تعديل

بحث

الأربعاء، 21 يناير، 2015

الانقلاب الحوثي .. انتصار أو انتحار !!

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ،،،، وبعد :
بقدر ما نفزع ونحزن ونأسى ونأسف لهذا الانقلاب الحوثي في صنعاء ، وهو الانقلاب غير المفاجيء للمراقبين والمستشرفين للأحداث ؛ إذ إن الحوثي كان يحكم صنعاء فعليا منذ خيانة الرئيس ووزير دفاعه ودخوله صنعاء ، بقدر ذلك نتفاءل أن تكون هذه الخطوة أمارة مبشرة بقرب بداية العد التنازلي للصعود الحوثي أو على الأقل هبة مجمل الشعب اليمني في وجهه وأمام مخططاته .
كان حزب اللات اللبناني وقياداته أكثر اتزانا وتعقلا ودهاء من زميله الحوثي الذي استهوته انتصاراته المزعومه ، وأغرته نجاحاته الموهومة التي ما كان لها أن تكون لولا خيانة الرئيس الحالي وتحالف الرئيس المخلوع والتعاون الدولي والإقليمي طوعا أو كرها.
كان الأخير أكثر تهورا واندفاعا - أو قُلْ حماقة - باستيلائه المباشر على حكومة بلد مزقته الحروب والصراعات وأنهكه الفقر ، ولو أنه رضي بما رضي به زميله الحزبلاتي من حكومة الظلِّ المدبِّرةِ لحكومةٍ له غنمها وعلى الآخرين غرمها ؛ لربما كان أدهى وأدعى لبقائه وتمكنه 
عبارة : دعوا الحوثي ينتحر في صنعاء ، قيلت سلفا ، وربما كان لها شيء من الواقعية والمصداقية .
هذه الأسطر توطئة بين يدي مقالتي المعنونة أعلاه .

ولنعد إلى الوراء قليلا ونفتح الجراح التي ما اندملت أصلا ، وما اندمل منها فعلى خمج وقيح وفساد ، ونكءُ الجراحة مؤلم أكثر من الجراحة نفسها ، ونقش الشوك - بحديث الصراحة - ربما كان آلم من الشوك. 

ويلاه إن نظرَتْ وإن هي أقلعت
وقعُ السهام ونزعهن أليمُ
 
لاينكر أحد أن عصابات الحوثي كانت حبيسة جحورها إبان معظم فترة الرئيس المخلوع ، وكان الشعب ضدها يدا واحدة أو كاليد حتى شعر الرئيس وحزبه ومقربوه بالخطر .
كانت الثورة اليمنية على رئيسها خاطئة بكل المقاييس ، وما مثلها ومثل الثورة التونسية وغيرها إلا مثل من رأى أناسا يخلعون أضراسهم الفاسدة الآيلة للقلع ، فقلدهم ولم يجد إلا سنا ثابتة غير ميؤوس منها فتكلف قلعها ووجد من آثار ذلك ما وجد.
لاملامة على الغوغاء والعامة الذين بدؤوها تقليدا ملامةَ الأحزاب الإسلامية التي لها عراقتها ورؤيتها السياسية وقبل ذلك الشرعية ولها مناهجها ومعاهدها وجامعاتها وقاعدتها الشعبية ، وإنجازاتها التاريخية ، وعهودها ومواثيقها وحلفها القديم مع القيادة الراهنة وحزبها ، أعني بذلك جماعة الإخوان لاجرم ، تلك الجماعة التي فعلت فعل نظيرتها في مصر - فرج الله عن أخيارها وانتقم لهم من ظالمهم - ظلت ترقب الأوضاع ابتداء وتتربص النتائج حتى إذا تعاظم تيار الثورة والتأم سامرها خشيت أن تخرج من العيد بلا حمص - كما يقال - فألقت بثقلها في الثورة ، وتأخر شرعيوها وعلماؤها أكثر وأكثر ثم جرفهم التيار وخشوا أن يصنفوا في صف الحكومة أو ربما رأوه اجتهادا يسعهم فقام خطيبها وعالمها الفاضل يهدر في الجموع خطيبا ويبشر بالخلافة على منهاج النبوة ويصف هذه الثورات الشبابية ببراءة الاختراع ... إلى آخره. 
هنا ، كان هذا الخطيب الفاضل والعالم الجليل هو الوجه الشعبي للثورة اليمنية الوليدة ، وأما الوجه الدولي العالمي فهو الذي تتطلبه ضرورة المرحلة وتعريف العالم من خلاله بوجه الثورة اليمنية الجديدة ، وغيرُ سرٍّ أن هذا الوجه وجه ناعم حر مثقف هو الآنسة ( توكل كرمان ) التي هزت أعواد المنابر الدولية وملأت الدنيا وقنواتها تصريحات ومطالبات حتى أصبحت محل إعجاب العالم الكافر ومحط تقديره فكانت أول مرشحة عربية وأصغر مرشحة عالمية لجائزة ( نوبل ) ومع ذلك لم تفلح كل هذه التنازلات في كف التآمر الدلي والإقليمي ولجم توجسه خيفة من الثورة وقياداتها .
لم تصغ هذه الأحزاب والحركات وقتها إلى أصوات الناصحين بل سفه إعلامها وجمهورها آراءهم واتهمهم بالعمالة 
وقتَها خاطبتُ العقلاء في اليمن  نثرا وشعرا وصحت نذيرا في قصيدة مطلعها :

أيا يمن الشجاعة والشهامة
إلامَ الشر بينكمو إلامه

أما للفتنة العمياء صبحُ
يجلّي من حنادسها ظلامه

نصيحة مشفق تطوي سريعا
إلى صنعاء من أرض اليمامة

خذوها قبل أن تبكوا دماء
تريدون السلام ولا سلامة

أرى خلل الرماد وقود نار
ويوشك أن تروا منها ضرامة

أرى أنفاس بركان إذا ما
تفجّر قلتمو يوم القيامة
إلى آخ ...
 وأمعنت هذه الأحزاب في التهور حين دعت الشعب كافة بنسائه وعجزته لتصدر الصفوف الثائرة فلفظت البيوت ساكنيها وأقيمت المخيمات النسائية والمهرجانات الخطابية والأناشيد الثورية وبسطت الأنطاع في الشوارع وصنعت الأطعمة والكيكات عليها شعار الثورة ، وسجلت وقائع زيجات وولادات على قارعة الطرق وفي ساحات المدن وميادينها، وكان المعظم في نشوة عارمة يظنون أنه مابين اليمن وفردوسها المفقود إلا الإعلان الرئاسي بتنحي الرئيس ، ليصدر الإعلان الثوري الأول .  

الكارثة حينما أدار الشعب المتناحر ظهره عن عدوه الحوثي المتربص وأقبل بعضهم على بعض يتقاتلون ووقعت حوادث انتهاكات وانتقامات صارخة مؤسفة ومخجلة بين الفرقاء المتصارعين من الشعب الواحد ، ويا منظرا ماكان أبشعه للنساء المسكينات يخرجن من خيمهن مهرولات مذعورات متكشفات ، هذه تصرخ ، وتلك تتعثر ، وثالثة تترنح ، وأخرى تتدحرج ، على إثر سقوط قذائف على مخيمهن من مصدر مجهول ، ترجح لاحقا أن هذا الحادث ، وحادث قتلى الجمعة ، والقصف البشع القبيح لمسجد الرئيس وهو يصلي الجمعة ومعظم هذه الانتهاكات يرجح أنها كانت بتدبير حوثي إيراني حتى يعزم أمر الثورة ويقطع كل طريق أمام المبادرات الخليجية وغيرها .
والكارثة الأكبر والأدهى والأنكى حينما تسابق الفرقاء للاستقواء بالحوثي المتربص ، أما الرئيس المخلوع فبإشراكه في الحكومة وملء مقاعد الحليف الإصلاحي الثائر ، وأما الثوريون فبندائهم بل استجدائهم للمشاركة في الثورة وتطوعهم بنصب الخيم لهم ومهَدُوا لهم الحجور ، فخرجوا من الجحور ، وباتوا عملة صعبة كلٌ يتسابق لشرائها ، والتبرح بها ، وما من رابح سواها ، ولا خاسر عَدا عِداها ، ومن هناك بدؤوا يفرضون شروطهم ، ودخلوا مع الفريقين واستُقبلوا من الفئتين استقبال الفاتحين ، كل يبتغي بهم ترجيح كفته المائلة .
وكان الحوثي ومن ورائه شياطين الفرس ودهاته أذكى من أن يُستغل ، فلعب لعبته ودخل مع الفريقين ، وبقدرة قادر أصبح القاتل المجرم المفسد المبير المخرب ثائرا على الفساد والاستبداد ، نزيها تواقا إلى الحرية ، أخا لنا في الثورة، وصار التجمع الثوري  المستقطب لكل ساقط ولاقط ، من ( حوث شيعي وحراك شيوعي ) يطالب عنه بالوكالة ممثلا في الناطقة الرسمية ( توكل كرمان ) التي كانت من أول مطلوبي الحوثي لما دخل صنعاء نهب بيتها وأحرق منزلها ، وعلى نفسها جنت براقش.
لقد وقعت الأحزاب الإسلامية الثائرة بين مطرقة الحوثي الغادر الخائن ، وسندان الرئيس المخلوع المنتقم الذي صدق عليه :
لا تقطعَنْ ذنب الأفعى وترسلَها
إن كنت شهما فأتبع رأسها الذنبا
لقد انتقم المجرم بما ليس في حسبان الثوار عليه ، وبدا مستعدا للتضحية باليمن كله ، رافعا شعار : أنا أو الدمار الشامل
من هنا يمكن أن نقول - غير شامتين - بل بكل حسرة وحرقة وأسى على يمننا وأحبابنا الإسلاميين إخوانٍ وغيرهم : 
يا معشر الأحزاب ما ذا وجدتم من الثورات التي لم تُجروا لها جرا كالشعب السوري الرازح تحت حكومة لايختلف في كفرها مسلمان ؟! وكان الأولى بكم مدافعتها ولجم العوام عنها ما أمكن .
يا معشر الأحزاب لا تلوموا عدوكم ولوموا أنفسكم . 
يا معشر الأحزاب هل أدركتم أنكم بمصافحتكم للحوثي كواضع العقرب في مخباته وكحامل الحية في مخلاته وكساع بظلفه إلى حتفه .
يا معشر الأحزاب يحق لكل محب لكم ناصح لكم حال ضجيج الجموع الهادرة بينكم وبين سماع صوته أن يقول لكم ما قال دريد:
أمرتهمو أمري بمنعرج اللوى 
فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغدِ 
يا معشر الأحزاب : يحق لكم أن يقول قائلكم ما قال عامر الشعبي للحجاج بعد دير الجماجم : كنا في فتنة لم نكن فيها بالأتقياء البررة ولا بالأقوياء الفجرة .
ومع ذلك يا أحبابنا : فهل عسيتم أن يتمكن منكم الحوثي مرة أخرى فيمكر بكم ويستقوي بكم على أمتكم من قبائل صامدة ويضمكم إلى حكومة دمية ، ويرضيكم بكراسٍ رخيصة وحقائب تافهة حتى يتمكن ويتخذ صفة الشرعية ، تيقظوا فالمؤمن كيس فطن ، والمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين .
إن الحوثي إن تمكن فسيلعن الخلفاء الأربعة على منبر جامع صنعاء الذي كان بالأمس يترضى عليهم ، وسيمسخ التعليم الشافعي السني إلى تعليم رافضي باطني جهمي ، وسينشر مشاهد البدع ومقامات الأضرحة والقبور ويزرع الشرك في اليمن ويحيي طقوس الرفض ، ويصدع بلطمياته وخرافاته وسب أمهات المؤمنين والخلفاء الراشدين وجمهور المسلمين .
يا معشر الأحزاب والجماعات والفرقاء والشعب السني اليمني : تالله ما تمكن منكم عدو الإسلام وعدوكم بصحة عقيدة ولا سلامة منهج ولا حتى بقوة سلاح ، ما تمكن منكم إلا باتحاده وتفرقكم ، وتخادمه وتخاذلكم ، وتناصره وتنابزكم وتنابذكم وتلاعنكم وتشاحنكم وتقاتلكم ، والكلام للشيوخ قبل الطلبة ، وللدعاة قبل العامة ، ولأحزاب إخوانية ، وجماعات سلفية نرى منها فضاضة وغلظة ومسارعة إلى الاتهامات ، والتحزبات على عصبيات شعرت أو لم تشعر !
واعلموا أن أول خطوة في طريق النصر التوبة والندم والاستغفار من الأخطاء السابقة ومنها وضع اليد في أيدي أعداء الله ورسوله وصحابته وأمهات المؤمنين ، وسفك الدماء وإثارة الدهماء ، وقبل ذلك وبعده ومعه النزاعات والخلافات والتحزبات والعصبيات الجاهلية والثأرات القبلية وأحكام الأسلاف والأعراف الجاهلية التي أهلكتكم وأنهكتكم وأذهبت ريحكم ومزقت شملكم وقطعت دابركم ، كل هذا وعدوكم يجمع لكم ويعد العدة ويتلمظ لدمائكم وقد فعل .
فوحدوا صفكم وأجمعوا أمركم وانتهوا عن الشقاق والافتراق وبادروا إلى الوفاق
وقلدوا أمركم لله دركمو
رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا

لا مترفا إن رخاء العيش ساعده
ولا إذا عض مكروه به خشعا
وأملوا وأبشروا وتفاءلوا ولا تيأسوا؛ فوالله إني لأرى مصارع الحوث في صنعاء وأرى مكر الله بعدوكم واستدراجه بهذا الانقلاب الذي أرجو أن يكون بداية اندحاره وانتحاره ، لا انتصاره وانتشاره . 
ويا جيران اليمن هاهم الحوثيون شوكة في خاصرة جنب كنتم ترقدون عليه إذا فزعتم من كيد العراق، وبلاء الشام ، انقلبتم عليه وصرفتم وجوهكم من جنب ترونه فيه إلى الجنب الآخر حيث اليمن ، أما وقد زرعت في هذا الجنب شوكة فعلى أي جنب سترقدون وبأي نومة ستهنؤون !! 
إنه إن تفرغ لكم فالويل من إزعاجات لن يكون أولها الشغب على الحدود والمطالبة بتعديلها ولا آخرها تحريض الخلايا النائمة في الداخل لتحذو حذوهم وتثور ثورتهم .
وإذا المخاطب كان مثلك عارفا 
أغنى اختصار القول عن تطويلهِ
والله تعالى أعلى وأعلم وأجل وأحكم وصلى الله على عبده ورسوله وآله وسلم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق