تعديل

بحث

الأربعاء، 28 يناير، 2015

يا نُميلة علمان لا يحطمنكِ سلمان

من أنت حتى تنتظرْ
ابلع غُثاءك واندحرْ

قال : الخوارج سابقوا 
الزمن الملوِّحَ بالنُذُر

وتحسَّسَ العنقَ المطوَّقَ
وهو كذّابٌ أشرْ

ومضى يحذر من كوارثَ 
إن توَلّينا الدبرْ

ولعَمْرُ ربك ما الكوارثُ 
غيرُ هاتيك الحمُر

الناهقين بكل نادٍ 
بالقبائح والنُكُر

أتهددّون الأسْدَ شاكيةَ
المخالب يا بقَرْ

اعرف قُدَيرَك يارويبضةٌ
تماوتُ من كِبَرْ

باتَتْ بمراعاها تقلّبُ
بين بولٍ والبعَرْ

وتظلُ تَيْعَرُ ترمقُ الآسادَ 
تنظرهم شَزَرْ

عجَبٌ وأعجبُ من عُجابٍ
إنها إحدى الكُبٓرْ

قولوا لنملتكم بني
لبرالَ تأوي للجحُر

لا يحطمَنْ سلمانُ نملتكمْ
لهونٍ ما شعٓرْ

الثلاثاء، 27 يناير، 2015

قل هو الله أحد

كل من في الكون قد
وحد الله الصمد
قائلا سرا وجهرا
قل هو الله أحد

والرواسي والفلك
وتراتيل الملك
حول عرش الله ذكرا
قل هو الله أحد


والجواري والنجوم
والمعاني والرسوم
فطرت في الخلق فطرا
قل هو الله أحد

ومخاريق السحاب
لمعت بين الضباب
خط منها البرق سطرا
قل هو الله أحد

والفضا والملكوت
من مداد الجبروت
رقم الآيات حبرا
قل هو الله أحد

والطيور السابحات
قابضات باسطات
غردت فجرا وعصرا
قل هو الله أحد

والمثاني والفلق
وبواكير العلق
جاء فيها الأمر باقرا
قل هو الله أحد

وتباشير الصباح
حيث نور الفجر لاح
فاح بالأزهار عطرا
قل هو الله أحد

والورى منذ الورا
في البوادي والقرى
لقنت زيدا وعمرا
قل هو الله أحد

والمواشي في الخلا
تبتغي عشب الكلا
من لها سخر قطرا
قل هو الله أحد

وجنين الأم من
ساق للطفل اللبن
من له الضرع أدرا
قل هو الله أحد

وفرات في أجاج
مرجا دون امتزاج
من بنى في الماء حجرا
قل هو الله أحد

وعيون فجرت
من بطون فجرت
من لها بالأرض أجرى 
قل هو الله أحد

قل لثالوث الصليب
ثلث الذكر تصيب
دينكم حتى يعرى
قل هو الله أحد

لم يلد ربي ولم
يولد الله لأم
نطق الأفاك كفرا
قل هو الله أحد

إنما عيسى رسول
وهو عبد والبتول
خلقا كالناس أمرا
قل هو الله أحد











 



الاثنين، 26 يناير، 2015

يا أصحاب حافز .. الموعد يوم الجنائز

يدور الدهرُ لو بعُدت مفاوِزْ 
ويوماً ما سينعثر  المُبارزْ

ولو أعيى المُبارزُ كلَّ قِرنٍ
وسُطّر في الجبابر والجلاوِز

ولو ملك الخيول مسوّماتٍ
وأجلب في الكتائب والمفارز

وجمّع مثل قارون وأوعى
وقَنـطَر في الخزائن والمكانز

سيبكي يومَ لا يُجدي بكاءٌ
ويُقهر من شماتة كل طانز

سيرفع في ( لسان الحال ) صوتا
ألا ليتي على دين العجائز

ويا ليتي وحيد في البراري
وأبقى راعيا إبِلاً وماعز

سيحسد كل مسكينٍ وغمر
ويغبط كل تمّار وخابز

يقول الأولون مقال صدق
من الأمثال ( موعدنا الجنائز )

ففي يوم الجنائز كم عزيز
يذلّ به وآخرُ فيه فائز

فإن عاش الطريد على هوان
سيعلم حين تنقطع الجوائز

إذا ما ( ساهرٌ )  أضناه قلنا:
لعلّك تبتغي فرجا ( بحافزْ )



الجمعة، 23 يناير، 2015

كلمات في البيعة والجماعة والسمع والطاعة

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله                           ،،،،،،،                    أما قبل :
فالحمدلله  على جميل قضائه ولطيف قدره وسبحان من لا يزول ملكه ولا يجوز هُلْكُه وتعالى من كل شيء هالك إلا وجهه ، له الحكم وإليه ترجعون .
وصدق الشاعر : 
أين الأكاسرة الجبابرة الأُلى
كنزوا الكنوز فما بقين وما بقُوا

مِن كل مَن ضاق الفضاء بجيشه
حتى ثوى فحَواه لحدٌ ضيّقُ

وأما بعد :
 فلا يسعنا غير ما وسع علماءنا وولاتنا وجماعة المسلمين في بلادنا من البيعة والسمع والطاعة ما استطعنا على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفي المنشط والمكره وعلى أثرة منا وأن لا ننازع الأمر أهله ولا ننزع يدا من طاعة ولا نشذ ونفذ ونشق عصا الطاعة ونفارق الجماعة. 
هذه عقيدتنا التي تعلمناها وعلمناها ..

قل هو الحق فلا تشتبهوا
ودعوكم من بُنيّات الطريقْ

وهي عقيدة السلف الصالح ، وليس وراء ذلك إلا الخصام والفصام والشقاق والافتراق وسفك الدماء وإثارة الدهماء والتنافر والتناحر والحروب والكروب والفتن والمحن ولنا في جيراننا القريبين والبعيدين أبلغ عبرة وأصدق مثل !! 
قال ربنا ومولانا ﴿أولم يروا أنا جلعنا حرما آمنا ويُتخطف الناس من حولهم﴾.
لهذا حثت الشريعة على الطاعة وحضت على لزوم الجماعة مهما كان الحاكم جورا وفسقا مالم يطأ مكفرا بواحا عندنا من الله فيه برهان إذا سألَنا ربنا : لمَ نازعتم وافترقتم وسفكتم من الدماء ما سفكتم ؟ فالويل لمن ضاقت حجته وزلت محجته .
ولهذا يسارع الأكياس ويسابق ذوو الإحساس إلى تنصيب الحاكم الخلَف قبل مواراة السلف والصلاة عليه والالتفات إليه ، كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في السقيفة بعد وفاة رسول الله ﷺ فإن الشغور الرئاسي والفراغ الدستوري من أخطر النوازل التي ينبغي على العقلاء أن لا يقدموا على ملئهما شيئا .

فهذا أحد الدواعي المهمة لمسألة الولاية والإمارة والبيعة والطاعة ولزوم الجماعة .
وقبل ذلك ما افترض الله علينا من تأكيد هذا الأمر ولزومه حتى ثبته العلماء بابا مهما من أبواب كتب العقيدة ؛ فهو من صميم عقيدتنا أهل السنة السمع والطاعة لمن ولاه الله أمرنا بالمعروف وفي غير المعصية ولو كانوا أئمة جور رأينا منهم مانكره، والصبر على أثرتهم وظلمهم وأن نؤدي الذي علينا ونطلب مالنا منهم لأنه حق لنا لا منة لهم فيه، فإن أدوا فهو الواجب وإلا صبرنا واحتسبنا وسألنا الله الذي لنا والنصوص في هذا كثيرة أذكر منها شيئا في مكانه ولن تستقيم الحياة إلا بذلك ، منهم العدل والتقوى والرفق ومنا السمع والطاعة وترك الشقاق والتشغيب طاعة لله قبل طاعتهم،  وذلّا له لا لهم ، وخوفا منه ومن العواقب الوخيمة للتفرق لا منهم ، مع بغض فسق الفاسق منهم والبراءة من ظلم الظالم وجور الجائر وقسط القاسط والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدع بكلمة الحق وترك المجاملة في الدين هذه عقيدتنا وهذه أدلتها:
قال الله تعالى﴿ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾
وقال تعالى ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون﴾ وقال سبحانه :﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين﴾
وروى البخاري في صحيحه من حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال :"بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم" 
ولهما عن أبي هريرة "وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا : يا رسول الله فما تأمرنا ؟ ، قال : أوفوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم"ففي هذا دليل على أن تعدد الخلافات والولايات لا يجيز الشتات والخروج عن الجماعات
 وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"من رأى من أميره شيئاًً فكرهه فليصبر ، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلاّ مات ميتة جاهلية" ، أخرجاه.
وعن ‏ابن عباس ‏، عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم قال : ‏"من كره من أميره شيئاًً فليصبر ، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية"
 وروى مسلم في صحيحه عن أسيد بن حضير رضي الله عنه "أن رجلا من الأنصار خلا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ألا تستعملني كما استعملت فلانا فقال إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض"
وروى مسلم عن عوف بن مالك عن رسول الله ﷺ قال " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم ، قيل يا رسول الله : أفلا ننابذهم بالسيف ؟ فقال : لا ، ما أقاموا فيكم الصلاة ، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولاتنزعوا يدا من طاعة ". 

وهذا المنهج النبوي هو الذي لزمه السلف الصالح ومضوا عليه خلفا بعد سلف من صحابة فتابعين فتابعيهم ودرج عليه العلماء من بعدهم وتوارثوه وتواصوا به :
فأخرج مسلم عن ‏ ‏نافع ‏ ‏قال : ‏ جاء عبد الله بن عمر ‏ ‏إلى ‏ ‏عبد الله بن مطيع ‏ ‏حين كان من أمر الحرة ‏ ‏ما كان زمن ‏ ‏يزيد بن معاوية ‏ ‏فقال : اطرحوا ‏ ‏لأبي عبد الرحمن ‏ ‏وسادة فقال : إني لم آتك لأجلس ‏أتيتك لأحدثك حديثاً سمعت رسول الله ‏صلى الله عيه وسلم‏ ‏يقوله سمعت رسول الله ‏ ﷺ ‏ ‏يقول : "من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ‏ ‏لا حجة ‏ ‏له ، ومن مات وليس في عنقه ‏ ‏بيعة ‏ ‏مات ميتة جاهلية ..." ‏
فهذا موقف هذا الصحابي الجليل من الخروج على الفاسق يزيد بن معاوية واستدلاله بما سمعه من رسول الله ﷺ وذلك لما خلع أهل المدينة بيعته واجتمعوا على عبد الله بن مطيع مع أنه لا يقاربه يزيد ولا يدانيه ولا صاحبه عبد الله بن حنظلة الغسيل تقوى وصلاحا ، لكنه فقه الصحابة .
وكذلك فعل هو وابن عباس مع الحسين رضي الله عنهم لما همّ بالخروج على يزيد مع أن غبار نعل الحسين خير من يزيد
ومن فقه الصحابة وبصيرتهم النافذة ما كان من ابن عمر رضي الله عنهما في العام الذي قتل الحجاج فيه الصحابي ابن الحواري عبد الله بن الزبير ، وجاء موسم الحج وسيف الحجاج الظالم المبير لم يجف من دم أتقى أهل الأرض حينه ابن الزبير ونار حريق خشب الكعبة من قذائف جند الشام لم تخبُ ، ودخان ستارتها لم يبرح سماء مكة ، وأمّر الخليفة حجاجا على الحج وأمَره أن لا يتجاوز قول ابن عمر في المناسك ففي الصحيحين عن سالم قال : " لما زاغت الشمس خرجت مع أبي فمر بفسطاط أو سرادق الحجاج فصرخ به أين هذا ؟ فخرج الحجاج وعليه ملحفة معصفرة فقال الحجاج : أبا عبد الرحمن ؟ قال : نعم ، قال الحجاج : الساعة ؟ قال : نعم إن كنت تريد السنة ، قال : فأمهلني حتى أفيض على نفسي ، قال : فنزل ابن عمر ، ثم خرج الحجاج فركب ابن عمر وجعل الحجاج يمشي بيني وبين أبي : فقلت - القائل سالم - : إن كنت تريد السنة فعجل بالرواح واقصر الخطبة ، فنظر الحجاج إلى أبي ، فقال : صدق .
فهذا بن عمر يمر على القاتل المبير المسرف في الدماء الجلاد السفاح الحجاج الذي أحد ضحاياه الصحابي ابن الحواري ابن أخت أم المؤمنين ، وخيار التابعين ابن جبير وينزل ينتظره ويمشي معه ويصلي خلفه ويخطب الحجاج على رأسه ، كل هذا من ابن عمر طاعة لخليفته ؛ ولأنه جرب الفتنة والدماء والخلاف .  
وكذلك ثبت في الصحيح عن ابن مسعود لما أتم عثمان في منى متأولا وأنكر هذا منه قيل ألا تفارقه ؟ أي في الصلاة قال : الخلاف شر.
ونحوه في الصحيح عن ابن عمر لما سئل عن الرمي قال إذا رمى إمامك فارمه ، وما ثبت فيه لما حج معاوية وأخذ البيعة ليزيد وكان مما قال معاوية خطيبا : من زعم أنه أحق منا بهذا الأمر فليُبدِ لنا قرنه ، قال ابن عمر : فحللت حبوتي وهممت أن أقوم فأقول : أحق به منك من قاتلك وأباك على الإسلام فذكرت الفتنة فسكتُّ.
وكذلك عن أنس في الصحيح لما سأله وبرة عن صلاة الظهر بوم التروية والعصر يوم النفر ؟ قال : حيث صلّى أئمتك .
وهذا متقرر عند فقهاءالصحابة ومجموعهم بل إجماعهم رضي الله عنهم
وخلفهم على ذلك التابعون وأتباعهم : فهذا سعيد ابن المسيب كان شديد الكره للأمراء ومظالمهم حتى روي عنه أنه قال هممت أن أترك الحج عاما فتذكرت الدعاء على بني مروان ومع ذلك ما نزع يدا من طاعة ، ومثله سفيان الثوري ، والإمام أحمد على أنه يرى ضلال القول بخلق القرآن ضلالا يقرب من الكفر إن لم يبلغه ؛ ومع ذلك ما كفّر المأمون ولا المعتصم ولا خلع بيعتهما بل كان يقول للمعتصم وهو يجلده ويسبه ويعنفه ويهدده بالقتل ، يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين . وهذا عن السلف كثير بل هو الأصل ، ومن خالف : كالذين خرجوا في دير الجماجم ، وأحمد بن نصر الخزاعي فاجتهاد لا يوافق عليه فاعله ؛ وإن كان يعذر لاجتهاده وتحريه الحق رحمهم الله وغفر لهم ورضي عنهم ، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية مع أمراء حبسوه طويلا وآذوه وبيلا وهجّروه وحاكموه ، وبعض ذلك من أجل نصارى ، وما كان منه تجاههم إلا السمع والطاعة والجهاد معهم والصلاة خلفهم ، وكذلك النووي مع بيبرس الذي ظلمه وهدده ، وابن عبد السلام مع السلاطين وغيرهم كثير.
ومنهم إلى علمائنا رحم الله أمواتهم وأمدّ أعمار بقيتهم على مزيد علم نافع وعمل صالح : كابن إبراهيم وابن حميد وابن باز وابن عثيمين كانوا أول المبايعين للملوك وأشد الناس نكيرا على الخارجين والبغاة مهما كان مرادهم وتأويلهم ، وكان شيخنا العلامة عبد الرحمن البراك في صدارة مجموعة كبرى من المشايخ والدعاة والمحتسبين لمبايعة الملك الراحل كما كان في مقدمتهم حال إنكار منكر لدى الملك والأمراء ، وهذا هو التوسط والاعتدال والوفاء بالبيعة حقيقة ، كما كان الشيخ العلامة حمود العقلاء الشعيبي رحمه الله في مقدمة الوفود لرفع المظالم وإنكار المنكرات لدى الحكام ، وما كان ليفعل ذلك لولا عقيدته بشرعيتهم وبيعتهم .
وبغير ذلك يتجرأ العامة على الآمّة ، ويطأ الأراذل بساط هيبة الأفاضل ويقع من الفتن والتناحر والشقاق واستباحة الأعراض وتسلط الأشرار والكفار ما نرى شواهده حوالينا .
وكل هذا لا يعني تقديس الحكام واعتقاد عصمتهم كما تفعل الرافضة ، بل هم بشر يصيبون ويخطئون ويعدلون ويجورون والواجب الصدق معهم وترك غشهم وخديعتهم والنفاق لهم وبذل النصيحة لهم مع حفظ هيبتهم والصبر على جورهم وتحمل مظالمهم وأثرتهم إيثارا للمصالح العامة وإهدار للمفاسد الطامةّ
وعندأبي داود والبيهقي والبزار والبخاري في المفرد مرفوعا وموقوفا،بسند صحيح أو حسن عن أبي موسى  " إن من إجلال الله تعالى إكرامَ ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غي الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط" 

ولا يقال -  ولا ينبغي - : إن هذا للأمراء العدل الأتقياء ، فهذا يرده صريح الحديث ، وتضاده مواقف من ذكرت من العلماء وغيرهم مع أمراء دويلات مبتدعة وأصحاب شهوات ونزوات ولهو وشرب وتأخير صلاة بعض حكامنا خير من بعضهم عقيدة وأخلاقا بمراحل .  
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ، والحمد لله رب العالمين . 

الأربعاء، 21 يناير، 2015

الانقلاب الحوثي .. انتصار أو انتحار !!

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ،،،، وبعد :
بقدر ما نفزع ونحزن ونأسى ونأسف لهذا الانقلاب الحوثي في صنعاء ، وهو الانقلاب غير المفاجيء للمراقبين والمستشرفين للأحداث ؛ إذ إن الحوثي كان يحكم صنعاء فعليا منذ خيانة الرئيس ووزير دفاعه ودخوله صنعاء ، بقدر ذلك نتفاءل أن تكون هذه الخطوة أمارة مبشرة بقرب بداية العد التنازلي للصعود الحوثي أو على الأقل هبة مجمل الشعب اليمني في وجهه وأمام مخططاته .
كان حزب اللات اللبناني وقياداته أكثر اتزانا وتعقلا ودهاء من زميله الحوثي الذي استهوته انتصاراته المزعومه ، وأغرته نجاحاته الموهومة التي ما كان لها أن تكون لولا خيانة الرئيس الحالي وتحالف الرئيس المخلوع والتعاون الدولي والإقليمي طوعا أو كرها.
كان الأخير أكثر تهورا واندفاعا - أو قُلْ حماقة - باستيلائه المباشر على حكومة بلد مزقته الحروب والصراعات وأنهكه الفقر ، ولو أنه رضي بما رضي به زميله الحزبلاتي من حكومة الظلِّ المدبِّرةِ لحكومةٍ له غنمها وعلى الآخرين غرمها ؛ لربما كان أدهى وأدعى لبقائه وتمكنه 
عبارة : دعوا الحوثي ينتحر في صنعاء ، قيلت سلفا ، وربما كان لها شيء من الواقعية والمصداقية .
هذه الأسطر توطئة بين يدي مقالتي المعنونة أعلاه .

ولنعد إلى الوراء قليلا ونفتح الجراح التي ما اندملت أصلا ، وما اندمل منها فعلى خمج وقيح وفساد ، ونكءُ الجراحة مؤلم أكثر من الجراحة نفسها ، ونقش الشوك - بحديث الصراحة - ربما كان آلم من الشوك. 

ويلاه إن نظرَتْ وإن هي أقلعت
وقعُ السهام ونزعهن أليمُ
 
لاينكر أحد أن عصابات الحوثي كانت حبيسة جحورها إبان معظم فترة الرئيس المخلوع ، وكان الشعب ضدها يدا واحدة أو كاليد حتى شعر الرئيس وحزبه ومقربوه بالخطر .
كانت الثورة اليمنية على رئيسها خاطئة بكل المقاييس ، وما مثلها ومثل الثورة التونسية وغيرها إلا مثل من رأى أناسا يخلعون أضراسهم الفاسدة الآيلة للقلع ، فقلدهم ولم يجد إلا سنا ثابتة غير ميؤوس منها فتكلف قلعها ووجد من آثار ذلك ما وجد.
لاملامة على الغوغاء والعامة الذين بدؤوها تقليدا ملامةَ الأحزاب الإسلامية التي لها عراقتها ورؤيتها السياسية وقبل ذلك الشرعية ولها مناهجها ومعاهدها وجامعاتها وقاعدتها الشعبية ، وإنجازاتها التاريخية ، وعهودها ومواثيقها وحلفها القديم مع القيادة الراهنة وحزبها ، أعني بذلك جماعة الإخوان لاجرم ، تلك الجماعة التي فعلت فعل نظيرتها في مصر - فرج الله عن أخيارها وانتقم لهم من ظالمهم - ظلت ترقب الأوضاع ابتداء وتتربص النتائج حتى إذا تعاظم تيار الثورة والتأم سامرها خشيت أن تخرج من العيد بلا حمص - كما يقال - فألقت بثقلها في الثورة ، وتأخر شرعيوها وعلماؤها أكثر وأكثر ثم جرفهم التيار وخشوا أن يصنفوا في صف الحكومة أو ربما رأوه اجتهادا يسعهم فقام خطيبها وعالمها الفاضل يهدر في الجموع خطيبا ويبشر بالخلافة على منهاج النبوة ويصف هذه الثورات الشبابية ببراءة الاختراع ... إلى آخره. 
هنا ، كان هذا الخطيب الفاضل والعالم الجليل هو الوجه الشعبي للثورة اليمنية الوليدة ، وأما الوجه الدولي العالمي فهو الذي تتطلبه ضرورة المرحلة وتعريف العالم من خلاله بوجه الثورة اليمنية الجديدة ، وغيرُ سرٍّ أن هذا الوجه وجه ناعم حر مثقف هو الآنسة ( توكل كرمان ) التي هزت أعواد المنابر الدولية وملأت الدنيا وقنواتها تصريحات ومطالبات حتى أصبحت محل إعجاب العالم الكافر ومحط تقديره فكانت أول مرشحة عربية وأصغر مرشحة عالمية لجائزة ( نوبل ) ومع ذلك لم تفلح كل هذه التنازلات في كف التآمر الدلي والإقليمي ولجم توجسه خيفة من الثورة وقياداتها .
لم تصغ هذه الأحزاب والحركات وقتها إلى أصوات الناصحين بل سفه إعلامها وجمهورها آراءهم واتهمهم بالعمالة 
وقتَها خاطبتُ العقلاء في اليمن  نثرا وشعرا وصحت نذيرا في قصيدة مطلعها :

أيا يمن الشجاعة والشهامة
إلامَ الشر بينكمو إلامه

أما للفتنة العمياء صبحُ
يجلّي من حنادسها ظلامه

نصيحة مشفق تطوي سريعا
إلى صنعاء من أرض اليمامة

خذوها قبل أن تبكوا دماء
تريدون السلام ولا سلامة

أرى خلل الرماد وقود نار
ويوشك أن تروا منها ضرامة

أرى أنفاس بركان إذا ما
تفجّر قلتمو يوم القيامة
إلى آخ ...
 وأمعنت هذه الأحزاب في التهور حين دعت الشعب كافة بنسائه وعجزته لتصدر الصفوف الثائرة فلفظت البيوت ساكنيها وأقيمت المخيمات النسائية والمهرجانات الخطابية والأناشيد الثورية وبسطت الأنطاع في الشوارع وصنعت الأطعمة والكيكات عليها شعار الثورة ، وسجلت وقائع زيجات وولادات على قارعة الطرق وفي ساحات المدن وميادينها، وكان المعظم في نشوة عارمة يظنون أنه مابين اليمن وفردوسها المفقود إلا الإعلان الرئاسي بتنحي الرئيس ، ليصدر الإعلان الثوري الأول .  

الكارثة حينما أدار الشعب المتناحر ظهره عن عدوه الحوثي المتربص وأقبل بعضهم على بعض يتقاتلون ووقعت حوادث انتهاكات وانتقامات صارخة مؤسفة ومخجلة بين الفرقاء المتصارعين من الشعب الواحد ، ويا منظرا ماكان أبشعه للنساء المسكينات يخرجن من خيمهن مهرولات مذعورات متكشفات ، هذه تصرخ ، وتلك تتعثر ، وثالثة تترنح ، وأخرى تتدحرج ، على إثر سقوط قذائف على مخيمهن من مصدر مجهول ، ترجح لاحقا أن هذا الحادث ، وحادث قتلى الجمعة ، والقصف البشع القبيح لمسجد الرئيس وهو يصلي الجمعة ومعظم هذه الانتهاكات يرجح أنها كانت بتدبير حوثي إيراني حتى يعزم أمر الثورة ويقطع كل طريق أمام المبادرات الخليجية وغيرها .
والكارثة الأكبر والأدهى والأنكى حينما تسابق الفرقاء للاستقواء بالحوثي المتربص ، أما الرئيس المخلوع فبإشراكه في الحكومة وملء مقاعد الحليف الإصلاحي الثائر ، وأما الثوريون فبندائهم بل استجدائهم للمشاركة في الثورة وتطوعهم بنصب الخيم لهم ومهَدُوا لهم الحجور ، فخرجوا من الجحور ، وباتوا عملة صعبة كلٌ يتسابق لشرائها ، والتبرح بها ، وما من رابح سواها ، ولا خاسر عَدا عِداها ، ومن هناك بدؤوا يفرضون شروطهم ، ودخلوا مع الفريقين واستُقبلوا من الفئتين استقبال الفاتحين ، كل يبتغي بهم ترجيح كفته المائلة .
وكان الحوثي ومن ورائه شياطين الفرس ودهاته أذكى من أن يُستغل ، فلعب لعبته ودخل مع الفريقين ، وبقدرة قادر أصبح القاتل المجرم المفسد المبير المخرب ثائرا على الفساد والاستبداد ، نزيها تواقا إلى الحرية ، أخا لنا في الثورة، وصار التجمع الثوري  المستقطب لكل ساقط ولاقط ، من ( حوث شيعي وحراك شيوعي ) يطالب عنه بالوكالة ممثلا في الناطقة الرسمية ( توكل كرمان ) التي كانت من أول مطلوبي الحوثي لما دخل صنعاء نهب بيتها وأحرق منزلها ، وعلى نفسها جنت براقش.
لقد وقعت الأحزاب الإسلامية الثائرة بين مطرقة الحوثي الغادر الخائن ، وسندان الرئيس المخلوع المنتقم الذي صدق عليه :
لا تقطعَنْ ذنب الأفعى وترسلَها
إن كنت شهما فأتبع رأسها الذنبا
لقد انتقم المجرم بما ليس في حسبان الثوار عليه ، وبدا مستعدا للتضحية باليمن كله ، رافعا شعار : أنا أو الدمار الشامل
من هنا يمكن أن نقول - غير شامتين - بل بكل حسرة وحرقة وأسى على يمننا وأحبابنا الإسلاميين إخوانٍ وغيرهم : 
يا معشر الأحزاب ما ذا وجدتم من الثورات التي لم تُجروا لها جرا كالشعب السوري الرازح تحت حكومة لايختلف في كفرها مسلمان ؟! وكان الأولى بكم مدافعتها ولجم العوام عنها ما أمكن .
يا معشر الأحزاب لا تلوموا عدوكم ولوموا أنفسكم . 
يا معشر الأحزاب هل أدركتم أنكم بمصافحتكم للحوثي كواضع العقرب في مخباته وكحامل الحية في مخلاته وكساع بظلفه إلى حتفه .
يا معشر الأحزاب يحق لكل محب لكم ناصح لكم حال ضجيج الجموع الهادرة بينكم وبين سماع صوته أن يقول لكم ما قال دريد:
أمرتهمو أمري بمنعرج اللوى 
فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغدِ 
يا معشر الأحزاب : يحق لكم أن يقول قائلكم ما قال عامر الشعبي للحجاج بعد دير الجماجم : كنا في فتنة لم نكن فيها بالأتقياء البررة ولا بالأقوياء الفجرة .
ومع ذلك يا أحبابنا : فهل عسيتم أن يتمكن منكم الحوثي مرة أخرى فيمكر بكم ويستقوي بكم على أمتكم من قبائل صامدة ويضمكم إلى حكومة دمية ، ويرضيكم بكراسٍ رخيصة وحقائب تافهة حتى يتمكن ويتخذ صفة الشرعية ، تيقظوا فالمؤمن كيس فطن ، والمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين .
إن الحوثي إن تمكن فسيلعن الخلفاء الأربعة على منبر جامع صنعاء الذي كان بالأمس يترضى عليهم ، وسيمسخ التعليم الشافعي السني إلى تعليم رافضي باطني جهمي ، وسينشر مشاهد البدع ومقامات الأضرحة والقبور ويزرع الشرك في اليمن ويحيي طقوس الرفض ، ويصدع بلطمياته وخرافاته وسب أمهات المؤمنين والخلفاء الراشدين وجمهور المسلمين .
يا معشر الأحزاب والجماعات والفرقاء والشعب السني اليمني : تالله ما تمكن منكم عدو الإسلام وعدوكم بصحة عقيدة ولا سلامة منهج ولا حتى بقوة سلاح ، ما تمكن منكم إلا باتحاده وتفرقكم ، وتخادمه وتخاذلكم ، وتناصره وتنابزكم وتنابذكم وتلاعنكم وتشاحنكم وتقاتلكم ، والكلام للشيوخ قبل الطلبة ، وللدعاة قبل العامة ، ولأحزاب إخوانية ، وجماعات سلفية نرى منها فضاضة وغلظة ومسارعة إلى الاتهامات ، والتحزبات على عصبيات شعرت أو لم تشعر !
واعلموا أن أول خطوة في طريق النصر التوبة والندم والاستغفار من الأخطاء السابقة ومنها وضع اليد في أيدي أعداء الله ورسوله وصحابته وأمهات المؤمنين ، وسفك الدماء وإثارة الدهماء ، وقبل ذلك وبعده ومعه النزاعات والخلافات والتحزبات والعصبيات الجاهلية والثأرات القبلية وأحكام الأسلاف والأعراف الجاهلية التي أهلكتكم وأنهكتكم وأذهبت ريحكم ومزقت شملكم وقطعت دابركم ، كل هذا وعدوكم يجمع لكم ويعد العدة ويتلمظ لدمائكم وقد فعل .
فوحدوا صفكم وأجمعوا أمركم وانتهوا عن الشقاق والافتراق وبادروا إلى الوفاق
وقلدوا أمركم لله دركمو
رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا

لا مترفا إن رخاء العيش ساعده
ولا إذا عض مكروه به خشعا
وأملوا وأبشروا وتفاءلوا ولا تيأسوا؛ فوالله إني لأرى مصارع الحوث في صنعاء وأرى مكر الله بعدوكم واستدراجه بهذا الانقلاب الذي أرجو أن يكون بداية اندحاره وانتحاره ، لا انتصاره وانتشاره . 
ويا جيران اليمن هاهم الحوثيون شوكة في خاصرة جنب كنتم ترقدون عليه إذا فزعتم من كيد العراق، وبلاء الشام ، انقلبتم عليه وصرفتم وجوهكم من جنب ترونه فيه إلى الجنب الآخر حيث اليمن ، أما وقد زرعت في هذا الجنب شوكة فعلى أي جنب سترقدون وبأي نومة ستهنؤون !! 
إنه إن تفرغ لكم فالويل من إزعاجات لن يكون أولها الشغب على الحدود والمطالبة بتعديلها ولا آخرها تحريض الخلايا النائمة في الداخل لتحذو حذوهم وتثور ثورتهم .
وإذا المخاطب كان مثلك عارفا 
أغنى اختصار القول عن تطويلهِ
والله تعالى أعلى وأعلم وأجل وأحكم وصلى الله على عبده ورسوله وآله وسلم .

الاثنين، 19 يناير، 2015

الاحتراس من الوسواس ( ١-٢ )

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله     ،،،   وبعد :
إن داء الوسواس من أسوأ الأدواء وأقبحها وأخبثها أعاذنا الله وإياكم من شره .
ومنشأ قبحه وسوئه أمران :
الأول : أنه من الشيطان الرجيم همزاته وغمزاته وركضاته ، قال ربنا جل وتعالى ﴿فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾.
الثاني : أنه البلاء الذي لا يؤجر عليه ضحيته ، بل يؤزر إذا انساق معه واستسلم له ، وإن كان على خير وأجر إذا دافعه وجاهده.
ولقد عمّ البلاء به في هذا الزمان وطمّ ، وانتشر واستعر ، حتى ضاقت بضحاياه العيادات والمقارئ .
وقبل الكلام عن علاجه ، أذكر أسبابه ، وقبلهما أقدم بمقدمة عن أنواعه ، فالوسواس ليس ضربا واحدا ، بل هو أضرب وأنواع عافانا الله منها كلها ومن أنواعه حسب استقرائي :

الوسواس الاعتقادي : وهو ما يرد على القلب من خواطر تتعلق بالبارئ تبارك وتعالى ، والإلهيات وسائر الغيبيات ، وما يتعلق بالرسالات وغيرها وهو ما وردت الإشارة إليه في صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله ‏عليه وسلم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به؟ قال: ( وقد ‏وجدتموه؟" قالوا: نعم، قال: " ذاك صريح الإيمان". قال النووي في شرحه لهذا الحديث: ‏‏(فقوله صلى الله عليه وسلم: " ذلك صريح الإيمان، ومحض الإيمان،" معناه: استعظامكم ‏الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه، ومن النطق به، فضلاً ‏عن اعتقاده، إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالاً محققاً وانتفت عنه الريبة والشكوك.‏
فهذا إذا دافعه وجاهده وإن استسلم له واسترسل معه فهو خطير يفضي بالمرء إلى حالة من العذاب والرعب المستمرين ، وربما انتهى به إلى حالة كالجنون بسبب الصراع المستمر والسهر والقلق والأرق والعياذ بالله

الوسواس التعبدي : وهو ما يعتري العابد في عباداته من طهارات وصلوات وصيام وسائر العبادات ، وهو ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله : ( يأتي أحدكم الشيطان في صلاته فينفخ في مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث، ولم يحدث فإذا وجد ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ) رواه البزار وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما. 
وهذا الوسواس من أكثر الأنواع إصابة للناس وله مظاهر كثيرة جدا كالتردد في استحضار النية في الطهارة والصلاة ، وإعادة  الوضوء والغسل والصلاة وتكبيرة الإحرام ، والمبالغة في الوضوء عدّاً ومَدّاً ، والشك في الحدث وانقطاعه، وتكرار كشف العورة للتأكد من خارج ، وتكرار غسل الفرج وإغراق الملابس بالماء ، والشك في الإصابة بالنجاسة ، وفي نجاسة البقاع والملابس ، ونية الصوم ، وارتكاب المفطرات ، والمبالغة في قذف الريق والتنخم حال الصيام ، وغير ذلك كثير.
ومن تصدى لعلاج الموسوسين رأى من ذلك العجب العجاب ، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في الإغاثة طائفة من صور الوسواس المتعلق بالطهارات والعبادات ، ومما مر بي من حالاته كثير من ذلك : شاب صالح ترك الصلاة شهرين لتردده في الطهارة وتكبيرة الإحرام ، وآخر كان يمكث في الميضأة أربع ساعات ويخرج غير مقتنع بطهارته ، وفتاة قطعت جلدها وثيابها من كثرة الغسل ، وكانت تصب على جسمها وعليها ثيابها الماء في اليوم الشاتي الشديد البرد حتى يكاد يهلكها المرض .

الوسواس الصحي أو وسواس المرض : وهو ما يتعلق بأمور الصحة والنظافة ، فيصيب المرء بحساسية شديدة من هاجس المرض والتقذر ، ويجلب له قلقا مزعجا وإرباكا مستمرا، وشكا معذبا ، وتجنبا للأطعمة ، وتحاشيا للمجالس ، وتجافيا عن الجلساء ، وعزلة قاتلة ، ويفضي بضحيته إلى تصرفات أشبه بتصرفات المجانين من النظرات الحذرة ، واللفتات المتوجسة ، والنأي عن صفوف الصلاة ، والهروب من السلام والمصافحة ، والغسل المتكرر للأواني والأطراف ، وغير ذلك من أعراضه وآثاره .

الوسواس الاجتماعي : ومن صوره ومظاهره :
وسواس الخوف الشديد والحذر البالغ ، فيؤدي بالشخص إلى كثرة التفقد لأقفال الأبواب والسيارات وأنابيب الغاز إلى درجة لافتة
وكثرة التفقد للأولاد والأهل والاتصال بهم في كل لحظة ، والشك كلما سمع صيحة من سيارات إطفاء وإسعاف أنها على أهله وأولاده ، فيتعب هذا الموسوس كثيرا ويُتعب من معه ، ويتعذب ويعذبهم معه .
ومن ذلك ومن الذي قبله وسواس العين وخوف الإصابة بها في نفسه وأهله وأولاده خوفا زائدا ؛ الأمر الذي يسبب له النظر إلى الناس بحذر وعدوانية ، ويتهم كل بريء ، ويجري وراء كل قاريء ، ويهلك نفسه وأهله بالتحفظ والتحرز.

ومن مظاهره وسواس الطلاق : واعتقاد وقوعه لمجرد خاطر القلب ، وربما غلب عليه فتلفظ به ، وهذا المسكين يبقى على علاقة متوترة متحذرة مع امرأته ويتعذب ويعذبها ويعذب المفتين معه بكثرة السؤالات لهذه الطلاقات الوهمية ، ثم لا يقتنع بحواب حتى يعود بالسؤال مرة أخرى .
ومن مظاهره : الشكوك غير المبررة في الأهل من زوجات وبنات ، والنظر إلى تصرفاتهن ومكالماتهن وعلاقاتهن وزياراتهن بعين الشك والريبة ، وربما طغى هذا الهاجس فأعمله وأجراه وترجمه إلى قذف أو طلاق أو ربما قتل أو مشكلات أخرى عياذا بالله ، تصل بهذا الموسوس إلى نوع آخر خطير جدا وهو العدواني وكم مر بي من هذا النوع من حالات أدت بالموسوس إلى الطلاق والقذف ورفع الدعاوى على أبرياء ، والشك في أولاده ونفيهم . 
ومن عجيب ما مر بي من هذا النوع : شاب صارحني أنه يتعذب كثيرا من خاطر يرد عليه ، أنه ابن غير شرعي لأبويه ، فقلت له :
بناء على ماذا ؟
قال : بناء على شك مجرد ووسواس محض ، وإلا فوالداي من أصلح الناس وأتقاهم .

الوسواس العدواني : وهو من أخطر أنواعه أمنيا على المجتمع ، وهي حالة تعتري الموسوس فيتوهم أن الناس أعداؤه ويأول كل تصرف أنه موجه ضده ، فإذا ما أبصر اثنين يتناجيان جزم أنهما إياه يعنيان ، وعليه يتآمران ويخططان ، فيظل المسكين في تخوف وقلق من الناس قريبهم وبعيدهم صالحهم وطالحهم ، وربما أجرى هذه الظنون وترجم هذه الخواطر إلى أفعال عدوانية ضارة حدا من ضرب وإيذاء وقتل ، ومما مرّ بي من هذا : موسوس هجم على إمام مسجد بفأس لما سجد وكاد يقتله معتقدا أنه يلمح له ببعض الآيات ، وآخر هجم على خطيب بعد خطبته وخبطه بكرسي ، ولم نستنقذه منه إلا بجهد جهيد ، وآخر تقدم إليّ بعد إحدى الخطب عن النفاق وأهله ، وهاجمني كلاميا معتقدا أني أعنيه بالنفاق زاعما أني أحد النظر إليه أثناء الخطبة ، وأن حركاتي لا تخفى على فطنته ، وحملني مسؤولية كل ما يصيبه من أذى أو دعاء على المنافقين ، علما أني لا أعرف الرجل ولم أره حتى تقدم إلي ، ومن ذلك ضابط متميز في دفعته ، اعتراه وسواس من هذا النوع أفسد عليه حياته الوظيفية ، ومازال به حتى تقاعد مبكرا ، وانطوى وحيدا سقيما نسأل الله العافية ، وكانت بدايته به الهلع والرهبة من استخبارات الدول الكبرى ووهمه أنها تتبعه وتتنصت عليه في بيته وخلائه وتزرع أجهزة التنصت في كل أدواته حتى نأى وانتبذ وترك كل شيء حذَرَ التجسس وطرح نظاراته وأكثر أدواته ، وانتهى به الحال إلى نهاية بئيسة عافاه الله وإيانا .
وصوره أكثر من تحصى وتحصر نسأل الله العافية والسلامة .
ولهؤلاء تصرفات غريبة جدا هي أقرب إلى تصرفات المجانين منها إلى العقلاء وكثيرا ما كانوا مثار تندر الأطفال والصبيان ، ومما حكي قديما عن موسوس تمادى به الوسواس حتى بات يعتقد أنه حبة برّ ، فصار يهرب من الدجاج والطيور والدواجن ،فجلس معه الطبيب طويلا حتى أقنعه أنه آدمي وليس حبة ، فتنفس الطبيب صعدا وهلل فرحا ، غير أن المريض قال : مهلا مهلا !!
 فها أنا اقتنعت ، فمن يقنع الدجاجة ؟!!
هذه أهم أضرب الوسواس وأنواعه 
وحتى لا يطول المقال أؤجل الكلام عن الأسباب والوقاية والعلاج إلى مقال آخر بإذن الله