تعديل

بحث

الخميس، 29 مايو، 2014

حرم الحمى عين وأنتِ سوادها

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ،،،،،،،،،،،،،، وبعد:
فإن مما يستبشر به العبد ويُبشّر ما يمن الله به عليه من التوفيق ؛ والتحدث والتحديث والاستبشار والتبشير بهذه النعمة عبادة ، لا على سبيل التظاهر والتفاخر ، بل على جهة الامتنان لصاحب المنة وشهود النعمة ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾وكثير من العلماء والفضلاء تحدثوا عن رحلات حجهم وعمرتهم على هذا السبيل .
واليوم منّ الله عليّ بتحقق أمنية من أعظم أمنياتي في الحياة بفضل منه وحده ولذلك قصة غريبة ، وقبلها رؤيا عجيبة ، لم أكن أعلم ولم يخطر ببالي أن تعبيرها وقوعها ، ولما تحققت تذكرت رؤيا رسول الله ﷺ المبشرة بدخوله وأصحابه البيت آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين قبل بوقوعها بعام ، وكانت أمنية نادرة عزيزة المنال لرسول الله ﷺ وأصحابه ، وكان من أغلى المآرب وأعلى المطالب دخولي البيت العتيق والصلاة فيه والتكبير في نواحيه عملا بالسنة الثابتة ؛ وليَ أن أحرص على ما حرص عليه السادة وأتطلع إلى ما تطلعت إليه القادة ، فقد تطلع إلى هذا الشرف أحب الخلق إلى حبيب الله عائشة ، وابن عمر كما سأذكره لاحقا بإذن الله ، كانت تلك لي أمنية ، إلا أني كنت أستبعد حصولها لا يأسا من روح الله ؛ لكن لعلمي أن الأمر يحتاج وساطات ومطالبات، وبذل وجه قد يتحقق مراد باذله ، وقد يرجع بالحسرتين ، وما كانت نفسي لتطيب بشيء من ذلك ؛ فلذلك كنت أسمع أخبار المغتبطين بهذا الشرف بكثير من الغبطة لهم حتى كان الفضل من الله .
ولأعد للرؤيا أولا : فقبل أيام رأيت في منامي كأني داخل الحرم ضحى من جهة باب السلام وكأن المطاف قد أخلي لي وإذا بي أتوجه إلى الحجر الأسود وحوله بعض العسكر وأكببت عليه وقبلته ، ثم استيقظت فرحا مستبشرا ، ولم أحدث برؤياي أحدا ، فلما كان من الغد : استيقظت زوجتي من نومها وقالت : رآيت قبل قليل رؤيا واضحة عجيبة ، قلت : خيرا رأيتِ ، إن كانت خيرا فقصيها ، قالت : رأيتك داخلا الحرم ضحى والحرم شبه فارغ وتتوجه إلى الحجر الأسود ثم تقبله وتدعو بدعوات ذكَرَتهُن(في أمر أسري خاص)ثم أذن للظهر ، فتعجبت كثيرا من توافق رؤياي ورؤياها ، دون حديث نفس ولا مجلس ، وعلمت أن لها تأويلا ؛ لأن من أقوى علامات الرؤيا الصادقة التواطؤ عليها ، كما في الصحيحين في ليلة القدر : " أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريَها فليتحرها في السبع .. الحديث"
ولكني تحيرت كثيرا في تأويلها وسألت بعض حذاق المعبرين فما شفوني ، وتلوّمت أنتظر تأويلها، حتى كان قبل أيام اتصل بي أحد الفضلاء يطلب إرسال صورة من إثباتي ، لتقديمها للجهات المختصة بغرض المشاركة في دخول الكعبة المشرفة وغسلها والصلاة فيها، فحمدت الله على هذه المنة التي جاءت إليّ تسعى دون طلب ولا منة إلا لله وحده ، وقلت في نفسي ما قال ابن عباس رضي الله عنهما : أنا أعقل من أرد نعمة أنعم الله بها علي ، وأرسلت ما طلبوا ، وتساءلتُ : أهي الرؤيا؟! ربما لكني لم أجزم ، ثم أخبرت بالموافقة فجأة عصر أمس الأربعاء ، واعتذر صاحبي بأنه ظن أن الموعد غرة شعبان كما هو مقرر ، وإذا وافق إجازة أخروه يوما ، فظن أنه الأحد ، إلا أنهم هذه المرة رأوا أن تقديم يوم أولى من تأخير يومين فجعلوه الخميس ، وفهمت أنه ربما حصل تلكؤ في الموافقة بسبب كثرة المتقدمين ولكن﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها﴾وهنا تضاءل أملي ؛ لأن الوقت ضيق والضغط على خطوط الطيران كبير جدا ، ونحن في بداية إجازة ونهاية دوام ، وقلت: لكن الرؤيا تقول إن الأمر سيتم ، فتوجهت إلى المطار للانتظار رفقة أبي ثابت الذي علم بالأمر فسارع كعادته الكريمة إلى الفزعة ، وهو رجل المهمات وفتى الفزعات قال الشيخ محمد الحمد : كلما رأيته تذكرت قول أبي الطيب :
وَأهْوَى مِنَ الفِتيانِ كلّ سَمَيذَعٍ  
نَجيبٍ كصَدْرِ السّمْهَريّ المُقَوَّمِ

خطتْ تحتَهُ العيسُ الفلاةَ وَخالَطَتْ
بهِ الخَيلُ كَبّاتِ الخميسِ العرَمرَمِ

وَلا عِفّةٌ في سَيْفِهِ وَسِنَانِهِ
وَلَكِنّهَا في الكَفّ وَالطَّرْفِ وَالفَمِ

وَمَا كُلّ هَاوٍ للجَميلِ بفاعِلٍ
وَلا كُلّ فَعّالٍ لَهُ بِمُتَمِّمِو
وأوصيته أن لا يلح كثيرا فإن حصل المقصود فذلك ما كنا نبغ وإلا رجعنا والحمد لله ، وذهب أبو ثابت إلى مأمور الإركاب وما أبطأ حتى جاءني يتبسم ، وقال : توكل على الله نودي على رحلتك ، قلت : بهذه السرعة؟ قال نعم ، قلت : وكيف تم الأمر؟ قال : كلمت المأمور ، فقال لا تحاول الفرصة محدودة جدا أو معدومة ، وما أركبت إلا واحدا في مهمة(مهمة) فهو سيشارك في غسل الكعبة صباح غد، قال أبو ثابت : وصاحبي كذلك ، سيشارك في غسلها، قال : لعلك تمزح طمعا في الركوب ، قال: لا وهو عندك فاسأله لماذا سيسافر ، وهو لم يسمع كلامنا ، فأعطاه بطاقة الصعود ، وتعجبت لهذه الموافقات في الرؤيا والواقع ،وركبنا.  
وصلت قبيل الفجر وصليت الفجر في الحرم ، وكتبت تغريدة(قرأ الإمام) ثم توجهت إلى مكان التجمع تحت المكبرية ، وأدخلت بعد التأكد من مطابقة الاسم في الهوية على اسم تذكرة دخول الكعبة ، وأعطيت بطاقة تحمل رقم ١٤٢، وانتظرنا مليا ، وفجأة سمعنا جلبة عظيمة وهتافا ، فعلمت أن الكعبة فتحت ، فهلل الناس ، وفوجنا أفواجا ، وكنت مع فوج فيه من المشايخ والعامة وأناس من دول أخرى ،أما الرسميون والوفود والضيوف الخارجيون فلم نرهم كانوا في الأفواج المتقدمة فلما جاء دور فوجنا كاد قلبي يطير -كما قال جبير رضي الله عنه- كاد ينشق صدري لوجيبه ، ويسبقني قلبي إلى أحلى وصال وأغلى لقاء وأعلى مقام في هذه الدنيا ، ومشينا يحيط بنا الجند وسط غبطة الناس وهتافهم ، ووجدت الصحن مفرغا والضيوف يقبلون الحجر واحدا واحدا وهنا لم تبق شعرة في جلدي إلا اقشعرت وكدت أسقط من الدهشة وأيقنت أنها الرؤيا بلا مراء ، وقلت : اللهم كما فتحت لي بيتك فافتح لنا جنتك ، وافتح لدعوتي باب القبول ،أخيرا أنا والحجر وجهاً لوجه ، لا أحد يزاحمني ، أحقا ما أرى ، وأنا لم أزاحم على الحجر منذ صغري وما قبلته ، إلا صبيا صغيرا ، كنا صبية نتنافس أينا يقبل أكثر وندخل من خلال الناس ، والناس ذلك الوقت ليسوا بالكثرة ، فأما الآن فأنى لك أن تقبل بين يدي هذه الأعداد الهائلة ومزاحمة النساء ومدافعة الضعفاء وكم سيكسب المرء من سيئة قبل حسنة التقبيل إن قبّل أو قُبِل ، وحاولت مرات أوقات صلوات الظهر لعلي أجد فرصة بعد السلام لقلة المصلين في الشمس ، إلا أنه قبل أن يفرغ الإمام من التسليمة الأولى ، وفي لمحة طرف إذا الطوابير بالمئات ، والظاهر أنهم يسلمون وهم يركضون ،فأقول : الله أعلم أن هذه العبادة لن تتيسر لي أبدا إلا أن يشاء ربي شيئا فالحمد لله، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، تقدمت إلى البيت العتيق وصعدت السلم ، ورأيت السادة السدنة الحجبة الشيبيين شيبا وشبابا تعلو وجوههم المتطلقة  البسمات كأنهم الأقمار يرحبون بكل بشاشة ويدعون ويهنئون ، فلما ضمني البيت العتيق بين أركانه شهقت فرحا وأجهشت بكاء :
وتمنيت أن أراك فلما رأيتكا
غلبَت فرحة اللقاء فلم أملك البكا
يا إلهي :
ماذا أراه حقيقة أم أنني
في بحر أحلامي اللذيذة أمخرُ
فعلت السنة فكبرت في نواحي البيت ، وصليت ركعتين هما ألذ وأروع وأمتع وأخشع ركعتين في حياتي، ودعوت بما زورت وأضمرت وهيأت من دعوات لنفسي ومن أحببت وأحبني وأوصيت وأوصاني ، ولإخواني المسلمين والمكروبين خاصة، ولمن أسدى إلي معروفا وتسبب في دخولي ، ولعامة المسلمين وخاصتهم ، إلا أن العجيب أنني نسيت تماما دعوات أدعو بهن بالمعافاة من بعض الأمراض والأعراض ؛ لأني شعرت بالعافية التامة ، فكأنه لم يمر بي شدة ولا بؤس قط في حياتي ، ونسيت أوجاعي وآلامي وهمومي وغمومي ، فنسيت تبعا ما أعددته من دعاء ، وهذا من أعجب العجب العجاب ، لما سلمت من صلاتي شعرت بشعور لا يوصف وباختصار شعور من هو في جنة الدنيا وفردوس الأولى وعدن العاجلة ، ورأيت بكاء الناس وخشوعهم سجدا وركعا عسى ربنا أن يتقبلنا منا ومنهم ، ورأيت بعض الناس يمسح الأركان بمناديل ، فقلت : إن كنت تريد تنظيفا وتطييبا فحسن وإلا فالسنة التكبير في نواحيه والصلاة ركعتين بين الأساطين تجعل اثنتين يمينك وواحدة يسارك وتصلي في آي اتجاه على أن الداخلين يتزاحمون على الركن الغربي ويتنافسون عليه ، ولا أعلم له مزية عن سائر الأركان ، سلمت على السدنة الشباب ، وأشاروا لي على كبيرهم السادن الشيبي ، وسألتهم : أنتم من ذرية عثمان ؟ قالوا نعم : من ذربة عثمان بن طلحة الحجبي ، وهو الذي رد إليه النبي ﷺ مفاتيح الكعبة بعد الفتح ، فشكرتهم ودعوت لهم جزاهم الله خيرا
والحجابة هي الشرف الباقي ، وقد كانت قريش تقاسمت وظائف البيت الشرفية فالسقاية لبني هاشم والحجابة لبني شيبة واللواء لعبد الدار وهكذا،وبقيت الحجابة للسدنة الشيبيين حفظهم الله وباركهم.
قبل الخروج ودعت البيت بنظرة أخيرة ، رأيت الهيبة والجلالة والبساطة ، ودب في داخلي خاطر مروع حفظ الله بيته وزاده مهابة وتكريما ، قلت : ماذا لو تولى مبتدعة الرافضة أو القبوريين  بيت الله معاذ الله ماذا كنت سترى من مظاهر الشرك 
والوثنية التي يعيدون بها عز هبل ومجد ود وسواع وأصنام حول البيت أكثر من ثلاث مئة ، وداخل البيت مالا يعد ولا يحصى ، من تماثيل الأنبياء وغيرهم، وفي الصحيحين : " أن النبي ﷺ لما دخل البيت ، أخرج تمثالين لإبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام ، فقال: قاتلهم الله إن علموا أنهما ما استقسما بها قط" وحطمهما
وتذكرت قريشا وقد أخبر النبي ﷺ عائشة أن قومها سدوا باب الكعبة الغربي ورفعوا الشرقي ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا في أول خطوة لتسييس البيت ، وكان من مكر قريش أنهم إذا أرادوا برجل إذلالا أصعدوه الدرج ثم زحموه وسقط وهذه في الموسم أمام سادات العرب أعظم مهانة ، ولما كان الجمع الأعظم في حجة الوداع وتطلع سادات العرب ورؤوس القبائل إلى هذا الشرف ، كما كانت تفعل قريش دخل النبي ﷺ ومعه بلال وأسامة والحجبي عثمان بن طلحة وأغلق الباب ، وهو الشرف الذي تمناه ابن عمر ليتابع أعمال النبي ﷺ خطوة خطوة ، ولذلك كان أعلم الصحابة بالمناسك فلم يؤذن له ، وبقي لدى الباب حتى فتح فبادر بسؤال بلال هل صلى النبي ﷺ في البيت ؟ فقال نعم وحدد له مكان الصلاة ، وتمنته عائشة أيضا فطلبت من النبي أن يفتح لها الباب وتصلي فأخذ بيدها وهي لا تشك أنه سيفعل لعلمها بمحبته إياها حتى أدخلها الحِجر وقال : صلي هنا فهو من البيت ، ومنْعُ  النبي صلى الله عليه وسلم السادات واختصاصه الموالي من الخطوات العملية الجبارة التي قضى بها النبي ﷺ على أعراف المشركين فحبس رؤوس القوم وساداتهم وما أدخل معه إلا عبدين لا يراهما الناس شيئا ليرفع مقامهما بالإسلام ويشعرهما أن جهادهما وصبرهما على البلاء أول ما أسلما محسوب لهما ولن يضيع في الدنيا فاليوم يوم الوفاء وما عند الله خير، وفي هذه الحجة أيضا وضع النبي صلى الله عليه وسلم ربا المشركين تحت قدميه وبدأ بربا العباس وأبطل دماء الجاهلية ، خرجت من حضن جنتي وأنا أشعر أنني قذفت من رحم الحنو إلى دنيا العناء والكبد والنكد ، إنه يوم ميلاد جديد ، أطاف الناس بي يهنئون ويرجون الدعوات ويسمون أهليهم ويعزمون علي الدعاء لمن سموا حتى قال أحد الطائفين : والنبي ما تنساهم ، فقلت سبحان الله أتحلف بمخلوق جوار بيت الخالق؟! وبينت له
خطأ وخطر هذه اللفظة الشركية ، انقلبت إلي بيتي مسرورا وكتبت هذه الأبيات :

حَرَمُ الحِمَى عينٌ وأنتِ سوادها
ولَأنتِ مِن أرض الوجود فؤادها

يا قِبلةَ الكونِ اليَراعَةُ تشتكي
قَفْراً ويَنضَبُ حِبرُها ومدادُها

يَنْدَكُّ عقلي رهبَةً وجلالةً 
كالطُورِ حين تدكْدَكَتْ أطوَادُها

عُذْراً إذا قصّرتُ هذا مَوقِفٌ
تتَقَاصَرُ البُلَغَاءُ يعجُمُ ضادُها

لولا فُيُوضُ الحقِّ من أنوارِها
أَلَقًا يُمـِدُّ قريحَتي إِمدَادُها

لمّا بدّتْ لي في السّوادِ مَهِيبةً
يا حبّدا هيَ دلُّها وسوَادُها

فأرَى بحَارَ الكَونِ تعرِضُ نفسَها
حِبْرًا ، وأقلامًا أَتتْ أعوَادُها

والشعرَ أبحُرُه تنادي كلُّها
أَبْحِرْ ؛ فرَهْوًا بَشَّرَتْ أَرْصادُها

وأرَى مَنَارتَها العظِيمةَ تنـثَنِي
قلمًا وصحْنُ مطافِها مِيرَادُها 

تتَدفَّق  الكَلِمَاتِ عِنْدَ شَبَاتِها
فإِذا حُبِسْنَ تَكاثَرَتْ أعْدَادُها

والطيرُ تَشْدو في فضَاءِ سمائِها
طرَبًا تسبِّحُ وانْتَشى غَرَّادُها

لولا الحياءُ أَجَبْتُهُنَّ مُأَوِّبًا
كم ذا يَهِيجُ مُتَيَّمًا إنشادُها

اليَومَ يومُ  وِصَالِ كَعْبتِيَ الذي 
من أَجـلِه عينَايَ طالَ سُهادُها

أناْ يا حَبِيبَتِيَ المُتَيَّمُ قلْبُه
ولَأنتِ يا تَيْمَ القُلُوبِ  سُعادُها

أناْ يا حبِيبَتِيَ المَشُوقُ ، ولو على 
عَينَيَّ نعلِي شَوكُها وقتَادُها

لأتَيتُ أسعَى ليس يَسبِقُ خَطوَتِي
عُوجُ الخيول مِهَارها وجِيَادُها

أَسمو بِوَصْلِكِ يا حَبِيبةَ مُهْجَتِي
صُعُدًا ، بُرَاقِي همَّتي ومُرَادُها

وأكَادُ أَعرُجُ للسماءِ كأنما 
شُدَّتْ إليَّ سِماكُها وشِدَادُها

وكأَنّمَا الجوزاءُ صَهْوَة مَوْرِكِي
وأرَى الثُّرَيّا في يَدَيَّ قِيادُها

أَنْهَى وآمُرُ لاعَصِيَّ لسَطْوَتِي
ملِكًا تُبَادِر إن أُشِرْ أجْنادُها

مسْتَغْرقا في غَيْبَةٍ رُوحيَّةٍ
عَبْرَ القُرُونِ خَلتْ ثمودُ وعادُها

كم مُلْحِدٍ قادَ الجُيُوشَ تمزّقتْ
منها الكتائِبُ وانمَحى إِلْحَادُها

كُتِبَ الصَّغَارُ عليه يَمْقُتُ ذكْرَهُ
أولادُه وتَذُمّه أحفَادُها

ويكادُ يَبْصُقُ ريقَهُ مُتَلَفِّظٌ
أَسماءَهُم لو أنهُم نُقَّادُها

ياليتَ قومِي يعلمونَ وربّمَا
لجَّت غُواةٌ أويحِينَ معادُها

يا كَعْبَتِي لمّا ضَمَمْتِ مُلَوَّعًا
بَرأَت مواجِعُه ولانَ عِنَادُها

بردَتْ سعِيرةُ قلبِهِ وتبَدَّلَتْ
برْدًا سلامًا وانْطَفى وقَّادُها

عفَتِ الجِرَاحُ لِرُوحِهِ ولطَالمَا
ممّا تُعاني عادَهَا عُوَّادُها

منْ حِضنِك الدافِيْ وُلِدتُ مُجَدَٰدًا
فاليومَ جِئْتُ ولَحْظَتِي مِيلادُها

واليومَ غُرّةُ نِصفِ قَرْنٍ عِشْتُها
عيدٌ وليس كمِثلِهِ أعيَادُها

يا مَنْ فتَحْتَ لضَعفِ عبْدِك بابَها
افتَحْ له الفِرْدَوسَ طابَ برَادُها

إنّ الكرامَ إذا يحِلُّ بُيُوتَها
ضيفٌ فنعمَ عطاؤها ووِفادُها

ولأَنْتَ أكرَمُ لايَخِيِبُ رَجاؤُنا
ورِضَاك زادُ نفُوسِنا وعتادُها 




الجمعة، 23 مايو، 2014

مع الشعر لطائف وطرائف

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،،، وبعد ؛
الشعر لون من ألوان الخطاب يعرفه أهله بأنه : الكلام الموزون المقفى المشبّع بالعاطفة المجنّح بالخيال
وله تأثيره البالغ في الإعراب عن الأشجان والأحزان والنسيب والتشبيب والتهييج والتفريج والرثاء والهجاء ، والغضب، والطرب، والغزل والوجل ، والمدح والقدح، وهو من أقوى أساليب القول وطرائق التعبير لدى الأمم والعرب خاصة .
والناس منهم : شاعر بالفطرة التي فطره الله عليها شاعريا عاطفيا ذا عاطفة جياشة متوقدة واستعداد أصلي للشعر ، فتجده يقول الشعر عفوا بلغته التي ينطقها فصحى أو مولدة ، أو حتى أعجمية ، وأحفظ مما كنا ندرسه في المتوسطة مثلا من شعر الإنجليز :
تومورو تومورو نُتْ تودَي
ذا ليزي بيبل أولوِز سَي
وترجمتها :
غدا غدا ليس اليوم
الناس الكسالى دوما تقول
فهذا كما ترى مقفى وموزون وفيه معنى وحكمة ، 
ومثله كثير
وبعض هؤلاء لما يملك من استعداد بالفطرة قد يجري الشعر على لسانه بقصد وبغير قصد ، ومما ذكر عن الشاعر الكبير إسماعيل بن القاسم بن سويد المشهور بأبي العتاهية : أنه قال : كثير من الناس يقول الشعر وهو لا يشعر ، قال قائل : مثل ماذا ؟ قال : مثل هذا ، يشير إلى رجل في السوق ينادي رجلا معه مسح : 
يا صاحب المسح تبيع المسحا
وهذا شطر من تامّ الرجز ، ثم قال هو أو غيره :
تعال إن كنت تريد الربحا
فتم البيت دون قصد ولا إرادة ، وكثير من هذا يجري على الألسن حتى ربما نظم شاعر قصيدة عصماء من أروع قصائده جرى شطرها على بحرها على لسانه أو غيره اتفاقا فتفطن لذلك ووجده من أروع ما يقال ونظم على منواله
وأعجب من ذلك ما يكون في المنام ، كما وقع للشاعر الكبير يوسف العظم رحمه الله في قصيدة من أروع قصائدة هتف بمطلعها في منامه :
فلسطيني فلسطيني فلسطيني فلسطيني
ولكن في سبيل الله والإسلام والدينِ
ثم انتبه وأكملها ، وأعرف شاعرا فحلا أخبرني أن بدايته في الشعر كانت في المنام فقد رأى في منامه فتاة فقال فيها نحوا من عشرة أبيات متغزلا من أرق الغزل ثم انتبه وقد طبعت في قلبه ، وقرأها علي ، وكانت بدايته.
ومما وقع ، من ذلك أني قلت قصيدة في ذم الرياضة ونقدها بوضعها الحاضر وأنها ألعوبة الساسة لإلهاء الشعوب فتعرضت بسببها للإيقاف ، فرأيت في المنام أحد أصحابي وسألني : أما قلت في سجنك قصيدة ؟
قلت بلى ، قلت بيتا واحدا فقط:
اترك الشعر ولا تحفل به
رُبّ بيت أورد الموت الزؤامْ
والله ما قلته إلا في منامي ذلك.
ومنهم من يأخذ الشعر بالاكتساب فينبغ فيه فيكتشف موهبة نائمة ويوقظها أو يتعلم طرائقه فيقوله بعد أن لم يكن ، وهذا لا يخلو من نوع فطرة.
ومنهم من لا هذا ولا ذاك مع صدوده وعزوفه حينا أو تلهفه وتطلعه وتحننه حينا آخر ولهذا الصنف الأخير حكايات مستطرفات
من محاولات شعرية تعسفية أو نطق مضحك أو فهم شاطح حيث لا تخلو جعبة شاعر من هذه الأخبار المستطرفة لذلكم الصنف ولو نثل مكنونه منها لحدث من ذلك بالحديث الماتع ، وأذكر مما وقع لي مع هؤلاء أو حدثت به حكايات 

منها : ما ذكر لي أن فتاة في الثانوية قرأت بيت كعب بن زهير هكذا ؛
بانت سعاد فقلبي اليوم مُتَبَوِّل
فضحكت المعلمة وقالت لو كملتِها وقلتِ :
بالت سعاد فقلبي اليوم مُتَبَوِّل 
لاحتجت تجديد وضوء

ومنها : أن أحد العامة كان يتظاهر بعشق الشعر الفصيح ويتغنى به ويطرب له وأنا أعرف أن الشعر في واد وهو في واد ، حيث لا يعجزك معرفة الشاعر بالضرورة أو القوة القريبة من أول حرف ينطقه ، لقيني هذا مرة وأظهر إعجابه الشديد برثائيتي للقائد خطاب رحمه الله التي مطلعها :
عفت الديار فربعهن خرابُ
فقلت له : أي أبياتها إليك أعجب ؟
فقال : ذاك الذي يقول :
ما أنجبتك ملاعبٌ ومراقصٌ
لكن غذاك بَدْرُه المحرابُ 
هكذا قرأها : من البدر القمر ، ومعلوم أنه لامعنى هنا ولاوزن صحيحا.
وصواب النطق : لكن غذاك بِدَرِّه المحراب،
وعلى ذكر هذ البيت وأوله : عفَتْ بمعنى ذهبت ، وتلاشت ، أذكر أحد الفضلاء ممن له في الشعر معرفة لا بأس بها ناشدني المعلقات يوما وكان ولعا بمعلقة لبيد رضي الله عنه يردد أبياتها ويتذوقها فقلت مرة اقرأها علي فقرأ مطلعها هكذا :
عِفْتُ الديار محلها فمقامها
فلما صوبت له عَفَتِ الديار ، تعجب جدا وقال منذ سنين وأنا أقرأها هكذا!

ومنها : أنه لقيني أحدهم في مجمع كبير ، وكان بكل ثقة يوزع أوراقا يخرجها من جيبه ، فلما رآني اتجه إليّ مسرعا وسلم بحفاوة لم أعهدها ثم أخرج أوراقا وسلمها إليّ ، فنظرتها فإذا هيئة كتابة الشعر ، فقلت أهذه لك ؟ فطأطأ بحياء مصنوع وتكلف تواضع ، وقال الله المستعان جهد المقل ، فنظرت فإذا هي أوراق عدة ، فقلت في نفسي : كم تحت السواهي من دواهٍ ، وكم صامّة على طامّة ، قصيدة بهذا الطول من أناس تجحد مواهبها! تذكرت لوهلة شوقي متنبي القرون المتأخرة حتى الآن كان يستحيي أن يلقي قصائده فتلقى عنه ، وأحيانا إذا شرع فيها الملقي ولى هاربا حياء ، تذكرت حياءه لحياء صاحبنا، وقلت أتفرغ لقراءتها أول ما أصل منزلي ، فلما قرأتها وجدت كل شطر من بحر وكل كلمة من تفعيلة ، وكل نهاية من قافية، فقلت وا أسفا على هذا الجهد والحبر في رصف ما يظنه أبياتا.
وياليت هؤلاء المساكين يسوقون بضاعتهم المزجاة على جاهل بالصنف ، لربما كسب بعض جمهور ، لا تقل لي : هذا اجتهاده وذلك مبلغه من العلم ، ولايشمت معافى بمبتلى ، هذا يقال لو أتى ماليس له عنه مندوحة ، أما أن يتصدى لأمور هو منها في عافية تشبعا وتطلعا وتزيِّيا بلبوس ليس له فلا ، وكل يعرف قدر نفسه . 

ومنها القصة القديمة الطريفة لأبي عمرو : ذلك المتشاعر الأحمق الذي كان في مرتع مريف وجوٍّ رائف وناقته ترعى العرار والجثجاث ، فأخذته نشوة الشعر وأراد أن يري رفاقه مواهبه فقال:
ترعى العرار الغضّ والجثجاثا
ثم أُرْتِجَ عليه ولم يستطع إكمال البيت فأُحرج عند الصحب فقال ؛
وأم عمرو طالق ثلاثا 
يعني زوجته ، فضحك أصحابه ، وقالوا : ما ذنب المسكينة أم عمرو تتعرض لها بالطلاق ؟ قال : هي تعرضت للقافية.

ومنها : ما حدثني به أحد الشعراء ، قال : حدثنا فلان وسمى شاعرا مشهورا من شعراء الشعر العاميّ قال : كنا عند فلان وسمى رجل أعمال كبير في قصره حيث دعانا على عشاء بعد إحدى الأمسيات الشعرية ، أقمناها في بلده ،فقدم لنا مضيفنا مسودة ديوان على وشك الطبع وذكر أنه ديوانه ، قال : فتصفحته فإذا قصيدة لي فقلت : لمن هذه القصيدة ؟ فقال : لمحدثك ، فقلت : هذه لي وكل الشعراء يعرفون ، وهي متداولة وملحنة ومنشدة ، قال : ووجدت من قصيدي غير واحدة ، وأخريات لآخرين ، فسقط في يده، فنصحته أن لا يخرج الديوان حذر الفضيحة ، فاعترف أنه اتفق مع شاعر بانتحال ديوان له لقاء ست مئة ألف ريال ، قال قلت له : هذا الشاعر غشك ، وما أحسن لك السرقة .
قال رجل الأعمال : دعك منه ، وما دام أنك فلان فهل لك أنت أن تنتحل لي ديوانا لقاء مليون ريال على أن أقدم لك نصفها والباقي حين الفراغ ؟ ولك أسبوع، قال قلت : حبا وكرامة واحبسني في قصرك حتى أفرغ ، قال : فنقدني خمس مئة ألف ووكل من يقوم علي بما أطلب من طيب الطعام والحاجات ، وما خرجت حتى انتحلت له الديوان كاملا بكل أغراض القصيد ، فنقدني الباقي ورجعت من تلك الأمسية إلى بلدي بمليون .
فسألت راويَ القصة : وأي شيء سيستفيده صاحبنا من خسارة هذا المبلغ ؟ فقال : أولا : هذا المبلغ لا يعني له شيئا مقابل الشهرة الأدبية وتلحين القصائد وغنائها بأصوات المشاهير ، فهدا كسب فني ومعنوي ووصول إلى عالم النجومية كما يقال.
وثانيا: لا تخلو من عوائد مادية ببيع الحقوق (والألبومات) الغنائية بالاشتراك مع كبار الفنانين.
وثالثا: وأخرى يحبونها: الشهرة لدى الجنس الناعم وكسب المعجبات وهذا من أشد ما يتقاتل عليه طلاب الشهرة ويتنافس فيه المتنافسون منهم .

ومنها : أنه حتمت علينا بعض أمور الحياة أن نبقى في سكن واحد أنا وجماعة شعراء وأدباء وآخرون ، فكنا نقضي سحابة ليلنا وعامة نهارنا بالمذاكرات العلمية والمساجلات الشعرية من مقول ومنقول وإنشاد وإنشاء وادّكار وابتكار ، وتأثر غير الشعراء بالأجواء الشعرية فحاولوا جهدهم ليجاروا الشعراء فمنهم من بلغ به طموحه فقال بيتا أو بيتين ومنهم دون ذلك ، وكان هؤلاء يقدمون تجربتهم للشعراء للملاحظة والتصحيح ، فدفع لي أحدهم أوراقا فيها كتابة قال إنها محاولة شعرية وطلب تصحيحها ، فما استطعت قراءة حرف منها وما دريت أهي شعر أو نثر أو(شثر) وهي كلمة من عندي؛إذا التبس أمرهما أو كان بينهما أي شعر ونثر، ، فطلبت منه قراءتها فقرأها وأنا أكتم الضحك وسرد منها ما سرد ثم قال : هذا ما فرغت منه والباقي ما أكملته بعد ، وعند صاحبنا أنه قال شعرا ، فقلت : إذا كان هذا المنجز فماذا سيكون غير المنجز ، أنصحك يا أخي أن تغمد قلمك وتلملم ورقك ، ف:
أنت والشعرُ مثلُ ملحٍ وسُكّرْ
قال : تعني أيش ؟ بياضا على بياض ونورا على نور ؟
قلت بل :
بانفرادٍ تبارك الله حسناً
واجتماع أجارك الله فانفِرْ
ما أحسن كلا منكما منفردا فإذا اجتمعتما سمج الطعم وفسد الذوق !
 ففهمها وضحك.
وبالمناسبة : فأنا أعجب لإنسان يقدّم لشاعر قصيدة ليصححها وزنا ونحوا وعروضا فيجد الشاعر خطأها أكثر من صوابها، ويضيّع الشاعر لتصحيحها من الوقت ما يكفي لابتكار عدة قصائد ؛ لأن الترميم أشق من استحداث البناء ، ثم لا يستحي من صححت له أن ينسبها لنفسه ، ولو أنها الأولى والثانية لكان أهون لكن هذا دأبه في جميع قصيده وكامل ديوانه ، هذا كذب وادعاء وتشبع ، وإن منع المصححَ حياؤه أن يعتذر له عن قبول التصحيح فهذا لايبرر فعله إطلاقا. 
فإن كان لا يقول الشعر إلا مصححا له فماهو بشاعر وليترك الميدان لفرسانه ولا يتشبع بما لم يعط فيكون كلابس ثوبي زور كما روى البخاري عن أسماء رضي الله عنها وسيجد ما يبدع فيه لاجرم.
ومما ذكر عن إمام اللغة أستاذ سيبويه واضع علم العروض الخليل بن أحمد الفراهيدي أن صاحبه وقرينه الذي يذكره معه سيبويه في الكتاب وهو من شيوخ سيبويه أيضا يونس بن حبيب الضبي أحد مشاهير النحاة المعمرين العزاب طلب من الخليل أن يعلمه عروضه فحاول الخليل تعليمه فأعياه التعلم حتى قال له يوما : لعلك يا يونس تقطع هذا البيت:
إذا لم تستطع شيئا فدعه
وجاوزه إلى ما تستطيع
ففهمها وترك .
علما أن يونس كان ناحيا وشاعرا أيضا وله شعر جميل جيد منه قوله وقيل لأبي العيناء:
شيئان لو بكتِ الدماء عليهما
عيناك حتى تؤذنا بذهابِ

لم تبلغا المعشار من حقَّيهما
فوتُ الشباب وفرقة الأحبابِ
وهذان البيتان من أجمل وأحكم ما قرأت من الشعر في صغري أعجبني مبناهما صغيرا ومعناهما كبيرا: 
أما الشباب فحدِّث دونما حرجِ
يا ما أُحَيلاه رُغْم الجهل واللّجَجِ

وفرقة الصحْب لولا السرُّ في قدرٍ
لقلتُ ما العيشُ دون العينِ والمُهَجِ

ومنها: المحاولات العقيمة من بعضهم ليقول شعرا ، فيقوله بالقوة الجبرية ، خالطا الفصيح بالعامي ، لابسا العربي بالمعرّب بالأعجم من ذلك ما أُنشدته لبعضهم :
طنّب البوريُّ حتى غثّنا
فتصَيْقَهنا وحِنّا نوحئُهْ

ومنها: ما حدثنيه الشيخ الأديب محمد بن إبراهيم الحمد أنه كان في درس القراءة العربية مع طلابه في كتاب مع الرعيل الأول فقرأ طالب قصة مالك بن الريب وقصيدته وقرأ البيت هكذا:
ودرّ كبيريّ اللذين كلاهما
عليْ شفيقْ ناصحْ لو نهانيا
وصحته :
عليَّ شفيقٌ ناصحٌ لو نهانيا
لكنّ أخانا ظنه اسما لشخص تركب له ثلاثيا بكل سلاسة
وكذلك حدثني الشيخ محمد عن شخص قرأ قصيدة الشاعر محمد بن أحمد السديري رحمه الله في قصيدته المشهورة :
يقول من عدّى على راس عالي
فقرأ هذا البيت هكذا:
وْينثر على البيدا سُوات الزّوالي
يَشْرَقْ حِمَارهْ شرقةَ الصبحْ بالْكاس
وصواب البيت :
يُشْرِقْ حَمَاره ، أي حمرته  ، لكن صاحبنا  قرأها على أن الحِمار شَرِق
وما دمنا في سيرة الشعر العامي ، وسيرة الشيخ الحمد الفواحة عطرا وشذى ، فلديه الكثير من ذلك الحديث المستطرف الماتع المستظرف :
ومما ذكر لي بيت للشاعر فهد المنصور من بلد الزلفي في جواب قصيدة أخيه الشاعر إبراهيم بعدما انتقل فهد إلى بلد آخر لعمل وهو في السابعة عشرة من عمره :
مَسّتْنِيَ الدنيا وانا تَوِّي صْغير
فاشتهرت القصيدة وترددت على ألسن أهله والمحيطين وأهل البلد وقرأها أحدهم بكل تأثر وقال له الله من مسكين يقول:
مُسْتَنِّيَ الدنيا وانا توّي صْغير
على أنه من الاستنان لا من المسّ
وبالمناسبة فإن فعل "اسْتَ نَّ "بمعنى انتظر في استعمال بعض البلاد العربية ليس عاميا صرفا بل له أصل فصيح ، ومنه استن الفرس أي عدا لمرحه ونشاطه لا راكبَ عليه ، وفي الحديث "أن فرس المجاهد ليستن في طِوَلِه" أي رباطه ، فكأن القائل : يطلب منه أن يشرح صدره وينتظر في مرح ولا يضجر.
ويحتمل أن يكون الفعل : استأن من الأناة ، كما نبه أحد المعقبين الأفاضل ( على التغريدة ) ؛ لأن العامة يسهلون الهمزة كثيرا.
هذا ما تيسر إيراده هنا لعلي أكتفي به ففي الإقلال ما يغني عن الإملال ، والله أعلم    



الأربعاء، 21 مايو، 2014

قبل أن تقدح الزِّناد ..

