تعديل

بحث

الجمعة، 23 يناير، 2015

كلمات في البيعة والجماعة والسمع والطاعة

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله                           ،،،،،،،                    أما قبل :
فالحمدلله  على جميل قضائه ولطيف قدره وسبحان من لا يزول ملكه ولا يجوز هُلْكُه وتعالى من كل شيء هالك إلا وجهه ، له الحكم وإليه ترجعون .
وصدق الشاعر : 
أين الأكاسرة الجبابرة الأُلى
كنزوا الكنوز فما بقين وما بقُوا

مِن كل مَن ضاق الفضاء بجيشه
حتى ثوى فحَواه لحدٌ ضيّقُ

وأما بعد :
 فلا يسعنا غير ما وسع علماءنا وولاتنا وجماعة المسلمين في بلادنا من البيعة والسمع والطاعة ما استطعنا على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفي المنشط والمكره وعلى أثرة منا وأن لا ننازع الأمر أهله ولا ننزع يدا من طاعة ولا نشذ ونفذ ونشق عصا الطاعة ونفارق الجماعة. 
هذه عقيدتنا التي تعلمناها وعلمناها ..

قل هو الحق فلا تشتبهوا
ودعوكم من بُنيّات الطريقْ

وهي عقيدة السلف الصالح ، وليس وراء ذلك إلا الخصام والفصام والشقاق والافتراق وسفك الدماء وإثارة الدهماء والتنافر والتناحر والحروب والكروب والفتن والمحن ولنا في جيراننا القريبين والبعيدين أبلغ عبرة وأصدق مثل !! 
قال ربنا ومولانا ﴿أولم يروا أنا جلعنا حرما آمنا ويُتخطف الناس من حولهم﴾.
لهذا حثت الشريعة على الطاعة وحضت على لزوم الجماعة مهما كان الحاكم جورا وفسقا مالم يطأ مكفرا بواحا عندنا من الله فيه برهان إذا سألَنا ربنا : لمَ نازعتم وافترقتم وسفكتم من الدماء ما سفكتم ؟ فالويل لمن ضاقت حجته وزلت محجته .
ولهذا يسارع الأكياس ويسابق ذوو الإحساس إلى تنصيب الحاكم الخلَف قبل مواراة السلف والصلاة عليه والالتفات إليه ، كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في السقيفة بعد وفاة رسول الله ﷺ فإن الشغور الرئاسي والفراغ الدستوري من أخطر النوازل التي ينبغي على العقلاء أن لا يقدموا على ملئهما شيئا .

فهذا أحد الدواعي المهمة لمسألة الولاية والإمارة والبيعة والطاعة ولزوم الجماعة .
وقبل ذلك ما افترض الله علينا من تأكيد هذا الأمر ولزومه حتى ثبته العلماء بابا مهما من أبواب كتب العقيدة ؛ فهو من صميم عقيدتنا أهل السنة السمع والطاعة لمن ولاه الله أمرنا بالمعروف وفي غير المعصية ولو كانوا أئمة جور رأينا منهم مانكره، والصبر على أثرتهم وظلمهم وأن نؤدي الذي علينا ونطلب مالنا منهم لأنه حق لنا لا منة لهم فيه، فإن أدوا فهو الواجب وإلا صبرنا واحتسبنا وسألنا الله الذي لنا والنصوص في هذا كثيرة أذكر منها شيئا في مكانه ولن تستقيم الحياة إلا بذلك ، منهم العدل والتقوى والرفق ومنا السمع والطاعة وترك الشقاق والتشغيب طاعة لله قبل طاعتهم،  وذلّا له لا لهم ، وخوفا منه ومن العواقب الوخيمة للتفرق لا منهم ، مع بغض فسق الفاسق منهم والبراءة من ظلم الظالم وجور الجائر وقسط القاسط والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدع بكلمة الحق وترك المجاملة في الدين هذه عقيدتنا وهذه أدلتها:
قال الله تعالى﴿ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾
وقال تعالى ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون﴾ وقال سبحانه :﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين﴾
وروى البخاري في صحيحه من حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال :"بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم" 
ولهما عن أبي هريرة "وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا : يا رسول الله فما تأمرنا ؟ ، قال : أوفوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم"ففي هذا دليل على أن تعدد الخلافات والولايات لا يجيز الشتات والخروج عن الجماعات
 وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"من رأى من أميره شيئاًً فكرهه فليصبر ، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلاّ مات ميتة جاهلية" ، أخرجاه.
وعن ‏ابن عباس ‏، عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم قال : ‏"من كره من أميره شيئاًً فليصبر ، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية"
 وروى مسلم في صحيحه عن أسيد بن حضير رضي الله عنه "أن رجلا من الأنصار خلا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ألا تستعملني كما استعملت فلانا فقال إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض"
وروى مسلم عن عوف بن مالك عن رسول الله ﷺ قال " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم ، قيل يا رسول الله : أفلا ننابذهم بالسيف ؟ فقال : لا ، ما أقاموا فيكم الصلاة ، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولاتنزعوا يدا من طاعة ". 

وهذا المنهج النبوي هو الذي لزمه السلف الصالح ومضوا عليه خلفا بعد سلف من صحابة فتابعين فتابعيهم ودرج عليه العلماء من بعدهم وتوارثوه وتواصوا به :
فأخرج مسلم عن ‏ ‏نافع ‏ ‏قال : ‏ جاء عبد الله بن عمر ‏ ‏إلى ‏ ‏عبد الله بن مطيع ‏ ‏حين كان من أمر الحرة ‏ ‏ما كان زمن ‏ ‏يزيد بن معاوية ‏ ‏فقال : اطرحوا ‏ ‏لأبي عبد الرحمن ‏ ‏وسادة فقال : إني لم آتك لأجلس ‏أتيتك لأحدثك حديثاً سمعت رسول الله ‏صلى الله عيه وسلم‏ ‏يقوله سمعت رسول الله ‏ ﷺ ‏ ‏يقول : "من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ‏ ‏لا حجة ‏ ‏له ، ومن مات وليس في عنقه ‏ ‏بيعة ‏ ‏مات ميتة جاهلية ..." ‏
فهذا موقف هذا الصحابي الجليل من الخروج على الفاسق يزيد بن معاوية واستدلاله بما سمعه من رسول الله ﷺ وذلك لما خلع أهل المدينة بيعته واجتمعوا على عبد الله بن مطيع مع أنه لا يقاربه يزيد ولا يدانيه ولا صاحبه عبد الله بن حنظلة الغسيل تقوى وصلاحا ، لكنه فقه الصحابة .
وكذلك فعل هو وابن عباس مع الحسين رضي الله عنهم لما همّ بالخروج على يزيد مع أن غبار نعل الحسين خير من يزيد
ومن فقه الصحابة وبصيرتهم النافذة ما كان من ابن عمر رضي الله عنهما في العام الذي قتل الحجاج فيه الصحابي ابن الحواري عبد الله بن الزبير ، وجاء موسم الحج وسيف الحجاج الظالم المبير لم يجف من دم أتقى أهل الأرض حينه ابن الزبير ونار حريق خشب الكعبة من قذائف جند الشام لم تخبُ ، ودخان ستارتها لم يبرح سماء مكة ، وأمّر الخليفة حجاجا على الحج وأمَره أن لا يتجاوز قول ابن عمر في المناسك ففي الصحيحين عن سالم قال : " لما زاغت الشمس خرجت مع أبي فمر بفسطاط أو سرادق الحجاج فصرخ به أين هذا ؟ فخرج الحجاج وعليه ملحفة معصفرة فقال الحجاج : أبا عبد الرحمن ؟ قال : نعم ، قال الحجاج : الساعة ؟ قال : نعم إن كنت تريد السنة ، قال : فأمهلني حتى أفيض على نفسي ، قال : فنزل ابن عمر ، ثم خرج الحجاج فركب ابن عمر وجعل الحجاج يمشي بيني وبين أبي : فقلت - القائل سالم - : إن كنت تريد السنة فعجل بالرواح واقصر الخطبة ، فنظر الحجاج إلى أبي ، فقال : صدق .
فهذا بن عمر يمر على القاتل المبير المسرف في الدماء الجلاد السفاح الحجاج الذي أحد ضحاياه الصحابي ابن الحواري ابن أخت أم المؤمنين ، وخيار التابعين ابن جبير وينزل ينتظره ويمشي معه ويصلي خلفه ويخطب الحجاج على رأسه ، كل هذا من ابن عمر طاعة لخليفته ؛ ولأنه جرب الفتنة والدماء والخلاف .  
وكذلك ثبت في الصحيح عن ابن مسعود لما أتم عثمان في منى متأولا وأنكر هذا منه قيل ألا تفارقه ؟ أي في الصلاة قال : الخلاف شر.
ونحوه في الصحيح عن ابن عمر لما سئل عن الرمي قال إذا رمى إمامك فارمه ، وما ثبت فيه لما حج معاوية وأخذ البيعة ليزيد وكان مما قال معاوية خطيبا : من زعم أنه أحق منا بهذا الأمر فليُبدِ لنا قرنه ، قال ابن عمر : فحللت حبوتي وهممت أن أقوم فأقول : أحق به منك من قاتلك وأباك على الإسلام فذكرت الفتنة فسكتُّ.
وكذلك عن أنس في الصحيح لما سأله وبرة عن صلاة الظهر بوم التروية والعصر يوم النفر ؟ قال : حيث صلّى أئمتك .
وهذا متقرر عند فقهاءالصحابة ومجموعهم بل إجماعهم رضي الله عنهم
وخلفهم على ذلك التابعون وأتباعهم : فهذا سعيد ابن المسيب كان شديد الكره للأمراء ومظالمهم حتى روي عنه أنه قال هممت أن أترك الحج عاما فتذكرت الدعاء على بني مروان ومع ذلك ما نزع يدا من طاعة ، ومثله سفيان الثوري ، والإمام أحمد على أنه يرى ضلال القول بخلق القرآن ضلالا يقرب من الكفر إن لم يبلغه ؛ ومع ذلك ما كفّر المأمون ولا المعتصم ولا خلع بيعتهما بل كان يقول للمعتصم وهو يجلده ويسبه ويعنفه ويهدده بالقتل ، يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين . وهذا عن السلف كثير بل هو الأصل ، ومن خالف : كالذين خرجوا في دير الجماجم ، وأحمد بن نصر الخزاعي فاجتهاد لا يوافق عليه فاعله ؛ وإن كان يعذر لاجتهاده وتحريه الحق رحمهم الله وغفر لهم ورضي عنهم ، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية مع أمراء حبسوه طويلا وآذوه وبيلا وهجّروه وحاكموه ، وبعض ذلك من أجل نصارى ، وما كان منه تجاههم إلا السمع والطاعة والجهاد معهم والصلاة خلفهم ، وكذلك النووي مع بيبرس الذي ظلمه وهدده ، وابن عبد السلام مع السلاطين وغيرهم كثير.
ومنهم إلى علمائنا رحم الله أمواتهم وأمدّ أعمار بقيتهم على مزيد علم نافع وعمل صالح : كابن إبراهيم وابن حميد وابن باز وابن عثيمين كانوا أول المبايعين للملوك وأشد الناس نكيرا على الخارجين والبغاة مهما كان مرادهم وتأويلهم ، وكان شيخنا العلامة عبد الرحمن البراك في صدارة مجموعة كبرى من المشايخ والدعاة والمحتسبين لمبايعة الملك الراحل كما كان في مقدمتهم حال إنكار منكر لدى الملك والأمراء ، وهذا هو التوسط والاعتدال والوفاء بالبيعة حقيقة ، كما كان الشيخ العلامة حمود العقلاء الشعيبي رحمه الله في مقدمة الوفود لرفع المظالم وإنكار المنكرات لدى الحكام ، وما كان ليفعل ذلك لولا عقيدته بشرعيتهم وبيعتهم .
وبغير ذلك يتجرأ العامة على الآمّة ، ويطأ الأراذل بساط هيبة الأفاضل ويقع من الفتن والتناحر والشقاق واستباحة الأعراض وتسلط الأشرار والكفار ما نرى شواهده حوالينا .
وكل هذا لا يعني تقديس الحكام واعتقاد عصمتهم كما تفعل الرافضة ، بل هم بشر يصيبون ويخطئون ويعدلون ويجورون والواجب الصدق معهم وترك غشهم وخديعتهم والنفاق لهم وبذل النصيحة لهم مع حفظ هيبتهم والصبر على جورهم وتحمل مظالمهم وأثرتهم إيثارا للمصالح العامة وإهدار للمفاسد الطامةّ
وعندأبي داود والبيهقي والبزار والبخاري في المفرد مرفوعا وموقوفا،بسند صحيح أو حسن عن أبي موسى  " إن من إجلال الله تعالى إكرامَ ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غي الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط" 

ولا يقال -  ولا ينبغي - : إن هذا للأمراء العدل الأتقياء ، فهذا يرده صريح الحديث ، وتضاده مواقف من ذكرت من العلماء وغيرهم مع أمراء دويلات مبتدعة وأصحاب شهوات ونزوات ولهو وشرب وتأخير صلاة بعض حكامنا خير من بعضهم عقيدة وأخلاقا بمراحل .  
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ، والحمد لله رب العالمين . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق