تعديل

بحث

الثلاثاء، 8 أكتوبر 2013

ما فعلت أسماء؟!

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه..
 أما بعد:
   فإن هناك مسائل مشكلة في المناسك لم يتم عنها الكشف، هي ميدان واسع للبحث والنظر وربما التيسير ورفع الحرج، من ذلك حديث أسماء بنت عميس رضي الله عنها في حجة الوداع، ويحسن قبل البحث إيراد نبذة يسيرة عن هذه الصحابية العصامية الشهمة الكريمة:
فهي أسماء بنت عميس بن معد الشهرانية الخثعمية من خثعم بن أنمار
وأمها هند بنت عوف بن زهير الحميرية، أكرم النساء أصهارا، فبناتها:
أم المؤمنين زينب بنت خزيمة الهلالية، أخت أسماء بنت عميس لأمها. 
وأم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية الهوازنية، أخت أسماء بنت عميس لأمها، تزوجها بعد وفاة أختها زينب.
ولبابة الكبرى بنت الحارث شقيقة ميمونة أم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب.
ولبابة الصغرى شقيقتهما أم خالد بن الوليد رضي الله عنه.
وأسماء بنت عميس زوج جعفر بن أبي طالب ثم أبي بكر الصديق ثم علي بن أبي طالب 
وسلمى (وقيل أروى) بنت عميس شقيقة أسماء زوج حمزة بن عبد المطلب أم ابنته الوحيدة من ذريته.
فهؤلاء السادة هم أصهارها ولها من النبي صلى الله عليه وسلم مصاهرتان.
أول أزواج أسماء بنت عميس جعفر بن أبي طالب تبكرها شابا صغيرا وهي كذلك وهاجر بها عروسا إلى الحبشة، أي أنها قضت (شهر العسل) نهب الأسفار والمخاوف والتغرب في سبيل الله وفرارا بدينها، ووفاء لزوجها، ولا شك أنه عسل في مذاقهما أو أحلى من العسل.
بقيت في الغربة سنين عددا، ولدت فيها عبد الله بن جعفر أكرم أهل زمانه بعد النبي صلى الله عليه وسلم ومحمدا وعونا.
وهاجرت في السفينة التي حملت الأشعريين أبا موسى ورهطه أقلعت السفينة من اليمن عام سبع ورفأت في الحبشة وحملتها وزوجها، ورملة أم المؤمنين وبقية المهاجرين ورست قبالة المدينة ولحقوا بالنبي في خيبر وفرح بهم فرحا عظيما.
لم تكد تتم فرحة اجتماع الشمل بالأحبة في المدينة حتى فجعت بحبيبها جعفر الذي قضى شهيدا في مؤتة، فوجدت عليه وجدا شديدا حتى زارهم النبي صلى الله عليه وسلم وضم أبناءها إليه وشمهم وبكى لحالهم.
بقيت موضع رعاية النبي صلى الله عليه وسلم رعاية خاصة جدا يتفقدها تفقد أهله حتى كان عام حنين فزوجها من أحب الناس إليه أبي بكر بعد وفاة زوجه أم رومان الكنانية، وكان أبو بكر يرغبها قبل ذلك، لكن ربما خشي عليها النبي صلى الله عليه وسلم غيرة عائشة حتى ماتت أمها. ولدت لأبي بكر محمدا ثم فجعت بوفاة زوجها وغسلته بوصيته في يوم بارد واستفتت الصحابة بالغسل فأفتوها بعدم وجوبه.
تزوجها علي بن أبي طالب بعده فأولدها ابنيه يحيى وعونا وقيل محمد ولهذا تكنى أم المحمدين.
فجعت بقتل زوجها علي وتوفيت أيما قبل الأربعين رضي الله عنها.
كان عمر رضي الله عنه يمازحها يقول: يا حبشية يا بحرية سبقناكم بالهجرة، وتقول: كنتم عند رسول الله يطعم جائعكم ويعلم جاهلكم وكنا الغرباء الطرداء، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لكم هجرتان أو كما قال.
اختصم ابناها ابن جعفر وابن أبي بكر كل يقول أبي خير من أبيك وعندها زوجها علي فقال: احكمي بينهما فقالت: ما عرفت شابا خيرا من جعفر ولا كهلا خيرا من أبي بكر فقال: ما تركت لنا شيئا ولو قلت غيره لمقتناك فقالت: إن ثلاثة أنت أخسهم لخيار.
وليعذرني القارئ على الاستطراد في التقدمة فإني والله أحبهم حبا يتملكني وأحب سيرهم ولها تهش النفس وتدمع العين، ولي من أبيات القصيدة البدرية:

أولئك أصحاب النبي فليتني
لك الله قد أدركت من عهدهم عصرا

لك الله ما أعملت فكري تذكرا

لأخبارهم إلا اهتززت لها فخرا

وجاشت لهم نفس المحب تطلعا
فجاوزت الجوزاء والبدر والشعرى

وهم وأخبارهم وربي سلوان النفس في أزمان التعاسة والبؤس والانتكاسة جمعنا الله بهم في خير وعفو وعافية:

فيا زائرا  تلك  المراقد  حيِّها
وقل ليت لي من بين أجداثهم قبرا

وآيتها بين الجبال رميلة
صفيراء حاكت في نصاعتها تبرا

(المقصود مكان غزوة بدر)
والآن حان الشروع في الموضوع والورود إلى المقصود بعون المعبود، فأقول:

الحديث عن قضية نفاس أسماء بنت عميس:  فقد ثبت في حديث جابر الطويل عند مسلم وغيره وغير حديث جابر أن أسماء بنت عميس ولدت ابنها محمدا بذي الحليفة قبل إحرامها فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما تصنع؟ فأمرها أن تغتسل وتستثفر بثوب وتحرم مع الناس، فحيا الله هذه الهمة كان بإمكانها الرجوع قبل الإحرام إلى المدينة وهي أي المدينة منهم قريبة جدا (ثلاثة أميال) أو البقاء في المدينة حتى تلد، لكنها لم ترد أن تفرط في أعظم شرف وأرفع وسام وهي الحجة مع خير حملة عرفتها الدنيا بقيادة أطهر نفس رأتها الأرض، ويلوموننا في حب الصحابة!!!!

لحى الله قوما ناصبوهم عداوة
وقاتل أزلاما ترى حبهم كفرا 

روافض لو بالأبحر السبع طهروا

إذن نجوسها بلهَ أن يدركوا طهرا

أما هذا الولد فهو محمد بن أبي بكر التابعي (غير الجليل) عفا الله عنه وجعل ما أصابه كفارة لذنبه وهو الوحيد من آل أبي بكر المحبوب عند الروافض؛ لمشاركته -غرا شابا- في الدخول على عثمان وقت الفتنة مع الخوارج، وتذكر كتب السير أنه أخذ بلحية عثمان فشدها حتى سمع صوت أسنانه فقال: يا ابن أخي دعها فإن أباك كان يكرمها فاستحيا وخرج ولم يشارك في قتله، وانحاز إلى علي وقاتل معه في الجمل، وهو أول من وصل إلى هودج عائشة بعدما عقر الجمل فأمر علي برفع الهودج فأدخل محمد يده في الهودج ليرفعه فقالت -ولم تعلم أنه أخوها-: من ذا الذي يتعرض لحرم رسول الله أحرقه الله بالنار، فقال يا أختاه: قولي بنار الدنيا، فقالت: بنار الدنيا، وأمّره علي على مصر فأمّر معاوية عليها معاوية بن حديج فتفرق الناس عن  محمد بن أبي بكر، فتتبعه معاوية حتى دله عليه بعض القبط في خربة فقتله وأحرقه، وسار بالناس سيرة حسنة، ولما وفد من مصر عبد الرحمن بن شماسة، "دخل على عائشة فقالت: ممن أنت؟ قلت: من أهل مصر. قالت: كيف وجدتم ابن حديج في غزاتكم هذه؟ قلت: خير أمير ما يقف لرجل منا فرس ولا بعير إلا أبدل مكانه بعيرا ولا غلام إلا أبدل مكانه غلاما" قالت:"إنه لا يمنعني قتله أخي أن أحدثكم ما سمعت من رسول الله إني سمعته يقول" اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ومن شق عليهم فاشقق عليه" رواه مسلم.

وقد تزوج محمد بن أبي بكرإحدى بنات كسرى لما جيئ بهن أسيرات بعد سقوط ملكهم لتلد له التابعي الجليل المحدث الفقيه العابد التقي تلميذ عائشة القاسم بن محمد ابن خالة علي بن الحسين زين العابدين وسالم بن عبد الله بن عمر أكرم بهم من سادة علماء فقهاء عباد.



وإلى هنا تنتهي قصة أسماء بنت عميس وينقطع ذكرها في حجة الوداع، فقد أحرمت إثر ولادتها قطعا، وسارت مع الحملة المباركة من خامس العشرين من ذي القعدة حتى رابع ذي الحجة حين وصولهم ونزولهم عند الحجون فهذه عشرة آيام منذ ولادتها وإلى عرفة يتم لها خمسة عشر يوما فقد وقفت في عرفة وهي نفساء بيقين كما أن عائشة وقفتها حائضا، غير أن عائشة طهرت يوم النحر، ولم يرد لأسماء خبر وبتمام الحج وارتحال الحملة قافلة يوم الرابع عشر يتم لها عشرون يوما منذ ولادتها، فماذا يا ترى فعلت وكيف أفاضت؟!! 

لا ذكر لذلك في كتب الأخبار، والفرض والاحتمال واحد من أمور:
- إما أنها طهرت لتمام عشرين أو قبلها وأتمت حجها، وهذا بعيد جدا فإن الغالب الكثير أن النساء يجلسن للنفاس أربعين أو قبلها بيسير أو بعدها بيسير والشهر نادر وخمسة وثلاثون وبعدها وارد.
- وإما أنها بقيت مع أحد محارمها، وهذا أيضا لم يشتهر لأن محرمها زوجها أبوبكر ولم يذكر أنه تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما ابنها عبد الله بن جعفر فقد كان عمره إذ ذاك عشر سنين فهو غير محرم شرعا.
- وإما أنها أفاضت بعدما اغتسلت واستثفرت، وربما كان الأمر النبوي لها عند الطواف لأن فائدة الاستثفار التحفظ من تدنيس المسجد وهو أبين من التحفظ من تدنيس ثيابها حال الإحرام إذ إن النفساء وخاصة أول نفاسها إن تحفظت في وقت لم يمكنها التحفظ دائما، وإن كان الراوي ذكر الغسل والاستثفار عند الإحرام.
- وإما أنها اشترطت وقت إحرامها وتحللت مجانا؛ وهذا بعيد لعدم نقله كقصة ضباعة مع توفر دواعي النقل.
- وإما أنها تحللت تحلل المحصر على قياس قول الفقهاء في اشتراط شرط لركن لا يصح إلا بشرطه، فهي كاليائس من البيت يتحلل بدم تحلل المحصر، وهذا بعيد أيضا لعدم نقله.
- فهذه خمسة احتمالات سادسها أضعفها وهو رجوعها مع بقاء الطواف في ذمتها حتى ترجع إلى البيت. 
وعلى هذا فإنه:
-  لا يتم الاستدلال بالقصة على ترجيح جواز طواف النفساء بالبيت قبل الطهر؛ للاحتمال والدليل متى تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، ويبقى الحديثان الدالان على اشتراط الطهارة (قوله لعائشة: غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري، ولصفية: أحابستنا هي؟) متفق عليهما. 
- ولكن يوجه هذا السكوت للقول بصحة طوافها والحائض (أي يجعله وجيها) وذلك إذا خشيتا فوات الرفقة بعد أن تغتسل وتستثفر  وهو قول ثلاثة أصناف القائلين بصحة الطواف وهم:
- من لم يشترط الطهارة أصلا كالظاهرية وبعض أهل الرأي.
- ومن اعتبرها أي الطهارة واجبا يجبر بدم وهم الحنفية.
- ومن قال بذلك للضرورة حال خشيتها فوات الرفقة، وهو منسوب لبعض السلف وقول ابن تيمية وابن القيم.
قال شيخ الإسلام [الذي لا أعلم فيه نزاعًا: أنه ليس لها أن تطوف مع الحيض إذا كانت قادرة على الطواف مع الطُّهر؛ فما أعلم منازعًا أن ذلك يحرم عليها وتأثم به] اه
ولعله يقصد من اشترط الطهارة لا من لم يشترطها أصلا.
وقال: [ولما كانت الطرقات آمنة في زمن السلف، والناس يَرِدُون مكةَ ويَصْدُرون عنها في أيام العام، كانت المرأة يمكنها أن تحتبس هي وذو محرمها ومَكَارِيُّها حتى تطهر ثم تطوف؛ فكان العلماء يأمرون بذلك. وربما أمروا الأمير أن يحتبس لأجل الحُيَّضِ  حتى يطهرن؛ كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟».. 
وأما هذه الأوقات فكثير من النساء -أو أكثرهن- لا يُمكنهنَّ الاحتباسُ  بعد الوفد، والوفد ينفر بعد التشريق بيوم أو يومين أو ثلاثة، وتكون هي قد حاضت ليلة النحر؛ فلا تطهر إلى سبعة أيام أو أكثر، وهي لا يمكنها أن تقيم بمكة حتى تطهر؛ إما لعدم النفقة، أو لعدم الرفقة التي تقيم معها وترجع معها.. أو لخوف الضرر على نفسها ومالِها في المُقام وفي الرجوع بعد الوفد، والرفقة التي معها: تارة لا يمكنهم الاحتباس لأجلها؛ إما لعدم القدرة على المُقام والرجوع وحدهم، وإما لخوف الضرر على أنفسهم وأموالهم، وتارة يمكنهم ذلك لكن لا يفعلونه؛ فتبقى هي معذورة] اهـ.مجموع الفتاوى(٢٦/٢٢٤).
وهذا بيّن  جدا  في حق النساء القادمات من بلدان بعيدة وتكون ملزمة من دولتها والدولة المضيفة ببرنامج ووقت محدد لا يمكن تجاوزه إذن.
ويقوي هذا ما نقل عن عائشة رضي الله عنها في المرأة تحيض أثناء طوافها أنها تتمه، وقد نقله عنها عطاء بن أبي رباح وهو أعلم التابعين بالمناسك، وهو مقتضى قول عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي في تصحيحهما الطواف إذا حاضت المرأة أثناءه، وقول الحكم بن عُتَيْبة، وحماد بن أبي سليمان، ومنصور بن المعتمر، وسليمان الأعمش؛ كما نقله عنهم إمام المحدِّثين شعبة بن الحجّاج،
وروي نحو ما ورد عن عائشة عن ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم:
- فقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن عطاء، قال: "حاضت امرأةٌ وهي تطوف مع عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فأتمَّت بها عائشةُ بقيةَ طوافِها". ذكره ابن حزم في "المحلَّى" (٥/١٨٩، ط. دار الفكر)، وابن القيم في "إعلام الموقعين" (٤/٣٧٢ ط. دار ابن الجوزي) واللفظ لهما، وابن جماعة في "هداية السالك" (٣/٩١٧)، والزيلعي في "نصب الراية" (٣/١٢٨، ط. مؤسسة الريان)، ولفظه عندهما: "فأتمَّت بها عائشةُ سُنّة طوافها". 
وقال ابن حزم: (والطواف بالبيت على غير طهارة جائز ، وللنفساء، ولا يحرم إلا على الحائض فقط؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منع أم المؤمنين إذ حاضت من الطواف بالبيت.. وولدت أسماء بنت عميس بذي الحليفة فأمرها أن تغتسل وتهل ولم ينهها عن الطواف  فلو كانت الطهارة من شروط الطواف لبينها كما بين أمر الحائض (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) (وماكان ربك نسيا) ولا فرق بين إجازتهم للوقوف بعرفة وبمزدلفة والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمرة على غير طهارة ويين جواز الطواف على غير طهارة إلا حيث منع منه النص فقط .. ثم ذكر حديث عائشة المتقدم  ثم قال: فهذه أم المؤمنين لم تر الطهارة مِن شروط الطواف ولا نقول بهذا في الحيض خاصة للنص الوارد في ذلك) اهـ
- ونقل الإمام أحمد عن عبد الله بن عُمَر رضي الله عنهما التسهيلَ  والتيسيرَ على مَن طاف للإفاضة على غير طهارة ثم جامع أهله، ذكره أبو بكر عبد العزيز في كتاب "الشافي" من رواية عبد الملك الميموني عن أحمد، وأنه قال: "هذه مسألة الناس فيها مختلفون"، وذكَر قولَ ابن عمر وما يقول عطاء وما يسهل فيه، وما يقول الحسن. وهذا يقتضي عدم اشتراط الطهارة في الطواف، وقد نقل ذلك ابنُ تيمية -كما في "مجموع الفتاوى" (٢٠٧-٢٠٨)/٢٦)ثم قال: [وجواب أحمد المذكور يبين أن النزاع عنده في طواف الحائض وغيره، وقد ذَكَرَ عن ابن عمر وعطاء وغيرِهما التسهيلَ في هذا] اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" (٢٦/١٢٦): [ونقَل بعضُ الفقهاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "إذا طاف بالبيت وهو جُنُبٌ عليه دمٌ"] 
وقال الشيخ ابن قيم في "إعلام الموقعين" (٤/٣٧٢): ( وأشار أحمد إلى تسهيل عطاء إلى فتواه أن المرأة إذا حاضت في أثناء الطواف فإنها تتم طوافها، وهذا تصريح منه أن الطهارة ليست شرطًا في صحة الطواف)اه
والمشهور عن أحمد والرواية الراجحة في مذهبه اشتراط الطهارتين له.

على هذا فالأقوال الرئيسة في المسألة خمسة:
الأول : منع المحدث والحائض والنفساء من الطواف بغير طهارة واعتبار الطهارة شرطا وهو قول الجماهير.
الثاني : الإباحة للعموم وهو قول علماء من السلف والخلف مع اعتبار الطهارة مستحبة.
الثالث : اعتبارها واجبا يجبر تركه بدم مع صحة الطواف وهو قول الحنفية.
الرابع : إباحة الطواف للنفساء والمحدث دون الحائض وهو قول ابن حزم .
الخامس : منع المحدث وإباحته للحائض والنفساء من باب أولى، إذا لم يمكنهما التربص بالطهر وخشيتا فوات الرفقة، وهو قول لبعض أهل الرأي ورواية عند الحنابلة اختارها شيخ الإسلا ابن تيمية وابن قيم الجوزية.

بقي أن أشير إلى أن الأفضل ولا ريب أن تحتاط المؤمنة لفرضها، ومهما أمكنها الانتظار تعين ولم يجز لها أن تطوف على عذر قولا واحدا كما أشار إليه كلام شيخ الإسلام، وإن شق عليها فلتسافر إلى بلدها وترجع بعد الطهر ولو بعد انقضاء الشهر، فإن لم يمكنها أو شق عليها جدا، فالرخصة واردة والحمد لله.

هذا ما تيسر إيراده في هذه العجالة وتبقى المسألة مسرحا للنظر والاجتهاد..
والله أعلى وأعلم وأجل وأكرم، وصلى الله على عبده ورسوله وآله وسلم .



الأربعاء، 28 أغسطس 2013

برج الساعة من علامات الساعة..



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
مكة .. ما أعظم هيبتها، وأطيب طيبتها، وأحلى شربتها، وأطهر تربتها، وأكرم كعبتها، التي:


لا يقلع الطرف عنها حين ينظرها
حتى يعود إليها الطرف مشتاقا


وإن جوارا لها واستنكاها لريحها كفيل أن يمتص من النفس الكليلة لأواءها وعناءها وغماها ويعرج بروحها في معارج التعافي ويسمو بها إلى مدارج التسامي حتى يقول القائل: هل رأيت شقاء قط هل مر علي شدة قط
هذه جنة الدنيا فكيف بجنة الآخرة وهذا بيت الله الأرضي وجواره الدنيوي فكيف ببيت العزة وبيته المعمور وجوار عنده في جنة عرضها السموات والأرض أسأل الله أن لا يحرمنا خير ما عنده بشر ما عندنا.

لأعد إلى ما عقدت العنوان له حتى لا يتمادى بي الحديث فإنه وخاصة من هذا النوع ذو شجون.

إذا أتهمت من سراة الهدا عبر طريق الكرى مساء فطوح ببصرك شطر مكة زادها الله شرفا ومهابة وتعظيما لترى أبرز ما ينادي عينيك برج الساعة الواقف شامخا متلألأ وكأنه مع منظومته المعمارية مجرة غابرة في أفق بعيد 
لا تخطئه العين من سراة الطائف وهو قاب قوسين من الطائف، يا للعظمة والروعة ما أجلد البشر إذا أرادوا وما أقدرهم إذا اشتهوا وشاؤوا وما يشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين.
كنت أنا ذلك المتأمل قبل ليال سرحت طرفي بعيدا إلى هناك حيث البرج العملاق وسرحت فكري أبعد، وتأملت ذلك المشهد وتذكرت قول الحق سبحانه: (يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا) وما أخبر به من لا ينطق عن الهوى من علامات الساعة وعلامات القيامة فأيقنت أن برج الساعة من علامات الساعة.

وقبل أن أبحر بك أخي القارئ في تأملاتي إليك هذه المعلومات الخاطفة عن برج الساعة:
هو ذلك البرج العملاق الأم لمجموعة السبعة أبراج وقف الملك يحتضنها وتكتنفه ويقف بينها شامخا عملاقا في منظر خيالي تتضاءل عنده الشامخات وتطأطئ الراسيات وتبدو منارات الحرم أقزاما تحت ركب العملاق وهي أي المنارات الشاهقة التي كانت تعد إحدى العجائب
طول البرج إلى أعلى هلاله: ٦٠٦ أمتار
ويبلغ قطر الهلال ٢٣ مترا و‏هو‏ بذلك أكبر هلال تم صنعه حتى الآن.
تتربع على قمته أكبر ساعة برج في الدنيا وازنة ٣٦٠٠٠ طن فائقة الساعة اللندنية بق بن التي تبلغ ١٨ طنا.
وتربض الساعة على قاعدة حديدية تزن ١٢٠٠٠طنا
يصل ارتفاع الساعة من قاعدتـها إلى أعلى نقطة في قمة الهلال ٢٥١ متراً.
تم تطويرها من قبل مهندسين رائدين من ألمانيا وسويسرا إلـى جانب فريق من المتخصصين من أوروبا ومن جميع أنحاء العالم 
يبلغ قطر واجهتها  أكثر من ٤٠ مترا،
وتمكن رؤية أكبر لفظ تكبير (الله أكبر) في العالم فوق الساعة حيث يصل طول حرف الألف في كلمة لفظ الجلالة الله إلى أكثر من ٢٣ مترا
ويتكون الهيكل الحديدي من حوالي ١٤٠٠٠ قطعة فريدة تم صنعها بشكل متقن ودقيق. ويصل وزن بعض القطع الأثقل وزنا إلـى ما يقارب ١٦ طناً.
وقد صنعت محركات الساعة وطورت من قبل صانع رائد في مجال صناعة ساعات الأبراج حيث يبلغ وزن كل محرك ، ما يزيد عن ٢١ طناً، وعلى هذا النحو فإن محركات ساعة مكة هي أكبر وأثقل المحركات التي تم صنعها حتى الآن. 
وتتكون كامل واجهات ساعة مكة من٤٣٠٠٠ متر مربع من مادة "الكاربون فايبر" المتطورة التي تستخدم في صناعة الطائرات الحديثة. وتتميز هذه المادة العالية التقنية بقوتها العالية التي تزيد عن ثلاثة أضعاف قوة الحديد بالإضافة إلـى قدرتها على مقاومة الظروف الجوية القاسية.
وغطيت واجهة الساعة المزخرفة ب ٩٨ مليون قطعة من الفسيفساء الزجاجية الملونة. ويبلغ طول عقارب الدقائق ٢٢ متراً وطول عقارب الساعة ١٧ مترا يزن كلّ عقرب ٦ أطنان صنعت من مادة "الكاربون فايبر".
وتقوم الألواح الشمسية بتوليد الطاقة الكهربائية لتشغيل محركات الساعة. كما ترتبط الساعة بالشبكة الكهربائية العامة لمكة المكرمة لتزويدها بطاقة كهربائية إضافية. ولكل واجهة من واجهات الساعة الأربع محرك خاص بها تتناسق مع بعضها عبر إشارة وقتية واحدة هي إشارة توقيت مكة المكرمة.
وتم ضبط الساعة عن طريق توقيت مكة المكرمة المستقل الذي يأخذ معلوماته من خمس ساعات ذرية عالية الدقة تشكل الجزء الأساسي من مركز توقيت مكة المكرمة.
ومن أجل القيام بأعمال الصيانة، يمكن الدخول إلى داخل عقارب الساعة وعلى ارتفاع ٥٠٠ متر من الأرض، قام العمال المتخصصون بوضع عقارب الساعة في موقعها النهائي. ويستخدم نظام الإضاءة مليوني مصباح من نوع "إل إي دي" لإضاءة ساعة مكة ليلا. ولصيانة المصابيح والأجزاء الأخرى لواجهة الساعة، تم إنشاء ممرات في الهيكل الحديدي لواجهة الساعة. وتقوم ٢٠ مانعة صواعق تمتد بشكل آلي و ٨٠٠ ذراع ثابت بحماية الساعة والمصابيح من صعقات البرق بإذن الله.
وفي بعض المناسبات كدخول الأشهر الهجرية والأعياد، يتم إضاءة ١٦ حزمة ضوئية عمودية خاصة تصل إلى ما يزيد عن ١٠ كيلومترات في السماء وتبلغ قوة كل حزمة ضوئية عشرة كيلواط. ويمكن بث أذان المسجد الحرام مباشرة من أعلى ساعة مكة عبر مكبرات صوت خاصة بحيث يمكن سماع الأذان في محيط المسجد الحرام وذلك من مسافة سبعة كيلو مترات تقريبا.
وأثناء الأذان، يتم إضاءة أعلى قمة ساعة مكة بواسطة٢١٠٠٠ مصباح ضوئي يصدر أضواء لامعة باللونين الأبيض والأخضر تمكن رؤيتها من مسافة تصل إلى 30 كيلو متراً من البرج وهي تشير بذلك إلى وقت دخول الصلاة. كما تمكِّن هذه الإشارات الضوئية ذوي الحاجات الخاصة كضعيفي السمع مثلا أو الذين يكونون على بعد من المسجد الحرام من معرفة وقت دخول الصلاة. وتكون واجهة الساعة باللون الأبيض والمؤشرات باللون الأسود نهاراً وباللون الأخضر والمؤشرات باللون الأبيض ليلاً .
هذه معلومات مسحية سريعة عن هذه الأعجوبة الدنيوية.

أما ما أردت الإشارة إليه فهو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه البخاري مختصرا عن أبي هريرة ومسلم مطولا عن عمر رضي الله عنهما وفي حديث عمر قال جبريل للنبي صلى الله عليهما وسلم: ( فأخبرني عن الساعة قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل قال: فأخبرني عن أمارتها قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان .. الحديث)
وللحديث روايات عديدة والمعنى يدور على التطاول في المبنى.
وإنما ذكر هذا الصنف من الناس لاستغراب ذلك واستبعاده منهم والعرب أهل مدر والأعراب أهل شعر ووبر تلك مساكنهم أما الأمم الأخرى كالروم والفرس فهم أهل زخرف وحجر والتطاول في الحجر أمكن منه في المدر والشعر والوبر ، وكان التطاول قديما برصّ الحجر وصب الرصاص بينه ووضع العمد عليه وهكذا صُعُدا.
قال النابغة :
وخيّس الجن إني قد أذنت لهم 
يبنون تدمر بالصفّاح والعَمَد

وهذا لم يكن يوجد لدى أكثر العرب سوى قلة من البائدة من مدين وثمود.
وجاءت الثورة الصناعية وتوصلوا إلى الصناعة المعمارية الحديثة القائمة على الحديد المسلح والخرسان(كنكريت)فكانت الأبراج والناطحات التى تناطح فيها العرب أخيرا وتباروا وتطاولوا، وبهذا تحقق العلَم النبوي الشريف فانتظر الساعة. 

وإضافة إلى حديثي عمر وأبي هريرة وردت أحادث أخرى مرفوعة وموقوفة حول هذا المعنى.. 
فوروى ابن أبي شيبة في المصنف حدثنا غندر عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه قال: كنت آخذا بلجام دابة عبد الله بن عمرو فقال: كيف أنتم إذا هدمتم البيت فلم تدعوا حجرا على حجر؟! قالوا: ونحن على الإسلام؟! قال: وأنتم على الإسلام. قال: ثم ماذا؟ قال: ثم يبنى أحسن ما كان. فإذا رأيت مكة قد بعجت كظائم ورأيت البناء يعلو رؤوس الجبال فاعلم أن الأمر قد أظلك). وإسناده لا بأس به وهو موقوف على عبد الله بن عمرو من قوله.
وروى ابن الجعد في مسنده (١/٣١١) حدثنا علي أنا شريك عن يعلى عن أبية أن عبد الله بن عمرو قال له: كيف أنتم إذا هدمتموها؟! وأشار إلى الكعبة. قلت: ومن يفعله؟ قال:أنتم. قلت: ونحن يومئذ على الإسلام؟ قال: نعم. ثم تبنى فتعود أحسن ما كانت. قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم ذكر علي بن الجعد ها هنا كلمة لم أفهمها، ويعلو البنيان على رؤوس الجبال، فإذا رأيت ذلك فقد أظلك الأمر).
وروى الصنعاني في تفسيره (٣/٢٠٧) عن معمر عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال: (إذا رأيت البناء ارتفع إلى أبي قبيس وجرى الماء في الوادي فخذ حذرك) ويزيد حوله كلام وليس بشديد الضعف  وبالجملة فحديثه حسن وخاصة بالمتابع وهو ما سار عليه مسلم.
قال العراقي عن صاحب السنن:

حيث يقول جملة الصحيح لا
توجد عند مالك والنبلا



فاحتاج أن ينزل في الإسناد 
إلى يزيد بن أبي زياد



ونحوه وإن يكن ذو السبق
قد فاته أدرك باسم الصدق

والشاهد أن الحديث مقبول ومثله لا يقال بالرأي لأنه من علم ما كشف من الغيب الذي لا يعرف إلا بوحي فهو في حكم المرفوع،

وقوله:(بعجت كظائم) أي بقرت وحفرت أخاديد عظيمة كالآبار المتصلة بينها مجارٍ وهي والله أعلم هذه الأنفاق الهائلة التي صارت شبكة بين جبال مكة أو أخاديد المجاري والكهرباء والتكييف التي تساق من مسافات شاسعة، وهذا معنى قوله (وجرى الماء في الوادي)،
وقد كان هذا في غاية الاستبعاد ولهذا عُدّ من علامات قرب الأمر إذ كيف تبعج هذه الجبال الأخاشب فصلوات الله وسلامه عليك يا رسول الله.


وأما علوّ البنيان أبا قبيس فهو ما نحن فيه وأبو قبيس الجبل الذي يلي جبل الصفا وعليه القصور الملكية الآن سمي باسم رجل من جرهم بنى عليه ويبلغ ارتفاعه 420 مترا تقريبا ولهذا كان يقف عليه النذير بالأمر الخطير 
وكان ارتفاع البنيان عليه أمرا في غاية البعد والاستحالة عند الناس قديما ولهذا عُدّ من أمارات قرب الساعة.
وكنت قديماأتأمل البنايات الشاهقة التي لا تقارب سفح الجبل فضلا عن قمته فأستبعد حصوله ولما بنيت القصور فوقه قلت لعلها هِيَهْ ، لكني أعيد الفكر وأقول هذا بناء على الجبل لا علو عليه، ثم إنه قال في الرواية الأخرى : (ارتفع إلى أبي قبيس) ولم يقل على أبي قبيس . فلما رأيت هذه الأبراج قلت هذا لا جرم تأويله،
وأما هدم الكعبة فالله أعلم به هل هو هدم ذي السويقتين الحبشي أو هدم آخر وهل هو لإعادة بناء أو جرّاء حروب لا قدر الله وإن كان وقع نحو هذا في حرب حجاج لابن الزبير وفتنة الحرم الأخيرة.
وقوله في الأثر (كيف بكم) يومئ إلى معنى حديث (ولن يستحل البيت إلا أهله) نعوذ بالله من الفتن.
ونقض ذي السويقتين ثابت في الصحيحين وغيرهما ولعله على قرب من الساعة وقد رأيت فيه أثرا عجيبا دالا على علم نبوي كريم ففي (كتاب الفتن) لنعيم بن حماد حدثنا بقية عن صفوان عن شريح عن كعب: (تخرج الحبشة خرجة ينتهون فيها إلى البيت ثم يتفرغ إليهم أهل الشام فيجدونهم قد افترشوا الأرض فيقتلونهم أودية بني علي وهي قريبة من المدينة حتى إن الحبشي يباع بالشملة).

والحديث عن كعب الأحبار وهو يروي عن أهل الكتاب لكن مثل هذا لا يقال بالرأي ولا يعرف عنهم ، وبقية بن الوليد فيه كلام لا يخفى، وعلى أية حال فالأثر لم يستقل بجديد غير ما في الصحيح أعني أصل الأمر وهو غزو الحبشة للكعبة لكن فيه بشارة قتلهم وابتذالهم وذهاب ريحهم وفيه فضيلة أهل الشام ومصداق حديث إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم وأن بقية الخير والإسلام والطائفة المنصورة فيهم حتى إنهم لينتصرون للبيت نصرهم الله على من بغى عليهم، وفيه علَم ومعجزة نبوية ففي محدود علمي القاصر:لا يعرف بنو علي قرب المدينة ولم أقرأ لهم في السير والمغازي بهذا الاسم ذكرا إلا في هذه الأزمنة المتأخرة فلقد انتشرت قبيلة حرب في المدينة وحولها إلى نجد وبنو علي لهم وجود كبير وانتشار كثير في قرى المدينة وأوديتها.
بقي أخيرا أن أشير إلى أن تشييد هذا البرج ربما ساعد على استعادة أم القرى لقيادتها وريادتها العالمية وتحررها من التبعية ولو في التوقيت الذي هو شعار ظاهر في العام والشهر واليوم وكم دندنت حول هذا كثيرا كما في مقالي (نصر بلا حزب) في هذه المدونة. 
وكم نشعر بالاعتزاز والفخر إذا رأينا بعض الوكالات والقنوات الواسعة الشهرة رافعة شعار: (حسب توقيت مكة المكرمة) فهذه بادرة تحسب لها أعني موقع الجزيرة وقناته وجميل ما نراه في بعض المواقع  مثل هذا فكم سئمنا من التبعية المقيتة في أخص خصوصياتنا فما نحن وما العالم (وقرينتش) التي فرضت أزمان سيادة التاج البريطاني ولها شأن آخر وحديث يطول لعل تأتي له مناسبة أخرى.
والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا له الحمد في الأولى والآخره وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله.   

الثلاثاء، 6 أغسطس 2013

لا تضحكوا علينا العالم .. يا محكمتنا الموقرة




الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله         وبعد: 

خرجت علينا المحكمة العليا أمس ببيان غريب جدا داعية إلى تحري رؤية هلال شوال ليلة التاسع والعشرين من رمضان مما أثار بلبلة ولغطا وشكوكا في دخول رمضان، وفي الوقت نفسه أثار سخرية العالم واستغرابه.

لست أدري ما الدافع لهذا الإعلان من المحكمة الموقرة وهل لهذه الحالة سابقة ، وهلا كلف المشايخ الفضلاء أنفسهم أو باحثيهم إن كان لديهم باحثون متخصصون في الأهلة بالاطلاع على تقارير الهيئات والجمعيات ومراكز الدراسات والمراصد الفلكية ليجدوا الإجماع منهم على استحالة رؤية الهلال إذن!! بل وصعوبتها البالغة إن لم تتعذر ليلة الثلاثين بالعين المجردة مع إمكانها بالمناظير الخاصة في بعض مناطق المملكة.
هذا ما أطبقت عليه التقارير والدراسات الفلكية التي نسبة الخطأ إليها قد تكون واحدا بالمليون٬ فلماذا التعامي والتجاهل ومصادرة حسابات الفلك لدرجة توحي بالاستغناء والاستخفاف والتنقص.
نعم أثر عن بعض علمائنا أن أهل الحساب قد يخطئون هذا حق لكن في زمانهم أما في زماننا الذي تطور فيه هذا العلم ووسائله ودراساته فأصبح يحسب حركة الأجرام والكسوف والتجلي بالدقيقة والثانية فلا إخال هذا واردا إلا ماشاء الله.
والمحكمة الموقرة ربما دفعها لهذا الإعلان أن تقويم أم القرى تقدم في إدخال رمضان بيوم!
ولايخفى على مشايخنا ولا على غيرهم أن حساب أم القرى حساب فلكي يعتمد في إدخال الشهر ولادة الهلال بغض النظر عن إمكان رؤيته ولهذا نجد الدول التي تعتمد الحساب مشت عليه (أي الحساب) وتقدمتنا بالصوم يوما مثل تركيا.
وقد قيل: إن على السماء قترا في معظم مناطق المملكة ليلة الثلاثين من شعبان وهذا أيضا لايبرر هذا الإعلان فإننا فعلنا ما أمرنا به شرعا : حال بيننا وبينه قتر فأكملنا عدة شعبان وابتدأنا صومنا بداية شرعية صحيحة لاغبار عليها كما على السماء غبار.
أدري أن هذه المشكلة قديمة وشائكة وطالما كانت مثارا لمشاكسات ومشاكلات ولغط إعلامي، ولست مع الفلكيين بكل حال، لكن الحق أحق أن يتبع.
لقد أوجعني ما رأيت في بعض المواقع الفلكية من دعايات لا تخلو من شماتة وتهكم بنا كخبر يقول: خطير وعاجل المملكة تطلب تحري رؤية الهلال قبل ولادته.
ربما قال قائل: متربصون حاقدون.. أدري لكن لماذا نفتح على أنفسنا باب الشماتة.
ألم يأن لوزارة العدل عندنا أن تخصص أقساما فلكية تعنى بالدراسات ومتابعة الأبحاث والاستعانة بالكفاءات والقدرات الفلكية بل لو قيل: بتبنيها لجامعة فلكية تستقطب كفاءات عالمية لم يُعد هذا مطلبا مبالغا فيه في دولة تحتضن أم القرى وإليها المرجع والاعتماد في تحديد يوم فريضة العمر على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها (الحج الأكبر)٬ ولننته عن تجاهل الحسابات الفلكية والضرب عنها صفحا برمتها استنادا على اتباع النصوص زعموا!!!
فهل ديننا ونصوص رسولنا صلى الله عليه وسلم تمنعنا من الاحتياط لديننا وعبادتنا وأخشى أننا لا بالشرع أخذنا ولا من العلم استفدنا، وإلا كيف نطلب التحري قبل تمام الشهر وفي حالة أجمع الفلكيون فيها على استحالة الرؤية-بمن فيهم أم القرى التي أكملت رمضان- هذا أعجب العجب!!
سلمنا ذلك في حالة اختلاف الفلكيين، وسلمنا: على إغماض إذا قرروا ولادة الهلال وقالوا باستحالة رؤيته.
لكن كيف يستقيم لنا مثل حالتنا هذه وقد أجمعوا أن الهلال إنما يولد في صباح اليوم التالي لليلة المطلوب الترائي فيها.
والمسألة واضحة لمن يملك أبجديات هذا العلم بل ربما لبعض العامة منذ التربيع الثالث للقمر وحساب مطلعه فإن القمر أشرق يوم السابع والعشرين مع الفجر (وهذه قاعدة في كل الشهور) إذا كان دخولها صحيحا أن القمر يشرق فجر ليلة السابع والعشرين وبهذا وردت الإشارة في الأثر أي أنه يشرق مع الفجر يتقدم الفجرَ قليلا أو يتأخر حسب منزلته وهذا العام تأخر عن الفجر قليلا وأشرق بعد الرابعة حسب توقيت الرياض وفي صبيحة اليوم الثامن والعشرين تأخر مطلعه حوالي خمسين دقيقة وسبق الشمس بدقائق فكيف يطلب ترائيه في ذلك المساء والمتقرر علميا وفلكيا أن الهلال إذا رؤي في الأفق الشرقي صباحا استحالت رؤيته في الأفق الغربي ذلك اليوم ونص على هذا علماء معتبرون.
والفلكيون قاطبة قرروا أنه أي الهلال لازال في يوم الثلاثاء الثامن والعشرين في مرحلة المحاق وأنه لن يدخل مرحلة الاقتران والاجتنان الشمسي إلا في آخر نهار هذا اليوم (يرجع للمراصد لمعرفة الزمن على وجه الدقة) وستدخل الشمس في مرحلة مخاض عسر لا ينفصل الهلال عنها وليدا إلا صباح اليوم التالي لأن ولادة الهلال قد تكون يسرة قصيرة أو عسرة طويلة حسب زاوية القمر من الشمس وهذا يعرفه أهل الاختصاص، ثم سيحاول القمر التخلص جاهدا من بهر الشمس ولن يكون يوم التاسع والعشرين في بعد يؤهله للرؤية في المناطق الشرقية والوسطى من المملكة أعنى الرؤية المجردة إلا لأشخاص نادرين٬وأما في المناطق الغربية فالرؤية أرجى ويتراخى النطاق كلما اتجهت إلى الجنوب الغربي، على أن الفلكيين عامة يستبعدون جدا الرؤية المجردة إلا بالمناظير المقربة الخاصة ولاتمكن عندهم الرؤية المجردة إلا في جنوب أفريقيا وأمريكا الجنوبية لأن القمر يتوغل في غرب الأرض متباعدا عن الشمس متخلصا من بهرها.. 
هذه خاطرة عابرة وإلا فالبحث في هذا واسع جدا٬لكني أضن بوقتي وأوقات القراء عن التوسع في هذه الليالي الفاضلة الباعث لهذه الخاطرة إعلان محكمتنا الموقرة أصلح الله شأنها وشأننا وتقبل منا ومن عموم المسلمين ونصر إخواننا المجاهدين والمظلومين آمين