تعديل

بحث

الأحد، 27 أبريل، 2014

جناية الآلات على الأعضاء والقدرات

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله   ،،،،،،   وبعد :
بقدر ما قدمت الحضارة وإفرازاتها للبشر من خدمات وسعادة وراحة مادية فقد جنت على صحتهم البدنية والنفسية جناية مميتة أو شبه مميتة، فشلّت كثيرا من قدراتهم ووظائف أعضائهم أو أوهنتها فآلت إلى حال وجودها وعدمها سواء.
ولست بصدد شرح أمراض الدعة والخمول والفراغ الناجمة عن الحضارة فذلك شأن يطول ؛ لكني أردت هنا بيان شيء من جنايتها على القدرات ووظائف الأعضاء الحيوية ، فأقول :

١/ كان الإنسان يتعاطى كثيرا من حاجاته اليومية بيديه أخذا وشدا وحملا وبطشا واحترافا كان يحفر لاستنباط الماء وينزع دلوه ويمتح غربه ويفلح أرضه ويحتطب ويتعاطى الفؤوس والمعاول والمساحي ويضرب بالسيف ويقطع الحجر ويبني داره ويسوس فرسه ويعلف جمله ويرضح نواه ويحلب شاءه ويطحن حبه ويسقي زرعه وكان يخط بالقلم ويتعلم المهن ويحترف الحرف إلى غير ذلك من المهن الشاقة فيكسب ذلك يديه الشدة والقوة والصلابة والمران والمهارة: 
كما قال امرؤ القيس:

درير كخذروف الوليد أمرّه 
تتابع كفيه بخيط موصّل

وقال طرفة :

أمرّت يداها فتل شزر وأفرعت
لها كتفاها في معالى مصعّد

وقال المتنبي :

وشزّب أحمت الشعرى شكائمها
فوسّمتها على آنافها الحَكَمُ

كل هذا قضت عليه حضاره ظاهرها الرحمة وباطنها من قبلها العذاب ، فقبضت الأيدي عن كثير من هذه الأشغال والمهن والمهارات واستبدلت بها زرا يضغطه أو سلكا يوصله فوهنت الأيدي وترهلت وتنعمت وكلّت عن كثير من شريف المهن وجميل الحرف ، وصار ابن الحضارة  أخرق أحمق كلا على الأمم أينما توجهه لا يأت بخير. 

٢/وكان يمشي إلى حاجاته على قدميه ويتسلق ويصعد ويهبط الدرج والجبال وربما سافر على الأقدام حتى حج البيت الحرام ، حافيا ومنتعلا، فاعتاد المشي وألفه وسلم من كثير من الأدواء والأسقام واللحوم والشحوم والدسوم وما ينتج عنها من أزمات وصدمات لاترحم.
وجاءت الحضارة بمراكبها ومواكبها ومصاعدها وسيورها فكف رجله عن المشي والصعود ، فأصيب بالتكدس والتكلس والتلبك ورانت على عروقه الدسوم وتراكمت على أعضائه الشحوم وإن اضطر للمشي يوما صار كالذي يتنفس من سم خياط أوكما قال الشاعر:
... مثل عملاق له
ألف أنف وله نصف رئة

ومن ابتلي بالدعة والراحة يرى نفسه في مشاعر الحج مثلا لا يستطيع أن يباري شيبات وعجائز المجتمعات الريفية الفقيرة ممن عوفوا من هذه الحضارة وإفرازها.

٣/ وكان في بيدائه وصحرائه وقريته يطوح ببصره بعيدا لا يحد بصره جدار ولا تكسره دار ، كان يمده بعيدا حتى ينقطع دونه السراب ويرمي به في جنبات الأرض وآفاق السماء وأعالي البحار ينتظر المراكب ويسيّر الكواكب ويراقب النيّرين ويقص الأثرين ويميز الخطى وكان مثله مثل زرقاء قال النابغة فيها:

تُحِفُّه جانبا نيقٍ وتُتبعه 
مثلَ الزجاجة لم تكحل من الرمدِ

وكما قال طرفة:

وعينان كالماويتين استكنّتا
بكهفَي حجاجي صخرة قلْتِ موردِ
طحوران عُوّار القذا فتراهما 
كمكحولتَي مذعورة أمّ فرقد

وأما اليوم فيجد المرء طرفه كليلا حسيرا تحده الجدر وتحجبه السقُف ، ففقد لياقة البصر ومرانه، فصار دنوُ بصره إليه أسرع من دنو خطوه ، وما بقي من بصره فشاشات التلفزة والهواتف والحواسب والألعاب والعدسات المقربة والتجميلية له بالمرصاد.

٤/ ومثل ذلك السمع ، فقد اعتاد الناس قديما على الاعتماد على آذانهم رهافة وتحسسا وتوجسا ، يعرفون الأصوات ويميزون بينها ، يميزون في الظلام مشي الإنسان من الناقة من الكلب من الذئب وأصواتها وحفيف الريح وخرير الماء ويعزون كل سجع وصوت إلى طائره ، وربما ميزوا في الظلام وقع آقدام فلان من فلان ، ويستشرفون الجرْس الخفيّ والهجْس القصيّ ، كما قال طرفة:

وصادقتا سمع التوجس للسُّرى
لهجس خفيٍّ أو لصوت مندّد
مؤللتان تعرف العتق فيهما
كسامعتي شاة بحومل مفرَد

وما نصيب الناس من هذا اليوم مع قلة الاعتماد على السمع وطغيان ضجيج الآلات ؟! وما بقي من ذلك اكتسحته دون رحمة ولا هوادة أجهزة الاتصال الملصقة بالآذان فعكرت رهافتها وشوشت صفاءها وأفسدت حسها وقربت سمعها وأحدثت لها من الطنين والضعف والصمم المبكر ومقدماته مالا يحصر ولا يحصى.

٥/ ومن أشد الجنايات ومستحكم البليات ما مني به الجهاز المناعي والقوى المقاومة للأمراض والمضادة للأعراض،أما الأمراض فمعروفة وأما الأعراض فهي تقلبات الجو، فلقد كان ابن القرية والريف والصحراء يأكل من زاده بلا تبريد أو تجميد ويشرب من مائه بلا تكلف تنقية وتصفية ويتعرض لأعراض الجو حرا وقرّا، وروائح وبوارح،فيكتسب جسمه المرونة والتكيف مع جوه حره وقره ، وكانوا في أكباد الصحارى يمشون على رمضائها وزمهريرها حفاة الأقدام عراة الأجسام ، وإذا وعك الواحد منهم تحمل المرض الخفيف وتعاطى ما تقع عليه يده من أعشاب وكي ، فاكتسبت أجسادهم صلابة ومقاومة للأمراض وتكيفا مع الأعراض ، الأمر الذي حرمه جيل الحضارة وما ينبغي لهم وما يستطيعون ، فلقد ركنت أجسامهم إلى المضادات الحيوية التي يتنافس الدكاترة ولا أقول الأطباء في صرفها لداع ولغير داع ؛ إذ إن لكثير منهم نسبا في المبيعات واتصالا مباشرا بمندوبي الشركات ، وشركات الأدواء المسماة بالأدوية أكثر من شركات الأغذية وفي كل شر ، إن الطبيب الناصح لا يسارع في صرف المضاد إلا لأقصى ضرورة لأنه كما اسمه مضاد لحياة البكتيريا وربما لحياة الإنسان ، ولقد ركن الجهاز المناعي للإنسان وأصيب بالخمول نظرا لتواكله عن مهمته بسبب ما يدعم به منذ المهد من مضادات واسعة الطيف أفقدته حساسيته في التعرف على الغزاة وشراسته في القضاء عليها ، فأدمنت الأجسام هذه المضادات وفقدت لياقتها الدفاعية ، وزاد الطين بلة والمرض علة والنار ملة الجهد الفائق الذي يبذله الجهاز الدوري فيما يسمى بالأيض والاستقلاب والتخلص من رواسب هذه المضادات وآثارها الجانبية.
وقل مثل هدا في وسائل التكييف ، فمنذ اكتشاف فريون للغاز البارد واستعماله في تجميد الأطعمه وتبريدها وتبريد الأجواء وتعميمه في العالم أسرف قومنا كثيرا في هذا الفريون ولم يعتبروه ملطفا أو مكيفا كاسمه بل استعملوه لتجميد البشر في المدارس والجامعات والدوائر والمساجد والسيارات ، فصار المرء يخرج من عمله أو مسجده المتجمد إلى حرارة تقارب الغليان والضحية الأجسام التي فقدت مقاومتها لأعراض الجو وتكيفها الطبعي معه فصارت تصرعها أول موجة برد أو لفحة حر ، وعمت الأمراض الموسمية وأصبح الرشح ملازما للإنسان عامّة عامِه.

٦/ وأخيرا لنعرج على أهم مما تقدم كله على أهميته وهي القدرات العقلية ، فمعلوم أن العقل له وظيفتان فاعلية وانفعالية وهما ما يعبر عنهما المناطقة :(بأن يفعل وأن ينفعل )، فأما الانفعالية فهي المرتبطة بالجهاز الودّي المرتبط بالأعصاب النقّالة للذة والألم والحسرة والحزن والفرح والسعادة والهم والخجل والوجل إلى غي ذلك،
وأما الفاعلية : فهي الأعمال العقلية وقدرات الذكاء : الحفظ والتذكر والتوقع والاستدعاء والإقصاء والربط والمقارنة والتحليل والاستنتاج إلى غير ذلك ، وهذا الجانب هو في الغالب محل جناية هائلة للحضارة وإفرازها ، والحديث فيه يتشعب ، ومما لا ينبغي أن يغيب عن البال أن الذهن قوة من قوى الإنسان كالعين واليد والأذن ، والقوى تزيد بالإعمال وتنقص بالإهمال فإذا دُرّبت ذَربت ، وإذا عطلت قلت وكلت ، مثلها مثل الضرع إذا استُدِرَّ درّ وإذا ترك قرّ ؛فالحافظة مثلا مساحة صغيرة جدا في الدماغ لكن مغرز دبوس فيها يكفي لحفظ مكتبة كاملة ، ولاعجب فأنت ترى الذاكرة الصناعية بحجم ظفر الخنصر أو دون ذلك تحفظ بما فيها من النيترون والألكترون والسليكون آلاف المجلدات ، فما ظنك بقدرة دماغ صنعها ؟! تبارك الله أحسن الخالقين،
وأنت ترى القدرة والسرعة الفائقتين للحاسوب في العمليات الحسابية والإقصاء والاستدعاء والربط والمقارنة والاستنتاج ، والبحث والفرز والترتيب فما ظنك بقوة صنعته تبارك الله أحسن الخالقين.
والمقصود أن الناس قبل هذه الحضارة كانوا يعملون أفهامهم ويدربون أذهانهم ويمرنونها على ما ذكرت من أعمال فاعلية فكان الواحد بالفطرة أو المران يحفظ القصيدة من سماعها أول مرة ، ويتذكر دون أن يحك رأسه ويستبط بقدرة وسرعة هائلتين وكان الخطباء والمتحدثون على المنابر يفلقون هام الكلام بلسان كالحسام ويفتضّون أبكار الأفكار ويقيدون أوابد الفوائد ويصيبون أكباد المعاني بأجود المباني ويضعون الألحاظ على مناسب الألفاظ وينشئون وينشدون ويعربون ويستدعون الشواهد من الآيات والأبيات كل هذا بأسرع وقت وأقل جهد دون تلعثم أو تكرير أو تنحنح ، وعلى رؤوس الأشهاد والعباد من النقاد والجهابدة ومتصيدي الأخطاء ومنقبيها بالمناقيش ، واشتهر حفاظ الأحاديث بالأسانيد والمتون بالآلاف وعشراتها ومئاتها وحفاظ الدواوين والمعجمات وغيرها.
 وفي زماننا من الريفيين والصحراويين الذين لم تفسد الحضارة حياتهم من يذكرك بالمتقدمين ، ولقد قابلت صبيا أعمى لم يتجاوز الحادية عشرة يحفظ القرآن من فاتحته إلى خاتمته بأرقام الآيات والصفحات والأحزاب والأجزاء ومكان نزول السور واختبرته في أصعب المقاطع فأجاب دون تردد تارة أعطيه رقم الآية فيقرؤها وتارة أعطيه الآية ويذكر رقمها،ويحفظ جملة عظيمة من المتون والأحاديث ، وخطب في مجلس حاشد خطبة عصماء تجاوز أدق الأعاريب لم يلحن في حرف، ذلك فضل الله ، وقابلت صبيا أعمى يحفظ القرآن بالآيات وأعجب من ذلك أنك لا تذكر له تاريخا قديما أو حديثا منذ سجل التاريخ إلا سمى لك اليوم وقد سألته في حوادث قبل أن يولد فأجاب دون تردد ولا تباطؤ، قبل أن تنطبق شفتاي من السؤال، وأذكر أنني سألته عن تاريخ فأجاب :(ذلك يوم الأحد) فقلت بل الثلاثاء، فرد علي حالا: أدري أنك تريد تاريخ قتل الملك فيصل فهذا بعد تاريخك بيومين ! علما أن الملك فيصلا رحمه الله قتل قبل أن يولد بكثير، وأعرف من العامة شيخا كبيرا مارأيت أدق منه صحبته طويلا يحفظ أعداد الآيات والسور المتشابهة والمتقاربة ويمتحن حملة الشهادات بذلك فلا يكاديون يحيرون جوابا، ويحسب بالبديهة أدق الحسابات ،  يحسب السنة بالدقائق والثواني ويضبط الحساب والنجوم ومنه تعلمت أول ما تعلمت النجوم ، وهو الآن قريب التسعين ولا زال على ضبطه وإتقانه ختم الله لنا وله خير ختام ومتعه وإيانا بالصحة والعافية،
ومما أذكره في صغري أن شابا قرويا من قرى الرمل عندنا لم يدرس إلا الابتدائية ثم تفرغ للمهنة كانوا يذكرون عنه حذقا في الحساب والجبر ومعادلاته فيفزع إليه الطلاب لحل المعادلات التربيعية الحرجة وثلاثية الحد ونحوها. 
هؤلاء وأمثالهم عافاهم الله من مفسدات الفطرة ومنغصات الحياة التي جنت على الأعم الأغلب فلا يكاد واحدهم يضرب الجدول الصغير إلا بحاسبة فضلا عن العمليات الكبرى، واعتمد على ذاكرة جهازه ومسجله في كل شيء ، وأراح نفسه بمحركات بحث جهازه من عبء التفكير والتركيز والتنقيب عن المعلومة ومعرفة النجوم وضبط الجهات والقبلة فعقله في جيبه يحفظ له ويوجه طريقه ويؤذن له ويحدد قبلته ويوقظه للصلاة ووو، إذا أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا،إذا فرغ شحنُ الجهاز قاموا فهم صم بكم عمي لا يرجعون ، هذا إن نجوا من متاهة وبقوا على قيد الحياة،
والعجيب أن الإنسان الغربي المكتشف لكثير من وسائل الحضارة ، في الغالب أقل ركونا إليها وتمتعا بها من الشرقي أو العربي والمسلم بكل أسف ، فلا زال الغربيون يأخذون أنفسهم بالبرامج الصحية الجادة حركيا وغذائيا ، ولا زالت روح البحث تستهوي صغيرهم وكبيرهم ولا زالت ناصية الكشوف وزمام الاختراع بقبضتهم ، وهذا ما ربّوا عليه ولقنوه مع لبان الأمهات، ولما شبت روح المنافسة وهرعت دول الغرب متسابقة للكشوف في القرون الماضية ، كان الواحد منهم يخطط للمعمل عند بناء بيته قبل غرفة نومه وصالون طعامه وترفيهه ، فأنتجوا لدنياهم وفازوا بالصدارة وأصبح العالم محكوما لهيمنتهم عسكريا واقتصاديا وثقافيا،  
هذه سوانح أفكار كنت كتبتها لنفسي على عجالة من قبيل المذكرات ، ثم رأيت نشرها راجيا أن يجد القارئ فيها شيئا من الفائدة ، ولاغنية لها عن مراجعات وإضافات ،،
والحمد لله رب العالمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق