تعديل

بحث

الثلاثاء، 3 فبراير، 2015

من أخبار المنكوبين

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله               ،،،،،،،،.           وبعدُ
ما أقرب يوم الصرف من يوم التصريف ، وما أدنى ساعة التكتيف من ساعة التكليف ، وما أشبه عصا السجان بعصا الصولجان
﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب﴾، ممن تقلد أمرا فصال على الشعب ، و﴿في ذلك لعبرة لأولي الأبصار﴾ لمن شاهد مصير الظلمة كيف صار، كم متعجرف متغطرس مفسد في البلد﴿أيحسب أن لن يقدر عليه أحد﴾وما هي إلا لحظةٌ من صبر صابر على جور جائر حتى صار الأخير كأمسِ الدابر:
 
قد تولّى فتولّى
غيرَ مأسوفٍ عليهِ

كان بالأمس عيونُ
الأُمَرا ترنو إليهِ

عصمةً كان فصارَ
القيد يدمي مِعصَمَيهِ

تولّى فاستولى ، ونُصِبَ فنَصَب ، وأُمِّر فكان أدهى وأمرّ ، ما ضرّه لو بالأمر قام ، وعلى الطريقة استقام ، وعدَل واعتدل ، وعمَر واعتمَر ، أولم يأتهم أنباء ما في الزبر ، من أخبار من غبر ، من الظالمين المنكوبين كأبي مسلم والأمويين والزيات والبرمكيين .

أما الأمويون فنكبتهم مأثورة مشهورة ، تسلط عليهم بنو عمهم آل العباس وأعانهم عليهم الموتورون من الناس وحرضهم الشعراء
كسديف حين أنشد السفاح أبا العباس 
بقوله :
لا يُغَرّنْك ما ترى من رجالٍ
إن تحت الضلوع داءً دويّا

فضعِ السيف وارفع العفوَ حتى
لا ترى فوق ظهرها أُمويّا

وقد قيل إن هذا الشاعر سديفا دخل على أبي العباس وفي مجلسه بقية ممن نبا عنهم سيف بني العباس من وجوه وشيوخ بني أمية بعد ما سكنت الأنفس وشُفيت الثارات ، وكان هذا الشاعر الشيطان مضطغنا على بني أمية وحز في نفسه قربهم من الخليفة فأنشد قصيدته النارية التي مطلعها :
يا ابن عم النبي أنت ضياءُ                            
استبَنّا بك اليقين الجليّا                                

حتى بلغ قوله : جرد السيف وارفع العفو ..
فألقى السفاح الشراب من يده وقال :
يا سديف ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ ثم قال :                                                                                

أحيى الضغائنَ آباءٌ لنا سلفوا
ولن تبيد وللآباء أبناءُ

هاتوا السياف : فأمره فمال عليهم بالسيف وحصدهم وإن جام الشراب لفي أيديهم ، وفي رواية أنه أمر بالأنطاع فبسطت عليهم وجلس عليها يحتسي وهم يتشحطون .
فنعوذ بالله من الظلمة والظالمين ، وأن نكون ظهيرا للمجرمين .
وأما آلُ برمك ، فأخبارهم مما أدرك معظمَها علمُك ، وكم فيها من العبر والعظات ، والمواعظ البليغات ، فلنذكر طرفا من أخبار الزيات :
هو محمد بن عبد الملك الزيات
كان وزيرا كاتبا لأبي إسحق محمد المعتصم الخليفة العباسي ثم ابنه هارون الواثق وكان من الأدباء الشعراء ذا علم ومعرفة باللغة والأدب 
والوزير الكاتب هو الوزير الأول وأمين سر الخليفة بمثابة رئيس الديوان 
والذي ارتقى به أدبه وعلمه وشعره ؛ وذلك أن المعتصم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب - وإن كان قائدا حربيا فذّاً ويكفيه فخرا فتح الفتوح (عمورية) - وكان له وزير قليل العلم ، فورد المعتصمَ كتاب وجاء فيه ذكر الكلأ فسأل وزيرَه : ما الكلأ ؟ قال : لا أدري ، قال المعتصم : خليفة أميّ ووزير عاميّ ؟!! فقال المعتصم : إيتوني بمن بالباب من الكتاب فجيء بالزيات فسأله : ماالكلأ ؟ قال : العشب مطلقا ، فإن كان رطبا فهو الخلا ، وإن كان يابسا فهو الحشيش ، وشرع يفصل في أقسام العشب والنبات ، فأعجب المعتصم واستوزره ثم ابنه هارون الواثق ، وعلا شأنه وصار من الوجاهة والسؤدد بمكان بمكين ، يقصده الشعراء ، ويتزلف إليه الأمراء .
إلا أنه كان جافا قاسيا غليظا باطشا شرسا له آلة تعذيب قاسية - مع الآلات المعهودة من مطمورة ومطبقة - وهي التنور وهي حفرة اسطوانية داخلها خشب ضيق مضروب بالمسامير من داخله في جوانبه كلها فيوقف فيه الضحية فلا يستطيع جلوسا ولا نوما ولا حركة إلا ضربه مسمار ، ويظل هكذا حتى ينهار أو يعترف 
ومن العجائب أنه لما نكب قتل في تنوره هذا .
كان لا يرحم ولا يُشفِّع ولا يقبل توسلا عُرض عليه رجل ، فقال : الله الله في دمي لا تنس ما بيننا من جوار ، فقال : الجوار للحيطان والتعطّف للنسوان وبطش به .
ومن أفعاله النهب كغيره من الوزراء غالبا إلا ما رحم ربك
ومن ذلك الشدة على العلماء والقسوة على الفقهاء كالإمام أحمد بن حنبل والتقي الغيور الشهيد أحمد بن نصر الخزاعي 
الذي قتله الواثق بيده .
ومن ذلك تعرضُّه وتغرّضه لأهل الحسبة والكيد لهم والسعاية بهم ومنهم الشهيد المحتسب أحمد بن نصر الذي رأى فشوَّ المنكرات في بغداد وتهاون الواثق في إنكارها فتزعّم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وكان من أمره ما كان فقبض عليه الواثق ، وامتحنه في خلق القرآن ، ولمّا تلكأ الواثق وتردد في أمره شجعه الأشرار ومنهم الزيات قال : يا أمير المؤمنين أحرقني الله بالنار إن قتلته إلا مات كافرا ، وقال قاضي المعتزلة أحمد بن أبي دؤاد : ضربني الله بالفالج - أي الشلل - إن لم يكن قتله حلالا ، وقال هرثمة بن أعين : قُطعت قِطَعاً إن لم يكن حلال الدم ، فمشى إليه الواثق واثقاً وقال إني أحتسب خُطاي في قتلك وذبحه وهو يتمتم بالقرآن والشهادة،فأصاب كل واحد منهم ما دعا به على نفسه ، ومنهم الزيات الذي حرق بالنار بعد قتله .

ومن ذلك التدخل في بيت الخلافة وإيغار صدور الخلفاء والأمراء والمكر والسعاية بينهم وتفريقهم ليغنم غنيمته وهذا سبب نكبته ، فقد كان العهد من بعد الواثق لأخيه جعفر المتوكل ، إلا أنه ما زال يشي به عند أخيه الواثق ويبغضه ويزين له خلعه وتولية ابنه محمد ؛ ليضمن استمرار سلطانه واستبداده وتلاعبه بدار الخلافة وبيت المال ، وما زال بالخليفة حتى سخط على أخيه جعفر وحبسه ، وما زال في الحبس حتى مات الواثق ، فأخرج جعفر المتوكل لدار الخلافة وبويع فسُقط في يد الزيات ، ولكن المتوكل أراد تأمينه ليتحوّط على المال الذي نهبه فلا يغيّبه فتركه وزيرا أربعين يوما ثم دعاه يوما فركب بخلعته ودوابه يظن أنه في مهمة إلا أنه عُدل به إلى دار صاحب الشرطة إيتاخ فكبسه وعذبه وأودعه تنوره وكبس داره واستولى على الأموال والجواهر واللآلئ والجواري والأثاث، ووجد بداره مكانا وأدوات للشراب واللهو ، وأرسل إلى أملاكه في سامراء فتحوّط عليها وظل في تنوره الذي يعذب به المساكين مُدة ، يُخرج كل آونة ويجلد ويسهر فإذا ما غلبه النعاس نخس بحديدة حتى مات ، ثم حرّق بالنار وترك جثمانه فأكلته الكلاب وقيل نبشته من قبره بعدما ووري فالله أعلم .
وقد انتقم الله للرجل الصالح ابن نصر وللضعفاء من ضحاياه والجزاء من جنس العمل ﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون﴾
وكان مكره بالمتوكل سببا لكرهه وفرقته وبدعتهم ، فجدد الله بهذا الخليفة ما اندرس من مذهب أهل السنة والجماعة وحصد خضراء المعتزلة وأوقع بهم وشيوخهم وقضاتهم ، وأكرم الإمام أحمدا وشيوخ السنة وعلماءها ، وكشف الله به الغمة والفتن المدلهمة بعد سنوات عجاف من البدعة والضلالة طيلة عهد المأمون والمعتصم والواثق ، وتحققت مقولة الإمام أحمد : اصبروا حتى يستريح برٌّٰ ويُستراح من فاجر ، والحمد لله رب العالمين .

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق