تعديل

بحث

الأحد، 4 يناير، 2015

هذا الرجل

هو الشيخ الوجيه الكريم التقي العابد عبد الله بن عبد المحسن القشعمي،وهو من أهالي محافظتنا( الزلفي ) والأصل من( الثوير )
عاصمة عُقَل الزلفي - جمع عُقلة - وهي قرية تقع في قلب نفود الثويرات شمال الزلفي بثلاثين كيلا تقريبا.
وهذه الأسرة القشعمية حافلة بالوجهاء والأتقياء ورجالات الدين والدولة .
وهذا الرجل بارك الله فيه وأمد في عمره على مزيد من العمل الصالح هو بحق من مدارس الحياة ، ومستودعات التجارب ، ومخازن الحِكم ، ومراجع الأحداث ومراصد التاريخ ، كلما جلستَ إليه حلّق بك في آفاق ملائكية كريمة ، وساح بك في ربوع الإيمان وأفياءالأنس ، وثمت محطات حافلة من حياته المباركة تستحق الوقوف عندها بل الجلوس مليا.
- ولد الشيخ عبد الله عام ١٣٣١هجرية كما حدثني بنفسه أي قبل مائة وخمسة أعوام ، ولازال - متّعه الله بالصحة والعافية - جميعاً ، أي فكراً وحواسَّ ، ولا زلت أعده مرجعا لما أشكل عليّ في كثير من تاريخ البلدة وأهلها وغيرها وغيرهم .
 - ظل في إمامة وخطابة جامع الثوير عشرات من السنين من شبابه إلى كهولته فشيخوخته كان حينها لا يخرج من بيت الله إلا لماما وكنتَ لا تشاء أن تجده في مسجده ساعة من ليل أو نهار إلا وجدتَه ، ولا زال على نصيب وحظ وافر من الصلاة والقرآن والعبادة والعمل الصالح .
- لما بلغ الثامنة عشرة سنة وقعت له قصة عجيبة وكتب له عمر ثانٍ بعدما قُبر وظل في القبر يوما ثم خرج لعالم الحياة ؛ وذلك أنهم كانوا يحفرون قليبا في منطقة رخوة وكان معه في القليب شابان آخران ، وكانوا يناولون الحفير عمالا في الأعلى بالزنابيل ، ولما حفروا قدر قامة الرجل مرتين أوأكثر نبع الماء ، فصاح أحدهم : أبشروا بالماء ، وأكب على الأرض يغترف بيده ويتذوق الماء ليتعرف مقدار عذوبته ، وهنا حدثت المفاجأة فقد تصدعت الأرض حول فوهة القليب ثم تداعت جوانبها وانهارت على الثلاثة حتى تساوت عليهم الأرض ، فصاح الناس واستنجدوا بالقرى ، فأقبلوا من كل فج يشجع بعضهم بعضا ويتعاونون على الحفر ويتعاقبون على المساحي ، من الضحى حتى قبيل الليل ، وبينما هم يحفرون لاحت سبابة شيخنا هذا عبد الله القشعمي تتحرك ليشعرهم أنه ما زال على قيد الحياة ، فحمي الناس وكبروا وهللوا، وألهبت عزائمهم حتى بان رأسه وقد أكفأ الزنبيل على رأسه ، وهي طريقة كان الناس يتواصون بها عند حفر القلُب ؛ وذلك ليبقى الشخص على قيد الحياة ويحمى أنفه وفمه ويتنفس أطول مدة يستطيعها ريثما يصل الغوث والنجد، واستخرج حيا هو وصاحبه عبدالرحمن الثنيان رحمه الله الذي عمل مثله ، وأما الثالث ابن قنَّوه ؛ فلأنه كان مكبا يتذوق الماء ولكونه حضر أجله فلم يجدوه إلا من الغد ميتا رحمه الله .
- العم الشيخ عبد الله كما أسلفت من وجهاء ومُقدّمي البلد ، فهو كثيرا ما يكون في مقدمة الوفود ولا يكاد يزور البلد عالم أو أمير أو داعية إلا لقيه ، وزاره في منزله ، وكان كثير من أئمة الحرم الشريف وغيرهم يزورونه وبني عمه وخطب أكثر من واحد من خطباء الحرم في جامع قريتهم الجُوَيّ ، وجرت له مع العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله هذه الحكاية الطريفة التي تدل على سرعة بديهة وخفة روح يتمتع بهما بارك الله في بقية عمره ، ونسأ له في أجله :
- كان الشيخ محمد بن عثيمين في زيارته السنوية لهم فقال رحمه الله مداعبا : يا شيخ عبد الله أيش هذا الاسم لقريتكم : 
الثوير ؟!! ما وجدت غير هذا الاسم ، هلاّ كبرتموه وقلتم : الثور . فأجابه الشيخ عبد الله حالا : نحن يا شيخ مساكين على قدّ حالنا ، لكن عُنيزة - يقولها الشيخ عبد الله مصغّرا صوته مشيرا بيده مصغّرا - بلد المشايخ والتجار والوزراء ما وجدوا غير هذا الاسم ما كبروا أو ذكّروا فقالوا : عنز أو تيس . فضحك الشيخ محمد وقال كفى كفى ، لو سكتنا لسلمنا .
- أخبرني الشيخ عبد الله أنه حج أول حجة له في قطار إبل وقافلة جامعة كعادة أهل القرى عام ١٣٥٢هج . رفقة جدي عبد العزيز رحمه الله تعالى ، وأنه حج حجتين على الإبل .
- العم عبد الله ذو تلاوة عذبة وحصيلة علمية ، وذائقة أدبية ، وقد اجتمعنا ليلة من العام الماضي في مكتب ومكتبة وديوان استقبال الشيخ العلامة المتفنن محمد بن إبراهيم الحمد وهو الذي كان دار الإمارة أيام إمارة والده رحمه الله لبلدة الزلفي ، وبحضور الشيخ عبد الله القشعمي ، في ليلة حافلة جامعة لنخبة متميزة من المشايخ والدعاة والأدباء وحصل في تلك الليلة مناقشات علمية ومطارحات أدبية ومساجلات شعرية ، ولما وصلت النوبة للعم عبد الله طلب مني قصائد متميزة باسمها دلت على متابعته لمدونتي  
وللطرح الثقافي والساحة الثقافية والأدبية عموما .
- الشيخ عبد الله وإخوانه من الكرماء المياسير المعدودين فمنذ صغره حتى ساعتك لهم جلسة صباحية وباب مفتوح يستقبل كل زائر ، وربما طرحت بعض الفوائد والمسائل ، حسب الموجود من أهل العلم ، وهذه الشبّة الفجرية عادة لكثير من أهل بلدنا وغيرهم، فما كنا سابقا نقفل إلى بيوتنا من صلوات الفجور ، إلا على أنغام النجور ، ودخان الأرطأ والبخور ، ونكهة قهوة الفطور ، وزقزقة الطيور ، ولا زالت هذه العادة الجميلة لدى بعض أهل البلد ، منهم العم عبد الله وأخوه ، وغيرهما   
- لا زلت أعتبر زيارة الشيخ عبد الله ومجالسته كلما زرت الزلفي وجبة نفسية وروحية لا أستغني عنها ، وكم أجد في عباراته الرقيقة ، ومزاحه اللطيف ، ووجهه البشوش الوقور المشرق بهاء ونورا الممتليء روعة ومهابة ما أتزود به إلى الزيارة التالية 
حفظ الله شيخنا عبد الله القشعمي ومتع به في عمر مديد ومزيد من الصحة والعافية ، وزاد من الخير والبر والإحسان والمعروف والعمل الصالح .  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق