تعديل

بحث

الجمعة، 4 سبتمبر 2015

وعلى شفير القبر حارس وحكَم !!

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،،،،، وبعد :
دفنّا أمس العمّ أبا يسري رحمه الله وأسكنه واسع جنانه وأفاء وأفاض عليه سابغ رحماته وجزيل هباته .
أبو يسري مصري مقيم عندنا منذ سنين طويلة ذو شخصية مرحة لطيفة ، كان يعمل في محطة قطار الرياض ثم أحيل لبلوغه السنّ ، وعمل مدة معنا ثم أنهكته أمراض الشيخوخة حتى توفاه الله .
عاش حياته وعائلته الفاضلة تحت ستر الكفاف والعفاف ، وصبر على حياة القلة والذلة ؛ لما يلقى من الكفلاء ، وإن انتهى به المطاف إلى كفيل خيّر فاضل جزاه الله خيرا وأحسن إليه.
كان لأبي يسري سيارة قديمة متواضعة تطلب أكثر منا تهب ، وهذه السيارة من نوع كابرس قديم ، دخلت التاريخ من أوسع أبوابه على حد وصف أحد أبنائه ؛ فلقد شرقت صورها وغربت وحملتها صفحات الصحف العالمية ؛ والسبب :
أن أبا يسري ومعه عائلته كان في طريقه إلى بعض أعماله فلم يرعه إلا ملثمون يعترضون طريقه ويهددونه بالسلاح فيترجل هو وأهله ثم يستقلون السيارة ويكسرون زجاجها الخلفي ويخرجون فوهات بنادقهم الرشاشة وينطلقون وهو يرى ما يُفعل بحبيبة قلبه دابته ومركوبه التي رافقها سنين عددا ، كان هؤلاء مجموعة من المطلوبين المطاردين من قبل رجال الأمن أيام الأحداث والمواجهات الدامية ، لا أعاد الله لها سيرة .
اتصل بي أبو يسري وأبلغني الخبر ، فاتصلنا بجهات الأمن ليخلي مسئوليته ، ووجدت السيارة لاحقا مرمية عند أحد الأسواق وسلمت له شبه تالفة ، ولما سألته قال بلهجته المصرية د خلاص البقية في حياتك ، بس سابو لي بيها رشاش وهربو اعمل بيه أيه قلت : لا تخف سيتسلمونه قبل تسليم السيارة إليك ،
مات أبو يسري ، وكنت أتساءل : مَن يا ترى سيتولى أمره مع ولديه وهو الغريب البعيد عن أهله وعصبته ؟'
وصلينا عليه في جامع سليمان الراجحي مع خمسة عشر آخرين ، ووصلتُ المقابر متأخرا للزحام وأعمال الطرق ، واضطررت للتوقف بعيدا لكثرة السيارات ، ووجدتني غير بعيد عن قبر حبيبي وفقيدي وقرة عيني وشقيق روحي وتوأم فؤادي الشيخ خالد الرومي ، فتوجهت إليه وحارت قدماي عنه 
وأبكيه حتى كاد مما أبثّه     
تكلمني أحجاره وملاعبُهْ .  
