّفٌ
في قبض روح بالكتاب مطهرة

وجنى عليها طائش متهور
من شلة مجنونة متهورة

 مسلوبة أفكارها مهووسة
بالانتحار قلوبها متحجرة

مستكبرين بغيِّهم فكأنهم
حمرالبراري أدبرت من قسورة

ما ينقمون سوى رَفَاهٍ فارهٍ
قُتِل الكنود لربه ما أكفره

وقوى الضلال تسابقت لعقولهم
سبقا وكلٌ بثّ فيها عسكره

فقلوبهم ببلائها مسكونة
وعقولهم بجيوشها مستعمَرة

يا فعلة منها تزلزلت الدنا
وتجاوبت في غضبة مستنكِرة

كم مرة قلنا سيقُطعُ دابرٌ
من ذلك الإرهاب ياللمسخرة

وتمر مرات الكرام بهولها
كسحابةٍ للصيف عجلى ممطرة

في كل يوم نستفيق على صدى
لمصيبة عظمى ولا من تذكرة

واليوم يَغتال الطهارة منهمو
وحش على أمن الورى ما أخطره

وضحية هي للألى كضحيةٍ
لمشاهد تذر القلوب مسعرة

تذكي وتلهب أنفسا حتى لها
تذر الغرائز نارها متفجِّرة

يمسي لها المجنون ينفق ليله
ونهاره متلهفا للمجزرة

حُبست لنا الأنفاس كل قائل
سَلِّم وكلٌ قلبُه في الحنجرة

فكأن نعش الموت تحت ركابه
فرس المعارك والشقيَّ كعنتره

وكأنما هو زورق في لُجةٍ
مجنونةٍ أمواجها متجبِّرة

طورا تقدَّمُ مثل جيش زاحفٍ
مثل الجبال وتارة متقهقرة

يشكو إليه بصَرِّه وفحيطه
حتى أصمَّ مسامعا بالصرصرة

(للقير) زَعْقٌ والمكابحِ صرخةٌ
وله بمنعطفِ الشوارع فرفرة

لوكان يدري ما المحاورة اشتكى
ولقال قولة ذي الشعور معبِّرة

أهلكتني ياذا الشقيُّ فياترى
مَنْ قبلَ ذا المجنون أهلك(موتره)

أقتلت نفسا يا شقيُّ بريئة
كم دمعة من فقدها متحدِّرة

كم أكْبُدٍ لمصابها مكلومة
فيها رُهاب الهول أغمد خنجره

ياليتها بقيت وأنك هالك
بمكانها ورفاقك المستهترة

أهلكت يا رجس الخطيئة طهرها
يُفْدَى بوجهك أخْمَصُ المتطهرة

أوَ كل هذا كي تُشجّعَ في الملا
ولكي يقال لك انظروا ما أمهره

ولينقش اسمك في المراحض واضحا
عاش الخطير وهل بذلك مفخرة؟!

ماذا عسَيت لدى القيامة قائلا
أتقول يا رحمن أرجو المعذرة

أتقول يا رحمن هل لي توبة
من فعلة عظمى وهل لي مغفرة

ماذا إذا انقشعت ضبابتك التي
حجبتك في لجج الضلال المسكرة

أتراك آتِيَ قبرها في لوعة
تجثو عليه بمقلة متحسرة

تحثو وتلطم -باكيا ومولولا-
خدّا وكم مِن قبلُ كنت مُصَعِّره

وتَعَضُّ إبهاما وتَقطَعُ أنملا
هلّا فعلتَ لذاك وقت المقدرة

من قبل أن تَلقى كما لَقِيَته من
هول المنية والردى والغرغرة

ذهبت إلى الله االشهيدة بَرَّةً
وبقِيتَ تلعنك الجبال المقفرة

أَغْمِض جفونك هانئا فخصيمك القرآن -وهو بحُجَةٍ- ما أقهره