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ،،،،،،،،، وبعد :
أخي المجاهدُ الخارج في سبيل الله التارك وطنه وأهله ابتغاء وجه الله : في خضم  هذه الفتن الحوالك التي يضل فيها السالك وتشتبه عليه أعلام المسالك ، وقبل أن توجه فوهة رشاشك وتقدح زناد سلاحك تذكر :
أن الحياة واحدة والموت كذلك ؛ فالعمر لا يعوض والموت لا يستدرك "لايذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى"
وما بعد الموت إلا شقاء دائم أو نعيم مقيم أو عذاب أحقاب ربك بها أعلم ،فانظر يا رعاك مولاك كيف تقضي عمرك وتبصّرْ أيّةَ موتة تموتها .

قبل أن تقدح الزناد تذكر :
أن أحدا لن يغني عنك شيئا: فكيف تَفنى ليبقى ، وتشقى ليرقى ، وتهلك ليملك ، وتنتحر لينتصر ، وتبيع دينك ثمنا لدنياه "ذلك هو الخسران المبين" ، 
عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، قَالَ : لَمَّا قَاتَلَ مَرْوَانُ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ أَرْسَلَ إِلَى أَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمٍ الأَسَدِيِّ ، فَقَالَ : إِنَّا نُحِبُّ أَنْ تُقَاتِلَ مَعَنَا ، فَقَالَ : إِنَّ أَبِي وَعَمِّي شَهِدَا بَدْرًا فَعَهِدَا إِلَيَّ أَنْ لا أُقَاتِلَ أَحَدًا يَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، فَإِنْ جِئْتَنِي بِبَرَاءَةٍ مِنَ النَّارِ ، قَاتَلْتُ مَعَكَ ، فَقَالَ : اذْهَبْ ، وَوَقَعَ فِيهِ وَسَبَّهُ ، فَأَنْشَأَ أَيْمَنُ ، يَقُولُ :
وَلَسْتُ مُقَاتِلا رَجُلا يصَلّي
عَلَى سُلْطَانِ آخَرَ مِنْ قُرَيْشِ

لَهُ سُلْطَانُهُ ، وَعَلِيَّ إِثْمِي 
مُعَاذَ اللَّهِ مِنْ جَهْلٍ وَطَيشِ

أُقَاتِلُ مُسْلِمًا فِي غَيرِ شَيْءٍ ؟
فلَيسَ بِنَافِعِي مَا عِشْتُ عَيْشِي " .
قلت : أفلح والله أيمن ، وما ضره سبُّ أيسر أو أيمن.

قبل أن تقدح الزناد تذكر :
أن هذا الذي زين لك شيطانُ الجن والإنس قتلَه هو أخوك المسلم المصلي الساجد لله العابد الصائم القائم البائت القانت بل المجاهد المعاضد ؛ فبأي ذنب قتلته ، هذا ما سيسألك الله عنه فأعد لسؤالك جوابا، أيسعك عند الله أن تقول قتلته لأن خصمَه فلان فتكون كحال ذلك المتباهي المغتبط بقتل الصالح العابد ، وما كفاه قتله حتى فخر واغتبط فقال:
وَأشعَثَ سَجَّادٍ بآيَاتِ رَبِّهِ
قَلِيلِ الاَذَى فِيمَا تَرَى العَينُ مُسلِمِ

شَكَكَتُ لَهُ بالرُّمحِ جَيبَ قَمِيصِهِ
فَخَرَّ صَرِيعاً لِليَدَينِ ولِلفَمِ

عَلى غَيرِ شَيءٍ غَيرَ أَن لَيسَ تَابِعاً
عَلِيّاً ومَن لاَ يَتبَعِ الحَقِّ ينَدَمِ

يُذَكِّرُني حَامِيمَ والرُّمحُ شَارِعٌ
فهَلاَّ تَلاَ حَامِيمَ قَبلَ التَّقَدُّمِ

قال أبو القاسم الطبراني : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَلَّى الدِّمَشْقِيُّ ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، ثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ . ح وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دُحَيْمٍ ، ثَنَا أَبِي ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ ، قَالا : ثَنَا خَالِدُ بْنُ دِهْقَانَ ، عَنْ هَانِئِ بْنِ كُلْثُومٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ مَحْمُودَ بْنَ رَبِيعَةَ ، خَتَنَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ , عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا فَاغْتَبَطَ بِقَتْلِهِ , لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا ، وَلا عَدْلا " ، زَادَ هِشَامٌ فِي حَدِيثِهِ , قَالَ خَالِدُ بْنُ دِهْقَانٍ : سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى الْغَسَّانِيَّ عَنْ قَوْلِهِ : " ثُمَّ اغْتَبَطَ بِقَتْلِهِ ؟ " قَالَ : هُمُ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ فِي الْفِتْنَةِ ، فَيُقْتَلُ أَحَدُهُمْ , فَيَرَى أَنَّهُ عَلَى هُدًى , وَلا يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهُ أَبَدًا ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَلَّى الدِّمَشْقِيُّ ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّنْعَانِيُّ ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ ، قَالَ : الصَّرْفُ : الْقُرْبَةُ , وَالْعَدْلُ : الْفِدْيَةُ .وأخرجه أبوداود السجستاني  وأحمد بن الحسين البيهقي وغيرهم.

قبل أن تطلق الزناد :
اعلم أنك لا زلت في فضاء العافية ، فلا تولج نفسك في مضايق البلاء ، واعلم أن زوال الدنيا برمتها والسموت والأرض ونقض بيت الله الحرام حجر حجرا أشنع منه سفك دم مسلم ، وإن تنازعك هاجسان فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، وغلّب في حق أخيك الرخصة على العزيمة ، والسلامة لا يعدلها شيء ، " وما رزق إنسان بعد يقين خيرا له من عافية"،"وما يزال المرء في فسحة من دينه مالم يصب دما حراما"  
وما من ذنب مع الشرك قيل بخلوده في النار سوى قتل العمد في غضون جملة قاصفة من العقوبات " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما"بل وزاد القتل على الشرك في أنه الذنب الذي لا توبة منه لبقاء حق المقتول"كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا"
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، سمعت يحيى بن المجبر يحدث عن سالم بن أبي الجعد ، عن ابن عباس ; أن رجلا أتاه فقال : أرأيت رجلا قتل رجلا متعمدا ؟ فقال : ( جزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) قال : لقد نزلت في آخر ما نزل ، ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ؟ قال : وأنّى له بالتوبة . وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم . يقول : " ثكلته أمه ، رجل قتل رجلا متعمدا ، يجيء يوم القيامة آخذا قاتله بيمينه أو بيساره - وآخذا رأسه بيمينه أو بشماله - تشخب أوداجه دما من قبل العرش يقول : يا رب ، سل عبدك فيم قتلني ؟ "قلت: وهذا حديث صحيح رجاله رجال الصحيح سوى يحيى بن المجبر التيمي وهو ثقة، وهذا من فقه هذا الإمام الحبر البحر ؛ إذ رأى التهوك في الدماء وخروج الخوارج وبغي البغاة ؛ فحمل على القول الأقوى تحذيرا للمسارعين في الدماء وزجرا، وقد رحل إليه تلميذه سعيد بن جبير من الكوفة إلى مكة يسأله عن توبة القاتل عمدا فأجابه وحق له أن يجيب وحق لسعيد أن يرحل لأجلها ويسأل ، وهو الذنب الذي لا يجير منه حل ولاحرم، وجاء في معنى هذا حديث.

قبل أن تطلق الكلمة :
اعلم أن كلمتك في جوفك كرصاصتك في جوف بندقيتك وقذيفتك في مدفعك وصاروخك في راجمته، فإذا فرطت الكلمة استحال ردها كالرصاصة ، وظل يستظل بظلها القتلة ، ويسبح في بحرها السفاحون السفاكون السباحون في بحور الدماء، والقاتل الصامت - هو المصنف(رحمه الله تعالى) كما يقول التلامذة في كل قراءة - ناعم بين أهله قد صنف ما صنف وحقق ما حقق في ضجيج التصفيق وهتاف التأييد وخديعة التشييخ والتأميم تحت نسيم مكيفه البارد وعلى فراشه الأثير يُغدى عليه بكأس ويُراح عليه بصحفة ، وكل ما عليه أن دقق وحقق في نظره المناط تاركا تطبيقه لمن لا يحسن كتابة اسمه ،  ورب كَلام أنكى من كِلام وقاتل بكلمته وتحريضه وتأييده أضعاف ما يقتل قاتل بيده ، وعند الله تجتمع الخصوم ، فتمهل يا صاحب الكلمة والقلم والتصنيف والحساب قبل يوم الحساب:

فإِنّ النارَ بِالعُودَينِ تُذكَى
وإِنّ الحَرْبَ أَوّلُهُ كَلَامُ 

قبل أن تقدح الزناد تذكر :
أن الحق غالبا خلاف الهوى ، فلا تقتصر على سماع ما تهوى ممن تهوى ، اسمع الآخر ، واقرأ للآخر ، واسأل الآخر الذي ربما ما اهتديت من الضلالة إلا على يديه ، ولا فتق لسانك بالقرآن إلا في حلقته ، والذي كنت يوما تراه إمام الدنيا ولا تحدّ النظر في وجهه إجلالا وتقبّل هامه وإبهامه ، ربما صوره أصحابك صورة منفرة ونبزوه بما نبز به سادات الخلق من الكذب والخيانة والكتمان ؛ لكن لا يضرك لا تعرض ولا تضع في أذنيك الكرسف ، فإن لك عقلا ؛ فلا تكن كالطفل وكن كالطفيل الذي ضحك على نفسه ، وتعجب من سرعة طوعه مع عقله فنزع الكرسف ، وأبى في أغلال التقليد يرسف ؛ والعاقل العالم يكمل عقله وعلمه بالمشير الناصح ، فأولى بذلك الجاهل .
العاقل يشاور في شراء عَرَض من الدنيا قليل ؛ لئلا يغبن في عَرَضه ودنياه، فكيف به يرضى الغبن في عِرْضه ودينه  
وكيف بالأنفس والأرواح والدماء والأديان والأبدان ؟!!

بعد أن تقدح الزناد:
وتقتل من تقتل وتيتم من تيتم ، وترمل من ترمل ، وتروع من تروع؛ لعلك يوما أن تفيق من الهوى وتنهاك النهى ، ويتجدد لك اجتهاد ، ويتغير لك رأي ، فترى في رصيدك أثقالا هائلة من الضحايا والأيتام والأرامل الذين تقرحت أجفانهم من دموعهم بكاء ودعاء عليك فماذا أنت فاعل ، وماذا لنفسك قائل ، أتقول ما قال البحتري في أهله :
وَأمسَتْ تَساقي المَوْتَ من بَعدِ ما غدتْ  
شَرُوباً تَساقي الرّاحَ رِفْهاً شُرُوعُهَا

إذا افتَرَقُوا عَنْ وَقْعَةٍ جَمَعَتْهُمُ  
لِأُخْرَى دِماءٌ ما يُطَلّ نَجِيعُهَا

وَفُرْسانِ هَيجاءٍ تَجِيشُ صُدُورُهَا
بِأحْقَادِها حَتّى تَضِيقَ دُرُوعُهَا

تُقَتِّلُ مِنْ وِتْرٍ أعَزَّ نُفُوسِهَا
عَلَيْها، بِأيْدٍ مَا تَكَادُ تُطِيعُهَا

إذا احتَرَبتْ يَوْماً، فَفَاضَتْ دِماؤها
تذَكّرَتِ القُرْبَى فَفَاضَتْ دُمُوعُها
قدّر نفسك يوما فائقا من غمرة الهوى وغيابة الجهالة ، سيروعك ما قدمت يداك وستقطع شفتيك حسرة ، ويضج داخلك : بأمنية مريم "ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا" وبأمنية أسامة "ليتني أسلمت يومئذ" وستقول قاتل الله الرئاسة والشرف والهوى والطاعة العمياء والتقليد المقيت ، ستتمنى على الله الأماني ، فما أنت قائله هناك قله هنا قبل مزيد من الموبقات وتلطيخ الأيدي بالدماء .   
 أقول قولي هذا والله يقول الحق وهو يهدي السبيل 
    ،،،   ،،،   ،،،   ،،،   ،،،   ،،،   ،،،
قبل أن تقدح الزِّنادْ .. قبل أن يُفلت القيادْ
أيها الخارج الذي .. يبتغي سنة الجهاد
قف مع النفس برهة .. واترك اللجَّ والعناد
إنه غمضُ طرفةٍ .. مثلما غمضة الرقاد
بعده هول برزخٍ .. لو درى المرء ما استزاد 
ولدى الله موقف .. حينما يبعث العباد
يُذهل المرضعَ التي .. طفلها شاب في المهاد
     ،،   ،،   ،،   ،،   ،،   ،،   ،،
ياالذي فارق الحمى .. ودّع الأهل والبلاد
صرخت فيه حرةٌ .. أجبروها على الفساد
حرةٌ من كرائم .. ناشئاتٍ على الرشاد
دنس الفرس طهرها .. فهي حبلى من السِفاد
صرخت أين أهلنا .. قال لبيك يامناد
عبلةَ الطهر أبشري .. كلنا عنتر الجٍلاد
كلنا كعبٌ الذي .. تيّمت قلبَه سعاد
ما به العشق بل به .. قهره يفطر الفؤاد
قال لبيك حرة .. بنت قحطان أو إياد
لو تفانت أرواحنا ..  وهلكنا بكل واد
وانبرى ليثَ غابة .. شاكيَ الناب والعتاد
يتبارى وفتيةً .. تحتهم ضُمَّرُ الجياد
عاديات إلى العِدا .. من كُميتٍ ومن وِراد
      ،،   ،،   ،،   ،،   ،،   ،،
إنه أنت يا فتى.. باذلا روحه جواد  
أمّلت فيك بعدما .. قُرّح الجفن من سهاد
طالما طال ليلها .. واكتست حلة الحداد
بَشَّروها بنصركم .. فانثنت تخلع السواد 
ثم أصبحتَ همّها .. ياأخا النصر والنِجاد
صرت في جفنها قذى .. مثلما شوكة القتاد
ترتجي كف ّ بأسكم ..  ومناها منك الحياد
قتلوا طارفا لها .. ثم ثنّيت بالتلاد
   ،،   ،،   ،،   ،،   ،،   ،،   ،،
أيها الشهم إنها .. غلطة العمْر لا تُعاد 
قتلُكَ المسلمَ الذي .. زعموا فعلَه ارتداد
ورطة العمر يالها .. لو تأملتَ بانقياد 
إنها حرب فتنةٍ .. ويلَ من شبها وقاد
رابح الحرب خاسر .. والمُعادي بها استفاد
قاتل النفس بائر .. ومبير يوم التناد
ولهم سالف مضى .. لو لهم في التقى اجتهاد 
قال فيهم نبينا .. اقتلوهم كقتل عاد
عائذا من بلائهم .. ومعيذا أولي السداد

الجمعة، 16 مايو، 2014

عميُ النواظر مبصرو الأفكارِ

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ،،، وبعد:
كنت مع المذيع المتألق المبدع الدكتور فهد السنيدي في برنامجه الذي فتح به نافذة على عالم الصبر والإصرار والرضا بحكم الجبار وحلق بنا في رحلة روحية صفت بها أرواحنا واحتقرت هممها إلى همم جبارة تطاول الثريا وتجاوز الجوزاء ، أجج المذيع الهمام مجدد الإعلام المشاعر وهيج كل شاعر فمع عالم المكفوفين كانت هذه الأبيات:

عُمْيُ النواظر مبصرو الأفكار
هم آية المتكبر الجبار

أبصرتُهم وعلمتُ أن بصائراً
فيها النواظر ليس بالأبصار

يا فهدُ أبكيت القلوب فكلها
ألم الشعور وحرقة الأشعار

لله أنت مجددا في فنّه
تجديدَ شمس في ابتداء نهار

وشهادةُ التاريخ أنك مبدعٌ
نقشَ القلوبِ كناقش الأحجار

علّمت إعلامَ الهوى لما هوى
في حَمْأَة الأدناس والأقذار

وهو الذي باع التفاهة واشترى 
فيها وبزّ أكابر التجار

فغدت به سوق الغناء عزيزة
باللهو والتهريج والزمار

وإذا تناهى جِدّه فبحلقة
من مطبخ أو نشرة الأخبار

يا فهدُ قد طوّفتنا في عالم
علْوٍ وطفت بنا على الأقطار

وفتحت مملكة وقلت لنا ادخلوا
وهَلُمّ حيثُ لطيفُ صنعِ الباري

في أمة عجبٍ وأعجبها الرضا
عن ربها ومواقعِ الأقدار

كم مبصرٍ تلقونه متبرما
ومكبلا بالهمّ والآصار

متنفسا من قدر فتحة إبرةٍ
ويرى الحياة كحفرةٍ من نار

مترقبا يوم الممات وربما
بَدَر الممات إلى الشفير الهاري

يشكو بلا شكوى وعلّ وربما
إبصارُه سرٌّ من الأسرار

وترى الكفيف مفرّحا متطلقا
مترنما كترنم الأطيار

متألقا كالبدر في ريعانه
متبسما كتبسم الأزهار 

ملَكَاً على وجه البسيطة سائرًا
متقلبا في غمرة الأنوار

مستغرقا في فكره متأملا
طول الزمان تأمّل النُظّار

قهر المحال وطاول الجوزاء في
عليائها بالصبر والإصرار

كم عُوفي العميان من نظراتنا
والموت كل الموت في الأنظار

هنّ الجواني القاتلاتُ وكم هوى
من نظرة فذٌّ من الأخيار

صَدِئت قلوب الخلق من آفاتها
فتربّدت بالران مثل القار

وإذا نظرت إلى الكفيف رأيته 
تغشاه مثلُ سكينة الأحبار

وإذا تَحدّث فهو صافٍ سلسلٌ
من منهل كعذوبة الأمطار

من لي بمثل الترمذيِّ وحفظه
سندَ الحديث وعلة الآثار

أو لي بمثل الشاطبيّ وحذقه
دِقّ المعارف والأديب القاري

أو لي بمثل أبي العلاء وشعره
أو مثل شاعر جيله بشار

النور في العينين حالك ظلمة
إن يبتلى عقل الفتى بضِرار

كم من عيونٍ ليلها كنهارها
أربابها في عالم موّار

عاشوا حيارى والبلاء جميعه
بمشكك متردد محتار

واقلب تصب قلب الحقيقة كم ترى
أعمى لأهل زمانه كمنار




الأحد، 11 مايو، 2014

ورمى السواك ودخّن الملبورو

مهـــزوم لا بطلٌ ولا منـصـور 
باغ وسهمــك طــائش مكـســور

هاجمتنا سفها فخذها طعنـــــــة 
نجلاءَ حرّ لهيبها تسعير

 فلأجعلنك في الورى أحـــدوثـة 
تــروى ومـثــلك حقــه التشــهـير 

 هل غادر التفهاء قبلك شبـــهـة 
 فتلوك قيءَ مشبِّهٍ  وتثيرُ

لاضير فلتزد الصراصر واحداً 
ماذا عسى أن يصنع الصرصـــور 

 يا ناصرَ ابن دؤادٍ اهنأ صاحبا 
إن المـــحب وحـــِــبَّه محشـــــور 

 أئمـــة الأهواء ترفـــع شأنـهــم 
والأحـــمــدينِ تــذم يامـــغـــــرور 

 ما أنت والعظماء من أبطلانــــا 
مـــا أنت والبازيّ يــا عصـــفــور 

 لايحطمـنكِ يا نمــيلة جــندنــــا 
فتخـاءُ عـدي لاتصــبــك صـقــور 

 بعت الولاء بصفقة مفضوحة 
والرافضي وسيطهـــا المأجور  

كم كنت تحلم بالتألق جاهــــداً 
ليـــــرى مــكانـك واستباك ظـهور 

 ونظرت نفسك بين أهل مواهب 
فــــإذا لسانك خـــامــــل مغمـــور 

ففعــلت فعلــتك التي سطرتــها 
ثم انتـكســـــت وذا عليــــك يســــير 

قد كان مذهبك الــغلو تشيعــه 
في المسلمــين ونهجـــك التكفــــــير 

 واليوم تركب موجة التمييـــــــــع والتــــلفـــيـــــــق زعمــا أنها التـيــسـيــــر

 ما أنت والعملاء في إعلامهم 
إلا كعـــجل السامري تخــــــــــــور 

 ركض بلا هدف وسعي باطل 
وتعـــــــالم وتظـــاهــر وصفيـــــر 

 ولجــاجة وحماقة وصفاقــــــة 
مــثل الكــــلاب علا لـــهن هريـــر

 أو مثلما نهق الحمار أقضـــــه 
عــــضُّ القرادة باسته المنعـــــور 

 أوَ كلَّ يوم يـــــا غـلام مطيــــــة 
بين الدروب المائــــــــلات تكُورُ 

يا بغلة أنثى أباحـــت ظهرهــــا 
طـوعـا لمن بالمغويات يسير

كــلُ يشـد خطامهــا وزمامهـــا 
زوراء فـي جــدد الطــريق تنـور 

مــا أنت مبتدأ ولســـت بفاعـــل 
بــل أنت مفــــعول به مجـــــرور

مفعول أفعال القلوب، وأحرفٌ
للانحراف وجرُّها التغرير 

قد ناطح الإسلام من أعدائــــــه 
أقــوى قرونـــا مـنك يا طرطـــور 

فتحطمت ضرباته وتكســـــرت 
منـه الــقرون ولا يضـــار الطـــور 

مهزوم راعك مخلص يدعو إلى 
شرع الحجاب ولم يرعك سفـــور

 أصبحت مثل سحا الظلام أنيسها 
لــيل الدجـــى ويروعــــهن النـــور 

 يا من عذيري والمصائب جمــة 
في صبيــة مفتــــيــــهم النحريـــــر

غاو يحـــــكم عقله في ديننـــــــا 
مفتي القـــــناة أمـــالـــهم تفكــــير 

فتدنسوا وتنجــــسوا وترجســـوا 
بضلاله فالقوم عمــــــــيُ عُـــــور 

وجرى أغيلمة الصحافة خلفــهم 
أغــواهم التطــــبـــــيل والتزميــــر 

يا صبية شغفوا بخوض مســـائل 
فيهـــا التطـــاحن حُمّ والتدميــــــــر 

 الكفر يرشقـــــنا بـــقوس واحـــد 
فلم الخـــلاف يشـــــاع والتشطـــير 

 أجراح أمتنا انتـــهت وتحـــررت 
القدس والشيشــــــان أو كشميــــــر 

في كل صقع محــــنة ومجـــازر 
للمسلمين لها العــــقول تطيـــــــــر 

 وأتى الصليب بقضه وقضــيضه 
بوش تقــــــدم جمــــــعه وبليـــــــر 

ويلي على الإسلام من أبنائـــــه 
هم حاربــــوه ومنــــهم التغيـــــــير 

 ما كان من دنلوب بل من قاســم 
رفض الحجـــاب وأعلن التحريــــر 

 فـتن تذوب لهـا القـــلوب مـرارة 
لـــولا الــــيقـــــين بأنه المقــــــدور 

 يا صحوة قد أثخنتك جراحـــــهم 
لهفـــــي عليك فكم دهتك أمــــــور 

 أيهود خصمك تتقين سهـــامهـــم 
أم ملـــحد أم خصـــمك التنصــــير 

أم نـــابت في كل يـــــوم نـــــاعق 
ومــقلد كالببـــغا صنـــــــبــــــــور 

هذي الحياة غريبـــــة أطوارهـــا 
بالأمــس كان عـــدونا شامــــــير 

 واليوم من أبناء جلدتنا انــــــبرى 
ذنب عمـــيل بيننــــــا مبـــــتــــور 

 ما كابن قريةٍ استبته حضـــــــارة 
عرضــــا رآها طرفه المبهــــــور 

 أو كابن بــــادية تحـــضر فجـــأة 
فــإذا الخطـــــــــير أفندم دكتـــور 

 فتراه يأتي بالعجائــــب واهـــمــا 
أن الجــميع بعلـــمــــه مأســــــور 

 ويظن أن الكون بــــات جميعـــــه 
أذنا لـــه ولـــه الورى جمـــــــهور 

 ويرى بان الكــــــل يرقب قولــــه 
لهفا لمـــا يأتــــي بــــــه وينـــــير 

 فالقول ما قـــد سطــــرته يراعـــه 
والحـــق ما أفتى بــــه المنصور 

أوما درى المسكين أن عــــــــدوه 
يرثـــي له وصديقـــــه محــــــسور 

أولى الأنام بالازدراء مذبـــــــذب 
متقـــــلب مـــــــتردد مســــحـــــور 

أفبعــــد هذا كـــله لا يستــــحي 
مـــــن أن يقرر رأيــــه ويشـــــــير 

 أو يرتجي أن يستــــنير برأيـــه 
إلا المذبــــذب مثـــــلــه المثــــــبور 

 ترك المثقف بيت طين فجــــــأة 
واستقبـــــلته فنـــــادق وقصــــــور 

أيام كان الصوف ملبســـــــــه وكـــــــــان أثــــــاثه زنبيـــــله والزيــــــــــر 

وشويــــــهة في داره ومهفـــــة 
وفراشـــه سجــــادة وحصــــــــــير 

 فأزال لحيته وأرخى ثوبــــــــــه 
ورمى الســـواك ودخن الملبـــــورو 

 وأتى الحضارة لاهثاً من عرضها 
حتى الحســـاب أحــــاله للــــــيورو 

وترى له في كل يوم صــــــورة 
شوهاء يـــحلو عندهـــا الخنزيـــــر 

ويل العيون الناظرات لمــــنظر 
أحــــــد يخــــــفّ إزاءه وثبــــــــير 

لو كنت تعلم ما بجحت بصورة 
نظــر العــــيون لمثـــلها تســـــمــــير 

 أو لو رآك ابن الحــــــسين درى 
بـــأن اللؤم ليــس إمامـــه كافــــــور 

 أو عاش هارون الرشيد إذن رأى بالكـــــــــلب أولــــى أنت أو نقـــــفـــور 

 ولظل يغمر بالقصيد فرزدقــــــا 
عـــذراً ومدحـــا لورآك جريــــــــــــر 

 مهزوم يوما ما عهدتك كاتبـــــــا 
ومـــقررا مــــــا أنت والتـــــقريــــر 

 ما أنت إلا تــــــــــــابع ومقــــــلد 
بالباطنيِّ الرافضــــيّ فخــــور 

سبئيُّ هذا العصر سنّ حرابكـــــم 
ولقومكــــم تدمــــى بهن نحــــــــور 

 الملتجي بالحنــــــبلية تقيــــــــــة 
المدعـــي سلـــــفا وذلـــــــــك زور 

 الشاتم الأصحاب غير مـــعَرِّض 
وعــــلى أئمتنا الهـــــــــــداة يغيـــــــر 

 ويغار للرفض الخبيث صراحــة 
ولكـــــل مبتــــدع يد وظهـــــــيــــــر 

 هذا اختصار القول في حاخامكم 
والــنــــــظـم تم ويتبـــــع المنـــثـــور


الأحد، 4 مايو، 2014

أوروبا وقصة التعري مضحكة مبكية مخجلة

‏‎الإغراء بالإعراء من أخبث طرق الإغواء وهو مقصد قديم للشيطان لفتنة بني الإنسان وتلذذ الجان قبيل الشيطان حذر منه الرحمن في محكم القرآن  "يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ؛ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم" وما زال الغواة دعاة العري جنود إبليس يزينونه بالدعاية ويطالبون به بالسعاية حتى كشفوا الوجه ثم الرأس ثم ألقوا الستر واللباس قطعة قطعة ، وكلما سمح لهم بقطعة طالبوا بأخرى  فإذا مُنعوها بكوا وندبوا حضهم التعيس واشتكوا من نير الأغلال البئيس حتى سمحت لهم قوانينهم بنزعه كله عدا قطعة واحدة للذكور وللنساء بقطعتين فأقاموا المناحات وسيروا المظاهرات مطالبين بالحريات ومن المضحك المبكي والمخجل أنهم يسيرون في المظاهرات بمجموعات كبيرة مختلطةوحتى يتجاوزوا طائلة القانون الذي بحتم عليهم قطعة واحدة على الأقل لأجل ذلك كان الواحد منهم يخرج عاريا تماما ويلبس كرافيتة تتدلى في جسده العاري أو قبعة أو فردة شراب في إحدى رجليه وربما لبس الذكور والنساء في الشتاء (هيلاهوبا) بلاستيكيا شفافا تماما فإذا استوقف أحدهم حجهم بالقانون بأن عليه قطعة لباس والقانون لم يحدد صفتها، وهكذا مازالت أوربا التي هي قدوة مثقفينا وقبلة طلابنا وطالباتنا تضغط شعوبها حتى سمحت أشد دولهم صرامة ألمانيا بالنكاح المثلي وبالتعري الكامل حفظا لحقوق المضطهدين ، أولا في نوادي العراة الداخلية ثم في الشوارع الخارجية إلا أنهم حددوا السماح بوجودهم في أماكن من البلد محددة حدائق ومنتزهات ، هذه أوربا ياسادة ، فهل المسلمون على إثرها سائرون ، إن حديث( جحر الضب)ينذر بهذا خاصة وإن في بعض رواياته "حتى لو إن منهم من يأتي أمه علانية كان من أمتى من يفعل ذلك" عوذا بالله أن يدركنا أو ندرك هذا الزمان ونعوذ بالرحمن من الخذلان

السبت، 3 مايو، 2014

دمعة على جبل أحد

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله   ،،،، وبعد 
لا أذكر أنني زرت مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلا عرجت على أحد، وسلمت على الشهداء ، ووقفت على جبيل عينين( الرماة)وادّكرت طويلا، واستغرقت تفكيرا ، حتى غرقت دمعا ، ومالي وأنا في موضع غرق الصحابة فيه دماً، كأني أنظر إلى مصارعهم واحدا واحدا، هذا مصعب يخر محتضنا لواءه ، وذاك حمزة معلما شاهر السيفين يفلق جبال الكتائب ، لا يلقى صنديدا إلا جندله ، هاهو يصاب بالحربة الغادرة، هاهو يسقط ثم ينهض ثم يكبو ثم ينهض ثم يكبو ويسلم الروح لباريها، وذلك طلحة وسعد والسعدان وعمر وعلي والصديق ، ثم أرمق البطل الكمي العبقري أبا دجانة يتبختر بسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمشركون أمامه حمر مستنفرة فرت من قسورة، ثم العجب بل أعجب العجب أسطورة الدهر وأعجوبة الأبد الشيهانة المحلقة واللبؤة المفلقة أم عمارة تخوض غمار الهول ومعترك الرجال ، ما كانت لتفعل لولا أن رسول الهدى في خطر ، في لحظة يقف التاريخ فيها ذاهلا يحبس أنفاسه ، وقد تفرقت الأبطال وانكفأت ، فرمت القرب والضمادات  وتناولت العمد واستلت السيف وأشرعت الرمح في موقف لا يستأذن فيه الولد أباه ولا الزوجة زوجها ولا العبد سيده.
نماذج وبطولات يقف التاريخ أمامها حائرا ذاهلا عاجزا ، لو استعان من فحولته بكل جهبذ خبير ومن شعرائه بكل فذ خطير
أغالب دمعتي وزفرتي ، وأنظر حولي فإذا حالة أشبه بالسياحة : تبضّع ، وزعاق ، وتصوير ، وأكل ، وشرب ، ذلك مبلغهم من العلم ، آه لو عرفوا.
وقفت مرة موقفي هذا قبل سنين طويلة ، وكتبت هذه الأبيات بدموعي في موضع سطر الأبطال فيه آيات البطولات بدمائهم رضي الله عنهم ، وجمعنا في الجنة بهم :

ما كنتُ أحسبُني أبكي على أََحَدِ 
حتى وقفتُ على الأطلال في أُحدِ 

هنالك العين تبدو من تذكرها 
مطروفةً أو رماها الشجْوُ بالرمد 

إيهِ اروِنَا سيرة الأبطال يا أُحدٌ
فما البخاري إذا تروي وما ابن عدِيْ 

فأنت أصدقُ شيخ قيل حَدّثَنا 
وأنت أوثقُ أن نحتاج للسند 

حدّث عن الأسد الضرغام يا أحدٌ
أكرِم بعم رسول الله من أسد

ليثٌ متى قابل الأبطال جندلها 
شاكي السلاح عظيمُ الهام ذو لُبَد

لما انتضى شاهرَ السيفيين كان له  
قذفُ الكماة كقذف الموج للزبَد

يقول أين عبادُ اللات هل لهمو 
صبرٌ أمام عباد الواحد الأحد

فما ارتضى ثمن الجنات غيرَ دمٍ
أزكى ثراك ، و إلا فلذة الكبد

وعن رسول رسول الله يا أحدٌ
حدّث عن ابن عميرٍ مصعبٍ وزِدِ

فتىً تزول الرواسي عن مواقعها
ولا يزول شديدُ البأس والجلد

لما ثوى داميَ الكفين محتضنا
لواءَ جيشِ رسول الله بالعضُدِ

وعن غسيل مَلاك الله حنظلةٍ 
إذ غسلوه بماء المزن والبرَد

نادى المنادي فلبّى غيرَ مُغتسلٍ 
شوقا إلى الله ركضا غير مُتّئِد

وراجمٌ بشواظٍ وقعُ أسهمه
كثاقبٍ في جنود الكفر متّقِد

خالُ النبي أبو إسحاقَ قلَّده
وسامَ فخرٍ على الأيام منفرد

باهى به ثم فدّاه بوالده
و أمه يالَنَوطِ المجد للسَعَد

ومَن أبيٌّ فدائيٌّ يدافع عن
نبيّه قدّم البرهان قَطْعَ يدِ ؟

أطلحةُ بن عبيد الله يُسأل عن
تاريخه وهُو التاريخ ذو المُدَد

نماذج تُذهل التاريخَ سيرتُها 
جلّت عن الحصر واستعصت على العدد

وعن جُبيلِ رماةٍ  بِتَّ  تحضنه 
تحنو عليه حنُوَّ الأم للولد

إذْ فوق هامته خُطّت ملاحمُ مِن 
دمِ الرماة بسطرٍ ثَمّ معتمَد

قومٌ إذا ما رسول الله عاهدهم 
كان الحِفاظُ لهم أشهى من الشّهَد

في موقف لا يطيق القرْم مسألةً 
عن الحميم ولا يُلوي على أحَد

كأنني أرمق المقدام يا أحدٌ
يمشي بسيف رسول الله لم يحِد

أبا دجانة يفري هامَ سادتهم 
بذي الفَقار ويلقيهم على الصُّعُدِ

ممزقين فلا تلقى سوى جسدٍ
من دون رأسٍ ورأسٍ  دونما جسدِ

 متى يقمْ بطل للحرب عاجله
بضربة كوميض الصاعق الرّعِد 

حتى ملا ساحتيك من جماجمهم 
وسدّ منها رحيبَ الدرب والجُدَد

وما حديثٌ عن الشمّاء يا أحدٌ 
أعجوبةِ الدهر بل أسطورةِ الأبد 

نسيبةٍ بنتِ كعب يا لَنَخوتها 
يا لَلشجاعة يا لَلبأس  والنَجَد

لما تفرقتِ الأبطال وانهزمت 
قامت تذبُّ عن المختار بالعَمَد

تذود منهم صناديدا وتدفعهم 
عن الرسول بلا درعٍ ولا زَرَدِ

كأنها حين تعثو في كتائبهم 
شيهانةٌ فتكت في حومة الهَدَد

تفديكِ يا ابنةَ كعبٍ من سواقطهم 
مليونُ من صاحبات الجيد والمَسَدِ

من الكواسيْ العواريْ النامصاتِ ومِن
مشوهاتٍ لخلق الخالق الصمد

العارضاتِ لحوماً في مسالخهم 
الباغياتِ سبيلَ الغيِّ بالرَّشَد

أستغفر الله ما قولي مقارنةٌ
وهل يقارن بين الباز والصُّرَد ؟!

إني نظرت على الأيام يا أحدٌ
ذلا وعزا وتمكينا فلم أجدِ

أذلَّ من زمن بحثت فيه فلم 
أجد لك اسما يجلّي ظلمة النكَد

إلا لنادٍ لألعابٍ وشرذمةٍ
يدعونها كذبا ريحانةَ البلد

يا أيها الجبل العملاق يا أحدٌ 
حدّثتَ ما لم يدر أو دار في خَلَدي

ماذا عن القائد الأعلى ومحنتِهِ ؟
ألا تحدثنا عن ذلك الصَدَد

فقال : أمّا هنا فاعذر..فقد بحثَتْ 
عن المعانيْ أحاسيسيْ فلم تجِدِ