تعديل

بحث

السبت، 19 مايو 2012

ياشيخ صعب إن فراقك لصعب..

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
   ودعت دنيانا أمس رجلا من أفذاذ الرجال، وداعية من أفاضل الدعاة، ومربيا من خيرة المربين..أحسبه ممن عاش حياته لله ومات على ذلك، لم يغير ، ولم يبدل تبديلا..
لم يزغ، ولم يرغ، ولم تتقلب به الأهواء، وتتكفأ به السبل..
(على العهد لا يلوي ولا يتغير)
    إنه الشيخ الداعية صعب الجلعود الذي شيعناه إلى مقبرة النسيم بعد الصلاة عليه بعد صلاة الجمعة في جامع الراجحي؛ حيث اكتظ الجامع بأدواره وملحقاته وصلى عليه جمع لا يحده حاد، ولا يعده عاد إلا رب العباد، ووافى الله في يوم جمعة، وأحرِ بذلك أن ينال الخير والشفاعة -إن شاء الله-.
    وقد بغته الموت ليلة الجمعة، وهو نائم على إثر جلطة قلبية لم تمهله إلا دقائق؛ وموت الفجأة ( راحة للمؤمن وأخذة أسف للمنافق).
    لقد كان الشيخ صعب من ركائز الدعوة إلى الله، وخاصة دعوة الجاليات الذي أسس مقره ( في المنار) بدعم وإسناد من شيخ الإسلام عبدالعزيز بن باز، والشيخ عبدالله الفنتوخ وغيرهما، فكان بحق منارا للدعوة، واحتضان الدعاة والداعيات، وإقامة الدورات.
لقد التقيت الشيخ صعبا أول مرة في أنشطة جامعة الإمام، موجِها ومربيا لمن دونه في المرحلة من الطلبة، ورأيت فيه من حنان الأخوة، ودماثة الخلق ما فتح له قلبي بلا استئذان، وأطبق عليه حبا وودا، وإن كنت - عفا الله عني وعنه قصرت فيما بعد في صلته وغيره ممن سبقنا بالفضل والسن والخير- جمعنا الله به في جنات النعيم.
   ولقد التمس مني حبيبه وحبيب الجميع ورفيق دربه وعضده وسنده الشيخ عبدالله الغفيلي أن أذكره بكلمات في مدونتي؛ فأجبت على حيرة فكر، وذهول جنان، وعقدة لسان، والموقف لا يعبر عنه شعر، ولا يصفه شعور، وإنني لأرجو ممن قرأ هذه الكلمات أن يكثر الدعاء للشيخ صعب ولأهله وذريته، ولنا معهم بالرحمة والمغفرة والصبر والسلوان. 



فراق الصحب والأحباب صعب .. وها هو ودّع الجلعود صعب
وغادرنا إلى وطن بعيد .. وأنّى في ظلام القبر قرب
أطاف بي الأحبة في مصاب .. جسيم كل خِلٍ منه صبُّ
وقالوا فارثِ صعبا قلت صعبٌ .. عليّ وهل تَبَقَى فِيّ قلب
فقلبي أثخَنَته سهام دهري ... فصار بكل جزء منه ثقب
بأيٍّ من بحور الشعر أرثي .. وكلٌ هادر الأمواج لَجب
أرى شعري من الأحزان صعبا .. (كمن أرثيه) أقفرَ منه ضَرب
أراه كقمة السروات بُعدا ... لطفل حاسر في المهد يحبو
إذا أدعو القوافيَ.. أسعفيني .. أجابت ما لمرضى الوجد طب
ألا إن الفراق أليمُ وقعٍ  ... بدنيانا إذا شحط المحب
فكيف إذا طوته رحى منون .. وغيَبه بقعر الأرض جب
هو الموت الذي أبلى وأفنى ..  كتائبهُ الفناءُ لهن دأب
كتائب مالها نُذُرٌ وكُتْبٌ ...سوى الأسياف هُنّ لهنّ كتب
سيوف في مفارقنا حداد... لها جَزر إذا فتكت وقصب
إذا سُلّت على أحد محال .. قواطعها تزِل إذن وتنبو
رواتع في لحوم الخلق أكلا .. نواهل في الدماء لهن عَبُّ
ألا يا موت  كم لك في البرايا .. من الغارات شُنّت منك حرب
إذا ما غارة ولت فأخرى .. ضروس أقبلت عجلى تَخُبّ
وأسراب لها قذَفات رعب... إذا سرب رمى في الإثر سرب
وإن قصفت صواعقَها سحابٌ .. وزلّت أقبلت في الأفق سحب
لها في الجو برق مستطير .. شرارا كله هول ورعب
ونحن لها الضحايا كل حين .. فيا لله كم نلهو ونصبو
ورُبّ لضاحك وبملء فيه .. مصير قد تحيّر منه لُبّ
ومستلقٍ على فرش حرير .. لحفرة قبره حفروا وجبوا
وسكرانٍ بخمر هوى لعوب.. لها الأنفاس قد قُضيت ونَحْب
وبانت لا كما بانت سعاد .. يؤملها على الأيام كعب
وهل يدري غرير البال سالٍ .. بغرفة نومه أغراه حِبّ
لعل سريره من فوق قبر .. وفيه معذب في النار يكبو
ولو سمع الصراخ له لولى.. ولم يردده لا شرق وغرب
ولم يأنس بصاحبة وخل .. ولم يهنأه لا أكل وشرب
ألا يا موت قد أفنيت حتى ... أقول فهل سيبقى بعدُ شعب
فكم دارٍ تركت بها مناحا ..من الأحزان لما غاب رَبّ
وكانت موئلا للأنس دهرا .. فهاهي وَحْشة الجنبات خَرْب
وأولاد له أضحوا يتامى .. محلا للثواب لمن يَرُبّ
وكانوا في محاجره ملوكا .. تربوا في الدلال وفيه شبوا
ورب نواعم في حضن عيش .. رفيهٍ ما دهاه الدهرَ كرب
دهتهن المصيبة غافلات .. ففي أكبادهن لظى يشب
روانٍ من لواحظَ حائراتٍ .. لمن آباؤهن لهن جنب
هو الموت المحيّر ليت أنّا .. - وهل ليتٌ لحرقتنا تُطِبّ - :
قضينا نحبنا نطفا مشيجا .. ولم يَقذف بنا رحم وصلب
عذيريَ هل لنا علم بما قد .. يؤول بنا من الأقدار غِبّ
وهل نلقى بآخرة نعيما .. ونسعد في اللقاء بمن نحب
كواكبنا من العليا تهاوت .. وأنجمنا على الأيام  تخبو
فمن لك بعد نجم الجدي هادٍ .. إذا استعصى لساري الليل درب
لقد فقدت مرابعنا هماما ... له في السبق تَقْدِمَةٌ وقَصْب
يسمى الصَعْبَ لكن كم من اسم ... يقول له المسمى : الاسم كِذْب
فصعب سهلُ أخلاقٍ لطيفٌ .. كمسِّ صبًا بأسحارٍ تهب
صبيح الوجه منطلق بشوش .. له صدر كما الدهناء رَحْب
سليم القلب لاضغن وحقد....عفيف القول لا شتم وسَبّ
وصعب إن مشى في الأرض هون..  ولكن في طريق الدين صلب
ولم يفتن كأقوام فُتُونا.. لهم في الدين تجريح وثلب
تجارى فيهمو أهواء شرٍ.. تجاريَ دائه إن عض كلب
تَذَبذبُ فيهم الأفكار حتى... إذا قُذف المهيمن لم يذبوا
لهم في كل آونةٍ سبيل .. وتجربةٌ وإدلالٌ وعُجْب
وصعب عاش للرحمن وقفا .. حبيس الأصل لا بيعٌ وَوَهْب
بمثل الشيخ صعبٍ فليعزى .. جميع الناس لا أهل وصحب


الخميس، 10 مايو 2012

نصـــر بلا حرب..

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
   تسعى الأمم والدول البشر عموما للاستعلاء، والاستيلاء على غيرهم، ولو ظلما
قال أبو الطيب:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد.. ذا قدرة فلعلة لا يظلم
  وتحاول كل أمة أو دولة تتوحد بعرش الريادة وسبق القيادة، وأن تكون لها الكلمة النافذة، بالغة في ذلك ما بلغت..على حد قول النابغة الجعدي -رضي الله عنه-:
بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا .. وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
وقول أبي فراس: 
ونحن أناس لا توسط بيننا .. لنا الصدر دون العالمين أو القبر
وقول عمرو بن كلثوم:
ونبطش حين نبطش قادرينا
   وباذلة ما بذلت من أموالها، ورجالاتها، ومضحية بصفوة شبابها، وخيرة أبنائها، ومسخرة إمكاناتها وطاقاتها، وترى أن ذلك قليل كثمن لعزتها وكرامتها وسيادتها.
   وهو ما شعرت به أقوى دولة في زماننا من حيث الجيوش الجرارة، والجبروت الحربي، والتقنية العسكرية؛ أعني بها الولايات المتحدة؛ حيث بقيت متفرجة على الفرقاء المتصارعين في معارك السوم سنوات طويلة، حتى إذا استنزفت الحرب أطرافها، وشعرت باقتراب النصر، وتقاسم النفوذ أدركتها الحمية فجأة، وطفق رئيسها آنذاك (وودرو ولسن) يناقش تغيير الدستور الأمريكي، كي يأخذ الأذن القانوني بدخول الولايات المتحدة الحرب فيما وراء البحار، وهو ما كان بالفعل فكانت أولى دفعة زخت بها دولته لاقتطاف ثمرة الحرب العالمية الأولى مليون جندي فقط لا غير.
    ومنذ ذلك التاريخ استطاعت الولايات المتحدة إزاحة التاج البريطاني عن كرسي العالم،  ليثب مكانه (الكوبوي) الأمريكي والعلم ذو الخمسين نجمة.
   والعالم اليوم يدفع الثمن غاليا من ثرواته ومقدراته، وقبل ذلك من عزته وكرامته لسيادة الأمريكي المتلسط، ومنه بطبيعة الحال عالمنا العربي والإسلامي بالدرجة الأولى.
   وتتمثل سيادة الأمم في فرض المنتصر مظاهره الحياتية على الأتباع والرعاع، وهذه المظاهر الحياتية هي عبارة عن اللغة القومية، والهوية الثقافية، وتركيبة الحياة الاجتماعية، والقيم السلوكية، والتوقيتات اليومية والشهرية والسنوية. 
  ويقع في واجهة هذه المظاهر لاجرم اللغة القومية، والهوية الثقافية؛ لذا فالقرآن العظيم يؤكد على أمر اللسان في أول الخلق وبدئه، كمظهر اجتماعي معبر عن الكيان والشخصية (وعلم آدم الأسماء كلها) (خلق الإنسان علمه البيان)
  فاللغة إذن تعني البوابة الأولى للولوج إلى الأمم واستعمارها، وضمان تبعيتها، وهو ما أدركه علماء الإسلام في القرون المفضلة، حينما ضجوا بالإنكار على إقدام المأمون على دراسة لغات الأمم وترجمة تراثها؛ خوفا على أهل الإسلام، وصدق حدسهم، فكانت البدع، ونشأت الفرق التي ظلت شوكا في خاصرة الإسلام عبر تاريخه الطويل.
   وفرض أحد على أحد لغته ومظاهره الحياتية، هو دليل الانتصار في حربه حينئذ، وهو ما تهون  عنده الأتعاب، وتعوض الخسائر، ويشعر أن الحرب حققت أهدافها؛
فكيف إذا تحقق ذلك كله له بلا حرب، أيّ نصر للمنتصر، وأيّ هزيمة للمهزوم، إنه النصر بلا حرب..
   وهو ما نراه جليا وبكل أسف في مجتمعاتنا، وأبناء وبنات جيلنا من الفتنة والتبعية للعدو، نعم العدو، وليس الصديق أو الآخر، كما يحاول أن يسميه بعض قومنا وإن نسينا أو تناسينا عداوته فما نسيها هو، ولا نسيها القرآن (هم العدو فاحذرهم)(إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء)، وعداؤه لنا عقائدي، وقومي، وتاريخي.
   ولا تقل المظاهر الأخرى عن اللغة مكانة وخطورة؛ كالزي واللباس وأنماط المعيشة، ولذلك جاء التشديد في أمر التشبه بالكافرين.  
ومن ذلك: التوقيت، ولذلك حرص الخليفة الراشد الملهم عمر -رضي الله عنه-على تثبيت تاريخ المسلمين، شعورا منه بحاجة أهل الإسلام وخطورة هذه المسألة، وما كان أيسر عليه أن يلجأ إلى تاريخ الروم الميلادي، أو تاريخ المجوس الفارسي، كما لجأ المسلمون إلى تداول عملاتهم أول الأمر، ولكن عمر -رضي الله عنه- له نظرته الثاقبة؛ فجمع المسلمين، وأجمعوا على اعتبار التاريخ الهجري، وظلوا عليه القرون، حتى رأينا المحاولات المستميتة لتغييره، وقد نجحت في جميع البلدان تقريبا، وهي الآن تطرق أبوابنا بإلحاح، والظن أن ذلك كائن من باب (لتتبعن سنن من كان قبلكم)؛ ولأن خط الدفاع الأول قد سقط منذ عقود، وأعني به التوقيت اليومي، وتحويله من الغروبي الموافق للشرع والفطرة، إلى الزوالي الذي يسمونه الإفرنجي المناقض لهما؛ حيث لا يعرف الشرع ولا الفطر السليمة يوما يبدأ نصف الليل، أو نهارا يبدأ السابعة؛ لكنه جحر الضب الذي ولجناه خلفهم.
ولا زلت أذكر -وأنا في طفولتي- إنكار كثير من أهل العلم لذلكم التوقيت، وتصريحهم بالتحريم، وكيف وجد الناس معاناة شديدة في ضبط حياتهم عليه، حتى كان مثار تندر، وكانت الإذاعة الرسمية تذكر التاريخين مدة لتخفيف حدة الاستنكار، وليتعود الناس قبل تناسي توقيت المسلمين تماما. 
  كان المنكرون يقولون: غدا يغير توقيت الشهور القمرية إلى الشمسية، وستذكرون، وكان المتساهلون يستبعدون ذلك. 
   وإذا أردنا المحافظة على تاريخنا الهجريّ وثباته في وجه هذه الزوابع، فلنقم بحملة مضادة لإعادة التوقيت الغروبي الذي كان يسمى العربي؛ لأن خير وسيلة للدفاع الهجوم. 
   أعلم أن كلامي هذا لن يعجب كثيرين، إن سلم من اللمز والسخرية، لكن الحق أحق أن يقال ويتبع.
  قد يتعلل بعضهم بأن السنة الشمسية أوفر لشركته، وأربح لدولته من جهة الرواتب الشهرية؛ فرب العمل سيربح على العامل والدولة ستربح على الشعب أجر أحد عشر يوما. 
  والعلة نفسها للمطالبين بتحويل الإجازة إلى يومي السبت والأحد، أو الجمعة والسبت موافقة للعالم، وحتى لا نخسر يوما أو يومين في التعاملات التجارية.
 ومتى كان المال مقدما على الدين إلا لدى الماديين عبدة الدنيا..
   على أن العالم يحتاجنا كما نحتاجه، إن لم يكن أكثر، خاصة الدول الكبرى؛ لحاجتها إلى مصدر الطاقة عندنا، وتوفير أسواقنا لمنتجاته، وحاجة عملته المتهالكة حاجة شديدة لعملتنا المربوطة به، فلماذا التنازل دوما منا، لكنه منطق المهزوم..
 عموما نعود إلى مسألة اللغة فأقول:
    إن الذي هيّج هذا الموضوع لدي، ونكأ الجرح المندمل على عفنٍ، أمرٌ حدث لي اليوم، حيث رجعت ابنتي من مدرستها ثانوية تحفيظ القرآن الكريم، ومعها مجلة أصدرنها بمناسبة التخرج، فدفعتها إلي، فوجدتها تحوي شيئا من مشاعرهن، وكلماتهن الوداعية، إضافة إلى صفحات تحمل توقيعاتهن للذكرى، والذي هالني وأفزعني، وأحزنني، وآلمني أن رأيت نسبة كبيرة لا أبالغ إن قلت تبلغ أو تقارب نصف هذه التوقيعات بالأحرف الإنجليزية، وعلى طريقة القوم في سحب ذيل التوقيع !!!
بدايةً لم أصدق ما رأيت، وأنعمت النظر، وأمعنته، ودققته، وحققته، وقلت: ما هذا يا بنيتي؟ لا تكوني غلطت، وأخذت مجلة لإحدى المدارس الأجنبية؟!! فهمت بنتي، وقالت مبتسمة: (ما شفت شيء يا أبت)
  كان ذلك على مسمع من بعض أهلي، فقالت معلقة: (فكيف لو رأيت بنات الجامعة، وطالبات اللغة بالذات) وهي أستاذة في الجامعة، فقلت: ومن طالبات اللغة؟! قالت: هن أشد وأنكى، والله لا يكدن يسمين فراغ المحاضرات إلا:(أُف)، ونهاية الأسبوع إلا:(ويك إند)، ووقت الاستراحة إلا:(بريك)، أما التوقيعات فحدث ولا حرج، فضلا عن: (إيميل)، و(مسج)، و(قروب) وغيرها من مصطلحات عالم الجوال، وكذلك (بلاشر) و(ميك آب).
   والأدهى والأنكى الجناية على شعار الإسلام، فكم من شاب وشابة لا يسلم إلا بــــــ(هاي)، ولا يودع إلا بـــــــ(باي)، ولا يتعجب إلا بــــــ(واي)، ولايعتذر إلا بـــــ(سوري)، ولا يستحسن إلا بــــ(أوكي)،  ولا يترجى إلا بـــ(بليز) وهلم جر.ا 
وإذا كان هذا من طلبة وطالبات اللغة اللائي المفترض أن يكونوا حماتها؛ فما نقول لغيرهم، وإذا كان هذا من طالبات تحفيظ القرآن، وهن من صفوة المجتمع ولازلن في الثانوية لم يخرجن ويتدنسن بوباء المجتمعات الكافرة المنحلة هن بين بيوتهن المحافظة، ومدارسهن المتأدبة بالقرآن؛ فما الظن بغيرهن، فإنا إلى الله راجعون، وأحسن الله عزاءنا في لغتنا، وهويتنا، وثقافتنا، وكياننا، وشخصيتنا، وقيمنا، وشبابنا، وبناتنا. 
    قد يقول بعضهم: هولت الأمر، وكبرت صغيرا، وحجرت واسعا؛ فأقول ما قال أبو الطيب: 
من يهن يسهل الهوان عليه .. ما لجرح بميت إيلام
   وأقول لهؤلاء: ألم تعلموا أن القرآن العظيم نص على النهي عن تقليد أعدائنا ومشابهتهم في لسانهم العربي المبين، فكيف برطنة العجم قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) ذلك لأن: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم) 
فلماذا اللي بألسنتنا وقد أكرمنا ربنا بلسان عربي مبين لغة اختارها لأكرم وأعظم وخاتم كتبه.. لكنه جحر الضب. 
   وأذكر من المضحكات المبكيات أن سائلة اتصلت بي، فسألت، فلما أجبتها، قالت: أوكي، فلما نبهتها، قالت: سوري.
وهي والله جادة لا لاعبة، لكن اللسان إذا بلي باللي صعب تعديله.
   ومن هذا القبيل أن بعض الناس يظن أن الهاتف لا يجزئك أن تحيي به إلا بـــ(آلو)، وهي مأخوذة من (هيلو) المحرفة من الكلمة العربية المشرقة (أهلا)، فانظر للفرق مابين الكلمتين: (أهلا) و(هيلو) ما أصعب وأعنت اللي؛ لكنه جحر الضب..
ومثل هذا باللي بالألسنة، ليّ العجم لكلمة (كيلو) عن كلمة (كيلة) العربية، وتأمل هل ترى لكلمة كيلة في محتمعاتنا وجود، وانظر لفرق ما بينها في السهولة وبين عنت (كيلو) وليّها..
 وأذكر أنني دخلت على بقّال يوما، فقلت: أعطني من هذا كيلة، فقال مستغربا: تقصد كيلو؟ فقلت: نعم أقصد كيلو، ماذا أفعل بقوم سرت العجمة بينهم، واستنكروا المعروف، لأجل أعجمي مألوف.
    ومن العجب جمع بعضهم بين شعار المسلمين والكفار، مقدما الثاني -أعني بالهاتف- فتراه يقول: (آلو) السلام عليكم، وهكذا يقع في المخالفة، ويفوت على نفسه أجر البدء بالسلام.
    يحق لنا أن نتساءل بإلحاح: ماالذي هزمنا، ونصرهم علينا بلا حرب ماالذي مسخ جيلنا في هديه، ودلّه، ولباسه، وأنماط حياته، ولغاته؟ حتى ترى اليوم شبابنا لا يرعوي، ولا يخجل أن يتمشى في الأسواق والمتاجر والطرق، رافعا الغناء، بربطة شعره، وسراويله القصيرة، وقميصه مقطوع اليدين مبدي الإبطين، يقود كلبه، أو يقوده كلبه، غير وجل ولا خجِل، ولا هياب ولا منتظر من أحد كلمة نكير أي منظر أقبح.. لكنه الليّ وجحر الضب.
       يا سادة الخطب أكبر من الخطاب، والحدث أعظم من الحديث.. أمتنا وجيلنا، وشبابنا حتى أطفالنا، وعقيدتنا، وديننا في خطر، فهل نعي ذلك الخطر؟!
من قبل صرخ حافظ إبراهيم -رحمه الله- داقا ناقوس الخطر، ناعيا لغته، محذرا قومه من هذا الغزو اللغوي الغاشم والداهم:
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي .. وناديت قومي فاحتسبت حياتي
رموني بعقم في الشباب وليتني .. عقمت فلم أجزع لقول عداتي
ولدت ولما لم أجد لعرائسي .. رجالا وأكفاء وأدت بناتي
وسعت كتاب الله لفظا وغاية ... وما ضقت عن آي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة  .. وتنسيق أسماء لمخترعات
أيطربكم من جانب الغرب ناعب .. ينادي بوأدي في ربيع حياتي
سقى الله في بطن الجزيرة أعظما ... يعز عليها أن تلين قناتي
حفظن ودادي في البلى وحفظته .. لهن بقلب دائم الحسرات
وفاخرت أهل الغرب والشرق مطرق .. حياء بتلك الأعظم النخرات
أيهجرني قومي عفا الله عنهمو .. إلى لغة لم تتصل برواة
سرت لوثة الإفرنج فيها كما سرى .. لعاب الأفاعي في مسيل فرات
فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة .. مشكلة الألوان مختلفات
أما أسباب هذا الطوفان الغاشم والسيل الداهم فكثيرة عديدة، لعل من أهمها:
١-ضعف الانتماء والولاء في تربيتنا لديننا ولغتنا، وتنشئة ناشئتنا، حتى حصل عندهم ما يسمى بالانهزام الداخلي، وخاصة مع الانفتاح والتحول الاجتماعي:
ما كابن قرية استبته حضارة--- عرضا رآها طرفه المبهور
أو كابن بادية تحضر فجأة ---- فإذا الخطير ( أفندم دكتور)
فتراه يأتي بالعجائب واهما---- أن الجميع بعلمه مأسور
ويظن أن الكون بات جميعه---- أذنا له وله الورى جمهور
ترك المثقف بيت طين فجأة---- واستقبلته فنادق وقصور
نسي المسيكين  القديم وعهده---- إذ كان مركبَه الوثير حمير
أيام كان الصوف ملبسه وكان أثاثه زنبيله والزير
وشويهة في داره ومهفة--- وفراشه سجادة وحصير
فأزال لحيته وأرخى ثوبه---ورمى السواك ودخن الملبورو
وأتى الحضارة لاهثا من عرضها.. حتى الحساب أحاله لليورو
  فياليت قومنا يفهمون: أن الاستفادة من مصنوعات القوم ليس بالضرورة ثمنه ديننا، وأخلاقنا، ولغتنا، أفلم ينظروا إلى العالم حولهم كيف يعتز بهويته وثقافته، وينشئ عليها ناشئته؛ فالياباني والصيني وأهل المشرق أكثر منا استفادة لصناعتهم، وأقل منا تنازلا عن ثقافتهم مع صعوبة لغتهم، وتعقيد رسم حروفها، لم يتركوها ويتخلوا عنها إلى لغة أسهل منها؛ أما نحن فابتغينا الخبيث بالطيب، والعسر باليسر: لكنه جحر الضب.
٢- ترك الأطفال ضحية تربية الأعاجم الأحياء (الخدم والمربيات)، والموات (ألعاب السوني، والبلاي ستيشن) ناهيك عن أفلام الكارتون التلفزيونية.
فكم جنت عليهم حتى ألفوها، وتشربوا لغتها مع حليب أمهاتهم.
٣- الانفتاح الإعلامي القنواتي، بمنظماته القنواتية الهائلة، والتي سوادها الأعظم من القنوات الأجنبية بلغاتها وثقافتها وأخلاقها وتفسخها، بل وإباحيتها وعهرها.
٤- الانفجار الاتصالي والتواصلي عبر أجهزة الحاسب بمحادثاتها ودردشاتها، وأجهزة الهاتف بعوائلها الاتصالية ( البلاك بيري ونحوه). 
    أستطيع أن أقول: إن كثيرا من أبنائنا وبناتنا تُخطفوا من بيوتنا، وخُطفوا من بين أيدينا، وانتظموا في عوائل اتصالية ربطتهم بوشائج رحم ثقافية، مع أمم شتى، وأجناس مختلفة بأديانها ولغاتها وتقاليدها، حتى أصبحوا غرباء عنا، وهم يعيشون بيننا، وأصبحت لهم طرائق تفكيرهم، ومفردات لغاتهم، ومناهج حياتهم.. 
إنهم باختصار عائلة (البلاك بيري).. 
   نحن الذين ذبحناهم بغير سكين، وأقدمنا على هذا الذبح تخلصا من إزعاج مطالباتهم، وتقليدا لزملائهم وزميلاتهم، والضحية ما رأينا، والمستقبل أعظم، والآتي مدلهم..
والليالي من الزمان حبالى-- - مثقلات يلدن كل عجيب
فاللهم سلم سلم، ويارب الطف.. 
   هذه باختصار شجون تولدت في نفسي، على إثر حديثي مع ابنتي، فأحببت أن أشرككم همي، وأبثكم حزني، لعلنا نتعاون على رأي مشترك، أو دعوة مجابة..
تدبروا أمرنا يا قوم والتمسوا .. درب الخلاص فإن الرأي مشترك


الخميس، 26 أبريل 2012

التدين: والإبداع والذوق والجمال.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
   اقترح علي بعض من يهمه أمري، ويعجبني رأيه، أن أُلطف مقالاتي، وأستريح بقرائي استراحة محارب، بعيدا عن رهج السنابك إلى وهج السبائك، ولين الأرائك، ومن نقع الكديد، وغردق الصعيد، إلى روضة فيحاء، وجنة خضراء؛ حذرا عليهم بعد الشُقة، وكلال المشقة، واستدامةً للنشاط، واستجماما للأرواح.
   فقلت: سمعا وطاعة، ولو أني في هذا مزجي بضاعة، ولست من أهل الصناعة، وأجلت الفكر، وأدرت النظر، ولا أدري لماذا انقدحت شرارة ذهني للحديث عن: التدين و(الذوق والجمال)
  ولقد يظن بعض الزاهين بقطرة من سيل الأدب، والمغرورين برشفة من يم البلاغة، أن الفقيه والمتدين، بارد قلبٍ، بليد مشاعر، فقير عواطف، محروم من تجليات الجمال، محجوب عن استنكاه عَرْف الحسن، مأخوذ عن استطراب جرس اللحن؛ فلجأ إلى الورع والفقه لجوء العاجز، وسلك سلوك العجائز، وتعفف عن كل مباح وجائز؛ ليعوض نقصه، ويكمّل وقصه.
   وأحسن هؤلاء طريقةً من مدّ رواق كرمه، فأضفى صفة الشعر والأدب على طائفة منتسبة للدين من أرباب السلوك وأهل التصوف؛ كالبوصيري، وابن الفارض، وأما غيرهم فناظم لا قارض. 
  ولا ننكر أن هذين أوتيا ذكاء، وإن لم يؤتيا زكاء، وحُليا أدبا، وما حُذيا أدبا، وكم من متصفٍ بالأدب اللغوي لا الشرعي؛ كمثل هذين وكالبُرعي، وأضرابهم؛ ممن يرون أنهم كالملوك في عالم السلوك، وواحدهم وإن ادعى أنه من أهل الطريقة إلا أنه ما استقام على الطريقة، وإن زعم أنه يسمو بالسلوك صعدا، إلا أنه سلوك من جنس "نسلكه عذابا صعدا".
   ومازلت أتذكر مقالا نشرته مجلة اليمامة، قرأته وأنا في سني الصبا، أدرّ الله عليها وَبل الصبا، لواحدٍ من أصحاب هذه الظنون، ومازالت ذكرى هذا المقال تخنس وتكنس في ذاكرتي، وتوسوس وتعسعس في حافظتي، ولا أدري ما فعل الله بالكاتب الذي تخيّل فيه مخايل الخيلاء والترف الأدبي، وإن كان لا يحسن إلا ترديد بعض الأسماء الغربية، التي يراها مثلَه في الإبداع والتذوق والفلسفة؛ أمثال: دسكويفسكي، وتولستوي، وكانت، وديكارت، وأمثالهم.
   وخلاصة مقاله: أن له صديقا محافظا، قال هو لهذا الصديق يوما: أتعرف الفن؟ قال: لا. قال: أتحب الموسيقى؟ قال: لا. قال: فحِرت في جوابه، وأخذته في سيارتي، وفي الطريق رأينا خلاطة إسفلت، فوقفت به عندها، وقلت له: أترى هذه؟ قال: نعم. قلت: ما الفرق بينك وبينها؟ ثم يمضي في مقاله، ليصل إلى مراده، مما ذكرت آنفا.
  وما درى هذا وأمثاله، أن المتدين والمشتغل بالعلم والفقه والعبادة ليس إلا بشرا سويا، ولم يكن حجارة أو حديدا، وأن لكثير من المتدينة كغيرهم حسا مرهفا، وتذوقا رائعا، وقلما مبدعا، لو خلوا بينه وبين ما إليه يصبو ويرنو، وله يتشوف ويتطلع، لكان حالهم كما قال:
ولولا الشعر بالعلماء يزري--- لكنت اليوم أشعر من لبيدِ
   وأقلامهم بالغزير من معاني الجمال فياضة، ترد حياضه، وتنتجع رياضه، ولو أطلقوا لها العنان، وأرخوا الزمام للأقلام، لرأيت منها العجب العجاب، وخاضت بك البحر العباب، وأخذت بمجامع الألباب، في نظم قلائد الفوائد، وابتكار أبكار الأفكار، وإلباس الجمل وافر الحلل، وتنميق الزخرف من خضر الرفرف. 
   ومالهم كذلك لا يكونون، وعندهم ديوان الجمال، وأصل الحسن، ونبعه الثر، ومعينه الصفاء، وعينه النقاء، فهاك إياه وفتش خباياه 
وقد وجدت مجال القول ذا سعة--- فإن وجدت لسانا قائلا فقلِ
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به--- في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
   تأمل سر الجمال كما صوره القرآن في النخل باسقات، والزرع والجنات، والطير صافات، والخيل صافنات، والنجوم الهاديات، والأرض والسموات، والمصباح والمشكاة، وتأمل الجَمال في الجِمال، والخيل والبغال، والأنعام حين تسرح بالغدو، وتريح بالآصال؛ أي روعة ومتعة يجدها أهلها هنالك. 
  والذي أمسك بأقلامهم، وأنضب محابرهم، عن الإيغال في ضروب هذه المعارف؛ أن كثيرا منهم يأنفُ أن يُصنف في ديوان الشعراء، أو يُدرج في موسوعة الأدباء؛ إن غلب شعره على فقهه، وطغى أدبه على علمه، وأكثرهم لا يجد الوقت الكافي ليتمادى في بيداء الأدب، ويُحلقَ في أجواء الخيال، ويهيمَ في أودية الشعر، لما شغله عن ذلك من نوازل الخلق، والتبتل للحق، وأنه إن أمهل لنفسه، وأطلق عنان قلمه، وأرخى زمام فكره، لربما سلك به مفاوز وله، ومهامه ليست له، ومجاهل حب، وهوى به في قعر جُب، وقد لا يعود-إن عاد- من هذه المجاهل إلى حيث كان، بسلامة وأمان:
مجاهل يحار فيهن القطا--- لادمنة لا رسم دارٍ قد بقي
  وإن عاد عاد سغبا لغبا، مكدودا مهدودا مجهودا، كليلا عليلا، وكان مع الخلق بجسمه لا بفكره، فهو حاضر غائب، شارد الذهن ساهم النظرات، دائم العبرات..
مساكين أهل العشق ما كنت أشتري--- حياة جميع العاشقين بدرهم
   ولذلك تجد كثيرا من المتدينة يتعاطى هذا الضرب من المعارف تعاطي محاذر، ويتناوله بأطراف الأنامل والأظافر، ويراه زاد ضرورة لا ترف، وحاجة لا سرف، ولا يمضي إليه إسراعا، ولا يمشي خببا ولا إيضاعا، ويتقرب إليه شعرة، كلما أغراه وتقرب إليه باعا؛ وذلك خشية الانجراف، وحذار الانحراف؛ فإنه مزلة ودحض، وبعضه مباءة ورحض.
قال الشاعر: 
سماعا أيها الفتيان مني --- وكفوا عن مغازلة الملاح
فإن الحب آخره نواح--- وأوله شبيه بالمزاح
وقال آخر: 
وما في الأرض أشقى من محب--- وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيا في كل حين--- مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقا إليهم--- ويبكي إن دنوا حذر الفراق
فيلهب قلبه عند التنائي --- وتسخن عينه عند التلاقي
   ولي حول معاناة الشعر ومكابدته أبيات، وفي هذا المعترك صولات وجولات، كيف لا وبسببه ذقت الأمرين، وعانيت عذاب البين، وقلت من قصيدة مطولة نحو المائتين، كتبتها بدموعي، لا على أنوار شموعي، ونقشتها في ذهني، في غياهب سجني، وبعثت بها لبعض أحبتي في أوان غربتي: 
أحبايَ مالي غير شعري وسيلة ......... إليكم وكم في الشعر للواله العاني
تبتــلت في محـرابه ونظمته ......... صغيـرا وعناني كبيرا وآذاني

    هذا ما أحسبه مانعا أكثر الفقهاء والمتدينة، من تعاطي فن الصناعتين، وإن كانت أجنحة طيور قلوبهم ترفرف، في أقفاص صدورهم، وتغرد بلابلها شوقا، وتزغرد مكاكيها توقا، كلما تناهى إلى سمعهم حادي الجمال، بسماع قصيدة، أو قراءة مقطوعة بلاغية، أو مقامة أدبية، وحالهم كما قال:
كأن القلب ليلة قيل يُغدى--- بليلى العامرية أو يراح
قطاةٌ غرها شَرَك فباتت-- تجاذبه وقد علق الجناح
  لكن سرعان ما يزعه حِلمه عن حُلمه، وينهاه هداه عن هواه، ويقول لنفسه: ويك ارجعي، وليراعته: ابلعي ماءك، وعن هواك أقلعي.
   ومما يتعلق بأهداب هذه المسألة أنه لا تلازم يين هبوط الشعر قيميا، ورقيه فنيا، ومقولة  أعذب الشعر أكذبه مقولة جائرة، وللصواب منافرة، واستعذاب التهتك والمجون، وعده من أرقى الفنون، إنما هو من استشراف الشيطان، وتزيين الجان؛ وتأمل المعلقات السبع التي أجمع حذاق عكاظ على تقديمها في المعاني والألفاظ؛ هل ترى فيها من ذلك القبيل إلا نتفا عابرة على طريقة النسيب لا التشبيب؟!! ما ترى فيها التهتك إلا ما كان في قصيدة الضليل، ومع أنه سنّ للشعراء بعده عديدا من سنن الشعر والقصيد؛ كالوقوف على الأطلال والبكاء عليها، وتصوير لحظة الوداع والفراق أروع تصوير؛ كما في معلقته وكما في البائية الجندبية: 
فلله عينا مَن رأى من تفرق --- أَشتَّ وأَنْأَى من فراقِ المحصبِ
   ياله من تصوير ما أروعه، هل رأيت أحسن وأروع في وصف النأي والفراق منه؛ فالحجاج قد يتلاقون بعد عرفة في مزدلفة، وبعدها في منى، وبعدهما في مكة؛ لكن بعد المحصب فراق لا لقاء بعده، وذهاب إلى غير رجعة..
  مع أنه سن لمن بعده كثيرا من طرائق الشعر، إلا أنهم ما جعلوه لهم في التهتك إماما، إلا ما ذكرت من ما قد يلم به الشاعر إلماما، حتى اتُخذ ذلك الهبوط غرضا، وقصدا في الشعر لا عرضا، بمجيئ عمر ابن أبي ربيعة، ومن بعده حسن بن هانئ المشهور بأبي نواس، ثم سلك المفتونون سبيلهما.
    وسائر المعلقات إنما تألقت بأغراض شريفة، لم تتنافَ مع حسن الصناعة، كطويلة طرفة في الأنفة والحكمة والأمثال، وقصيدة زهير في هذه الأحوال، وفي تخليد المآثر، وتسجيل المفاخر، لأهل المروءات والمناقب، والشهامات والمواهب، التي هي سبب القصيدة؛ وهو سعي هرم بن سنان، في صلح عبس وذبيان.. 
تداركتما عبسا وذبيان بعدما --- تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
  ومرامي هنا: بيان أن هؤلاء الصنف من الناس كغيرهم من البشر، ليسوا حجارة أو حديدا، ولا مشاعرهم صخرا ولا جليدا، وما يمنع كثيرا منهم من البوح بمكنون ضميره، والإفضاء به على أساريره، إلا أنه يلجم قلمه بداعية الاحتشام، ووقار الإسلام، والترفع عن الآثام، وقد قلت في قصيدة:
أتظنون أننا قد خلقنا--- من حديد أو من صخور الرخام
أنا أهوى ولا كمجنون ليلى--- وجميل وعروة بن حزام
غير أني أرعى الحياء وعهدي--- ووقاري وحرمة الإسلام
   ولولا هذا، لرأيت من كل فقيه وحافظ، وعالم وواعظ، ما ليس عند الأصمعي والجاحظ، ألم تقرأ لشيخ القراء أبي عمرو بن العلاء، وللمحدث النضر بن شُميل المازنيين، وللفقيه ابن حزم الأندلسي، وابن رجب الحنبلي من صدق المشاعر، وروعة التعبير، ورهافة الحس، مع حضور البديهة، وعفوية الشعر، ما يبهرك، ويأخذ بلبك.
   والإمام الشافعي مِن مَن رفع الشعر لهم دعايته، ولقاهم رايته، فكانوا آيته، وهو شيخ الراوية الأديب الأصمعي في الشعر، قال الأصمعي: صححت أشعار الهذليين على فتى من قريش، يقال له: محمد بن إدريس، وهو القائل: مكثتُ في بطون العرب عشرين سنة، آخذ أشعارها ولغاتها، وكان أول أمره لغويا، ثم تخصص فقيها، كأبي حنيفة.
  وفي بطون كتب طبقات الفقهاء، وفي غضون تراجم النبلاء، مِن الأشعار الرصينة، والأقوال المتينة، كطبقات الشافعية والحنابلة، ما يستأهل أن يكون موضع دراسة للمتخصصين في اللغة.
    ومِن َمن جمع بين هذه المقامات الثلاث؛ وأعني بها العلم والأدب والوعظ أئمة كثر، أخص منهم بالذكر؛ الإمامين الحنبليين الكبيرين: ابن الجوزي، وابن الجوزية، وهذا الأخير هو العلامة فخر الحنابلة العالم المتفنن المتقن الفقيه المحدث الأصولي اللغوي الأديب الشاعر: محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي، المعروف بابن قيم الجوزية؛ فهو آية من آيات الله في سمو ذوقه، وجمال روحه، وحلاوة عبارته، ورقي لغته، وفصاحته وبلاغته، وجزالة شعره. فهو من نوادر العلماء، وحذاق الفقهاء، اجتمع له مالم يجتمع لغيره " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".
 ولست هنا بصدد تقويم ابن القيم -ومن أنا حتى أقومه- ولكن مرامي التسامي بذكر هذه الأسامي، والتحليق إلى ذرى أولئك العماليق.. 
   فابن القيم حباه الله ملكة نادرة، وعبقرية فذة، في جمال النثر، ونظم الشعر، وقوة الاستحضار، وسرعة الادكار، وحسن الاستدلال، وروعة الاستهلال، وإصابة أكباد المعاني، إصابة الحاذق البصير، وإلباس هذه المعاني من الألفاظ أجمل لباس، بأروع قياس..
كما قال أبو الطيب:
ضَروب وما بين الحسامين ضيق --- بصير ومابين الشجاعين مظلم
   لا أنكر أن نونيته يغلب عليها النظم؛ لأنها تأليف علمي، لكن مقدمتها وخاتمتها وفي أثنائها، وفي قصيدته الميمية، واللامية، وقصائد أخرى له؛ من روعة الشعر ما لو أدركه ابن سلام لصنفه من فحول الشعراء.
    وفيها تجلت براعته، بما دبّجت يراعته، حتى إنه ليخيل إليك أنه لا يجيد غير هذا الفن، ولست والله تدري من أيهما تعجب؛ من فكره أو ذكره، ومقوله أو منقوله، وإنشائه أو إنشاده، ويخيل إليك أنه ما شمّ للعلم رائحة، ولا نظر في الفقه نظرة، وأنه للشعر وفي الشعر، وللأدب وفي الأدب، بينما هذا العالم العَلم إمام في كل فنٍ، ومرجع في كل علم؛ في العقيدة والتوحيد، وفي الحديث والتفسير، وفي الفقه والأصول، وفي الزهد والورع والسلوك، وفي اللغة والأدب والشعر، وفي المناظرة والحجاج، وفي فنون كثيرة، لا تخلو مكتبة من مكتبات هذه العلوم والفنون إلا وله فيها كتاب أو أكثر.
لتفخر السلفية بمثل هذا الإمام ما وسعها الفخر.
    ليت شعري ما يبلغ عند هذا الإمام كثير من المتطفلين على مآدب الأدب، من أنصاف وأرباع المتأدبين، ومن المتشاعرين ممن إن صُنف في سلم الشعر، لم يرقَ إلى رابع الشعراء (وشاعر لا تستحي أن تصفعه). ذاك إن سلم من لوثات الشعر المستحدثة -وما هي بنعمت البدعة- وقال ما يمكن أن يسمى شعرا، فضلا عن أن يكون له معرفة بعلم من علوم الشريعة وغيرها؛ وإنما هو مِن مَن يهذي بما لا يدري، ويهرف بما لا يعرف، ويتقحم ما لايعلم؛ من أرباب  أعمدة الصحافة، وأدعياء الثقافة، مِن مَن يُوَلِّد أو يلوك مُوَلَد الاصطلاحات؛ نحو(التبئير، والتمحور، والتموضع، والتقوقع) وأمثالها، وعند نفسه أنه فاق الناس، وجاء برأس جساس، ومع ذلك تراه شامخا بأنفه، مزهوا بنفسه، محتقرا غيره، ساخرا من السلف وعقيدتهم، نابزا لهم بأحط الأوصاف، وأسوأ الألقاب..
ما درى أن حظه من نبوغ --- حظ أقوامنا بسوق السهام
   فما يبلغ هذا وأمثاله عند ابن قيم الجوزية، وعبقريته الفذة، ومواهبه الجامعة، ومع ذلك ترى لديه من التواضع، وشهود التقصير، والغيرة على المحارم، والحماسة للدين والعقيدة، والحرقة على المنكرات، والصدع بالحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وترك الاغترار بعقله، على قوته ونبوغه وعبقريته، بل ما زاده عقله إلا نورا وبصيرة، ومعرفة بقدر ربه وحق دينه، وعلم نفسه:
قل للذي يدعي في العلم فلسفة--- حفظت شيئا وغابت عنك أشياء
  وما ظنك لو تفرغ ابن القيم للأدب منثوره ومنظومه، كما تخصص ابن قتيبة الدينوري، والجاحظ المعتزلي، وأضرابهما. 
  وقد شرفني ربي بمدح هذا الإمام في قصيدة، أذكر فيها مآثره ومفاخره، وأعطي نبذا مختصرة عن أشهر كتبه؛ كالهدي، والهداية، والإعلام، والمدارج، والإغاثة، والحادي، والروح، والجواب، والعدة، والفوائد، والبدائع، والجيوش، والشفاء، وغيرها، وهاك مطلعها: 
يا واقفا بتحسرٍ وتألمُِّ--- عند الطلول بعبرة وترنمِ
تتذكر الأحباب عند رسومها--- تَبكي وتُبكي أربع المتهدم
ماذا يفيدك إن ذرفت الدمع من--- عين كوبل سحابه المتسجّم
كم قد بكى مِن قبل عند ربوعها--- صبٌّ وربع طلولها لم يعلمِ
لكنما المسكين يحسب أنه--- يقضي بذاك لبانة المتتيم
من مثل قيس وابن حجر حندجٍ---  وابني نويرة مالك ومتمم
لا تبك طلا قد تهدم وابكين--- طلل الإمام محمد ابن القيم
لما عفت أعلامه حتى غدت--- كبقية من خضرة المستوشم
وإذا مررت بطله وبساحه--- فصلِ الدعاء على الإمام وسلم
واسفح هنالك ما استطعت الدمع لا---تبخل وبعد الدمع فاشهق بالدم
يا ليت عينا لابن قيمَ شاهدت---فتن الزمان كزحف جيشِ عرمرم
صرنا نُعَيّرُ بالإمام ونهجه--- وبشيخه ياللزمان الأدهم
في غربة للدين حالك لونها--- وسوادها مثل الغراب الأسحم
وإذا محاسننا التي ندلي بها--- صارت عيوبا ويك موت تقدم
وإذا عمالقنا التي نزهو بها--- صارت تُطَاول من رعاع الأَقْزُم
وإذا أئمتنا العظام ينالها--- ذنب رويبضة فيا حتف اهجم

   وبهذا القدر أكتفي، وفاء بما وعدت في صدر المقالة، أني لا آخذكم من وثير الأرائك، إلى رهج السنابك، ودخان المعارك، وأعتذر عما قد يجده القارئ من ثغرات وزلات وهنات؛ لأني كتبتها مما علق بالذاكرة، وقديم المذاكرة.
وصلى الله وسلم عل سيدنا ونبينا محمد.