تعديل

بحث

الجمعة، 4 يوليو، 2014

النفحة الريحانية في مشروعية العمرة الرمضانية

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ،،، وبعد:
تكرر علي هذه الأيام سؤال: حول مشروعية العمرة في رمضان، ولما رأيت تكرر السؤال سألت أحد السائلين: ما الأمر؟!
فأجاب: بأن هنالك فتاوى متداولة في المواقع ووسائل الاتصال والتواصل تقول بعدم مشروعية (أي أفضلية) العمرة في رمضان.
وبرجوعي إلى هذه الفتاوى المسجلة صوتيا والمدونة حرفيا ألفيت الأمر كما ذكر هذا السائل،ومع إقرار أصحاب هذه الفتاوى بأن القول بالمشروعية هو قول جماهير علماء السلف من فقهاء ومحدثين، إلا أنهم غفر الله لهم ووفقهم مالوا إلى عدم المشروعية ونصروا هذا القول بمختلف الأدلة.
وطلبا للاختصار لن أطنب في ذكر أدلة الجمهور القائلين بالمشروعية والأفضلية، لكني أورد هنا أدلة الفريق الآخر والجواب عنها بعون الله حتى تطمئن قلوب المؤمنين .
وقبل ذلك: أتساءل ما الفائدة في تشكيك العامة، ونبش خلافات قديمة، وإنعاش أقوال شبه مندثرة، كل هذا والمحصل لهذه الآراء إضعاف عزيمة المسلمين عن صالح العمل، ولو كان العكس لكان مقبولا (أعني لو رأينا قعود الناس عن عمل اختلف في مشروعيته من عدمها ثم اجتهدنا في الحث على هذه السنة لدليل ولو محتملا).
أما أن نرى الهمم منبعثة إلى عمل صالح له دليله في الجملة، وعليه جماهير أهل العلم، ولم يذهب إلى خلافه إلا قلة قليلة ثم نجتهد في ترجيح تركه فهذا عجب.

والآن إلى مناقشة أدلة القائلين بعدم المشروعية وإيراداتهم واعتراضاتهم:
أولا: ادعاء الخصوصية وقصر النص على سببه، في الحديث الوارد في عمرة رمضان وهو ما رواه البخاري عن مسدد حدثنا يحيى عن ابن جريج عن عطاء قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يخبرنا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار سماها ابن عباس فنسيت اسمها "ما منعك أن تحجين معنا قالت كان لنا ناضح فركبه أبو فلان وابنه لزوجها وابنها وترك ناضحا ننضح عليه قال فإذا كان رمضان اعتمري فيه فإن عمرة في رمضان حجة أو نحوا مما قال"
ورواه مسلم وغيرهما ، والرواية بحذف النون(تحجي)وإثباتها(تحجين)ثابتتان ؛ والإثبات كما هنا بناء على أنّ(أنْ)مخففه من الثقيلة - لا مصدرية ناصبة - اسمها ضمير الشأن مقدر وخبرها الجملة والفعل تحجين مرفوع بثبوت النون.
وفي رواية(تقضي بحجة)وفي أخرى(تعدل حجة) وفي ثالثة عند أبي داود (حجة معي) وهي في بعض نسخ البخاري بالشك(تعدل حجة أو قال حجة معي).
فهذا عندهم خاص بهذه المرأة أم سنان كما ورد عند البخاري أو أم معقل كما في رواية أخرى ،وقيل أم سليم وأظنه مع وروده لم يثبت ، وذلك جبرا لخاطرها لما فاتها الحج مع النبي ﷺ .
والجواب: أن الأصل العموم واشتهرت عبارة الأصوليين (العبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب)، وإن كان سبب الحديث خاصا إلا أن الأصل عموم لفظه، ومهما أمكن العموم لم يُصر إلى الخصوصية إلا بدليل صريح صحيح كقوله تعالى: "خالصة لك من دون المؤمنين" وقوله ﷺ: (هي لك ولاتجزئ أحدا بعدك) ؛ وإلا لادعى الخصوصية من شاء كما ادعاها من ادعاها في الحجاب خصوصية لأمهات المؤمنين ، ولكان كل ثواب عمل صالح ارتبط بسبب وشخص معين قصر فضله على ذلك الشخص ، كما في حوادث كثيرة .

ثانيا: أن عُمَر النبي ﷺ الأربع كلها وقعت في ذي القعدة؛ والله لايختار لنبيه ﷺ إلا الأفضل.
وجوابه: التسليم بالمقدمة الأولى، ومنع المقدمة الثانية؛ إذ الحصر ممنوع  فقد يختار الله عزوجل لرسوله ﷺ كوناخلاف الأولى شرعا لحكمة كما ثبت أنه حج قارنا وتأسف على أنه ساق الهدي وتمنى أن لو كان متمتعا كصحابته؛ إذ الراجح أفضلية التمتع على سائر الأنساك، ومثل هذا اختياره لفداء أسارى بدر الأمر الذي عاتبه عليه القرآن، وكذلك الصلاة على ابن أُبيّ، وإذنه للمنافقين "عفا الله عنك لم أذنت لهم" وغير ذلك.
والقاعدة أنه إذا تعارض فعل النبي ﷺ وقوله في زمن واحد وقضية واحدة قدم القول على الفعل؛ فكيف والتعارض - إن صح أنه تعارض - في زمنين. 

ثالثا: قياس قصة هذه المرأة على قصة عائشة رضي الله عنها حين بكت وشكت أن صاحباتها يرجعن بحجة وعمرة وهي بحجة بسبب مداهمة العذر إياها، فأمر النبي ﷺ أخاها عبد الرحمن أن يُعمرها من التنعيم، إذ القصتان بمعنى، وكلتاهما للجبر والمواساة، ومن فرق فعليه الدليل، قالوا : ولا تقولون بمشروعية عمرة التنعيم بعد الحج فقولوا كذلك في عمرة رمضان.
والجواب: بالفرق، بل بالفروق بين القضيتين فلا يصح القياس، والفرق من وجوه:
الأول: أن النبي ﷺ أردف الأمر للأنصارية بذكر الفضيلة العظيمة بأن عمرة في رمضان تعدل بحجة أو حجة معه ﷺ 
ولا كذلك في قضية عائشة، غاية ما في الأمر أنه قال لها مواسيا: "إن إجرك فيها على قدر نصبك".
الثاني: أنه لم يأمر أخاها محرمها أن يعتمر معها وهو خارج معها متجشم عناءها ماشٍ كل خطواتها، فدل على عدم المشروعية.
فإن قيل: وكذلك محرم الأنصارية لم يؤمر أن يعتمر معها.
قلنا: هو مسكوت عنه، وبعيد جدا أن يتجشم السفر ويدخل الحرم بلا إحرام.
الثالث : أن النبي ﷺ ذكر فضل عمرة رمضان وحث عليها ابتداء ، ولا كذلك في قصة عائشة إذ لم يبتدئها بالأمر ولم يذكر لها الفضل ، وإنما أخبرها أن حجة قرانها تكفيها عن الحجة والعمرة ، ولما راحعته وشكت وبكت أذن لها. 

رابعا: أنه لم يحفظ عن واحد من الصحابة رضي الله عنهم مع شدة تحريهم للخير أنه اعتمر في رمضان، ومنهم ابن عباس رضي الله عنه الذي كان في الطائف وهو راوي حديث عمرة رمضان.
والجواب من وجوه؛ الأول: أنه إذا ثبتت الأفضلية بنص عن النبي ﷺ لم تنتفِ بمخالفة  صحابي لها؛ فكيف إذا كان مسكوتا لا يدرى فعل أو لم يفعل، بل قدم تقدم أن فعل النبي ﷺ لايعارض قوله عند التعارض فكيف بغيره.
الثاني: أن عدم العلم ليس علما بالعدم؛ فعدم النقل لاعتمار الصحابة في رمضان ليس نقلا لعدم اعتمارهم.
الثالث: أن العبرة برواية الراوي لا برأيه.
الرابع: ماتقدم من الاحتمال الكبير لاعتمار محرم الأنصارية؛ إذ لا يليق بها ترك وصية النبي ﷺ ولايظن بها إلا فعلها، ولايظن بها أن تسافر من المدينة إلى مكة بلامحرم، ولايظن لمحرمها أن يتجشم سفرا ويدخل الحرم بلا إحرام، وإذا انتقض العموم بواحد بطل ادعاء عمومه.
الخامس: أنه ثبت عن خيار التابعين أهل العلم والضبط منهم ومجالسة الصحابة والأخذ عنهم، أنه اعتمر في رمضان، بل اعتمر عمرتين. 
هذا قتادة بن دعامة السدوسي التابعي الجليل تلميذ أنس اعتمر في رمضان عمرتين عمرة أحرم لها من الميقات وعمرة خرج لها إلى التنعيم، كما روى ذلك عنه أخص تلاميذه سعيد بن أبي عروبة في مناسكه، ولم ينكر عليه - من سادات التابعين ومن بقي من الصحابة - أحد أو يعترض عليه بعدم المشروعية، وبعيد جدا من هذا التابعي(الذي قال عنه محمد بن سيرين : إنه أحفظ الناس وقال بكر المزني : ما رأيت أحفظ منه ، وقال الإمام أحمد : أحفظ أهل البصرة) أن يفعل ذلك بغير إمام من الصحابة، أو أن يتجشم الخروج للعمرة الثانية حيث لافضل لها، وورد عن غير قتادة من التابعين مما يدل على أنه كان مستفيضا فيهم : فثبت عن سعيد بن جبير ومجاهد "أنهما كانا يعتمران في شهر رمضان من الجعرانة"، وروي عن عبد الملك بن أبي سليمان أنه قال: "خرجت أنا وعطاء في رمضان، فأحرمنا من الجعرانة".
ثم وقفت - بدلالة بعض الأفاضل - على أثر في مصنف ابن أبي شيبة : ثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن محمد بن عباد(هو المخزومي) عن عبد الله بن السائب (هو قارئ مكة) قال : "كنت أصلي بالناس في رمضان فبينا أنا أصلي إذ سمعت تكبير عمر على باب المسجد قدم معتمرا فدخل فصلى خلفي " وهذا إسناد صحيح ، وبهذا تكون سنة ثابتة عن الصحابة بل عن الخليفة الراشد الذي أمرنا أن نقتدي به في صحيح السنة.
هذا ماحضرني من استدلالات واعتراضات القائلين بعدم مشروعية العمرة الرمضانية.

وأزيد هنا في تقرير مشروعية العمرة الرمضانية أمورا وأنبه على أخرى :
الأول: عمل الناس وتعاقب الأعصار وإطباق الناس من مختلف الأمصار على الحرص على العمرة الرمضانية، وهذه مسألة لايستهان بها أعني عمل الناس، وقل من يتفطن لها أو يُعملها دليلا مع إن السلف كانوا يأخذون بها؛ فهذا أبو عيسى الترمذي رحمه الله كثيرا مايقول في سننه: [وعليه العمل أوعمل الناس]. وقال مالك في تقرير حجية عمل المدينة وتقديمه على خبر الواحد: [ألف عن ألف خيرا من واحد عن واحد]. 
وهنالك أمور مهمات شرعية لا نجد لها سندا إلا عمل الناس، ونقل التواتر العملي وإن بحثت لها عن دليل لم تجد لها إلا نادرا أو ضعيفا؛ مثل استقبال القبلة حال الآذان والدعاء في عموم الأحوال وما أشبه ذلك.
لا أدعي أن كل عمل لكل أناس حجة، ولايخفى علي أن هناك محدثات أطبقت عليها أمم، ولكن فرق المسألتين أن ما يُحتج به من عمل الناس ما اجتمعت عليه الأمصار وتواطأت الأعصار من مختلف الجهات واللغات، وإذا لم يعارض دليلا أو أصلا في الدين فكيف إذا سنده دليل صحيح كمسألتنا.
الثاني: أن المعتمر في رمضان سيغنم مع عمرته أعمالا طيبة من قيام الليل في الحرم والصلاة فيه بمئة ألف صلاة، ولادليل على تخصيص المضاعفة بالفرائض، وكذلك الصيام في الحرم يجتمع له شرف الزمان وشرف المكان.
الثالث : أنها داخلة في عموم فضل العمرة ومتابعتها " تابعوا بين الحج والعمرة .. الحديث " وكما تشرع المتابعة كل وقت ، فهذه العمرة الرمضانية ما يُخرجها ؟! حيث لا تفترق عن أخواتها إلا في وقتها شهر رمضان وناهيك بهذا فرقا وشرفا
الرابع : أن غاية مافي الأمر وقصاراه التردد والشك في عموم المشروعية أو خصوصها ولن نكون أبصر بالقصة من صاحبتها التي روي عنها قولها : فلا أدري أهي لي خاصة أو لكم عامة ، وعليه فليؤخذ بالعموم ؛ لأن ترك الفضل لا يتدارك ، وفعله إن لم ينفع لم يضر . 
الرابع : أن من مئنة فقه الرجل أن لايشدد في فضائل الأعمال كتشديده في قضايا الحلال والحرام كهذه المسألة ومسألة الركعتين بعد الإشراق للجالس في مصلاه وما أشبهه، وقد اشتهرت عبارة الإمام أحمد رحمه الله: كنا إذا روينا في فضائل الأعمال تساهلنا وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام  تشددنا.
فسارعوا معشر المسلمين والمسلمات للعمرة الرمضانية طيبة بها نفوسكم منشرحة صدوركم ، تقبل الله منا ومنكم كل عمل صالح ، والله أعلى وأعلم وأجل وأحكم وصلى الله على عبده ورسوله وآله وسلم.