تعديل

بحث

السبت، 28 يونيو، 2014

لطيف العتاب للشيخ عبد الوهاب

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ،،،،، وبعد :
(الإلهاء الرياضي) 
كان هذا المرقوم أعلاه عنوان خطبة منبرية من أروع وأنفع ماسمعت من الخطب؛ ولاغرو فقد كانت تلك الخطبة التي عمرها أكثر من عقدين من درر فارس المنبر الخطيب الأديب الدكتور عبدالوهاب الطريري وفقنا الله وإياه وسدد أقوالنا وأفعالنا..
وفي ذاكرتي أيضا خطبة أخرى لفضيلته عن هذا الإلهاء الرياضي، كانت غبّ فوز المنتخب السعودي على المنتخب الأمريكي، وكالعادة غير الكريمة لكثير من الشباب وقع في تلك الليلة من الهرج والمرج والصخب والشغب ما كان الشيخ نفسه أحد ضحاياه؛ فعرقل سيره وأبطأ وصوله إلى منزله، وكان في طريقه من القصيم حيث كان لايزال في نشوة سعادته وسعادتنا جميعا العارمة بمسابقة السنة النبوية المقامة في جامع بريدة؛ تلك المسابقة التي سن فيها الشيخ الدكتور سلمان والشيخ يحيى ومن معهما سنة حسنة أرجو أن لا يزال أجرها جاريا عليهم إلى يوم القيامة، ولكن مواكب الشباب الصاخب في مدخل الرياض كدرت الفرحة وداخلت السعادة ، وكان مشهد البارحة والليلة صفحتي ضدين تعكسان التناقض الصارخ في تربية الشباب واهتماماته؛ الأمر الذي حدا بالشيخ في خطبة غد وتحت تأثير المشهدين أن يعقد صفقة مقارنة بين هؤلاء وهؤلاء في خطبة تجلت فيها موهبة ذلك الخطيب المفوه وما أنعم الله به عليه من سحر حلال، ولقد أبدى أبو محمد وأعاد وأجاد وأفاد في وصف هذا الإلهاء ومخالفاته الشرعية حتى إنه وصف في هذه الخطبة أو غيرها جلسة اللاعبين للتصوير "بجلسة قضاء الحاجة".
لم أكد أصدق أن هذا الخطيب الفاضل هو صاحب التغريدات التي صدح بها في حسابه في سبيل تقرير إباحة متابعة هذا الإلهاء الرياضي؛ وأقول "إلهاء" كما قال فضيلته؛ اللهم إلا أن تكون الرياضة قد تهذبت، أو جراح الأمة قد تعافت خلال العشرين سنة المنصرمة!
وياليت شعري هل لهذه التنازلات من حدٍّ دون القاع أيها الدعاة الأفاضل؟!
وإلى متى سنجاري أهواء الناس ورغاباتهم؟!
وهل جاءت الشريعة إلا لوزع الخلق وكف الكافة عما لا يليق دينا ومروءة، وأهل الشريعة أمناء مستحفظون كتاب الله، عليهم بيان الحق والصدع ولو خالف أهواء الخلق، ولا يضرهم من هلك، مع مراعاة الحكمة والجدال الحسن وتمني هداية الخلق  والترغيب والتحبيب لكن لا على حساب الشريعة.
وهل بلغنا كل العلم فخشينا إثم كتمان علم نافع حتى اضطررنا إلى هذه الأطروحات؟!
وهل رأينا المساجد ضائقة بالبشر متجافين عن الدنيا متقاسمين على هجرها بملذاتها كما فعل الثلاثة الصحابة فيحتاج أن يقوم خطيبنا نذيرا: ما بال أقوام ؟!
وهل رايات الفاتحين خفاقة وجيوش المسلمين ضاربة في القارات وأساطيلهم سيدة البحار والمحيطات، حتى نرفه عنهم لأواء الغزو المتواصل والرباط المتتابع؟
وهل تخفى جراح الشام والعراق ومصر وليبيا وغيرها، فهل يليق أن نصفق للاعب يجري خلف كرة وأرامل الشام ويتاماه تنزف عيونها دما، وأشلاء أسر حلب لم تخلص من ركام الأنقاض والبراميل تفجر على رؤوسهم كل لحظة،
هل نجد للعب وقتا، بل للفرجة على أبناء علوج يرابطون محتلين فوق ثرى أوطاننا.
بالأمس: ألم يكن الإلهاء الرياضي بوضعه الراهن ضياع أعمار الأغمار، وصنما معظما وبروتوكولا من بروتوكولات حكماء صهيون (أشغلوا شبابهم بالفن والرياضة)، وهاتكا للولاء والبراء، وسببا في إضاعة الصلاة، وكشف العورات والمعجبين والمعجبات ووو فماالذي تغير اليوم؟!

والآن مع الشيخ الفاضل أبي محمد في نقاطه قال :
١- لا يسعنا أن نفرض تقييمنا للأمور على الناس باسم الدين، فالذي لا يناسبنا ولا نقتنع به نطرحه رأيا وقناعة وليس دينا وحلالا وحراما.
أقول : هذا عجب يا أبا محمد، ومثار العجب أنك وغيرك ممن بات يطرح مثل هذا الطرح جعلت قول العلماء والدعاة بإزاء أقوال عامة الناس، كلها آراء وقناعات وليس دينا وحلالا وحراما؛ ومثل هذا كما لايخفى على شريف علمك من الجناية على الشريعة؛ فالقضية ليست قناعات فلان  وآراء علان، وإنما هي أحكام وفتاوى بأدلتها الخاصة أو العامة والتي يقررهاعلماء الشريعة ودعاة الإسلام، وليس للعامة إلا الامتثال والانقياد طاعة لله لا للعلماء وخوفا منه لا منهم.
 كأنك بهذا أيها الشيخ الكريم -وحاشاك- تسوغ شغب العامة على علمائهم والتمرد على فتاويهم وهو عين مانراه اليوم.
لست بصدد بيان الحكم الشرعي التفصيلي للإلهاء الرياضي ووجوه مخالفاته العقدية والأخلاقية؛ فهذا موجود في مظانه ومن آخر ذلك فتوى شيخنا العلامة عبدالرحمن البراك التي تداولتها المواقع والتغريدات ولا أظنكم لم تطلعوا عليها أو على الأقل تعلموا عنها، وجاء مقالكم بعدها بوقت غير بعيد.

٢- قال : إعجاب الشاب بمهارة لاعب لا تعني إعجابه بدينه، ولا تقدح في العقيدة، فإعجابك بخلق كافر أو مهارته لا تعني الإعجاب بعقيدته ولذا أثنى نبينا على مواقف بعض المشركين وأخلاقهم وعقولهم كحلف الفضول وخلق المطعم بن عدي وعقل عتبة بن ربيعة. 
أقول : هنا قررتم أمرا واستدللتم عليه، وما أبعده من استدلال، أنا أقر لك أني من أشد المعجبين بعقلية إسحق نيوتن وتوماس أدسن وروجر بيكن وفرنكلين بنيامين وآلبرت آينشتاين وغيرهم من العقول المبدعة، وحتى دعاة التكافل الاجتماعي والإصلاح الأخلاقي من الكفرة، لكن ماالذي يعجبني من لاعب تافه أو مصارع عار أو شبه عار أو لاعب سيرك ساحر أو شبه ساحر وأية فائدة في هذا الإعجاب لشبابنا وشاباتنا إلا المزيد من الضياع والانتكاس والانغماس في حضيض الجهل والانهزام، هات كتكافل الفضول ومروءة المطعم وعقل عتبة لأعجب به وأثني عليه، وما بالك -رعاك مولاك- تستدل بالمهمات العلويات على التفاهات والترهات السفليات. 
وهل إشادة النبي ﷺ بالمطعم إلا لدوره في نقض صحيفة الجور وكونه أول من دق مسمارا في نعش المقاطعة الظالمة للمسلمين، ومثل هذا عتبة؛ إذ حاول جاهدا تجنيب قريش والمسلمين الصدام الدامي لولا صلف أبي جهل،
على أن المبدأ من أساسه يمكن أن تنازع عليه، فيقال: كثير من الإعجاب يورث الاقتداء والتقليد والحب والتقمص والمحاكاة وخاصة لدى الجهلة الصغار، وهذا معروف ومحسوس ومجرب، فمن أعجب بشخص تقمصه وقلده شعر أو لم يشعر، وماالذي حدا بكثير من أبنائنا وبناتنا أخيرا إلى تقمص الكفار ورقمِ أرقامهم وحمل أسمائهم ونقش صورهم على صدورهم في البيوت وفصول الدراسة حتى في الصلاة والمساجد إلا الإعجاب المفرط، لك - يا شيخنا الفاضل - أن تكلف أحد طلابك أو موظفيك بعمل استبانة لطلاب من مختلف المراحل والمدن والقرى والبوادي تقارن فيها: أي الرجلين أشهر؟ ومن هم به أخبر؟ بطل من أبطال الصحابة أو اللاعب الصليبي مسي وأتحفنا- يا رعاك مولاك - بالنتيجة الصادمة.
 حدثني أحد الأساتذة قال : في الأسبوع الذي توفي فيه الإمام ابن باز كتبت سؤالا لطلاب الثالثة المتوسطة : "شخصية إسلامية بارزة فقدها العالم الإسلامي هذا الأسبوع فمن هي ؟" قال فوالله لم يجب من الفصل إلا واحد وكتب اسمه هكذا : منباز، يعني ابن باز .
 وأنا على مثل يقين أن كل طالب في هذا الفصل قدير أن يسرد لك أسماء لاعبي نادي مانشستر يونايتد أو ليفربول أو برشلونه ومواقعهم واحتياطييهم
 قلت "بناتنا"؛ لأن الداء انتقل من البنين للبنات وبالأمس أرسل إلي أحدهم صور عباءات تباع عندنا تحمل أسماء لاعبي الغرب وتتهافت عليها الفتيات .

٣ - قال أخي أبو محمد : الميل لفريق والإعجاب بمهاراته وتشجيعه ليس إعجابا بدينه ولاسياسة بلده ، وقد فرح المؤمنون بانتصار الروم على الفرس وما أنكر الله ذلك عليهم .
أقول : أما فرح المسلمين بانتصار الروم على الفرس : فلو غيرك قاله يا أبا محمد!
أي وجه للاستدلال فيه على ماذكرت ؟! 
والفرح المقصود بقوله تعالى : " ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله " له تفسيران : 
الأول : أن تفسير الآية وقوع ذلك النصر الذي ما كان المسلمون يدرونه ولا يعرفونه ، فوافق يوم انتصار الروم يوم غزوة بدر الذي فرح له المسلمون أعظم الفرح فهو فرح مشروع بنصر الإسلام .
الثاني : أنه فرح لتحقق نبوة النبي ﷺ وصدق خبر القرآن بأن الروم سينتصرون لاحقا ؛ ولذلك راهن أبوبكر المشركين على هذا.
وأضعف من ذين التفسيرين قول من قال : فرح المسلمون بانتصار الروم لأنهم أهل كتاب أقرب إليهم من الفرس المجوس ؛ وعلى كل تقدير : فأين هذا مما تريد تقريره من قياس فرح بفوز فريق كروي على آخر في صنم العصر ومخطط صهيون،بفرح بانتصار قتالٍ حربي ومعارك عسكرية لا يتابعه إلا ذو همة عالية 

٤ - قال الشيخ الفاضل :الألعاب الموجودة في زمن النبي ﷺ هي ألعاب الناس في الجاهلية وهي ثقافة مشتركة مع المشركين كلعب الحبشة بالحراب ونحوها
أقول: شتان بين ألعاب الحرب والدربة على القتال والعزة والشجاعة وألعاب التهور واللهو الباطل والقمار بكسب الملايين وتحكيم طاغوت الفيفا الدولي الذي جعل له سلطة التشريع وفض النزاع وفصل الخصومة والعقوبات البدنية والمالية، وجعل له من السلطات والميزانيات ما يفوق ميزانيات دول مجتمعة، وأمضيت قراراته ونفذت على العالم طائعا أو كارها؛ وبموجبه ضغط على بلادنا حتى وافقت على مشاركة وفود نسائية فكانت العداءة والمصارعة السعوديتان وغدا تشكيل منتخب كروي متكامل، فمن يفرح بهذا ويستأنس له ويتابعه الساعات الطوال إلا فارغ الوقت فارغ القلب من هم دينه وأمته إلا مارحم ربك؟

٥- قال الشيخ: نظرنا للمباريات على أنها ضياع للوقت والهمة هو من العزيمة التي لانلزم بها أحدا، ونحن نرى إنفاق الأوقات في أشياء كثيرة غير مجدية كجلسات تزجية الأوقات بأحاديث مكرورة، ورحلات القنص وما فيها من ضياع أوقات وأموال ونحو ذلك ولا يمكن إنكارها.
أقول: أولا: قولكم هو من العزيمة أقول: من تأمل مضار الإلهاء الرياضي ووجوه مفاسده العقدية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية لم يشك في هذا طرفة عين.
 ثانيا: ومن قال بجواز إضاعة المال وقيل وقال وكثرة السؤال في مجلس أو قنص حتى يحتج بذلك عليه ؟!
ثالثا: ولا يمكن ولا يتم ولا يسلّم قياس حالات عشوائية خاصة كحالات القنص والمجالس التي هي مظنة إضاعة الأوقات
على حالات مقصودة مرتبة مخططة منظمة بالكيد المتين والمكر المبين، على أن الصيد مباح في الأصل لما فيه من الضرب في الأرض وطلب الكسب الحلال خلافا للهو المحرم.
ولقائل أن يقول إن الصيد والقنص رمي، والرمي مندوب إليه في الجملة، أما العبث الرياضي فأية فائدة فيه ومنفعة، حتى من ناحية رياضية لا يستفيد إلا اثنان وعشرون لاعبا على حساب أعصاب ملايين المشجعين وأوقاتهم وأخلاقهم وألفاظهم وأموالهم وحناجرهم وموداتهم وعلاقاتهم.

٦- قال: كان الصحابة يتحدثون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور الجاهلية فيضحكون ويتبسم وهي ذكرياتهم عن حماقات الجاهلية المضحكة، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لو جعلتم مكانها ذكرا أو قراءة قرآن لكان خيرا لكم فهو في مساحة الحديث المباح وكذا بقية شؤون الحياة.
أقول: هذا صحيح دليلا غير صحيح استدلالا؛ لأمور:
الأول: أن حديث الصحابة لا يخلو من منفعة بتذكر نعمة الله عليهم بالإسلام والنبي ﷺ الذي زكاهم به الله وطهرهم من رجس الجاهلية فهو مما يعين على الشكر.
الثاني: أن هذا حديث عابر لا تقاس عليه جهود منظمة جبارة وأفعال وأموال ونفقات وأسفار ومخيمات ومعسكرات وإقامات ببلاد الكفر لغير ضرورة وتبسط مع الكافرين وتمييع للبراء مع مكانته من الدين.
الثالث: معنى القياس ولازمه أنه لو كان مكان حديث الصحابة مع النبي ﷺ عرض لمباراة بأفخاذ مكشوفة وصراخ وصخب وتشجيع وأحيانا تقبيل خدود وتصليب صدور ما كان مستنكرا من النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، أقول هذا مع علمي أن أول من يستبشع هذه الصورة ويمقتها ويستنكرها فضيلتكم؛ لكنه مقام الحجاج؛ وإذا ثبت الفارق بين الأصل والفرع سقط الاستدلال.

٧ - و أما ما نقل عن شيخ الإسلام رحمه من قوله:"الناس لا يسعهم إلا المباح فإذا فعلوا ما يدخلهم الجنة لم يمنعوا إلا مما  يدخلهم النار"
فأقول: حق، لكن هاتوا أن هذا مباح لا يمنع الناس منه ولا يخشى عليهم بسببه وما يجر إليه من النار.
وأخيرا: يا أخي الحبيب هل غاب عنك أن رمضان على الأبواب وأن مخاض هذا الكأس قد اقترب، ألا تخشى - وأنت لك الكلمة المسموعة - أن يزهد كثيرون في فضائل هذا الشهر قيامه وقراءته بتأثير من أقوالك وقناعة باستدلالاتك، لا سيما إن تعارض قيامٌ مع مباراة حاسمة، ألا تعلم طغيان الكرة وجنونها الجارف؟!
أبا محمد رأيت آباء ممتلئين عليك غيظا، حتى قال بعضهم: أخطأه الله حوبتي، فقلت: لماذا؟ فقال: أبنائي من طلبة التحفيظ كرست عمري في النأي بهم عن هذه التفاهات وفوجئت بهم يسهرون في مقاهي (الكافيه) يتفرجون على كأس العالم، فلما عاتبتهم احتجوا علي بالشيخ عبدالوهاب
أعيذك بالله - أخي الحبيب - أن تفتح على الناس باب شر.  
هذا ما أحببت إيراده من باب المذاكرة والمناقشة راجيا من أخي أبي محمد إفادة محبه بحسن نظره ولطف عذره وجميل ظنه، "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله" والله يتولانا ويتولاه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق