تعديل

بحث

الجمعة، 4 سبتمبر، 2015

وعلى شفير القبر حارس وحكَم !!

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،،،،، وبعد :
دفنّا أمس العمّ أبا يسري رحمه الله وأسكنه واسع جنانه وأفاء وأفاض عليه سابغ رحماته وجزيل هباته .
أبو يسري مصري مقيم عندنا منذ سنين طويلة ذو شخصية مرحة لطيفة ، كان يعمل في محطة قطار الرياض ثم أحيل لبلوغه السنّ ، وعمل مدة معنا ثم أنهكته أمراض الشيخوخة حتى توفاه الله .
عاش حياته وعائلته الفاضلة تحت ستر الكفاف والعفاف ، وصبر على حياة القلة والذلة ؛ لما يلقى من الكفلاء ، وإن انتهى به المطاف إلى كفيل خيّر فاضل جزاه الله خيرا وأحسن إليه.
كان لأبي يسري سيارة قديمة متواضعة تطلب أكثر منا تهب ، وهذه السيارة من نوع كابرس قديم ، دخلت التاريخ من أوسع أبوابه على حد وصف أحد أبنائه ؛ فلقد شرقت صورها وغربت وحملتها صفحات الصحف العالمية ؛ والسبب :
أن أبا يسري ومعه عائلته كان في طريقه إلى بعض أعماله فلم يرعه إلا ملثمون يعترضون طريقه ويهددونه بالسلاح فيترجل هو وأهله ثم يستقلون السيارة ويكسرون زجاجها الخلفي ويخرجون فوهات بنادقهم الرشاشة وينطلقون وهو يرى ما يُفعل بحبيبة قلبه دابته ومركوبه التي رافقها سنين عددا ، كان هؤلاء مجموعة من المطلوبين المطاردين من قبل رجال الأمن أيام الأحداث والمواجهات الدامية ، لا أعاد الله لها سيرة .
اتصل بي أبو يسري وأبلغني الخبر ، فاتصلنا بجهات الأمن ليخلي مسئوليته ، ووجدت السيارة لاحقا مرمية عند أحد الأسواق وسلمت له شبه تالفة ، ولما سألته قال بلهجته المصرية د خلاص البقية في حياتك ، بس سابو لي بيها رشاش وهربو اعمل بيه أيه قلت : لا تخف سيتسلمونه قبل تسليم السيارة إليك ،
مات أبو يسري ، وكنت أتساءل : مَن يا ترى سيتولى أمره مع ولديه وهو الغريب البعيد عن أهله وعصبته ؟'
وصلينا عليه في جامع سليمان الراجحي مع خمسة عشر آخرين ، ووصلتُ المقابر متأخرا للزحام وأعمال الطرق ، واضطررت للتوقف بعيدا لكثرة السيارات ، ووجدتني غير بعيد عن قبر حبيبي وفقيدي وقرة عيني وشقيق روحي وتوأم فؤادي الشيخ خالد الرومي ، فتوجهت إليه وحارت قدماي عنه 
وأبكيه حتى كاد مما أبثّه     
تكلمني أحجاره وملاعبُهْ .  
رحمه الله وأحسن إليه وجبر قلبي بفراقه ، وهنا تذكرت أبا يسري ففزعت مرتاعا ؛ لعلمي أنْ لا أحد مع ابنيه ، وانطلقت سريعا أحث الخطى وأنهب الأرض ، حتى بلغت الجنائز ، فإذا الجم غفير والزحام كبير عند كل قبر ، وجعلت أسأل عن أبي يسري ، ثم قلت : لأبحث عن أقل الجنائز عدد مشيعين فهو صاحبنا لا جرم ، فرأبت قبرا يدفن حوله عدد ضئيل ، فسألت فإدا هو أبو يسري ، وإذا أولاده وبعض أصحابه ، وقلة من جيرانه جزاهم الله خيرا على شفير القبر وإذا هم قد قاربوا تمام الدفن وإذا الدافن رجل من البلد يمسح بمسحاته دائبا يتقاطر عرقا دون كلل ولا ملل ، وكلما أراد أحد أن يُعقبه أبى بشدة ، وتأملت ذلك الوجه النيّر الوضّاء ، فإذا هو إبراهيم !  ومن إبراهيم ؟ وهل يخفى القمر !! إبراهيم حارس المنتخب السعودي الدولي والحارس الشهير لأحد أشهر أندية المملكة الممتازة ، والذي كان اسمه على كل لسان ورسمه على كل جدار وصورته في كل بيت ، وفي أوج شهرته وعلياء عليائه وابتسامة الدنيا له وانطراحها عليه تخطب وده وتتمرغ تحت قدميه يركلها ، ويتفرغ لأخراه ويلزم الجوامع ومغاسل الأموات فلا تخطئه كل عين خلف كل جنازة وفي كل مقبرة نضْوا هزيلا شاحبا مجتهدا مستعدا للموت وهو في كل فرض يقلب جنائزه ويشيع أمواته ،
لك الله يا إبراهيم فلقد أتعبت العلماء والفقهاء ثبتنا والله وإياك على الطاعة حتى نلقاه ،
وتحينُ مني التفاتة ؛ فإذا رجل مقبل ينهب الأرض عليه أسمال اعتاد لبسها كل ما دخل المقبرة أي ثلاث مرات في اليوم وقد تزيد 
فيخطف المسحاة ويكمل الدفن وإذا هو حسن ! ومن حسن ؟ حسن الذي كان لا تخلو صفحة صحيفة من نقش اسمه كل صباح يوم ، حسن الذي كان اسمه تدوي به الملاعب الألومبية العالمية ، حسن الذي تعبت زهرات الحياة الدنيا تركض وراءه وتتشبث بأرديته فيمرط نفسه وثيابه منها ويركلها من خلف غير ملتفت ، إنه حكم الفيفا السعودي الذي ترقّى في هذا المجال وبلغ رتبة لم يبلغها عربي إلا نادرا، حسن الذي كان يتقاضى مرتبا جزلا ربما لا يحلم به وزير ولا دكتور ، وفي أعنف عنفوان شهرته يضحي بذلك ، ويتركه مختارا غير مستجيب لنداءات الرجاء ورجاءات التملق الصحفي والتغني الإعلامي على الأمجاد والتأسف على المجد المضاع ، ويلزم حسن المساجد والجوامع ، ويتخرج على يديه في مغاسل الأموات عشرات الشباب ، ثبتنا الله وإياه ومسّكنا بالإسلام حتى نلقاه به .
ما ذهب إبراهيم وحسن باحثَين عن جنائز ذوي الهيئات والشارات ، ولم يحتكا بأهلها ويتسابقا إلى الدفن والتعزية طمعا في لعاعة ، أو إنشاء علاقة كما يفعل كثيرون ، كانا وطائفةٌ مثلهما يتحينون جنائز الضعفاء والصعاليك الذين لا يعرفون وليس لهم أتباع حتى في المقابر يتسابقون للدفن والتعزية ويرفعون أصواتهم عند القبور : أي إننا هنا موجودون ، وهذا وربك فصل ما بين العادة والعبادة ، وإرادة الآخرة والدنيا ، ولا يذهب ذهنك أخي القارئ أن هذا العمل من حسن وإبراهيم بوما أو يومين أو شهرا أو شهرين أو عاما أو عامين ، كلا ؛ بل هو مثابرة السنين الطويلة ؛ بحيث لو عرض على امرئ أجزل الرواتب ليلزمه لم يطقه ولم بستطع إليه سبيلا ؛ لولا أنه الإخلاص نحسبه وإرادة ما عند الله : 
وإذا حلّت الهداية قلبا
نشطت بالعبادة الأعضاءُ
لكما الله يا حسن ويا إبراهيم ؛ لقد أتعبتما من بعدكما .
وبينما كنت أمتع ناطري بتلك الوجوه الوضّاءة ، وأفرّح روحي بروائح الجنان تفوح من معاطفهما ، لا أدري - وأعوذ بالله من الشياطين أن يحضرون - ما الذي صور أمامي وجوها غبِرة قتِرة ، ربما لحداثة عهدي بها لبلوانا بعالم تويتر ، تراءت أمامي وفرضت مقارنة سريعة بينها وبين هذه الوجوه التي نظرُك إليها نضرة نعيم تحمد ربك وتشكره عليها ، فشتّان ما بين اليزيدَين في الندى ، شتان بين هؤلاء الذي تركوا الشهرة تطاردهم حية تسعى ويتوارون عنها ويهربون منها ، وهم يملكون كل مقوماتها ، ومضى لهم من التجارب ما جعل أمنية كل شاب أن ينظر إليهم نظرة ، وبين تافهين فاشلين مغمورين محقورين لا يملكون من أسباب المواهب ومقومات الشهرة إلا أن يبولوا بزمزم ففعلوا ، كانوا يوما - ولو فيما يبدو - على جادة فنكصوا وتنكبوا ؛ وباعوا في سوق المبادئ واشترُوا ولا أقول اشترَوا ؛ فهم - عافانا الله - معروضون للبيع في سوق من يزيد ، ورب مُبايِعٍ اشترى مُشارِيا بثمن بخس دراهم معدودة ، لأنه لا ثمن له فيُشترى ويُغالى فيه : 
أم أذنه في يد النخاس دامية
أم قدره وهو بالفَلسين مردودُ
الشيء الوحيد الذي أنفسَهم عند بيّاعيهم أنهم كانوا يوما محسوبين على الصالحين ؛ فالظفر بهم مطلب ، ليثبتوا أن من أولئك من رجع بعد أن رأى فشلا ووجد فَلسا ، وما علموا أن مَن ابتلُوا بهم قديما لا يرونهم إلا نطيحة ومتردية ، وأنهم يعانون من غطرستهم وتعالمهم وتشبعهم وتفاخرهم وتعاظمهم ، حتى ألقوا عن كاهلهم عناء صحبتهم ؛ فليهنأ بهم رفقاؤهم 
لا تحسبوا مَن أسرتم كان ذا رمقٍ               
فليس يأكل إلا الميتة الضبُعُ
يا رب عفوك وعافيتك وتثبيتك يا رحمن 
كانت هذه خاطرة على شفير القبر أحببت نقلها من عالم الفكر إلى عالم الذكر ومن مكنون الصدر إلى مكتوب السطر 
علّ أن يجد فيها واجد ما ينفعه ،،
أقول قولي هذا والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق