تعديل

بحث

الاثنين، 19 يناير، 2015

الاحتراس من الوسواس ( ١-٢ )

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله     ،،،   وبعد :
إن داء الوسواس من أسوأ الأدواء وأقبحها وأخبثها أعاذنا الله وإياكم من شره .
ومنشأ قبحه وسوئه أمران :
الأول : أنه من الشيطان الرجيم همزاته وغمزاته وركضاته ، قال ربنا جل وتعالى ﴿فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾.
الثاني : أنه البلاء الذي لا يؤجر عليه ضحيته ، بل يؤزر إذا انساق معه واستسلم له ، وإن كان على خير وأجر إذا دافعه وجاهده.
ولقد عمّ البلاء به في هذا الزمان وطمّ ، وانتشر واستعر ، حتى ضاقت بضحاياه العيادات والمقارئ .
وقبل الكلام عن علاجه ، أذكر أسبابه ، وقبلهما أقدم بمقدمة عن أنواعه ، فالوسواس ليس ضربا واحدا ، بل هو أضرب وأنواع عافانا الله منها كلها ومن أنواعه حسب استقرائي :

الوسواس الاعتقادي : وهو ما يرد على القلب من خواطر تتعلق بالبارئ تبارك وتعالى ، والإلهيات وسائر الغيبيات ، وما يتعلق بالرسالات وغيرها وهو ما وردت الإشارة إليه في صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله ‏عليه وسلم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به؟ قال: ( وقد ‏وجدتموه؟" قالوا: نعم، قال: " ذاك صريح الإيمان". قال النووي في شرحه لهذا الحديث: ‏‏(فقوله صلى الله عليه وسلم: " ذلك صريح الإيمان، ومحض الإيمان،" معناه: استعظامكم ‏الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه، ومن النطق به، فضلاً ‏عن اعتقاده، إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالاً محققاً وانتفت عنه الريبة والشكوك.‏
فهذا إذا دافعه وجاهده وإن استسلم له واسترسل معه فهو خطير يفضي بالمرء إلى حالة من العذاب والرعب المستمرين ، وربما انتهى به إلى حالة كالجنون بسبب الصراع المستمر والسهر والقلق والأرق والعياذ بالله

الوسواس التعبدي : وهو ما يعتري العابد في عباداته من طهارات وصلوات وصيام وسائر العبادات ، وهو ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله : ( يأتي أحدكم الشيطان في صلاته فينفخ في مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث، ولم يحدث فإذا وجد ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ) رواه البزار وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما. 
وهذا الوسواس من أكثر الأنواع إصابة للناس وله مظاهر كثيرة جدا كالتردد في استحضار النية في الطهارة والصلاة ، وإعادة  الوضوء والغسل والصلاة وتكبيرة الإحرام ، والمبالغة في الوضوء عدّاً ومَدّاً ، والشك في الحدث وانقطاعه، وتكرار كشف العورة للتأكد من خارج ، وتكرار غسل الفرج وإغراق الملابس بالماء ، والشك في الإصابة بالنجاسة ، وفي نجاسة البقاع والملابس ، ونية الصوم ، وارتكاب المفطرات ، والمبالغة في قذف الريق والتنخم حال الصيام ، وغير ذلك كثير.
ومن تصدى لعلاج الموسوسين رأى من ذلك العجب العجاب ، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في الإغاثة طائفة من صور الوسواس المتعلق بالطهارات والعبادات ، ومما مر بي من حالاته كثير من ذلك : شاب صالح ترك الصلاة شهرين لتردده في الطهارة وتكبيرة الإحرام ، وآخر كان يمكث في الميضأة أربع ساعات ويخرج غير مقتنع بطهارته ، وفتاة قطعت جلدها وثيابها من كثرة الغسل ، وكانت تصب على جسمها وعليها ثيابها الماء في اليوم الشاتي الشديد البرد حتى يكاد يهلكها المرض .

الوسواس الصحي أو وسواس المرض : وهو ما يتعلق بأمور الصحة والنظافة ، فيصيب المرء بحساسية شديدة من هاجس المرض والتقذر ، ويجلب له قلقا مزعجا وإرباكا مستمرا، وشكا معذبا ، وتجنبا للأطعمة ، وتحاشيا للمجالس ، وتجافيا عن الجلساء ، وعزلة قاتلة ، ويفضي بضحيته إلى تصرفات أشبه بتصرفات المجانين من النظرات الحذرة ، واللفتات المتوجسة ، والنأي عن صفوف الصلاة ، والهروب من السلام والمصافحة ، والغسل المتكرر للأواني والأطراف ، وغير ذلك من أعراضه وآثاره .

الوسواس الاجتماعي : ومن صوره ومظاهره :
وسواس الخوف الشديد والحذر البالغ ، فيؤدي بالشخص إلى كثرة التفقد لأقفال الأبواب والسيارات وأنابيب الغاز إلى درجة لافتة
وكثرة التفقد للأولاد والأهل والاتصال بهم في كل لحظة ، والشك كلما سمع صيحة من سيارات إطفاء وإسعاف أنها على أهله وأولاده ، فيتعب هذا الموسوس كثيرا ويُتعب من معه ، ويتعذب ويعذبهم معه .
ومن ذلك ومن الذي قبله وسواس العين وخوف الإصابة بها في نفسه وأهله وأولاده خوفا زائدا ؛ الأمر الذي يسبب له النظر إلى الناس بحذر وعدوانية ، ويتهم كل بريء ، ويجري وراء كل قاريء ، ويهلك نفسه وأهله بالتحفظ والتحرز.

ومن مظاهره وسواس الطلاق : واعتقاد وقوعه لمجرد خاطر القلب ، وربما غلب عليه فتلفظ به ، وهذا المسكين يبقى على علاقة متوترة متحذرة مع امرأته ويتعذب ويعذبها ويعذب المفتين معه بكثرة السؤالات لهذه الطلاقات الوهمية ، ثم لا يقتنع بحواب حتى يعود بالسؤال مرة أخرى .
ومن مظاهره : الشكوك غير المبررة في الأهل من زوجات وبنات ، والنظر إلى تصرفاتهن ومكالماتهن وعلاقاتهن وزياراتهن بعين الشك والريبة ، وربما طغى هذا الهاجس فأعمله وأجراه وترجمه إلى قذف أو طلاق أو ربما قتل أو مشكلات أخرى عياذا بالله ، تصل بهذا الموسوس إلى نوع آخر خطير جدا وهو العدواني وكم مر بي من هذا النوع من حالات أدت بالموسوس إلى الطلاق والقذف ورفع الدعاوى على أبرياء ، والشك في أولاده ونفيهم . 
ومن عجيب ما مر بي من هذا النوع : شاب صارحني أنه يتعذب كثيرا من خاطر يرد عليه ، أنه ابن غير شرعي لأبويه ، فقلت له :
بناء على ماذا ؟
قال : بناء على شك مجرد ووسواس محض ، وإلا فوالداي من أصلح الناس وأتقاهم .

الوسواس العدواني : وهو من أخطر أنواعه أمنيا على المجتمع ، وهي حالة تعتري الموسوس فيتوهم أن الناس أعداؤه ويأول كل تصرف أنه موجه ضده ، فإذا ما أبصر اثنين يتناجيان جزم أنهما إياه يعنيان ، وعليه يتآمران ويخططان ، فيظل المسكين في تخوف وقلق من الناس قريبهم وبعيدهم صالحهم وطالحهم ، وربما أجرى هذه الظنون وترجم هذه الخواطر إلى أفعال عدوانية ضارة حدا من ضرب وإيذاء وقتل ، ومما مرّ بي من هذا : موسوس هجم على إمام مسجد بفأس لما سجد وكاد يقتله معتقدا أنه يلمح له ببعض الآيات ، وآخر هجم على خطيب بعد خطبته وخبطه بكرسي ، ولم نستنقذه منه إلا بجهد جهيد ، وآخر تقدم إليّ بعد إحدى الخطب عن النفاق وأهله ، وهاجمني كلاميا معتقدا أني أعنيه بالنفاق زاعما أني أحد النظر إليه أثناء الخطبة ، وأن حركاتي لا تخفى على فطنته ، وحملني مسؤولية كل ما يصيبه من أذى أو دعاء على المنافقين ، علما أني لا أعرف الرجل ولم أره حتى تقدم إلي ، ومن ذلك ضابط متميز في دفعته ، اعتراه وسواس من هذا النوع أفسد عليه حياته الوظيفية ، ومازال به حتى تقاعد مبكرا ، وانطوى وحيدا سقيما نسأل الله العافية ، وكانت بدايته به الهلع والرهبة من استخبارات الدول الكبرى ووهمه أنها تتبعه وتتنصت عليه في بيته وخلائه وتزرع أجهزة التنصت في كل أدواته حتى نأى وانتبذ وترك كل شيء حذَرَ التجسس وطرح نظاراته وأكثر أدواته ، وانتهى به الحال إلى نهاية بئيسة عافاه الله وإيانا .
وصوره أكثر من تحصى وتحصر نسأل الله العافية والسلامة .
ولهؤلاء تصرفات غريبة جدا هي أقرب إلى تصرفات المجانين منها إلى العقلاء وكثيرا ما كانوا مثار تندر الأطفال والصبيان ، ومما حكي قديما عن موسوس تمادى به الوسواس حتى بات يعتقد أنه حبة برّ ، فصار يهرب من الدجاج والطيور والدواجن ،فجلس معه الطبيب طويلا حتى أقنعه أنه آدمي وليس حبة ، فتنفس الطبيب صعدا وهلل فرحا ، غير أن المريض قال : مهلا مهلا !!
 فها أنا اقتنعت ، فمن يقنع الدجاجة ؟!!
هذه أهم أضرب الوسواس وأنواعه 
وحتى لا يطول المقال أؤجل الكلام عن الأسباب والوقاية والعلاج إلى مقال آخر بإذن الله  
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق