تعديل

بحث

الاثنين، 28 سبتمبر، 2015

دمعة على أطلال منى


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..

مررت بمنى عشية ثالث عشر فلم أكد أصدق أنها منى التروية ، إذا هي أطلال وحيشة وقفر من عمارها ، وإذا أهلها الذين قبل أيام جادون في عمارتها : أجدّ ما يكونون اليوم في هدمها وخرابها وحمل ما أمكنهم من بقاياها ، صاح قلبي : رفقا بمنى أيها الباغون ، أما تعلمون أية مشاعر تهدمون، اتركوا حبيبة قلوبنا ومنى أرواحنا ... آه لو كان فيكم شاعر!!
صاح قلبي بهذا ، وصاح لساني بقول أبي الطيب :

لكِ يا منازلُ في القلوب منازلُ
أقفرتِ أنتِ وهنّ منكِ أَوَاهِلُ

وصددت أكفكف دمعتي وأقول في فراق المشاعر :

لكِ يا مشاعرُ في القلوب مشاعرُ
أقفرتِ أنتِ وهنّ منكِ عوامرُ


لمّا مررتُ بكِ الغداةَ مودّعا
والدمع من آمَاقِه متناثرُ

تَسقيه مِن مَدّ الفؤاد غمائمٌ
يُزْجِيه عصفٌ في الجوانح ثائر

ما أثقلَ -اليومَ- الوداعَ على الورى
القول عن توصيفه مُتقاصِر

كم في فراقك -يا منى- من لوعة
بعد الوصال فكلّ لبٍّ حائرُ

أوَ هكذا تطوى الحياة كأنها
حُلُمٌ جميل -في الليالي- عابرُ

والصّحْوُ أثقلُ من جبال تهامةٍ
إن كان صبحكَ فيه هجر باترُ

قُتِلَ الفراق فما أمَرّ مذاقَه
فهو الغشومُ على المحبِّ الجائرُ

والهجر صابُ الصّبِّ علقمُ روحه
والوصل صيِّبُه الهتونُ الماطرُ

لكِ -يا منى الأرواح- جَذْبٌ مثلما
جَذَبَ الشعورَ إلى الضمائر ساحرُ

إن قال لبيكَ استجاب كأنما
يمضي على متنِ العنان مغامرُ

لكِ -يا منى الأحباب- عشقٌ مثلما
شدّ الحبيبَ إلى الحبيبة قاهر

ما قيسُ ليلى ما نَوَارُ فرزدقٍ
ما الأخْيَلِيّةُ والخيال الآسرُ

لكِ وحشةٌ لما مررتُ مسلّما
فإذا العوامر في الربوع دوامر

وإذا الديار وحيشةٌ فكأنها
ما قام فيها -ذات يوم- عامر

أُصغي لبلبلها الطروب وطالما
أَشجى بها صدحٌ وأطْرَبَ سامر

فإذا نعيب البوم في خرباتها
وإذا الرياح خلالهن صوافر

رفقا بحبات القلوب أحبّتي
رفقا حنانَكم القلوبُ جواهر

هي رِقّةُ الورد الذي ظلمٌ له
أن يقطفوه ولو حَوَته مَزاهر

كسْر العظام له الجبيرة بلسم
أما القلوب فما لهن جوابر

لكِ -يا منى- أغلى مُنىً من عاشق
بكِ والِهٌ، وعناؤه متواتر

أنتِ الشفاء له وأنتِ عزاؤه
في دفء حضنك مستريح خادر

ويراكِ جنةَ عدْنِه في رَوحها
راحاته تُهدى إليه بشائر

ومتى رآكِ تبددت أحزانه
وطغى السرور -إذنْ- وبِشْرٌ غامر

وتجددت أفراحه وتبدلت
أحواله وهو السقيم الفاتر

وسرى النشاط وطاقة جبارة
في جسمه والعنفوان الباهر

فكأنما ولدته من أرحامها
منجابة ما عاقرته عواقر

ولدته غضا رائعا متألقا
ما أثخنته عواثر وجرائر

هي أمه ولدته (صفحة عمْره
بيضاءُ) ما بقيت عليه كبائر

ويكاد حسن الظن يكشف غيبه
بالله وهْو المستجيب الغافر

يا مسجد الخيف الذي كم شاقنا
منه الأذان تقاذفته منائر

كم هزّ أوتار القلوب فدندنت
فتفجرت من أهلهنّ محابر

يا لَلْجمال فيا مشاعرُ أَوِّبي
والطيرُ في أجوائهن زوامر

سرِّح خيالك ما استطعت فإنما
يُمليك بحر بالمواهب زاخرُ

ولئن وجدت مجال قول فاستعر
صورَ الجمال فكلها متوافر

وانظم قصيدا من قلائدِ جوهرٍ
أنت الخبير بها وأنت الماهر

ليست مواهبَك الغزار وإنما
أنت المدبَّرُ والإله الآمر

أوحى إليك الروحُ روحُ روائعٍ
بمنىً لها زَجَلٌ وسَبْحٌ طاهر

كملت صفاتكِ يا منىً وأولو النهى
إن واصلوك فحظهم بكِ وافر

فلئن تقطَّعَت المُنى فقلوبنا
بمِنىً معلقةُ العيون سواهر

ولئن رجعنا للديار فإنما
بمِنىَ الحياةُ وذي الديارُ مقابر

الجمعة، 18 سبتمبر، 2015

الإيضاح لبعض مسائل الأضاح

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله    ،،،،،،،،،،.              أما بعد : 
فمن أفضل الأعمال الصالحة التي يتقرب بها المسلم والمسلمة إلى الله ويختمان به وظائف هذه العشر المباركة : الأضحية ..
سنة أبينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم واتبعه عليها ابنه ووارثه النبوة والكتاب محمد صلى الله عليه وسلم عملا بقوله تعالى : " ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين " 
وجرى على هذه السنّة الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون وجماعة المسلمين في الأعصار والأمصار 
فهي سنة مؤكدة يكره تركها للقادر وقيل بوجوبها عليه،  والأول مذهب الجمهور ، ويرجح الثاني :
 - نهيه صلى الله عليه وسلم من وجد سعة ثم لم يضح أن يقرب مصلاه. رواه الحاكم وصححه وأقره الذهبي
- وقصره الرخصة في الأضحية بالعناق على أبي بردة  وتصريحه أنها لا تجزئ أحدا بعده) رواه البخاري، وكذلك الذبح قبل الصلاة.
وأود التنبيه هنا في الأضحية إلى أمور كثيرا ما نرى فيها التقصير أو التفريط والمخالفة   
التنبيه الأول
حيث قلنا يكره أو يحرم تركها للقادر فهذا مؤذن بالحرص على أدائها ومشعر برعاية هذه الشريعة حق رعايتها وقدرها حق قدرها . 
قال تعالى : " ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب " 
وهذه الآية من سورة الحج نص في الذبائح شاملة بالدلالة غيرها من الشعائر 
والقدرة : بمعنى السعة المالية بوجدان ثمن الأضحية زائدا على نفقته ومن  تلزمه  نفقته إلى حين وقت عطائه أو راتبه وإيراده المالي .
فمن وجد هذه السعة فليضح ومن لم يجد فقد قال الله تعالى : " لينفق ذو سعة من سعته " وقال : " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " والحمد لله رب العالمين . 
لكن مما ينبغي الانتباه والتنبيه له : أن كثيرا من الناس يدعي العسرة وعدم القدرة وإذا نظرت حياته وجدته متوسعا مترفها باذخا على نفسه وأهله ولو حسبت فواتير جوالات أطفاله ونسائه لوجدتها مجزية بثمن أضاحٍ عديدة وهكذا حال كثير من الناس يسوف بالحج لنفسه وأهله بحجة عدم الاستطاعة ويسافر في الصيفيات والإجازات إلى أقطار الدنيا ويجوب بحارها وديارها باذلا ما بذل .
وكأنما فرضٌ زيارة لندنٍ ... وزيارة البيت الحرام حرام
وترى المرء يبذخ ويسرف في ولائمه وحفلاته وأعراسه وينفق المبالغ الطائلة الهائلة لليلة واحدة تصنعا وبطرا وفخرا وتظاهرا ، ولو دعي إلى الجهاد بمال وإعانة محتاج لشح بالمبلغ اليسير وأصاخ للشيطان يعده الفقر ويأمره بالفحشاء ومن معاني الفحشاء هنا البخل والشح قال طرفة بن العبد البكري  
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشددِ 
يريدُ أن الموت يختار من الفاحش الشحيح أطيب ماله وأزكاه 
ومما أذكره هنا أن رجلا جاء مستفتيا ملتمسا العذر في ترك الأضحية لعدم القدرة ورائحة الدخان -عافاه الله وإيانا- تفوح من ثيابه وأنفاسه وآثاره بادية على بخر فمه و نخر أسنانه وسعاله وصفير صدره فقلت له: مهلا يا أخي إني سائلك فاصدقني :
كم تشتري كل يوم من علب السجائر ، وبكم ؟
فقال : من اثنتين إلى ثلاث وبعشرة إلى خمسة عشر ريالا في اليوم فقلت: عافاك الله، معنى هذا أنك تنفق في عامك قريب الخمسة آلاف ثمن الأضحية فقال: أية أضحية؟
قلت : الأضحية بنفسك وصحتك وحياتك ومالك وهذا المبلغ يجزئ لثلاث أو أربع من أطيب الأضاحي ففهم مرادي وولى مدبرا ولم يعقب
التنبيه الثاني
ليعلم المضحي أن النحر عبادة من أجلّ العبادات وأفضلها قرنها الله بالصلاة في غير ما موضع كما في قوله تعالى: " فصلِّ لربك وانحر " وفي قوله: " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " وفي قوله " ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والبدن جعلناها لكم من شعائر الله ... "ولهذا كان صرف هذه العبادة لغير الله شركا ، قال تعالى : " ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به " فصارفها لله حنيف ولغيره مشرك ، وقال صلى الله عليه وسلم: " لعن الله من ذبح لغير الله " رواه مسلم عن علي رضي الله عنه . 
وإذا علم هذا فليحرص المضحي رجلا كان أو امرأة أن يتقرب إلى الله بالذبح ولا يستنكف عنه رحمة للبهيمة أو تقذرا أو ضعفا، ولو ترك السلخ والتقطيع لغيره من عمال وغيرهم فلا يتركن الذبح إن قدر عليه 

وفي صحيح البخاري عن كعب بن مالك: "أن جارية لهم كانت ترعى غنما بسلع، فأبصرت بشاة من غنمها موتا فكسرت حجرا فذبحتها.." الحديث وفيه أن قومها أعجبوا بفطنتها وحسن تصرفها .
وقد ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أضحيته بيده وكذلك نحر هديه مع أنه كان أنظف الناس وأرحم الخلق، ومع أن هديه كان إبلا كثيرة نحر بيده ثلاثا وستين وأعطى عليا المدية فنحر ما غبر. 
وليعلم المضحي أن مباشرته -إن كان قادرا-  ذبح نسيكته أفضل من التفويض إلى غيره وإن فوض لغير عذر فقد يوحي ذلك بالزهادة بأجر هذه العبادة فليحذر . 
ويفدح الأمر إن فوض الذكاة - أي قطع الأوداج والحلقوم والمريئ - إلى غير مصلٍ أو من يعتقد في الله اعتقادا باطلا فإن كثيرا من العمال  مجهولو الحال والاعتقاد، وخاصة من يباشر الذبح من أهل المطاعم وغيرهم من بعض بلاد ينتشر فيها مذهب الدروز والنصيرية وربما الرفض واعتقاد حلول الله ونفي علوّه وكثير من هذه الاعتقادات كفرية وذبيحة معتقدها حرجة على قول جماهير أهل العلم فليحذر المسلم و ما أحسن أن يتولى المرء عبادته بنفسه 
التنبيه الثالث  
ليحرص المسلم ألا يخلي بيته وأهله من هذه الشعيرة الكريمة عملا بسنة الخليلين والمؤمنين على تعاقب الأعصار وتكاثر الأمصار .
وديننا الحنيف وشريعتنا العظيمة شرعت لنا إظهار الشعائر وإشهارها في العيدين وغيرهما ففي الفطر شرع لنا إشهار إطعام الطعام في صدقة الفطر . 
وفي الأضحى شرع إنهار الدماء وإشاعة اللحمان وهذه المظاهر العظيمة لها دلالة كبرى وتربية للأجيال على التعاطف والتكافل وسد حاجة المعوزين وقد لا يلاحظ هذه العظمة كثير من مسلمة الدار ممن نشأ وترعرع عليها بقدر ما يلاحظها غيره من مسلمة الاختيار وكم أدى مثل هذا بكثير إلى حب الإسلام واعتناقه . 
وكنا نجد - صغارا - لهذه الشعائر والمظاهر العبادية مذاقًا وننتظر أيامها لنشاهد آباءنا في الفطر يكيلون البر بالصاع أمامنا ويسمون لكل واحد من أهل الدار صاعه قبيل العيد ونجد للعيد معناه  وفرحته وهكذا في الأضحى نتذكر بقدر عظيم من الحنين تلك الأيام الخوالي أيام كنا نهيئ الأضاحي ونعرّفها ليلة عرفة أي نشعرها بالصبغ والحناء ونسميها لأهلها وليس التعريف بالمعنى الآخر ؛ فإنه لم يرد ثم نشهد ذبحها ونتولى قسمتها على الفقراء والأقارب والجيران في مشاهد غاية في الروعة والعظمة ؛ ولذلك فإن الذين ينادون بأداء صدقة الفطر أو الأضحية نقدا ويذهبون بها خارج الأوطان يجنون على هذه الشعائر ويحرمون الناشئة أن ينشؤوا عليها فتختفي من ديار الإسلام ومجتمعاته . 
هذا بالإضافة إلى مخالفة المأثور وقول الجمهور نعم قد يقال إذا تعددت أضاحي المرء أو الوصايا فمن المناسب تنفيذها في بلاد هي أشد حاجة وفقرا أما أن يخلي البيت من سنّة وشعيرة فذلك هو الحرمان. 
التنبيه الرابع 
لايخفى على طالب علم - وإن خفي على العامة - أن الأضحية مشروعة للحي وجوبا أو استحبابا   فأما الميت فلا تجب عليه ولا تشرع عنه . 
وقد ضحى النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه وأحيائه دون أمواته ؛ مع أنه مات له أهل عزيز عليه فقدهم أليم فراقهم كزوجته الوفية المجاهدة خديجة وعمه حمزة وأبنائه وبناته وخيرة أحبابه وأصحابه كأول الأنصار بيعة وأسبقهم نصرة أسعد بن زرارة وأول سفرائه الشاب الشهيد مصعب بن عمير وابن مظعون وقادة مؤتة وغيرهم ولم ينقل أنه ضحى عن واحدٍ منهم ، مع حرصه على بر زوجه خديجة رضي الله عنها حتى كان يذبح الشاة ويقطعها ويقسمها في صدائق خديجة . متفق عليه ، ولو كانت الأضحية مشروعة عن الميت لكانت لها أولى من الهدية .
ومن المتقرر أن الشيء إذا قام سبب مشروعيته ولم يشرع علم أن فعله خلاف الشرع وربما بلغ حدالبدعة مع أني لا أقول هنا بالبدعة وإن كنت على فقري وضعفي أميل إلى المرجوحية وعدم المشروعية . 
وأما ما رواه أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة والترمذي عن محمد بن عبيد المحاربي كلاهما : عن شريك بن عبد الله عن أبي الحسناء عن الحكم بن عتبية عن حنش بن معتمر بن ربيع الكناني عن علي رضي الله عنه أنه ضحى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاه بذلك ، فضعيف لاتقوم به حجة وقد استغربه ( أي ضعّفه ) راويه الترمذي وأبو الحسناء مجهول وشريك معلوم الكلام فيه وتغيره وسوء حفظه لما ولي القضاء وكذلك حنش الكناني يرسل ويهم في حديثه عن علي وغيره وهذا الحديث وحده هو حجة القائلين بالأضحية عن الميت لا أعلم لهم دليلًا غيره إلا ما كان على جهة العموم كحديث (من لم يضح من أمتي)
وبهذا يعلم أن الأضحية للميت لا تشرع لعدم الدليل القائم وهي عبادة الأصل فيها التوقيف وليس لنا أن نستحسن بعقولنا وندخلها في عموم الصدقات لأنها مؤقتة بوقت فليتصدق عن الميت وليطعم عنه اللحم في كل العام أما مناسبة يشرع فيها الذبح عن الحي فلتُخلَ من الإطعام للميت لئلا يلتبس الأمر كما هو حاصل الآن فإن أكثر العامّة يعتقد أن الأضحية عن الأموات دون الأحياء . 
أرأيت صدقة الفطر في العيد الآخر : هل لأحد أن يخرجها عن ميته أو يوصيَ ميتٌ بإخراجها عنه بعد موته ؟! وما الفرق إذن ؟ من فرق فعليه الدليل ؟ . 
ولما كتب مفتي قطر ابن محمود رحمه الله بهذا قبل سنين رد عليه بعض علمائنا رحمهم الله وناقشه ، بما لا يستقيم له . 
والعلماء في الأضحية عن الميت على أقوال . 
-  منهم من منع وهم الأقل
ومنهم من أباحها وربما استحبها وهم الأكثر لعموم فضل الإطعام وهو مذهب الحنابلة واختيار تقي الدين ابن تيمية وغيره . 
ومنهم من فصل فقال : 
أما الأضحية عن الميت استقلالا فغير مشروع 
وأما إشراك الحي له أو إيصاء الميت للحي فلا بأس أن يشركه الحي أو ينفذ وصيته وهو المشهور عن بعض علمائنا كابن عثيمين رحمه الله ومن أخذ بقوله . 
وأنا لا أرى للتفريق وجها فإن قيل بمشروعيتها في حال فليقل في جميع الأحوال . 
وفي حدود علمي القاصر : لا أعلم أن أحدا من الخلفاء والقرون المفضلة فعلها عن ميته ،  وروى الترمذي وغيره من حديث أبي أيوب وقد سئل عن الأضاحي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :(كان الواحد منا يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس في ذلك فصار كما ترى)  
ومن الآثار غير المحمودة للقول بهذا ما يأتي : 
أولا : أنه استحسان وقول بلا دليل صريح وادعاء دلالة حديث (هذا عمن لم يضح من أمتي ) وفي الأمة من مات قبلاً ومن لم يوجد ، محل مناقشة ؛ إذ قد يقال هذا خاص بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ولم يجعل لغيره ، وهل يقول أصحاب هذا القول : إن لمتبرع بالأضحية أن يتبرع بها لمن لم يوجد بعد من أحفاده وأحفادهم وغيرهم ، وهل يكتفي المضحي عن ميته تبرعا بمرة واحدة ، كما هو الظاهر من تضحية الرسول صلى الله عليه وسلم عن من لم يضح من أمته أم يظل هذا ديدنه كل عام ؟ ووجوه نقض الاستدلال بهذا الدليل عديدة عند التأمل .
ثانيا : أنه خلاف هدي السلف كما في حديث أبي أيوب آنف الذكر.
ثالثا : أن أصل مشروعية الأضحية لاستحياء ( إسماعيل ) وفدائه من الموت فكيف تكون للميت . 
رابعا : أن في وصايا الأموات بها إشغالا لأهلهم وأوصيائهم من بعدهم ، وصرفا عن وظائف العشر وأعمالها وعن فرحة العيد وبهجته  وكم يأخذ البحث عن الأضاحي وشراؤها ونقلها وذبحها وقسمتها على الوصي وأهله من جهد ووقت عظيمين حتى ربما وجد الحيّ ساعتها على ميته ، خصوصا إذا علمنا أن ثمت قولا قويا بوجوب تقسيم ضحايا الوصايا وضحايا الأموات عامة وأنه ليس للمتبرع والمنفذ للوصية أكل شيئ منها ؛ فيعنته بالبحث عن فقير،  وإذا علمنا أن بعض الوصايا تبلغ العشرات من الذبائح في البيت الواحد ؛ فتظل هذه البيوت سائر أيام العيد كأنها مجازر ، ويظل أهلوها بين بركة من الدماء ورجم من الجماجم ، ومما يزيد المشقة ويضاعفها أن هذه الوصايا تورث مع وصية الموصي إليه ، فعلى الابن أن ينفذ وصية أبيه وجده إلى ما شاء الله ، فيصبح بيته ليلة العيد حظيرة مزحومة بكل ثاغ ٍ وياعر . 
خامسا: أن في ذلك إيهاما للخلق أن الأضحية إنما شرعت للميت ؛ كما هو الحال لدى عامة الناس اليوم ؛ وإذا نشأ ناشئهم على عشر ضحايا تذبح في بيته عن أموات وواحدة عن حي ليست غالبا خالصة له ولا يخلو فيها من شريك ميت ؛ فترسّخ  في نفسه هذا الاعتقاد فما هو بملوم ، وهذا عينه ما نشأنا عليه  حتى علمنا الحقيقة .
سادسا : أن التهافت على توزيع اللحمان والصدقة بها في الأضحى تبرعا للأموات ، يؤدي بالناس إلى قصر الصدقة باللحم الذي هو من أنفس الطعام على هذا الوقت وحرمان المستحق منه سائر العام .
سابعا : أن ذلك مسبب لمزاحمة المضحي عن نفسه وتقتير السوق عليه ، ورفع الأسعار عليه ، مع قلة العرض وكثرة الطلب وهذه مفسدة
ثامنا: أن في كثرة هذه الوصايا بالأضاح صرفا للوصية عن مصارفها الأهم ، وتحولا فيها للمفضول عن الفاضل ، على أحسن الأحوال ، ولقائل أن يقول : للممنوع عن المشروع ، وأُعظم أن أقول : للبدعة عن السنة ، ولو جمعنا أثمان وقيم آلاف الأضاح أو عشرات آلافها ، لقدرنا كم يفوت من المصالح لجهات كثيرة هي أهم بكثير كنشر العلم والتوحيد وكتبه وكتاتيبه ، ومقارئ القرآن والجهاد وعلاج الأمراض المتفشية كالسرطان والوباء الكبدي وتوفير أجهزة الغسل الكلوي وغير ذلك من مصارف لبس أقلها أهمية تزويج الأيامى في هذه الأزمنة المتلاطمة بأمواج الفتن والشهوات ودور اليتامى والقيام على المطلقات والمعلقات ، وإشادة صروح الإعلام الذي هو من أسخن جبهات الجهاد في هذا العصر نصرا للسنة وقمعا للبدعة ، وغير ما ذكرت كثير ، ولقد حدثني من لا أتهم أن ثريا ترك خيرا يقدر بمئات الملايين أوصى وصية قديمة بثلت ماله ، ولما كشفت وصيته وجد أنها لا تخرج عن عدة أضاح له ووالديه وبعض الحجج .
إننا بحاجة إلى تقرير فقه الوصايا والأوقاف وإشاعة علمه وتكثيف دروسه في هذا للزمان باعتبارها من أهم موارد أعمال الخير والبر ، وأنا على مثل يقين أن هذا المورد العظيم لو أحسن التصرف فيه ما تسول المسلمون لمبراتهم وجهادهم وإغاثة نكباتهم مسلما ولا كافرا ولفاض المال عن الحاجة بكثير ، وما رأينا المنصرين والمرفضين ينفذون إلى قلوب وعقول المسلمين ويستغلون ضرورتهم أفرادا وجماعات وحركات . 
وعلى كتّاب العدل والوصايا تفقيه الموصين وتنويرهم إلى مافيه صلاح وصاياهم وصلاح المسلمين فهذا من مسئولياتهم ولايكن أحدهم مجرد ناسخ آلة .
ولكم تلجلج في صدري سؤال لم أجرؤ على البوح به ، هل للوصي المتفقه أو المستشير لفقيه أن يغير وصية موصيه أو يجتهد في التصرف بصرف المال إلى غير هذه الضحايا مما هو آكد وأشد ضرورة  ؟ أرأيت إن فعل وهو في ذلك مصلح غير متجانف لإثم  ، بل قد يكون في ظن نفسه أو مستشاره الفقيه مغيرا لذلك الإثم أو التأثم ، ومعدلا لذلك الجنف ، والله سبحانه يقول ( فمن خاف من موصٍ جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) والجنف الميل لأحد الورثة والإثم كتسمية شئ من المصارف المحرمة كاللهو والخمر وكتب البدعة والقيام على القبور والأضرحة بالعناية والرعاية والإشادة وما أشبه ذلك 
التنبيه الرابع
لا يشرع للحاج الجمع بين الهدي والأضحية ، وأما ما جاء عند البخاري وغيره في أحاديث حج النبي صلى الله عليه وسلم أنه ( ضحى عن أزواجه بالبقر ) فالمراد به الهدي عنهن لا أعلم في ذلك خلافا ؛ فإن من أسمائه الأضحية لكنها أضحية خاصة ،
اللهم إلا أن يضحي أهله في بلدهم فنعم ، ولو لم يفعلوا أجزأهم الهدي ، وإن كان مفردا وأراد أن يضحي فالأولى - والله أعلم - أن يجعل النسيكة هديا ، والهدي - كما لا يخفى - واجب على المتمتع  ، والقارن ومستحب لهما زيادة على الشاة ، وللمفرد بل والمعتمر ، والرسول صلى الله عليه وسلم قلد الهدي في عمرة الحديبية ، بل للمقيم في بلده أن يوكل الحاج بالإهداء له ، فالهدي أوسع مشروعية من الأضحية ، والنبي صلى الله عليه وسلم وجبت عليه الشاة فأهدى ضعفها سبعمائة ، ونحر مائة من الإبل 
التنبيه الأخير
درجت بعض المصارف والجمعيات على استقبال الضحايا والهدايا والاستفادة والإفادة من آلاف أطنان اللحوم ، وهذا مشروع رائد وجبار ، خصوصا إذا علمنا أن آلاف الهدايا كانت إلى سنيات تذهب هدرا وتدفن بلحومها وجلودها وأصوافها وأشعارها في المجازر بعد أن يذكيها الحاج ويبقر بطنها ويقطع كبدها أو قلبها أو شيئا من بطونها ربما وهي حية ترى ، قبل أن ينتظرها لتموت ، وقد رأيت ذلك بعيني في أول حجة ، وتعود الجرافات لتحرث تراب المجزرة في الموسم التالي لتنبعث روائح يخر لها الطير صريعا ، وتنشر في الأجواء من الأدواء ما الله به عليم،
انتهت هذه الكارثة بمثل مشاريع الاستفادة من لحوم الهدي والأضاح ، ولكن تبقى عقبة أخرى ، وهي : هل هذا الإيصال والسند الذي يتسلمه الناسك كافٍ في تعيين نسكه ، دعك من مسألة تحرج المضحي والقارن من أخذ شعره وظفره واضطرارهما الانتظار أياما حتى يتأكد لهما ذيح النسك ، ولكن الشأن الأهم في تعيين النسك ، ومعلوم أن هذه المكاتب تستقبل كل يوم عشرات آلاف الأنساك فهل سيسمون -  لفظا أو نية - لكل واحد نسكه أم سيذبحون لهذه الأسناد أعدادها وحسب ، هو كذلك بلا ريب فهل يكفي هذا ؟! سؤال أطرحه على من يفتي ببراءة الذمة بدفعها إلى تلك الجهات ، قد يقول قائل : هذا مستحيل ، فأقول وهل يسقط تعيين النسك ولو بالنية لصاحبه ، ولو أن جماعة مائة أو يزيدون دفعوا لوكيل أوأجير مبلغا على أن يشتري بأعدادهم أضاحيَ ، ويذبحها دون أن يسمي هذه لهذا فماذا يقول السادة الفقهاء؟ أما العبد الضعيف فلا يجرؤ أن يفتي أحدا ببراءة ذمته بذلك ؛ حتى يتأكد له تسمية نسكه له بيقين ، وأنّى له ذلك ،  فعلى تلك الجهات أن تبرئ ذمتها وتخلي مسؤوليتها وتصحح عبادات المسلمين ، والله المستعان  
والله أعلى وأعلم وأجل وأحكم ، وصلى الله على عبده ورسوله وسلم

الجمعة، 11 سبتمبر، 2015

الشوق والثنا لأهل حدثنا

تراءتْ لنا كالبدر في ليله الساري
وكالوردة الميساء في حقل أزهار

أسيلةُ خدٍّ نضّر الله وجهها
بعيدةُ مهوى القرط تُزري بأمهار

إذا رمقَتْها عين من ينكر الهوى
يسبّح من إعجابه الخالقَ الباري

هي الحسن كل الحسن ماذا أقوله
من الحسن لو بالحسن زوقّتُ أشعاري

كفاني كرام زيّنتْها فعالهم
فأكرم بها دارا وأكرم بأخيار

كسوها الحرير الخزّ والجوهر الذي
له قال هاوي الحسن : يا ليتها داري

كمثلِ ابن إبراهيم لما تكلّلتْ
به فرحة الحسناء بالعالم القاري

وصارت عروسَ الحسن في حفلِ بهجةٍ
يتيمةَ دهرٍ ليلةً مثلَ أعمار

بها ازدلف الزلفي إلى ذِروة العلا
وحام بها في جوِّ شمس وأقمار

وحُقّ لها والعالم الفذّ ضيفها
فأهلا أبا بُندارَ أهلا ببشار

فأنت هنا من نعمة الله ، شكرها
حقيقٌ علينا كل جهرٍ وإسرار  

وأنت لنا فخر زهت فيه أنفس
فَخارُ الورى بالدين لا طينِ فخّار 

ومن سطّرت يمناه آثار أحمدٍ
فآثاره في الأرض من خير آثار

ومن خالطت أنفاسه عطر هديه
فأنفاسه الريحانُ من طيب عطار

فأنت ابن مهديِّ الزمان لمالكٍ
مضى اسمك مقرونا به بين أسفار 

وأنت أبو حجّاجٍ الآخرُ الذي
خدمْت رجالات الحديث وأخبار

وعشت سنينا بينهم ، رُب ميّتٍ
تجالسه أجدى من الخلِّ والجار

مجالسة الأموات من خيرة الورى
أبرُّ من الأحياء في عصر أشرار

مضى اسمك في أسفار علمٍ وسنةٍ
يُسطَّر ما خطّتْ يراعٌ بأحبار

عُرفت بهذا يا ابن معروفَ فافتخرْ
إذا عُرف اللاهي بعودٍ ومزمار

وما عقَدَت يمناك منها بنانها
على عملٍ من بعد توحيد جبّار

كمالاً كتهذيب الكمال ومسنَدٍ
به ابنَ كثيرِ الوقت تُدعى لإكثار

فجُرَّ ذيول الفخر من فوق أنجُمٍ 
علَون على الدنيا بقدرٍ وأنوار

وكم دائب يسعى إلى جنة العلا
وكم لاهث يسعى حثيثا إلى النار

وكم حاملٍ لاسم جديرٌ ،  وحاملٍ
له لا يساوي عشر معشار معشار

لئن كان بشارُ بن حافظَ منكرا
فحافظنا بشارُ معروفُ أقدار

تغار الدّنا ممن إذا غارت الدّجا
يصاحب في أسماره صاحب الغار 

إذا جنَّ ليل العاشقين فعشْقُه
هوى مسلمٍ والترمذيِّ وبزار

وإن سكروا في خمرة ومُدامةٍ
مُدامته بالليل أحبارُ أحبارِ

ندامايَ : مِن نخْب الحديث فأبرِدوا
غليلي وأوفوا الكأس من بوح أسحار

وهاتوا أحاديث الصحاح وأردفوا
حسانا كخيْراتٍ حسانٍ وأطهار

لعل بها في عالَم الطهر نرتقي
ونسمو إلى جوِّ السماء كأطيار

وترقص في جنات عدنٍ قلوبنا
وتسبح في سبْحاتِ نهرِ الحيا الجاري

ولو علم اللاهون طيب مُقامنا
أراقوا كؤوس الشَّرب من حانِ خمّار

وصكّوا بأعواد الهوى كل صخرةٍ
وجزّوا بأشفار النهى عقد أوتار

ولو علم الأملاك سلّوا سيوفهم
ولم يؤثروا بالعلم لو بعضَ إيثار

ندامايَ : قال الله قال رسوله
أحبُّ إلينا من حكايات سُمّار

وحدّثنا الحَبرُ البخاريْ ومسلمٌ
بإسناده عن مالك وابن دينار 

ألذُّ من السلوى ومن كنز درهم
وأمتعُ مِنْ مَنٍّ  وقنطارِ دينار

ودَنْ دَن ودن دن لا تقاس بنغمةٍ
لعَنْ عَن وعن عن في الليالي وأسمار

وصرصرةُ الأقلام في كل كاغَدٍ
يُفدّى لها إيقاعُ بوصٍ وقيثار

وجنةُ دنيا قبل أخرى بحلْقةٍ
بها من قطوفٍ دانيات وأثمار

يقولون ما في الأرض للمرءِ راحةٌ
بلى ليت شعري لو درى سرَّها الداري 

فيا راكبا يبغي من الأرض طيبةً
معاهدَ عزٍّ ضُمنت خيرَ تذكار

إذا جُزتَ أصحاب الحديث فبلّغنْ
تحايا محبٍّ بالعشيِّ وإبكار

فكم ضجّت الأرجاء فيها بعالم
وطلاب علم في أحاديثِ مُختار

وكم في رُبا تلك الربوع تكبدوا
من الفقر والتغريب عمْرا وأسفار

بها أسهر العينيُّ دهرا عيونه
وشيّد من أنقاضه عمدة القاري

وحذّى فتى شوكانَ بالشوك رجله
فنوّل من راحاته نيل أوطار

وأزجتْ صَباه الريح رهْوًا فبدّدت
سَموما وساقت للدّنا سيل جرار

وفيها طحا الفذُّ الطحاويْ مُطوّحاً
ليتحفنا شرح المعاني لآثار

وليل من الأحبار جلّى سواده
صباحا لكونٍ شاردِ الخطو محتار

فسبحان من غشّى التراب مهابة
إذا مازجت ذراته رُمَّ أبرار

تكاد إذا أرهفتَه تسمع الوحَى
أحاديثَ تتلى في القبور وأحجار

سقى الله أجداثا حوتْها غمائماً
تنوء بهطّالٍ من الغيث مدرار

سلام على تلك المراقد كلما
ترنّم طير فوق أفنان أشجار

سلام على خير الأنام وصحبه
ذوي هجرةٍ منهم كرامٍ وأنصار





 

الجمعة، 4 سبتمبر، 2015

وعلى شفير القبر حارس وحكَم !!

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،،،،، وبعد :
دفنّا أمس العمّ أبا يسري رحمه الله وأسكنه واسع جنانه وأفاء وأفاض عليه سابغ رحماته وجزيل هباته .
أبو يسري مصري مقيم عندنا منذ سنين طويلة ذو شخصية مرحة لطيفة ، كان يعمل في محطة قطار الرياض ثم أحيل لبلوغه السنّ ، وعمل مدة معنا ثم أنهكته أمراض الشيخوخة حتى توفاه الله .
عاش حياته وعائلته الفاضلة تحت ستر الكفاف والعفاف ، وصبر على حياة القلة والذلة ؛ لما يلقى من الكفلاء ، وإن انتهى به المطاف إلى كفيل خيّر فاضل جزاه الله خيرا وأحسن إليه.
كان لأبي يسري سيارة قديمة متواضعة تطلب أكثر منا تهب ، وهذه السيارة من نوع كابرس قديم ، دخلت التاريخ من أوسع أبوابه على حد وصف أحد أبنائه ؛ فلقد شرقت صورها وغربت وحملتها صفحات الصحف العالمية ؛ والسبب :
أن أبا يسري ومعه عائلته كان في طريقه إلى بعض أعماله فلم يرعه إلا ملثمون يعترضون طريقه ويهددونه بالسلاح فيترجل هو وأهله ثم يستقلون السيارة ويكسرون زجاجها الخلفي ويخرجون فوهات بنادقهم الرشاشة وينطلقون وهو يرى ما يُفعل بحبيبة قلبه دابته ومركوبه التي رافقها سنين عددا ، كان هؤلاء مجموعة من المطلوبين المطاردين من قبل رجال الأمن أيام الأحداث والمواجهات الدامية ، لا أعاد الله لها سيرة .
اتصل بي أبو يسري وأبلغني الخبر ، فاتصلنا بجهات الأمن ليخلي مسئوليته ، ووجدت السيارة لاحقا مرمية عند أحد الأسواق وسلمت له شبه تالفة ، ولما سألته قال بلهجته المصرية د خلاص البقية في حياتك ، بس سابو لي بيها رشاش وهربو اعمل بيه أيه قلت : لا تخف سيتسلمونه قبل تسليم السيارة إليك ،
مات أبو يسري ، وكنت أتساءل : مَن يا ترى سيتولى أمره مع ولديه وهو الغريب البعيد عن أهله وعصبته ؟'
وصلينا عليه في جامع سليمان الراجحي مع خمسة عشر آخرين ، ووصلتُ المقابر متأخرا للزحام وأعمال الطرق ، واضطررت للتوقف بعيدا لكثرة السيارات ، ووجدتني غير بعيد عن قبر حبيبي وفقيدي وقرة عيني وشقيق روحي وتوأم فؤادي الشيخ خالد الرومي ، فتوجهت إليه وحارت قدماي عنه 
وأبكيه حتى كاد مما أبثّه     
تكلمني أحجاره وملاعبُهْ .  
رحمه الله وأحسن إليه وجبر قلبي بفراقه ، وهنا تذكرت أبا يسري ففزعت مرتاعا ؛ لعلمي أنْ لا أحد مع ابنيه ، وانطلقت سريعا أحث الخطى وأنهب الأرض ، حتى بلغت الجنائز ، فإذا الجم غفير والزحام كبير عند كل قبر ، وجعلت أسأل عن أبي يسري ، ثم قلت : لأبحث عن أقل الجنائز عدد مشيعين فهو صاحبنا لا جرم ، فرأبت قبرا يدفن حوله عدد ضئيل ، فسألت فإدا هو أبو يسري ، وإذا أولاده وبعض أصحابه ، وقلة من جيرانه جزاهم الله خيرا على شفير القبر وإذا هم قد قاربوا تمام الدفن وإذا الدافن رجل من البلد يمسح بمسحاته دائبا يتقاطر عرقا دون كلل ولا ملل ، وكلما أراد أحد أن يُعقبه أبى بشدة ، وتأملت ذلك الوجه النيّر الوضّاء ، فإذا هو إبراهيم !  ومن إبراهيم ؟ وهل يخفى القمر !! إبراهيم حارس المنتخب السعودي الدولي والحارس الشهير لأحد أشهر أندية المملكة الممتازة ، والذي كان اسمه على كل لسان ورسمه على كل جدار وصورته في كل بيت ، وفي أوج شهرته وعلياء عليائه وابتسامة الدنيا له وانطراحها عليه تخطب وده وتتمرغ تحت قدميه يركلها ، ويتفرغ لأخراه ويلزم الجوامع ومغاسل الأموات فلا تخطئه كل عين خلف كل جنازة وفي كل مقبرة نضْوا هزيلا شاحبا مجتهدا مستعدا للموت وهو في كل فرض يقلب جنائزه ويشيع أمواته ،
لك الله يا إبراهيم فلقد أتعبت العلماء والفقهاء ثبتنا والله وإياك على الطاعة حتى نلقاه ،
وتحينُ مني التفاتة ؛ فإذا رجل مقبل ينهب الأرض عليه أسمال اعتاد لبسها كل ما دخل المقبرة أي ثلاث مرات في اليوم وقد تزيد 
فيخطف المسحاة ويكمل الدفن وإذا هو حسن ! ومن حسن ؟ حسن الذي كان لا تخلو صفحة صحيفة من نقش اسمه كل صباح يوم ، حسن الذي كان اسمه تدوي به الملاعب الألومبية العالمية ، حسن الذي تعبت زهرات الحياة الدنيا تركض وراءه وتتشبث بأرديته فيمرط نفسه وثيابه منها ويركلها من خلف غير ملتفت ، إنه حكم الفيفا السعودي الذي ترقّى في هذا المجال وبلغ رتبة لم يبلغها عربي إلا نادرا، حسن الذي كان يتقاضى مرتبا جزلا ربما لا يحلم به وزير ولا دكتور ، وفي أعنف عنفوان شهرته يضحي بذلك ، ويتركه مختارا غير مستجيب لنداءات الرجاء ورجاءات التملق الصحفي والتغني الإعلامي على الأمجاد والتأسف على المجد المضاع ، ويلزم حسن المساجد والجوامع ، ويتخرج على يديه في مغاسل الأموات عشرات الشباب ، ثبتنا الله وإياه ومسّكنا بالإسلام حتى نلقاه به .
ما ذهب إبراهيم وحسن باحثَين عن جنائز ذوي الهيئات والشارات ، ولم يحتكا بأهلها ويتسابقا إلى الدفن والتعزية طمعا في لعاعة ، أو إنشاء علاقة كما يفعل كثيرون ، كانا وطائفةٌ مثلهما يتحينون جنائز الضعفاء والصعاليك الذين لا يعرفون وليس لهم أتباع حتى في المقابر يتسابقون للدفن والتعزية ويرفعون أصواتهم عند القبور : أي إننا هنا موجودون ، وهذا وربك فصل ما بين العادة والعبادة ، وإرادة الآخرة والدنيا ، ولا يذهب ذهنك أخي القارئ أن هذا العمل من حسن وإبراهيم بوما أو يومين أو شهرا أو شهرين أو عاما أو عامين ، كلا ؛ بل هو مثابرة السنين الطويلة ؛ بحيث لو عرض على امرئ أجزل الرواتب ليلزمه لم يطقه ولم بستطع إليه سبيلا ؛ لولا أنه الإخلاص نحسبه وإرادة ما عند الله : 
وإذا حلّت الهداية قلبا
نشطت بالعبادة الأعضاءُ
لكما الله يا حسن ويا إبراهيم ؛ لقد أتعبتما من بعدكما .
وبينما كنت أمتع ناطري بتلك الوجوه الوضّاءة ، وأفرّح روحي بروائح الجنان تفوح من معاطفهما ، لا أدري - وأعوذ بالله من الشياطين أن يحضرون - ما الذي صور أمامي وجوها غبِرة قتِرة ، ربما لحداثة عهدي بها لبلوانا بعالم تويتر ، تراءت أمامي وفرضت مقارنة سريعة بينها وبين هذه الوجوه التي نظرُك إليها نضرة نعيم تحمد ربك وتشكره عليها ، فشتّان ما بين اليزيدَين في الندى ، شتان بين هؤلاء الذي تركوا الشهرة تطاردهم حية تسعى ويتوارون عنها ويهربون منها ، وهم يملكون كل مقوماتها ، ومضى لهم من التجارب ما جعل أمنية كل شاب أن ينظر إليهم نظرة ، وبين تافهين فاشلين مغمورين محقورين لا يملكون من أسباب المواهب ومقومات الشهرة إلا أن يبولوا بزمزم ففعلوا ، كانوا يوما - ولو فيما يبدو - على جادة فنكصوا وتنكبوا ؛ وباعوا في سوق المبادئ واشترُوا ولا أقول اشترَوا ؛ فهم - عافانا الله - معروضون للبيع في سوق من يزيد ، ورب مُبايِعٍ اشترى مُشارِيا بثمن بخس دراهم معدودة ، لأنه لا ثمن له فيُشترى ويُغالى فيه : 
أم أذنه في يد النخاس دامية
أم قدره وهو بالفَلسين مردودُ
الشيء الوحيد الذي أنفسَهم عند بيّاعيهم أنهم كانوا يوما محسوبين على الصالحين ؛ فالظفر بهم مطلب ، ليثبتوا أن من أولئك من رجع بعد أن رأى فشلا ووجد فَلسا ، وما علموا أن مَن ابتلُوا بهم قديما لا يرونهم إلا نطيحة ومتردية ، وأنهم يعانون من غطرستهم وتعالمهم وتشبعهم وتفاخرهم وتعاظمهم ، حتى ألقوا عن كاهلهم عناء صحبتهم ؛ فليهنأ بهم رفقاؤهم 
لا تحسبوا مَن أسرتم كان ذا رمقٍ               
فليس يأكل إلا الميتة الضبُعُ
يا رب عفوك وعافيتك وتثبيتك يا رحمن 
كانت هذه خاطرة على شفير القبر أحببت نقلها من عالم الفكر إلى عالم الذكر ومن مكنون الصدر إلى مكتوب السطر 
علّ أن يجد فيها واجد ما ينفعه ،،
أقول قولي هذا والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .