تعديل

بحث

الخميس، 13 أغسطس، 2015

الرد على البهتان في حلق تحفيظ القرآن

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:
قرأت مقالة للأخ محمد بن عبد العزيز العصيمي -هداه الله وأصلح حالنا وحاله- كتبه في إحدى الصحف؛ وفيه حشد وحشر وأجلب وأطنب وانبرى وافترى على حلق تحفيظ كتاب الله التي تشرفتُ وغيري بالتربّي فيها والتخرج، وكانت بعون الله أمانا وضمانا من الانحراف والتعرّج، ولشيوخها والقائمين عليها بعد الله فضل عظيم، وجهد كريم، في حفظ ناشئة المسلمين وتربيتهم على مائدة القرآن، وتعهّدهم بأخلاقه الزاكية، وآدابه الطاهرة، فخرجوا للمسلمين مئات الآلاف إن لم تكن ملايين من الحفظة المهرة، والأئمة الخطباء، والمربين الفضلاء، ومنهم العلماء والأمراء ، وأئمة الحرمين، وقضاة المحاكم، وقادة الأجيال، رحم الله أمواتهم ومتع بأحيائهم على عمل صالح.
كل هذا كَلّ عنه نظر الكاتب العصيمي ولم يتذكر مما نسبه إلى هذه الحلقات زورا وبهتانا إلا ما زعمه موبقات !!
ونسي أو تناسى ما فيها من الخيرات والنفع العظيم والصلاح العميم؛ اللهم إلا إن كان يرى ما نراه من الخيرات موبقات!
وواضح أن الكاتب أقحم حلقات الأمس، وأخبرنا أنه واحد من منسوبيها في حديث مفتعل ليكذب كذبته في هذه الموبقات ويجرّها إلى حلقات اليوم، ليلج منها إلى مشاركة المتخبطين في وسم التخبّط بعد أن انفضّ سامره وخفت وهجه الذي ما اكتسبه إلا من خصمه الذي دحضه وفضحه، وكأن الكاتب -هداه الله- أراد أن يُمدّه بماء الحياة وينفخ في صوره ويعيده جذعا، وقد كان !
إلا أنه كسابقه ولله الحمد، وكلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله.
وما عجبي من الأخ محمد بأشد ممن احتضن مقاله المفترَى ، وعلى مقربة من أم القرى؛ ولكن لا عجب فما نرجو ممن تسمى بسوق من أسواق الجاهلية، وإنك لا تجني من الشوك العنب.
لست بصدد نقاش الكاتب في إسقاطاته التالية، وزعمه في حق حلق التحفيظ المعاصرة، ولمزه بل طعنه صراحة في قرار الوزير، ثم اقتراحه المضحك أن يوكل التحفيظ إلى الأمهات والآباء في أجواف البيوت، وما بقي إلا أن يقول همسا وسرا؛ وكأننا في حقبة لينينية، وعصرٍ ماوتسي، وعهد ستاليني، وستار حديدي، حاشا بلادنا وأكرمها الله، وحفظها بالإسلام والقرآن ولو كره الشانئون، ما كأننا في بلاد الإسلام ومهبط الوحي ومهد الرسالة وأرض الحرمين!!
فهل يا ترى يعي هؤلاء ما يخرج من رؤوسهم وترعفه أقلامهم؟!
ما مصيبتك من أحد كمصيبتك من كاتب فارغ عليه أن يملأ عموده كل أسبوع؛ فيجلس متفطنا باحثا عما يسود به عموده، ولو تعرض لأقدس مقدساته وأعظم مسلماته!!
لست بصدد هذا كله، ولا عظمة ماتميزت به بلادنا من العناية بكتاب الله وآثار ذلك العظيمة فهذا قد أشبع بحثا؛ وكفانا الحديث فيه أقلام عمالقة لا تبلغ كعبها أقلام هؤلاء المتفطّنين؛ ومن آخرها وأجملها وأحسنها وأجمعها مقالة الكاتب الكبير الدكتور الأثير الأديب القدير أحمد بن عثمان التويجري رفع الله ذكره في الدارين.
ولكن كلامي وما أنشأت له ردي حول فرية "الموبقات" التي زعمها بين الكبار والصغار، فكان عليّ ردها وتفنيدها كشاهد عصر على تلك الحقبة التي افترى عليها الكاتب الكاذب؛ انتصارا لكتاب الله، ودفاعا ووفاء لهذه الحلق والأحضان الدافئة الناصحة التي ضمنتنا عمرا.
فأقول، وبالله أصول وأجول:
هذه الحلقة التي عناها الكاتب في (حلة القصمان) كانت في مسجد الباحوث رحمه الله، وقد درستُ فيها خمس سنين حتى تخرجي في الابتدائية من عام ١٣٩٠ حتى عام ١٣٩٥هـ.
وكان محمد العصيمي وثلاثة من إخوانه معنا، وأخوه سعود هو أول خاتم في حلقتنا، ووالدهم الشيخ عبد العزيز رحمه من خيرة أهل الأرض يومئذ تقوى وغيرة وصلاة وصلاحا واهتماما بأولاده ورعاية لهم وحرصا على تعليمهم وتحفيظهم.
والأساتذة الذين تولوا رعايتنا وتحفيظنا عدة؛ أشهرهم وأكثرهم ملازمة لنا الشيخ الأستاذ إبراهيم العجلان الذي توفي فجأة قبل سنوات في كهولته أو أخريات شبابه، والشيخ محمد حسن دهمش اليماني المشهور بالنجاشي رحمه الله وهذا قد توفي قديما.
 كان الأول معلما حكوميا في مدارس التحفيظ، والآخر موظفا في المكتبة السعودية التي كانت من أشهر المكتبات في ذلك الوقت، والشيخ إبراهيم العجلان كان أستاذنا الأساس وشيخنا الذي لازمناه وحفظنا أكثر القرآن في حلقته، وكان رحمه الله شابا صالحا واعيا ذكيا حافظا حريصا أشد الحرص على تربيتنا، ولم يكن له نشاط خارجي كل نشاطاتنا في المسجد ما كنا نعرف الرحلات والاستراحات والأسفار؛ اللهم إلا ما ماكان من نشاط تلفازي وإذاعي؛ فقد كان أستاذنا على صلة بالمذيعين الشباب علي الخضيري وعبد الله فرحة الغامدي ومحد خير الغلاييني كانوا يمروننا في المساجد ويأخذوننا وأستاذنا بسياراتهم أي المبرزين والمتميزين منا، وما عدا ذلك فهو في المسجد لاغير.
وكانت هذه الحلقات أصدافا منظومة في عقد جميل هو الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم يقوم عليها الإمام العلامة الراحل عبد الرحمن آل فريان رحمه الله ، وله بعد الله الفضل في تأسيسها .
ولها حفل سنوي في رمضان يقام في الجامع الكبير الذي سمي لاحقا جامع تركي بن عبد الله يُخرج فيه الحفظة ويرعاه أمير الرياض سلمان بن عبد العزيز رعاه الله .
والغرض من التفصيل بيان فرية الكاتب الذي يتصور القارئ له خالي الذهن أن هذه الحلقات أوكار للفواحش وبؤر للفساد.
لا والله؛ فقد أعظم الفرية وأفحش الكذب وأكبر البهتان، فلقد كانت تلك الحلقات من أنزه بقاع الأرض وأطهرها وأزكاها.
أما المجتمع فلا أبرئه من المعاصي والمنكرات، ولكن ما يمارس منها كان سرا خفاء، وربما تهامس به بعض الطلبة في تحقير أصحابه والتنفير منهم ، وفي أخطر المراحل نرى كتابة مجهولة المصدر على الجدران أو دورات المياه للمدارس والمساجد "خطر على فلان" وهذه العبارة كانت كافية لتوقع أشد العقوبات على من كتبت في حقه.
أقول: لا أبرئ مجتمعنا من هذه الأمور، ولكن كانت الغلبة لخيار الطلبة، وكان الظهور للطهور، والهيمنة للميمنة، وكان أساتذتنا على انتباه لهذه الأمور يعالجونها ويبادرون بفصل من عرف عليه شيء من التورط فيها خارج الحلقة، ولا يزالون يبدؤوننا بدروس تربوية تحصينية يبصروننا بشر المنكرات وقبحها، ولا سيما إذا مررنا بالآيات التي تدور حول هذه المعاني،فأين الموبقات؟!
- إن زعمتَ أيها الكاتب أنها تمارس في الحلقات والمشرفون والمعلمون على علم بها واطلاع عليها؛ فهي أعظم الفرية وأشنع البهتان، وهذا الغرض الذي يسود فيه أصحاب هذا الاتجاه مقالاتهم، فكل ما يهدفونه التنفير عن كتاب الله وتحفيظه بإلصاق التهم بالقائمين عليه، واعتبارهم مسئولين عن كل تجاوزات الطلبة، ولو تلقوا ما تلقوا من وسائل اتصال خارجي وعلاقات أبعد ماتكون عن التحفيظ، لا يريدون أن هذه المخالفات وغسل الأدمغة - بزعمهم - وقع لطلبة التحفيظ اتفاقا، ومن جهة خارجية وبمنأى عن الحلقات ومشرفيها وإلا ما كان لمقالاتهم غرض عندهم ولا معنى.
- وإن كنت تريد أن طلبة التحفيظ يقع لهم ما يقع لغيرهم خارج الحلقات، وأنهم ليسوا بمنأى من تصيّد المتصيّدين لهم؛ فما ذنب هذه الحلقات إذن؟! وما الغرض الذي أقحمت له هذه الفرية في مقالك؟! وهل ما يمارس ثمّت أشد وأشنع مما تتداوله المجالس من فساد بعض الأندية الرياضية وعروضها السنمائية في ذلك الوقت، والتي كنا نسمع عنها من المجاهرة بالموبقات والعظائم ما لا يكاد يصدق، حتى تنبه المصلحون لذلك وعولج أكثره،وهل المدارس الصباحية سالمة مما زعمته من هذه الموبقات والممارسات ، إضافة إلى شلل الأحياء والحارات ؟! فما معنى النصّ والخص للحلقات يا من تشبعت قلوبهم بكره كل ما يمت إلى الخير والصلاح والصالحين ؟!
 أقول إن كنت تريد هذا -ولا إخالك- فما ذنب حلقات التحفيظ التي كانت تسعى لعلاج هذه المنكرات والتحصين منها قدر الطاقة، وكان منسوبوها صفوة المجتمع وخلاصته رضيت أم أبيت.
وما حيلة الشيوخ والمحفّظين في فساد يتعرض له الطلبة في شوارعهم، وهل ينتظر منهم أن يكونوا حراسا على طلابهم حتى في شوارعهم وفي أحضان والديهم.
نعم يا أخي محمد، كان هناك انحرافات من هذا النوع خارج الحلقات، وحتى من أبناء الحلقات منهم من وقع في بعض هذا، وتورط في التدخين وتلوث بالأفكار، وعقّ والده الصالح الحريص عليه، وقطّع قلبه حسرات وهو يرى تنكُّبَه عن الطريق الذي أراد أن يلزمه وربما مات ساخطا عليه، وربما كان بانحرافه ومجاهرته مما أسهم بالأسقام إلى والده وتعجيل منيته، ومنهم من ارتكس وانتكس حتى ألحد بالأحَد والعياذ بالله، كل هذا جائز بل واقع، ولكن أي ذنب للقرآن والتحفيظ وأساتذته فيه، ولماذا نسبتها إليه؟! 
واعلم أنك ملاقٍ ربك، طال بك العمر أو قصر، ومحاسب على كل ما تخط يمينك ومجازى به ﴿وكل صغير وكبير مستطر﴾
وسيخرج لك يوم القيامة في كتاب تلقاه منشورا، فانظر ماذا تسطُر، واحتسب لما تكتب، واعلم أن الله يرفع بهذا القرآن أقواما ويضع آخرين، فضع نفسك فيما تحب أن تراها فيه..
يا أخي محمد: ما كان أبوك امرأ سوء كان والله صالحا تقيا نقيا، وما كان رهطك وأهلك إلا صلحاء أتقياء أنقياء، وكم في أسرتك العريقة من العلماء والفضلاء والصلحاء، ولا يعجزك إن حزمتَ أمرك ولزمت الكَيس وعصيت هواك أن تكون واحدا منهم وتسخر قلمك لما هو خير لك وأبقى؛ فما ذا ترجو بعدُ؛ فقد قارب الغصن الذبول، ودنت شمس الأصيل من الأفول،
والله حسيبك ورقيبك في كل ما تقول ، أنصحك من الأعماق ، أن تكذب الكذبة تبلغ الآفاق ، فإن ذلك خطير وإثمه كبير . 
يسر الله لنا ولك  الهدى، وباعد بيننا وبين الردى، وكفانا شرور أنفسنا، وجعلنا هداة مهتدين ، والحمد لله رب العالمين. 

   
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق