تعديل

بحث

الثلاثاء، 10 يونيو، 2014

إيراد الاعتراض على جباية زكاة الأراض وتجارة الأعراض

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ،،،،،،، وبعد :
فهذه جمل حول مسألة زكاة الأرضين ، لما رأيت الكلام فيها نشطا ؛ بمناسبة التوصية بفرضها من مجلس الشورى :
وبداية : لا ريب أن الزكاة حق الإسلام وركن من أركانه ، وقرين الصلاة ، وأدلة فرضها أكثر من أن تحصى ، وأشهر من أن تستقصى .
ومن الأموال الواجب فيها الزكاة : عروض التجارة ، من عقار ومنقول وناطق وصامت وحيوان وموَتان .
وجباية الزكاة من واجبات الإمام أو من ينيبه من الجُباة أو الجهات : كمصلحة الزكاة .
وكان من سنة النبي ﷺ بعث الجُباة إلى الجهات لقبض الزكاة ، وهم العاملون عليها.

وأما مسألتنا فالبحث فيها حسب ما أرى يرتكز على المحاور الآتية ؛
أولا : المسائل العلمية الشرعية المحورية الكبيرة والخطيرة ليس البتّ فيها من اختصاص مجلس الشورى ولا صلاحياته ؛ فإن هذا المجلس أخلاط من مثقفين ورجال أعمال وإدارة ووجهاء حواضر وقبائل ونخب من متخصصين في علومهم ومعارفهم الإنسانية وأديبات وطبيبات مع قلة أو ندرة من الشرعيين لا تشكل نسبتهم شيئا عند التصويت ، ناهيك عن مخالفين في أصل المعتقد.
فأكثر أعضاء المجلس عوام بالنسبة لعلوم الشريعة ، ووجود لجنة شرعية لا يحل الإشكال .
فبحث هذه المسائل الشرعية المفصلية الخطيرة منوط بأعلى الجهات الشرعية من كبار علماء ولجان فُتيا ثم يأتي دور مجلس الشورى ، إن احتيج إلى تمرير الشأن عليه قبل تقريره في الأمور المصلحية المرسلة ، أو وسائل تنفيذ الأمور المبتوتة  شرعا فعلا أو تركا وحثا أو كفا لا أصل تقريرها .
إن الاتجاه الذي نراه هو افتئات هذا المجلس على أهل الاختصاص في مهم بل أهم القضايا الشرعية ، وما إقرار رياضة البنات في مدارسهن عنا ببعيد ، ويوجد من أعضائه من هو حائر ومتردد في اتخاذ القرار الصائب في حق نفسه كما يبدو في بعض مناشط الحياة العامة ، فما يقرره اليوم ينقضه غدا، وما يصبح فيه من أمر لا يمسي عليه ، فكيف سيشير بالرأي الصواب في القضايا العامة ، وفي المسائل المعقدة بحثا في الشريعة !
والخشية أن يتطور الحال إلى جعله - بأخلاطه ونخبه - مجلسا تشريعيا (برلمانا) ولو على المدى ، فيسن التشريعات لا الأنظمة المنظمة ، وهذه حقيقة التشريع : أن تطرح المسألة الشرعية المفتقرة إلى فتوى الفطاحل على العالم والسياسي والطبيب والإداري والتاجر والمهندس ويقرر ما رأته الأغلبية بعجرها وبجرها، فعلى الأفاضل المعلقين على هذه القضايا أن يكون ما ذكرت حاضرا في أذهانهم على الدوام .

ثانيا : كان من سنة رسول الله ﷺ وخلفائه رضي الله عنهم بعث الجباة إلى الجهات لقبض الزكاة ، وذلك في بعض الأموال الظاهرة لا جميعها ، ولا الأموال الباطنة ، فثبت في السنة العملية ما يخصص عموم قول الله تعالى " خذ من أموالهم صدقة " والعمل في عهد النبوة والخلافة الراشدة في خرص بعض الخارج من الأرض وقبض زكاته ، وإحصاء بهيمة الأنعام وقبض زكاتها .
فأما النقود فلا أعلم أن النبي ﷺ أحصاها على أهلها ، اللهم إلا إن تطوع أحدهم بدفعها كما في الصحيح في قصة معن بن يزيد ، وأما قوله ﷺ " تصدقن ولو من حليكن " وقبضه وبلال صدقتهن : فهي تطوع لا فريضة؛بدليل أنه لم يسأل عن نصاب ولا حول ولا قدر مُخرَج .
وسوى ذلك فموكول إلى دين المسلم وذمته وأمانته ويكتفى بالحث والحض والترغيب والترهيب ، وقصة ابن مسعود وزوجه زينب فيما ثبت في الصحيح من حديث " أي الزيانب " خير شاهد لما ذكرت .
وبهذا نعلم أن فرض مصلحة الزكاة على تجار العروض دفعَ زكاتهم إليها خلاف السنة ، وكل ذي مال لديه من القرابة والمعارف وخاصة المسلمين وعامتهم من يتمنى سد حاجتهم من زكاة ماله ، فيحال بينه وبين زكاته ، ويتهمه الناس بالبخل والمنع والشح ، وتسبب في قطع رحمه ، وشنآن قريبه ، والأدهى من ذلك أن الزكاة تحسب على أساس نسخة من اعتماد الشراء ، وهذا فيه إجحاف بالتاجر وظلم ؛ على أساس أن أكثر البضائع أو كثيرا منها يتكدس ويضطر التاجر للتخلص منه على شكل متخلفات(ستوكات)بأقل من شرائه بكثير ، وقد حذر النبي ﷺ معاذا كما في الصحيح من أخذ كرائم الأموال في الزكاة وعده ظلما وحذرمن دعوة صاحبه ، وبين أنه ليس بينها وبين الله حجاب.
صحيح أن كثيرا من التجار لا يؤدي زكاته أو يمنع بعضها أو كثيرا منها وربما أكثرها ، فهؤلاء حسابهم على الله باعتباره باطنا ليس بأشد من أصل الدين بكتم النفاق " وحسابهم على الله تعالى " وما أمرنا أن نفتش القلوب ، ونحصل ما في الصدور، ولو رأى الإمام إلزامهم فهنالك طرق أخرى توافي المصلحة وتلافي المفسدة .
وأفظع من ذلك وأبعد عن السنة إلزام الورش والمصانع بالزكاة وإيكالها إلى خرص واجتهاد من ليس لذلك أهلا من الموظفين ، وهذا مناف للسنة أية منافاة ؛ فإن آلة الكسب والحرث لا يجوز أخذ الزكاة عليها ، خذ مثلا صاحب ورشة ألومنيوم بمنشاره ومكبسه وأدوات براشيمه وتباشيمه ، بعد جولة من الإرهاقات والإتاوات من بلدية وكفالات وفرض تأمين صحي و سعودة وخلافه ؛ تأتي مصلحة الزكاة لتكمل الناقص ، وفي الغالب أنه شاب مبتدئ في الحياة لم يكمل دراسته أو أكملها ولم يجد وظيفة حكومية - وهو الأصل - وعنده أسرته وبيته وورشته بالإيجار ، ومع غليان الغلاء وحمى الأسعار كيف سينافس ، ومتطلبات أسرته والغلاء(ولوبيهات) العمالة الوافدة وتكتلاتها أمامه والحكومة وراءه .
لا أكتم سرا إن قلت إن هذا من أهم أسباب فشل الشباب وإحباطهم ولجوئهم إلى البطالة وعصابات المخدرات وتسويق الفواحش والسوق السوداء .
وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال  " ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة " وهذا عام في كل خصوصية وآلة حرث وكسب ، فإحصاء زكاة المصانع والورش خلاف السنة وظلم ، وإن كان ولا بد فلتحص أرصدتهم البنكية ، ولا تؤخذ زكاة ورشة مستأجرة وآلة مستأجرة أو مشتراة بأقساط ، أو حتى محررة خالصة ، وإن كان تفتيش الأرصدة أيضا خلاف السنة كما تقدم ؛ وإن كنت على مثل يقين أن أكثرهم يَخرج من سنته المالية كفافا لا علي ولا ليا ، إن سلم من ديون والتزامات .

ثالثا : وبخصوص مسألتنا فلا أعلم دليلا أن النبي ﷺ أحصى الزكاة على أهل الأرضين والحروث في رقاب أموالهم ، فإن كانت عروضا فأداؤها منوط بالذمة والديانة والأمانة، وإلا فلا زكاة عليها .
بل الثابت في الصحيحين من حديث رافع بن خديج وغيره أن للصحابة رضي الله عنهم أرضين يخابرونها ويزارعونها ويكارونها في المدينة، وأن للنبي ﷺ وللصحابة أرضين في خيبر عاملوا عليها يهود بنصف ما يخرج منها ، ولم ينقل في حديث أن النبي ﷺ أمر بإخراج الزكاة على رقاب هذه الأرضين ، ولو أمر لنقل ؛ لأن مثل هذا مما تتوافر الدواعي إلى نقله، وهي من مهمات الدين متعلقة بأركانه ، ولا كانوا يسألون المالك ما تريد بهذه الأرض ، وما نيتك فيها ؟
 ومسألة الأسعار ارتفاعا وانخفاضا يعلم صاحب القرار قبل غيره علم يقين من وراءها من(بارونات) العقار ويعلم كيف حلها ، ولا يسأل ذو مال عن سعره ولا يلزم ببيع ولا يكره عليه ولا يحل أصلا إلا بطيبة نفس منه ، اللهم إلا احتكار قوت الآدمي إن كان بالناس حاجة هذا الذي رخص في التسعير على أهله .
وسواه فإن كان مالك الأرضين مغتصبا أو متحجرا بباطل أو مُقطعَا بغير حق فالحل رفع يده "أنى لك هذا" وإن كان بكد يمينه وعرق جبينه ودرهمه وديناره ، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، ولا يظلم هو ولا المساهمون معه من أصحاب الريال والريالين والقرش والقرشين بإلجائهم إلى البيع .
وفد قرر الفقهاء فهما من النصوص أن العروض الواجب فيه الزكاة ما ملك بنية التجارة وجَعْلِه رأسَ مال ، بل توسع الحنابلة ويسروا على صاحب المال أكثر من غيرهم فقالوا : لو اشتراها ليمسك بها ماله لا بنية التجارة فلا زكاة ولو باعها ، وإن قصد الفرار من الزكاة فحسابه على الله عز وجل ، وقال بعضهم : ولو تملّكها بنية القنية أو استثمارا ثم تغيرت نيته إلى البيع فلا زكاة عليها ؛ لأن شرط الزكاة أن تكون نيته التجارة حال الامتلاك ، على خلاف في هذه المسألة .
والمقصود أن الأرضين المقصود منها الاقتناء أو الاستثمار من تأجير أو استزراع لا زكاة في رقبتها ، فهل سيفرق الجابي بين الأرضين أم يعتسف في إيجاب الزكاة على جميعها كما ذكرت في حالة تجار العروض والمصانع .
هذه جمل كتبتها على عجالة راجيا أن يتأملها صاحب القرار رالمسارعون إلى تأييده في هذه المسألة .

كل ما قدمته : مع إحساسي بمعاناة الفقراء والمستأجرين وعميق ألمي لهذه المعاناة ، وضرورة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحل هده المعضلة على طريقة " لا تَظلمون ولا تُظلمون"ولكن هاهنا أمران :
الأول : أن المظنون أن هذا الإجراء لن يحط من سعر الأرضين بل ربما كان العكس صحيحا فستضاف نسبة الزكاة ويأخذها التجار بالاعتبار وليس المستفيد حينئذٍ إلا مصلحة الدخل والزكاة على ظهور الفقراء ، ولو كان سيحط من أسعارها لكانت إرهاصاته منذ سنتين كفبلة بهذا سلفا،
الثاني : أن الإجراء الصحيح تشجيع المشروعات الوقفية والخيرية والتضامنية وقيام الجهات المختصة بواجبها في توفير الإسكان ودعم السلع الاستهلاكية والمواد الأساسية وعلى رأسها مشروعات الإسكان أسوة بدول الحوار وغيرها.
والله تعالى أعلى وأعلم وأجل وأحكم  وصلى الله على نبيه محمد وآله وسلم 

هناك تعليقان (2):

  1. محمد الغماس15 يونيو، 2014 9:36 ص

    اين تعليقي أبا عبدالله؟؟؟ !!!

    ردحذف
    الردود
    1. لم أر لك تعليقا أبا عبد الله ولو رأيته لنشرته لا أترك لك ردا
      دمت بودّ

      حذف