رحمه الله وأحسن إليه وجبر قلبي بفراقه ، وهنا تذكرت أبا يسري ففزعت مرتاعا ؛ لعلمي أنْ لا أحد مع ابنيه ، وانطلقت سريعا أحث الخطى وأنهب الأرض ، حتى بلغت الجنائز ، فإذا الجم غفير والزحام كبير عند كل قبر ، وجعلت أسأل عن أبي يسري ، ثم قلت : لأبحث عن أقل الجنائز عدد مشيعين فهو صاحبنا لا جرم ، فرأبت قبرا يدفن حوله عدد ضئيل ، فسألت فإدا هو أبو يسري ، وإذا أولاده وبعض أصحابه ، وقلة من جيرانه جزاهم الله خيرا على شفير القبر وإذا هم قد قاربوا تمام الدفن وإذا الدافن رجل من البلد يمسح بمسحاته دائبا يتقاطر عرقا دون كلل ولا ملل ، وكلما أراد أحد أن يُعقبه أبى بشدة ، وتأملت ذلك الوجه النيّر الوضّاء ، فإذا هو إبراهيم !  ومن إبراهيم ؟ وهل يخفى القمر !! إبراهيم حارس المنتخب السعودي الدولي والحارس الشهير لأحد أشهر أندية المملكة الممتازة ، والذي كان اسمه على كل لسان ورسمه على كل جدار وصورته في كل بيت ، وفي أوج شهرته وعلياء عليائه وابتسامة الدنيا له وانطراحها عليه تخطب وده وتتمرغ تحت قدميه يركلها ، ويتفرغ لأخراه ويلزم الجوامع ومغاسل الأموات فلا تخطئه كل عين خلف كل جنازة وفي كل مقبرة نضْوا هزيلا شاحبا مجتهدا مستعدا للموت وهو في كل فرض يقلب جنائزه ويشيع أمواته ،
لك الله يا إبراهيم فلقد أتعبت العلماء والفقهاء ثبتنا والله وإياك على الطاعة حتى نلقاه ،
وتحينُ مني التفاتة ؛ فإذا رجل مقبل ينهب الأرض عليه أسمال اعتاد لبسها كل ما دخل المقبرة أي ثلاث مرات في اليوم وقد تزيد 
فيخطف المسحاة ويكمل الدفن وإذا هو حسن ! ومن حسن ؟ حسن الذي كان لا تخلو صفحة صحيفة من نقش اسمه كل صباح يوم ، حسن الذي كان اسمه تدوي به الملاعب الألومبية العالمية ، حسن الذي تعبت زهرات الحياة الدنيا تركض وراءه وتتشبث بأرديته فيمرط نفسه وثيابه منها ويركلها من خلف غير ملتفت ، إنه حكم الفيفا السعودي الذي ترقّى في هذا المجال وبلغ رتبة لم يبلغها عربي إلا نادرا، حسن الذي كان يتقاضى مرتبا جزلا ربما لا يحلم به وزير ولا دكتور ، وفي أعنف عنفوان شهرته يضحي بذلك ، ويتركه مختارا غير مستجيب لنداءات الرجاء ورجاءات التملق الصحفي والتغني الإعلامي على الأمجاد والتأسف على المجد المضاع ، ويلزم حسن المساجد والجوامع ، ويتخرج على يديه في مغاسل الأموات عشرات الشباب ، ثبتنا الله وإياه ومسّكنا بالإسلام حتى نلقاه به .
ما ذهب إبراهيم وحسن باحثَين عن جنائز ذوي الهيئات والشارات ، ولم يحتكا بأهلها ويتسابقا إلى الدفن والتعزية طمعا في لعاعة ، أو إنشاء علاقة كما يفعل كثيرون ، كانا وطائفةٌ مثلهما يتحينون جنائز الضعفاء والصعاليك الذين لا يعرفون وليس لهم أتباع حتى في المقابر يتسابقون للدفن والتعزية ويرفعون أصواتهم عند القبور : أي إننا هنا موجودون ، وهذا وربك فصل ما بين العادة والعبادة ، وإرادة الآخرة والدنيا ، ولا يذهب ذهنك أخي القارئ أن هذا العمل من حسن وإبراهيم بوما أو يومين أو شهرا أو شهرين أو عاما أو عامين ، كلا ؛ بل هو مثابرة السنين الطويلة ؛ بحيث لو عرض على امرئ أجزل الرواتب ليلزمه لم يطقه ولم بستطع إليه سبيلا ؛ لولا أنه الإخلاص نحسبه وإرادة ما عند الله : 
وإذا حلّت الهداية قلبا
نشطت بالعبادة الأعضاءُ
لكما الله يا حسن ويا إبراهيم ؛ لقد أتعبتما من بعدكما .
وبينما كنت أمتع ناطري بتلك الوجوه الوضّاءة ، وأفرّح روحي بروائح الجنان تفوح من معاطفهما ، لا أدري - وأعوذ بالله من الشياطين أن يحضرون - ما الذي صور أمامي وجوها غبِرة قتِرة ، ربما لحداثة عهدي بها لبلوانا بعالم تويتر ، تراءت أمامي وفرضت مقارنة سريعة بينها وبين هذه الوجوه التي نظرُك إليها نضرة نعيم تحمد ربك وتشكره عليها ، فشتّان ما بين اليزيدَين في الندى ، شتان بين هؤلاء الذي تركوا الشهرة تطاردهم حية تسعى ويتوارون عنها ويهربون منها ، وهم يملكون كل مقوماتها ، ومضى لهم من التجارب ما جعل أمنية كل شاب أن ينظر إليهم نظرة ، وبين تافهين فاشلين مغمورين محقورين لا يملكون من أسباب المواهب ومقومات الشهرة إلا أن يبولوا بزمزم ففعلوا ، كانوا يوما - ولو فيما يبدو - على جادة فنكصوا وتنكبوا ؛ وباعوا في سوق المبادئ واشترُوا ولا أقول اشترَوا ؛ فهم - عافانا الله - معروضون للبيع في سوق من يزيد ، ورب مُبايِعٍ اشترى مُشارِيا بثمن بخس دراهم معدودة ، لأنه لا ثمن له فيُشترى ويُغالى فيه : 
أم أذنه في يد النخاس دامية
أم قدره وهو بالفَلسين مردودُ
الشيء الوحيد الذي أنفسَهم عند بيّاعيهم أنهم كانوا يوما محسوبين على الصالحين ؛ فالظفر بهم مطلب ، ليثبتوا أن من أولئك من رجع بعد أن رأى فشلا ووجد فَلسا ، وما علموا أن مَن ابتلُوا بهم قديما لا يرونهم إلا نطيحة ومتردية ، وأنهم يعانون من غطرستهم وتعالمهم وتشبعهم وتفاخرهم وتعاظمهم ، حتى ألقوا عن كاهلهم عناء صحبتهم ؛ فليهنأ بهم رفقاؤهم 
لا تحسبوا مَن أسرتم كان ذا رمقٍ               
فليس يأكل إلا الميتة الضبُعُ
يا رب عفوك وعافيتك وتثبيتك يا رحمن 
كانت هذه خاطرة على شفير القبر أحببت نقلها من عالم الفكر إلى عالم الذكر ومن مكنون الصدر إلى مكتوب السطر 
علّ أن يجد فيها واجد ما ينفعه ،،
أقول قولي هذا والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

الخميس، 13 أغسطس 2015

الانتصار لكلام الواحد القهار

لا تفتروا على الإله كذبا
يُسحتكم عقوبة وغضبا

أعداءَ وحي الله ماذا بينكم
وبينه فتفتروا يا عجبا !

من حارب الإله فهو خاسرٌ
لا جرَمٌ وإن رآه غلبا

مآله ندامةٌ إن عاجلا
أو آجلاً إن لم يكن مستعتبا

من كان خصمه كلام ربه
يا ويله إذا الحساب اقتربا

وأودع القبر الذي يلقى به
أهواله ضنكَ المقام غيهبا

وجاء يوم الدين عُريًا حافيا
مروَّع القلب وحيدا مُرعَبا

محمَّل الأوزار ، من ذنوبه
حرب الكتاب بئسما قد كتبا

ألا يرى وجها له مُغضَوضِنا
ورأسه ألا يراه أشْيٓبا

حتى متى يظل في طغيانه
حتى الممات أو يُرى مُحدٓودِبا

حتى إذا ريب الزمان مضّه
مضّ الأديم يابسا مُجدَودِبا

وودع النوم الهنيء جفنه
وصار في الدار طريحاً أعضبا

إن يطلب الحاجة ما أدركها
إلا بجهد أو يُرد سيرا حبا

أو حاول القيام قام مثقلا
منتفضا حتى إذا استوى كبا

يعَضّ - لو يجديه - كفّ حسرةٍ
على الزمان كم لها وكم صبا

يا ليتني قدّمت للحياة ما
أخّرته ، يقول ذا منتحبا

أوّاه من إعلام زور كاذبٍ
كاذبه صار الكذوب الأكذبا

للناس همٌّ ولهم همٌّ يُرى
فنّاً رخيصا هابطا أو لعبا

أو حرب دين الله أو عمالة
للكفر والرفض الذي قد ألّبا

إن صاح منهم واحد تجاوبوا
مثل الضباع سربه قد أجلبا

وإن تكن على الحمى مصيبة
تحوّل الليث الهصور أرنبا

وإن تجادلْ واحدا منهم على
سكوته راوغ منك ثعلبا

وإن تسالمْه استغلّ غرّة
ونفث السمّ الزُّعاف عقربا

وإن تخالطْه فلا تأمنْه أنْ
يعديَ جلدك السليم أجربا

بالله هل تُرى عناه ما عنى
شاماً وأضنى قدسَه أو حلبا

وما تلاقي في العراق سنةٌ
من هوله رأس الوليد شيّبا

وسيل موتٍ صبّه الفرس على
أخواننا وما أذاقوا عربا

مصائب يبكي لها الحرّ دماً
وينفري من هولها صخر الرُّبا

وهؤلاء ما لهم همُّ سوى
كتاب ربي غاظهم أنْ يُحسبا

تقطّعت قلوبهم ونالهم
مثل الجنون عقلهم قد سُلبا

كأنّ بنتَ الحان زادتهم على
جنونهم وزوّدتهم عنبا

وغاظهم من النساء سترها
وموتهم منها بأنْ تحجَّبا

وهالهم محتسب يخاف مِن
عذابِ ربي فانبرى محتسبا

أمثلهم مثقّفون عدّهم
إعلامنا وروّجوهم نُخبا

مَن يا تُرى مِن السراة عدّهم
أم يا تُرى لهؤلاء انتخبا

لا شعرَ لا نثرا رصينا عندهم
لا فقهَ لا علماً لهم لا أدبا

ولا فعولنْ فاعلنْ مستفعلنْ
مستفعلاتنْ أودعوه كتبا

لا دينَ لا رأيا سديدا إن دُعُوا
أبدَوه مِن ناهي النهى مُهذّبا

وإنما حداثة كأنه
مهلوِسٌ في عقله قد غُلبا

كالكَلِّ لا يأتي بخيرٍ أينما
وجهّته عن رشده تنكّبا

أكبّ إذ كبا وكبّ حمله
وكركب الأكوام لما كبكبا

وخلط الصبوح بالغبوق لا
ذوقٌ ولا صبابة ولا صَبا

يا ليتهم يدرون عن شعور مَن
يقرأ ما يهذونه معذَّبا

كأنما يمشي على السيوف من
عذابه ويمتطي حدّ الظُّبا 

يودّ لو طَيفُ المنون زاره
ولا إليهم طرفُه لحْظاً نبا 


 

 

 
  

الرد على البهتان في حلق تحفيظ القرآن

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:
قرأت مقالة للأخ محمد بن عبد العزيز العصيمي -هداه الله وأصلح حالنا وحاله- كتبه في إحدى الصحف؛ وفيه حشد وحشر وأجلب وأطنب وانبرى وافترى على حلق تحفيظ كتاب الله التي تشرفتُ وغيري بالتربّي فيها والتخرج، وكانت بعون الله أمانا وضمانا من الانحراف والتعرّج، ولشيوخها والقائمين عليها بعد الله فضل عظيم، وجهد كريم، في حفظ ناشئة المسلمين وتربيتهم على مائدة القرآن، وتعهّدهم بأخلاقه الزاكية، وآدابه الطاهرة، فخرجوا للمسلمين مئات الآلاف إن لم تكن ملايين من الحفظة المهرة، والأئمة الخطباء، والمربين الفضلاء، ومنهم العلماء والأمراء ، وأئمة الحرمين، وقضاة المحاكم، وقادة الأجيال، رحم الله أمواتهم ومتع بأحيائهم على عمل صالح.
كل هذا كَلّ عنه نظر الكاتب العصيمي ولم يتذكر مما نسبه إلى هذه الحلقات زورا وبهتانا إلا ما زعمه موبقات !!
ونسي أو تناسى ما فيها من الخيرات والنفع العظيم والصلاح العميم؛ اللهم إلا إن كان يرى ما نراه من الخيرات موبقات!
وواضح أن الكاتب أقحم حلقات الأمس، وأخبرنا أنه واحد من منسوبيها في حديث مفتعل ليكذب كذبته في هذه الموبقات ويجرّها إلى حلقات اليوم، ليلج منها إلى مشاركة المتخبطين في وسم التخبّط بعد أن انفضّ سامره وخفت وهجه الذي ما اكتسبه إلا من خصمه الذي دحضه وفضحه، وكأن الكاتب -هداه الله- أراد أن يُمدّه بماء الحياة وينفخ في صوره ويعيده جذعا، وقد كان !
إلا أنه كسابقه ولله الحمد، وكلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله.
وما عجبي من الأخ محمد بأشد ممن احتضن مقاله المفترَى ، وعلى مقربة من أم القرى؛ ولكن لا عجب فما نرجو ممن تسمى بسوق من أسواق الجاهلية، وإنك لا تجني من الشوك العنب.
لست بصدد نقاش الكاتب في إسقاطاته التالية، وزعمه في حق حلق التحفيظ المعاصرة، ولمزه بل طعنه صراحة في قرار الوزير، ثم اقتراحه المضحك أن يوكل التحفيظ إلى الأمهات والآباء في أجواف البيوت، وما بقي إلا أن يقول همسا وسرا؛ وكأننا في حقبة لينينية، وعصرٍ ماوتسي، وعهد ستاليني، وستار حديدي، حاشا بلادنا وأكرمها الله، وحفظها بالإسلام والقرآن ولو كره الشانئون، ما كأننا في بلاد الإسلام ومهبط الوحي ومهد الرسالة وأرض الحرمين!!
فهل يا ترى يعي هؤلاء ما يخرج من رؤوسهم وترعفه أقلامهم؟!
ما مصيبتك من أحد كمصيبتك من كاتب فارغ عليه أن يملأ عموده كل أسبوع؛ فيجلس متفطنا باحثا عما يسود به عموده، ولو تعرض لأقدس مقدساته وأعظم مسلماته!!
لست بصدد هذا كله، ولا عظمة ماتميزت به بلادنا من العناية بكتاب الله وآثار ذلك العظيمة فهذا قد أشبع بحثا؛ وكفانا الحديث فيه أقلام عمالقة لا تبلغ كعبها أقلام هؤلاء المتفطّنين؛ ومن آخرها وأجملها وأحسنها وأجمعها مقالة الكاتب الكبير الدكتور الأثير الأديب القدير أحمد بن عثمان التويجري رفع الله ذكره في الدارين.
ولكن كلامي وما أنشأت له ردي حول فرية "الموبقات" التي زعمها بين الكبار والصغار، فكان عليّ ردها وتفنيدها كشاهد عصر على تلك الحقبة التي افترى عليها الكاتب الكاذب؛ انتصارا لكتاب الله، ودفاعا ووفاء لهذه الحلق والأحضان الدافئة الناصحة التي ضمنتنا عمرا.
فأقول، وبالله أصول وأجول:
هذه الحلقة التي عناها الكاتب في (حلة القصمان) كانت في مسجد الباحوث رحمه الله، وقد درستُ فيها خمس سنين حتى تخرجي في الابتدائية من عام ١٣٩٠ حتى عام ١٣٩٥هـ.
وكان محمد العصيمي وثلاثة من إخوانه معنا، وأخوه سعود هو أول خاتم في حلقتنا، ووالدهم الشيخ عبد العزيز رحمه من خيرة أهل الأرض يومئذ تقوى وغيرة وصلاة وصلاحا واهتماما بأولاده ورعاية لهم وحرصا على تعليمهم وتحفيظهم.
والأساتذة الذين تولوا رعايتنا وتحفيظنا عدة؛ أشهرهم وأكثرهم ملازمة لنا الشيخ الأستاذ إبراهيم العجلان الذي توفي فجأة قبل سنوات في كهولته أو أخريات شبابه، والشيخ محمد حسن دهمش اليماني المشهور بالنجاشي رحمه الله وهذا قد توفي قديما.
 كان الأول معلما حكوميا في مدارس التحفيظ، والآخر موظفا في المكتبة السعودية التي كانت من أشهر المكتبات في ذلك الوقت، والشيخ إبراهيم العجلان كان أستاذنا الأساس وشيخنا الذي لازمناه وحفظنا أكثر القرآن في حلقته، وكان رحمه الله شابا صالحا واعيا ذكيا حافظا حريصا أشد الحرص على تربيتنا، ولم يكن له نشاط خارجي كل نشاطاتنا في المسجد ما كنا نعرف الرحلات والاستراحات والأسفار؛ اللهم إلا ما ماكان من نشاط تلفازي وإذاعي؛ فقد كان أستاذنا على صلة بالمذيعين الشباب علي الخضيري وعبد الله فرحة الغامدي ومحد خير الغلاييني كانوا يمروننا في المساجد ويأخذوننا وأستاذنا بسياراتهم أي المبرزين والمتميزين منا، وما عدا ذلك فهو في المسجد لاغير.
وكانت هذه الحلقات أصدافا منظومة في عقد جميل هو الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم يقوم عليها الإمام العلامة الراحل عبد الرحمن آل فريان رحمه الله ، وله بعد الله الفضل في تأسيسها .
ولها حفل سنوي في رمضان يقام في الجامع الكبير الذي سمي لاحقا جامع تركي بن عبد الله يُخرج فيه الحفظة ويرعاه أمير الرياض سلمان بن عبد العزيز رعاه الله .
والغرض من التفصيل بيان فرية الكاتب الذي يتصور القارئ له خالي الذهن أن هذه الحلقات أوكار للفواحش وبؤر للفساد.
لا والله؛ فقد أعظم الفرية وأفحش الكذب وأكبر البهتان، فلقد كانت تلك الحلقات من أنزه بقاع الأرض وأطهرها وأزكاها.
أما المجتمع فلا أبرئه من المعاصي والمنكرات، ولكن ما يمارس منها كان سرا خفاء، وربما تهامس به بعض الطلبة في تحقير أصحابه والتنفير منهم ، وفي أخطر المراحل نرى كتابة مجهولة المصدر على الجدران أو دورات المياه للمدارس والمساجد "خطر على فلان" وهذه العبارة كانت كافية لتوقع أشد العقوبات على من كتبت في حقه.
أقول: لا أبرئ مجتمعنا من هذه الأمور، ولكن كانت الغلبة لخيار الطلبة، وكان الظهور للطهور، والهيمنة للميمنة، وكان أساتذتنا على انتباه لهذه الأمور يعالجونها ويبادرون بفصل من عرف عليه شيء من التورط فيها خارج الحلقة، ولا يزالون يبدؤوننا بدروس تربوية تحصينية يبصروننا بشر المنكرات وقبحها، ولا سيما إذا مررنا بالآيات التي تدور حول هذه المعاني،فأين الموبقات؟!
- إن زعمتَ أيها الكاتب أنها تمارس في الحلقات والمشرفون والمعلمون على علم بها واطلاع عليها؛ فهي أعظم الفرية وأشنع البهتان، وهذا الغرض الذي يسود فيه أصحاب هذا الاتجاه مقالاتهم، فكل ما يهدفونه التنفير عن كتاب الله وتحفيظه بإلصاق التهم بالقائمين عليه، واعتبارهم مسئولين عن كل تجاوزات الطلبة، ولو تلقوا ما تلقوا من وسائل اتصال خارجي وعلاقات أبعد ماتكون عن التحفيظ، لا يريدون أن هذه المخالفات وغسل الأدمغة - بزعمهم - وقع لطلبة التحفيظ اتفاقا، ومن جهة خارجية وبمنأى عن الحلقات ومشرفيها وإلا ما كان لمقالاتهم غرض عندهم ولا معنى.
- وإن كنت تريد أن طلبة التحفيظ يقع لهم ما يقع لغيرهم خارج الحلقات، وأنهم ليسوا بمنأى من تصيّد المتصيّدين لهم؛ فما ذنب هذه الحلقات إذن؟! وما الغرض الذي أقحمت له هذه الفرية في مقالك؟! وهل ما يمارس ثمّت أشد وأشنع مما تتداوله المجالس من فساد بعض الأندية الرياضية وعروضها السنمائية في ذلك الوقت، والتي كنا نسمع عنها من المجاهرة بالموبقات والعظائم ما لا يكاد يصدق، حتى تنبه المصلحون لذلك وعولج أكثره،وهل المدارس الصباحية سالمة مما زعمته من هذه الموبقات والممارسات ، إضافة إلى شلل الأحياء والحارات ؟! فما معنى النصّ والخص للحلقات يا من تشبعت قلوبهم بكره كل ما يمت إلى الخير والصلاح والصالحين ؟!
 أقول إن كنت تريد هذا -ولا إخالك- فما ذنب حلقات التحفيظ التي كانت تسعى لعلاج هذه المنكرات والتحصين منها قدر الطاقة، وكان منسوبوها صفوة المجتمع وخلاصته رضيت أم أبيت.
وما حيلة الشيوخ والمحفّظين في فساد يتعرض له الطلبة في شوارعهم، وهل ينتظر منهم أن يكونوا حراسا على طلابهم حتى في شوارعهم وفي أحضان والديهم.
نعم يا أخي محمد، كان هناك انحرافات من هذا النوع خارج الحلقات، وحتى من أبناء الحلقات منهم من وقع في بعض هذا، وتورط في التدخين وتلوث بالأفكار، وعقّ والده الصالح الحريص عليه، وقطّع قلبه حسرات وهو يرى تنكُّبَه عن الطريق الذي أراد أن يلزمه وربما مات ساخطا عليه، وربما كان بانحرافه ومجاهرته مما أسهم بالأسقام إلى والده وتعجيل منيته، ومنهم من ارتكس وانتكس حتى ألحد بالأحَد والعياذ بالله، كل هذا جائز بل واقع، ولكن أي ذنب للقرآن والتحفيظ وأساتذته فيه، ولماذا نسبتها إليه؟! 
واعلم أنك ملاقٍ ربك، طال بك العمر أو قصر، ومحاسب على كل ما تخط يمينك ومجازى به ﴿وكل صغير وكبير مستطر﴾
وسيخرج لك يوم القيامة في كتاب تلقاه منشورا، فانظر ماذا تسطُر، واحتسب لما تكتب، واعلم أن الله يرفع بهذا القرآن أقواما ويضع آخرين، فضع نفسك فيما تحب أن تراها فيه..
يا أخي محمد: ما كان أبوك امرأ سوء كان والله صالحا تقيا نقيا، وما كان رهطك وأهلك إلا صلحاء أتقياء أنقياء، وكم في أسرتك العريقة من العلماء والفضلاء والصلحاء، ولا يعجزك إن حزمتَ أمرك ولزمت الكَيس وعصيت هواك أن تكون واحدا منهم وتسخر قلمك لما هو خير لك وأبقى؛ فما ذا ترجو بعدُ؛ فقد قارب الغصن الذبول، ودنت شمس الأصيل من الأفول،
والله حسيبك ورقيبك في كل ما تقول ، أنصحك من الأعماق ، أن تكذب الكذبة تبلغ الآفاق ، فإن ذلك خطير وإثمه كبير . 
يسر الله لنا ولك  الهدى، وباعد بيننا وبين الردى، وكفانا شرور أنفسنا، وجعلنا هداة مهتدين ، والحمد لله رب العالمين.