تعديل

بحث

الخميس، 17 أبريل، 2014

يا شيخيَ ابن العين ، ارقد قرير العين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله : 
بلغني نعيُ شيخي وأنا في مكة المطهرة ، أم القرى ، البيت العتيق ، مهوى القلوب ؛فيها تفرغ أحزانها، وتستجم من آلامها،  وتغتسل من أدرانها؛ كلما رانت عليها الأدران ،وحاقت بها الأحزان ؛فالحمدلله الذي جعل لنا في القرى أم القرى. 
وفي هذه الرحلة المكيَة سكنَت قلبي سكينةٌ لم أجد مثلها قبل : 
فساغ لي الشراب وكنت قبلاً
أكاد أغص بالماء الحميمِ  
طاب لي القول ،  وصفا الرأي ،  وراق الفكر، وأغرى الشعر، فشرعت في قصيدة مكية ، أردت أن تكون من فرائد القصائد ، وعيون الفنون؛لأن القائل في الأغراض الشريفة،والمقاصد المنيفة،إما أن يبدع مقالا،فيقول القائل :(هكذا هكذا،وإلا فلا لا)
زورت أبياتا منها في نفسي ، ولم أخرجها من حدسي إلى حسي ، وكلما فرغت من وظيفة تعبدية أو علمية صنفت في ذهني بيتا جديدا ، فكنت كفاتح يشعر بالزهو كلما أضاف إلى مملكته مدينة جديدة، وإني لكذلك حتى وردني نعي شيخي وحبيبي ومعلمي كتاب ربي وأوجب الناس حقا علي بعد والدي، محمد بن علي بن حسان العين الحدائي رحمه الله ، فأرتج عليّ ، واسودت الدنيا في ناظريّ، وفلت مني زمام القصيد ، ونحا الحداء نحو الرثاء ، ولم أشعر بنفسي حتى تمادى بي ، ونسيت لوهل الهول ما شرعت في الشعر لأجله ، فرأيت إبقاءها في عالم الأذهان ، إلا أني خشيت عليها النسيان ، وأشفقت إن أذعتها أسنّة ألسنة النقاد الحداد ، وقولهم : هل عهد في قصيدة أن تبتنى على غرضين ؛ وقلت لعل أحدا من الشعراء يجيد القيل، ويشفي الغليل ، ولما لم تقع عيني على ما يشفي الفؤاد ، ويبل الصاد، من فصيح الضاد، قلت مالي وللنقاد ، ولعل لرهبة الموت ذعرا، قد يُبلغ النقاد من لدني عذرا. 
شيخي محمد علي حسان:هو من ختمت كتاب الله في حلقته ؛ ذلك أنه من فضل الله علي أنه لم يسبق كتابه شئ من العلوم إلى ذهني ، ولم يزاحمه فن من الفنون في فهمي ، فالتحقت بالحلق قبل سن المدارس ، وكان أول من فتق لساني بالقرآن شيخي حمود بن ثنيان العصيمي التميمي في الزلفي جزاه الله عني خيرا وأحسن إليه وتجاوز عني لعقّه،وتقصيري في حقه ، وأوزعني بره ورد جميله ، ثم انتقلت إلى الرياض ، والتحقت بحلقة شيخي إبراهيم العجلان رحمه الله وهو أكثر شيوخي ملازمة وإفادة ، ثم انتقل الشيخ وأكملت في حلقة الشيخ محمد حسن دهمش اليماني رحمه الله ، ولم ألبث طويلا حتى ذكر لي شيخي محمد حسان العين الحدائي اليماني  في مسجد آخر فالتحقت بحلقته وأتممت حفظ القرآن فيها ، وكنت أنا والشيخ خالد اللاحم من الجيل الثاني من المتخرجين الخاتمين ، والجيل الأول عنده كان منهم الشيخ عبد الرحمن السديس إمام الحرم ، كان  الشيخ محمد رحمه الله بشوش الوجه حسن المعاملة سمح المعشر، أليفا لطيفا،كريما حليما، كان ساكنا في الوزير في غرفة مسجد ، ويتردد على حيّنا ثليم من بعيد على دبابه ، وكان مألوفا جدا ذلك الوقت تنقل الأساتذة على الدباب والدراجة الهوائية ؛ فالسيارات ليست في المتناول بكل حال ، والعحيب - ولا الغريب - استمرار الشيخ في مسجده الصغير على حسن صوته وجودة ضبطه وتجويده ، وكانت الفرص مهيأة جدا له لاختيار مسجد أكبر وحيّ أفضل ؛ إلا أن الشيخ ظل على وفائه لحيه ومسجده حتى مات في حادثه رحمه الله وكانت لي مع شيوخي ذكريات ماتعة ، ومواقف رائعة ، وفوائد نافعة،  لعله يتاح لي تناولها فيما أستقبل من كتابة ، فالكتابة عن الشيوخ مما تستحثه متعة الحديث ، وتغري به لذة الذكرى ، وتستدرجه أنواع الفوائد العلمية والأدبية، وهذه هي القصيدة: 

يا درة البلدان يا أمّ القرى
ياقبلة المهموم منقطعِ العرى

يأوي إليك كما أوى - متروِّحا
متفرِّجا - لحرائه  خيرُ الورى

في أُنسه يجدُ الحياة هباءةً
في جنب هائلةٍ تحرّى في حِرا

ولكَم قصدتكِ والحياةُ كأنها
سَمُّ الخياط وسرتُ متصلَ السرى

ولزمت حضنكِ دافئا فإذا به
يسري بروحي نحو شاهقة الذرى

حيث النعيمُ وجنة الدنيا التي
أبداً ، بكل كنوزها لا تُشترى 

يا تاج أرض الله لؤلؤة بها
مكنونة ولها الجمالُ تَخفّرا

اليومَ يومُك والقصيد أصوغه
عقدا من الياقوت عانق جوهرا

سأقول فيكِ قصيدة تحدو بها
كل الحداة من الأيانِق ضُمّرا

لعيون مَنْ خضع الجمال لحسنها
خجلا وأطرق عندها وتحيرا 

ماذا عسى يا قبلتي أنا قائل
لو كنت مِن كل الجهابذ أشعرا

لو فقت قيسا وامرأ القيس الذي
يدعونه ملكَ القصيد وشنفرى

يصفو الزمان فأبتغي من صفْوِه
غراته نزرا وأختلس الكرا

فإذا صفا أو كاد أعقب صفوَه
نأيٌ ونعيٌ للّذائذ  كدرا

هي هكذا الأتراح تطرق لمْحَة
والبشر يزحف أو يسيرُ القهقرى

يا ليت مُبلغيَ الحوادث مثلما
بالحزن أخبر ، بالمباهج أخبرا

أوَ مرةً  يدع الغرير بغِرّة
جذلانَ يهدب سلْوَها مستكثرا

لمَ يا رسولَ الحزن تقتل بهجتي   
أخْطِئْ رسولُ وجِئْ  إليّ مبشرا

نبأٌ سرى ما كاد يبزغ  فجره
حتى لدمعي في المحاجر فجرا

العين مات وإن تمُتْ حَيِيَ العمى
وبأيّ عين سوف أنظر مبصرا

شيخي الحبيب محمدٌ يا ليتني
في قرب موتك قد علمت مبكرا

وإذن لأرويت الغليل بنظرة
هي زاد روحي في زمان أقفرا

شيخي الحبيب تذيب قلبي حسرةٌ
مما عققتك واعترفت مقصرا

تعِدُ الأمانيْ بالوصال وفجأة
نجد الأمانيَ بالمنايا أقصرا

تملي لنا الأيام وهي مليئة
بالفاجعات وما أمرّ وأغدرا

شيخي كبرتُ وإن لقيتك لم أزل
طفلا بغير طفولتي لن أشعرا

وأظن مهما قد فعلتُ فليس لي
ذنب فأستبق العتاب لأعذرا 

ما أجملَ الأيامَ يوم قضيتُها
طفلا تعلمني الكتاب مفسرا

ما العمر كان سوى الطفولة والصبا
وشبيبة بالعنفوان تفجرا

كانت ملاعبه العذاب مغانياً
أودعتها كنز المشاعر متْجَرا

ولها أفرُّ إذا المباهج أقفرت
متزودا متعللا مستمطرا

متقمصا برْدَ الصِّبا متوشحا
مهد الطفولة ماردا متجبرا

ما مثليَ النمرود في سطواته
بطرا وأهزأُ بالملوك  وقيصرا 

يا حسنها ؛ لولا الحقيقة جلجلت:
دع عنك أحلاما ، وأنت وما ترى

شيخي ارتحلتَ وما اشتفيتُ بنظرة
من نور وجهك ما أجلّ وأزهرا

يكفيك يا ابن العين فخرا عندما
قضّيت عمْرك للكتاب محبرا

ومعلما جيلا فجيلا كلهم
أخذوه منك مجودا ومعطرا

منهم من ارتحل المنابر إن تلا
أصغت له الدنيا ؛ فجهدك أثمرا

ورحلت يا ابن العين رحلة صادق
فارقد قرير العين وانهلْ كوثرا










هناك 9 تعليقات:

  1. لا فض فوك شيخنا وحبيبنا الفاضل المناضل، وهذا البيت قاسي، لما فيه من المآسي،
    [[ شيخي الحبيب تذيب قلبي حسرةٌ - - - مما عققتك واعترفت مقصرا ]]
    فقد ينسى حافظ القرآن معلمه، أو ينشغل عنه فلا حتى يكلّمه، لعلّ من الحفّاظ، من نسي جميل الألفاظ، والوصل الحسان، لأهل الخير والإحسان، ممن علّمهم القرآن، أَولى العلوم والتبيان، وليس هذا بحسن الجزاء، لأهل الفضل والوفاء، فلعلّ ماذكرته ياشيخ محمد، شاحذا للهمّة ومسدّد، بليغا كافيا، جميلا وافيا، وتنبيهك جدّ مفيد، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فأحسن الله إليك، ولوالدي ووالديك، ولمشايخنا ومن علمنا، وأسدى النصح وفهمنا، وجعل مثوى الجميع، الفردوس الأعلى إنه مجيب سميع - اللهم آمين -

    ردحذف
  2. رحمه الله رحمة الأبرار واسكنه فسيح جناته

    ردحذف
  3. يا لروعة وفاءك وكريم خصالك ياقٓبلة الله.

    ردحذف
  4. رحمه الله تعالى وأسكنه جنات الفردوس مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وجزاك الله ألف خير شيخنا الفاضل .

    ردحذف
  5. رحمه الله تعالى وأسكنه جنات الفردوس مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وجزاك الله الف خير شيخنا الفاضل .

    ردحذف
  6. رحمه الله واسكنه جنته .

    ردحذف
  7. رحممه الله ، واسكنه فسيج جناته .

    ردحذف
  8. محمد المطرودي29 أبريل، 2014 12:52 م

    عفى الله عنك ياشيخنا المتواضع كماعهدناك في كلية الشريعة في مبناها الحالي
    نعم القدوة

    ردحذف
  9. رحمك الله ياشيخ محمد العين واسكنك فسيح جناته

    ردحذف