تعديل

بحث

السبت، 16 فبراير 2013

إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء..


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله :
وبعد: لم أر ولم أجد أبلغ مما حصل صباح اليوم في روسيا وبالتحديد في منطقة (أورال) وبالتحديد الدقيق في مدينة (تشيليابنك) تفسيرا لقول الحق تبارك وتعالى:
" أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير"
وقوله تعالى:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم "
وقوله: "إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب" وأمثال هؤلاء الآيات الكريمات.
وأورال أحد القطاعات العظيمة في الإمبراطورية الروسية وهو في الأصل اسم جبال ربما تكون هي المقصودة ببيت امرئ القيس في اللامية الثانية :
تخطيت خزان الشريّة بالضحى 
وقد حجرت منها ثعالب أورال
ولا عجب فهو رحالة سعاء في الأرض ذكر أنقرة وحوران وأذرعات وأنطاكية وبعلبك وسواها.
لقد استيقظت المدينة على رجف وقذف رج الأرض رجا وسمع دوي انفجاره على بعد مئات الأكيال وخطف سنا وميضه أبصار أهالي مدن بعيدة  من المدينة المقذوفة وخلف هذا القذف الإلهي بأعداد من النيازك شقت غلاف الجو في أسرع من الصوت آلاف الإصابات ودمارا هائلا ورعبا وهلعا وشللا شبه تام للمدينة !!
فمن ينصرك يا روسيا من الله ؟!
وأين الفأر فلادي مير بوتين من التصدي لثورة العقوبة الإلهية ؟!!
كما تصدى لثورة الأبطال في الشام، وإذا كان عدو الله وعملاؤه يقصفون الأطفال والنساء  في أجواف بيوتهم  ويقذفونهم عزلا محاصرين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ولا يجدون ملجأ ولا مهربا، إذا فعلوا هذا آمنين من ردهم وقصفهم المضاد؛ (أفأمنوا مكر الله)؟!!
فليعلم عدو الله أن هناك قوة قادرة أن تثأر لهم وتنتقم .
قوة لا يستطيع لها الشقي ردا ولا منعا ولا صرفا ولانصرا.
في غزو هذا الشقي بوتين للشيشان قبل ثلاث عشرة سنة: قال الأحمق المطاع كلمة بلهاء قبيحة لا زلت بعدها موقنا أن الله سيرينا فيه نكال الآخرة والأولى، وأن الله سيسحتهم بعذاب ..
قال: سأقاتل الشيشانيين وأقاتل إلههم معهم .انتهى كلامه لعنه الله،
وانتهت ولايته المشؤومة.. ولم نر عقوبته واضحة.
وجاء بعده الدمية ديمتري ميديفيديف والذي تبين أن الأول وضعه ليحتفظ له بالمنصب ..
ولا أكتم القارئ الكريم حديثا أني لم أُسأ لعودة عدو الله السفاح بوتين إلى العرش الروسي آملا أن ينكبه الله وينتقم منه ومن دولته، ويشفي منهم صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم.
ولم يكتف السفاح بأفعاله الدموية في الشيشان حتى أضاف إليها جرائم أخرى في الشام لاتقل عنها دموية وتدميرية .
ولازال عدو الله يتحدى ويصرخ عاليا بدعم شقيقه في الغباء والدموية بوتين في نسخته العربية بشار وإن كنت أعلم يقينا أن الأخير يبتُّ ولا يمتُّ إلى العربية بأدنى صلة فضلا عن العلوية حاشا أمير المؤمنين علي منه وأمثاله وكم يصدق عليه بيت المتنبي :
وفارقت شر الأرض أهلا وتربة
بها علوي جده غير هاشم
أيظن الشقي بوتين أن الله سيغفل عنه ويغفل له ما صنع من ذبح أطفال الشيشان ونحر أطفال الشام من الوريد إلى الوريد ؟!!
وهل دمر الشام وذبح شيوخه وأطفاله إلا بأطنان أمداد الروس من طائرات ودبابات وقذائف ؟!!
لكن مما يشرح الصدر أن هذه الأمة الروسية الحمقاء دوما يراهنون على جواد خاسر، ولن يكون بغلهم بشار أوفر حظا من شاوششسكو ورادوفان كرى ديتش وسلوبودان ميلو شيفيتش وهونكر ونجيب وعبد الفتاح إسماعيل..
لاجرم أنهم أغبى الناس سياسة في العالمين، وكم تدرعت بهم أمريكا وتذرعت وجعلتهم مسخرة الساخرين، والمسألة السورية أوضح شاهد، ولي في هذه المدونة (مأساة الشام بين مهزلة النيتو ومسخرة الفيتو) و(الزائية البازية فوق رؤوس الروس) وفيها قلت :
أجدى لذي الدنيا وأنفع للورى 
من مجلس الدوما زريب معاز
وما كرهت أحدا كرهي لهذا الأحمق المطاع في نسختيه الروسية والسورية فهما هما مقلوبان وجهان لعملة روس وسور
وما كان أثقل إن بدت صورته الكريهة على الشاشة :
يقلب رأسا لم يكن رأس سيد 
وعينين حولاوين بادٍ عيوبها
ألا إن النظر إلى مثله من أقسى عذابات الروح :
ويل العيون الناظرات لصورة
نظر العيون لمثلها تسميرُ
ومن الطرف المتداولة: في سبب رتب الأزرار على مقدم ظاهر أكمام الأكوات أن جنود القيصرية الروسية كانوا في جبهات الحرب تحمر أنوفهم وتسيل من البرد فيمشّونها بالأكمام (فعل الصبيان) فتسود فإذا فتش عليهم وجد المنظر مقرفا فجاءت الفكرة لزجرهم والتي أصبحت زيا مكملا والفضل لأنوف الروس !!
وعلى كل حال: فمشّ يمش فعل عربي صحيح وضعا واستعمالا وليس من موّلد النجدي كما يظن البعض، قال حامل لواء الشعر كبير المراقسة (جمع امرئ القيس) وهم أكثر من أربعة عشر والمقصود هنا امرؤ القيس بن حجر الكندي صاحب المعلقة، قال في البائية الجندبية :
نمشّ بأعراف الجياد أكفّنا
إذا نحن قمنا عن  شُواء مضهّبِ
والفضل أيضا في هذه الفائدة لأنوف الروس
أفمثل هؤلاء يتبؤون في مجلس الخمس الطواغي كرسيا يملكون بموجبه النقض والفرض على العالم ؟!!!
وليست النيازك عليهم بجديد قبل أربع سنين رجموا بنيزك ملتهب أحال ما مساحته مليونا كيل متر دمارا.
فاللهم زدهم منها ولا تنقصهم وعلى الكرملين يا كريم .
اللهم دمر ديمتري وبيّت بوتين وبشرنا بهلاك بشار ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا. 
  
اللهم أرنا في الروس والمجوس وطواغيتهم من آيات الآفاق وفي أنفسهم عجائب قدرتك حتى نقول :
"
فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين"
ألا حبذا قصف الرجوم النيازكِ
على روسِيا يارب زدها وباركِ
أغارت صباحا فاستحال صباحهم
من الرعب ليلا مثل سود الحوالك
وسيئت وجوه الكافرين وقد رأوا
عذاب إلهي زلفة في تدارُكِ
شواظا على روس وبردا وبلسما
لأكباد قوم موجعات هوالك
ألا فاشتفي يا أمة الدين منهمو
فما الجبت والطاغوت إلا أولئكِ
فكم أحدثوا في دارنا من مصائب
وكم أوقدوا في شامنا من معارك
وكم أسعفوا طاغوته بسلاحهم
رواجم نار مثل حمر النيازك
وجاءهمو من فوقهم قصف قادر
عليهم وما في ملكه من مشارك
لئن صنعوا ميجا وسوخوي إنها
وإن حلّقت في الجو تحت الملائك
ولن يعجزوا الجبار في البطش إنهم
وإن فجّروا النترون في كف مالك
وإن أمعن الروس العتاة عداوة
وضاقت علينا واسعات المسالك
فليس لنا إلا القنابل والقنا
وسحق النواصي تحت صم السنابك
لنا مطلب سام يسمونه الردى
ألذ من الحلواء فوق الأرائك
وأحلى من الشهد اللذيذ شهادة
بيوم عبوس بالمخاطر شائك
سيعلم روس  من أشد صلابة
إذا اصطدم الأبطال يوم التشابك
وزال حديد الروس مما تذيبه
لوافح نيران الكماة الفواتك
وأقوى من السوخوي والميج دعوة
تشق عنان الكون من كف ناسك
إذا ما كلاب الروس شد غطيطها
من النوم أو عبّ الكؤوس العوارك
تسربل ثوب الليل يا حبذا له
نشيج وأنهار الدموع السوافك
وتقرع أبواب السماء سريعة
فما من حدود دونها وجمارك 
فيرفعها الجبار جل جلاله
ويرسلها بين الشداد السوامك
بقذف وخسف للطواغي فلا ترى
سوى هالك في دارهم أوكهالك
وياليتها كانت كسجيل مكة
حجارة نار أو كحاصب آفك
وترمي شرارا مثل قصر مشيّد
وحجم الجمال المترفات البوارك
تحيل قلاع الكرملين خرائبا 
كثيبا مهيلا كالركام الدكادك
ليعلم بوتين الشقي بأنه
ذباب أمام الله أقدر فاتك

الأربعاء، 6 فبراير 2013

سلام على عبدالله في العالمين..



الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا على فراقك ياعبدالله لمحزنون ولا نقول إلا مايرضي ربنا إنا لله وإنا إليه راجعون..
لقد تابعت كغيري تفاصيل الرواية الباكية والقصة الحزينة للمقصوص المرحوم بإذن الله عبدالله بن فندي الشمري،
ولقد تأثرت (كالملايين) وحزنت له كعموم المسلمين، ولكنْ هذه المنايا والآجال "فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون"
وأنا سوف تدركنا المنايا
مقدرة لنا ومقدرينا..

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
تعددت الأسباب والموت واحد

والمحزن في قصة عبدالله رحمه الله: هذا العمر المديد الذي قضاه في حبسه أكثر من عمر حريته، مترقبا الموت كل جمعة، متوقعا أن ينادى كل لحظة، آرقا جفنه، قلقا فكره، متجافيا عن المبيت جنبه، متحيرا بين الخوف والرجاء، مترددا بين الأمل والوجل، متعذبا بين الأمنية والمنية، وحاله كلما سمع رنة القصاص بأذن، ورمق حد السيف بعين وسمع ورأى بأختيهما تباشير العفو وقصص التنازل بمقابل وغير مقابل، وآمال المساعي بحقن الدماء وفك الرقاب - حاله هنا كما قال أبو الطيب:
فقاسَمَك العينين منه ولحظَه
سميّك والخلّ الذي لايزايل
فأبصر منك العفو والعفو مطمع
وأبصر منه الموت والموت هائل
ولكن:
مايخفف هول المصاب، ويفرغ جميل الصبر، ويعزي من هول الفاجعة أن نتذكر مايلي:
أولا:
أن عبدالله مات بقضاء الله وقدره، ولو كان بين أهله ناعما وادعا مات في لحظته بغتة:
لو كان للإنسان آخر شربة
والعمر تمّ لكان فيها يشرق
وما هذه المنايا إلا أقدار، وماهذه الحتوف إلا أسباب، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف يشاء، ولو شاء الله لصرف قلوب أولياء الدم -رحم الله قتيلهم- إلى العفو لفعل، ولكن الله أراد إنفاد قدره، "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون" والحمد لله على قضائه وقدره فما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن، والإيمان بالقضاء والقدر، واليقين أن كل صغير وكبير مستطر، وكل شيء فعلوه في الزبر يريح القلوب ويطمئن الأفئدة ويسلي المصاب.
ولله الحكمة البالغة في استحياء عتاة قتلة المجرمين والمفحطين وقبول الشفاعة فيهم ودفع عشرات الملايين، وبالمقابل استيفاء القصاص من هذا العبد الصالح غير ذي السابقة المرتكب جنايته غرا صغيرا في حداثة سن واقتبال عمر في مشاجرة ولم يكن قتله غيلة ولاعن سبق ترصد وإصرار، ومن يدري لعل الله أحبه فطهره وهذبه واجتباه واصطفاه، وربك يخلق ما يشاء ويختار.
ويشبه حاله إلى حد ما حال الشاعر العربي هُدبة بن خشرم الأسلمي الذي بدأه ابن عمه بالمهاجاة والشر، فتطاولا حتى تشاحنا، فقتل هدبة زيادة وهرب، فحبس أمير المدينة سعيد بن العاص أهله، فسمع بذلك فرجع وأمكن من نفسه وخلص أهله، وحكم بالقصاص وحبس ست سنين حتى يبلغ المسور بن زيادة، وتشفع أهله بكل وجيه من أمير وعالم، وعرض أمير المدينة على أخي زيادة مائة ناقة حمراء مافيها من جداء ولا ذات داء فأبى وقال: والله لو ملأت لي كذا وكذا ذهبا ما شفى غليلي إلا دمه، فقدم للقتل، فقال: أمهلوني كي أصلي فصلى ركعتين وخفف، فلما انصرف قال: والله لولا يظن بي الجزع لأطلتهما، فإني أحوج ما أكون اليوم إليهما ثم قال لأهله: إذا طاح رأسي فأمهلوا فإني سمعت أن القتيل يعقل بعد سقوط رأسه ساعة، وإن علامة عقلي أن أقبض رجلي وأبسطها ثلاثا، ففعل ذلك، ولما قدم للقتل، رفع رأسه وقال آخر بيت له:
فإن تقتلوني في القيود فإنني
قتلت أخاكم مطلقا غير موثق
ومن شعره في سجنه قصيدته (طربت وأنت بالذكرى طروب..وكيف وقد تعلاك المشيب)، ومنها:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه
يكون وراءه فرج قريب
فيأمن خائف ويُفك عانٍ
ويلقى أهله النائي الغريب
رحمه الله وغفر له..

ثانيا:
أن عبدالله رحمه الله إنما قتل بسيف الشرع وحكم القضاء، ولا اعتراض على شرع الله، ومالنا إلا التسليم والرضا "ولكم في القصاص حياة ياأولي الألباب لعلكم تتقون"، وهذا اجتهاد من حكم من القضاة يلقى به الله، فمأجور أو معذور، والتحسر والتأسف لن يرد قضاء، ولن ينفخ روحا، ولن يعيد حبيبا.
ثالثا:
أن نتذكر جيدا أن هذه الحدود والقصاص رحمة وكفارة على القول الصحيح، كما قال صلى الله عليه وسلم:(فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، وإلا فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له)
فحرارة الموت لحظات ثم برد وسلام إن شاء الله، وحمرة الدم قطرات ثم خضر سندس وإستبرق في الخيام..
تردّى ثياب الموت حمرا فما أتى
لها الليل إلا وهي من سندس خضر
والنبي صلى الله عليه وسلم قال في ماعز المرجوم في الزنا: "إنه لفي أنهار الجنة ينغمس فيها" رواه أبوداود والبيهقي وغيرهما.
وهكذا يستريح من سجن الدنيا إلى أريحية الجنة وحياة النعيم، وهو أحد المعاني لقوله تعالى:"ولكم في القصاص حياة" أي حياة الخلود الباقية، والسعادة الدائمة في روضات الجنات للمقصوص والمحدود إذا تاب وقبله الله، والمعنى الآخر أن لكم أيها الأمة والجمهور حياة في الدنيا بارتداع العامة وكف الكافة عن التعدي والقتل، ولامانع من إرادة المعنيين..
واليوم استراح عبدالله وانتهت رحلة العناء وألقى عصا الترحال وحط برحله في الجنة بإذن الله..
فألقت عصاها واستقر بها النوى
كما قر عينا بالإياب المسافر

بردت تباريح الحَزَنْ.. للشمري المرتهن
عمرا تقلب في الترقب والتوقع والمحن
زال الجميع بلمحة.. فكأن شيئا لم يكن
إني لأرجو أن يكون بجنة خضرا عدن

رابعا:
كما يقال: رب ضارة نافعة، "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم" وربما صحت الأجسام بالعلل؛ فكثير من الخلق غبطوا عبدالله على ميتته، ولك أن تقارن بين موت فجأة وأخذ بغتة لإنسان في غفلته ولهوه ومعصيته، أو على فراش نومه أو على دابة سفره، ما توقع الموت ولا تحراه ولا انتظره ولا توقعه ولادراه، ولا خطر له ببال ولا دار له بخيال، ولا تاب ولا أناب، ولا استعفى ولا استغفر، ولاعهد ولاتشهد، ولا ودع ولا أوصى، ولاتصدق ولاصلى، ولكن كذب وتولى، فأُخذ أخذة أسف، ومات ميتة حتف "فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون" وبين موت كموت عبدالله ينتظر الموت منذ أكثر من ثلاثين عاما، وكل جمعة يقول هذه خاتمتي، فإذا أدبرت وأقبلت الأخرى قال هذه هذه، وبينهما إقامة صلوات واستغفار واستنفار وانكسار، وتوبات وركعات وسجدات وآهات ودمعات وإحسان وصدقات وأمر ونهي ودعوة ودعاء ووصيته عند رأسه كل ليلة يصلي صلاة مودع كل صلاة، وإذا أصبح لم ينتظر المساء وإذا أمسى لم ينتظر الصباح، وهو في دنياه غريب وعابر سبيل، يتحرى كل لحظة أن ينادى ليرحل إلى منزله ومثواه وسكنه ومأواه، صك صك الموت سمعه من سنين، ونعيت إليه نفسه منذ حين، وكل يوم وليلة، بل كل لحظة وثانية يعدها عمرا جديدا ومكسبا فوق رأس المال، يودع فيها من الأعمال الصالحة لا من الريال ماأقدره الله عليه من الأقوال والأعمال (خيركم من طال عمره وحسن عمله)، ثم يقدم إلى ساحة الموت وقد اغتسل وتطهر، واستاك وتعطر، وكرر الشهادة، وانتظر الوفادة، واحتسب مصابه في نفسه، واسترجع إلى ربه لينال الصلوات والرحمات التي وعد بها أهل المصيبة في الآية الكريمة الحبيبة، وهل أعظم مصيبة من مصيبة المرء في نفسه، وخطوه برجليه إلى رمسه، قال تعالى:"إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت" وقال صلى الله عليه وسلم:(من كان آخر كلامه من الدنيا لاإله إلا الله دخل الجنة) وفي الصحيحين من حديث عتبان: (إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: عوفي من كثير من الواجبات وسومح من عديد من التبعات التي وجبت على غيره من أهل الحرية فقصر فيها؛ فسومح من صلة رحم وبر قريب وعيادة مريض وتشييع جنازة، ومتابعة حج وعمرة، وإعداد وجهاد، بل كتب له أجرها وإن لم يفعلها بنيته الطيبة إن شاء الله، وعوفي من كثير من آفات اللسان المهلكة والخلطة المفسدة المقسية للقلب والنظر الحرام إلى الحريم والمحارم، وسماع الملاهي وغير ذلك مما يرتع فيه أهل الحرية.
وما أعظمها وأكثرها إذا تجمعت أعني إطلاق البصر والنظرات، ومابعد ذلك من الموبقات والغيبات والنميمات ماأكثرها لو أحصيتها في اليوم فكيف في ثلاثين عاما.. إنها لو أثبتت في كراريس وقراطيس لناء بحملها العصبة أولو القوة من الرجال بل البغال بل الجمال بل الجبال..
شيخ كبير له ذنوب
تعجز عن حملها المطايا
قد بيضت شعره الليالي
وسودت وجهه الخطايا..
والمظنون أن المسجون معافى من هذه البلايا كلها لانعدام أسبابها ومسبباتها، وهو مانرجوه لعبدالله، ومن جهة ثالثة: فمصحفه بين يديه خلا ورفيقا لايفارق كفه وراحته يجد فيه سلوانه وراحته، فهو معه في رحيق مختوم، وختام مسك وختمات تترى حال ومرتحل، ما آب من سفر مع القرآن إلا أزمع سفرا:
كأنما هو في حل ومرتحل
مُوكل بكتاب الله يقرؤه
ما آب من سفر إلا وأسعده
تأهب لمسير عاد يبدؤه

وهو دائم الإقامة في مسجده لايتأخر عن صلاة، ولايتخلف عن جماعة، ولاتفوته تحريمة، ولا يحضر إلى الصلاة بعد تسليمة، طيلة هذه المدة الطويلة الأليمة، وكم تفوت من صلاة وركعات وجمعة وجماعات لمن عوفي من البلاء وعاش في الحرية في يوم وشهر فضلا عن عام فضلا عن ثلاثين عاما..
ثم هو في أيام صبر وسني تمحيص وتخليص وتطهير وتكفير وما أشق السجن وأشده، وإن عاما للسجين كفيل بالإشراف به على حافة الجنون فكيف بثلاثين عاما أو تزيد " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب" " وبشر الصابرين" " والله مع الصابرين"
هذا وأمثاله مايجعل كثيرا من الناس يغبط عبدالله في منيته ويحسده على ميتته.
إن يحسدوني على موتي فواعجبا
حتى على الموت لا أخلو من الحسد
وأخيرا..
فإن العفو منقبة عظيمة وخصلة كريمة لا يوفق لها كل أحد، ولا يمنحها الله إلا من اختصهم بحبه واجتباهم بقربه قال تعالى:"والعافين عن الناس والله يحب المحسنين"
وقد قال أحد الخلفاء: لقد حبب إلي العفو حتى خشيت أن لا أؤجر عليه.
هذا مع أن القصاص حق لا يلام صاحبه ولايستطال على عرضه ولايعنف عليه..
وهذه أبيات رثيت بها عبدالله وعزيت بها أهله وأحبابه، بل عموم من فجع به من المسلمين، وعزيت بها نفسي قبلهم:


لمن نشكو الفجيعة ياابن فندي
وقد حسم القضاء بحدّ هندي

بكى الجبلان أي أجأٌ وسلمى
وذابت كل ناظرة وكبْد

وودت كل أرض الله لو أنْ
تقدم كل غالية وتفدي

بكاك المصحف المفجوع لما
له قلت: الوداع، وما بودّي

ومسجدك الذي صليت فيه
من الأعوام عمر أب وجدّ

بكاك السجن لاجرم ففيه
قضيت العمر موثوقا بقِدّ

شببت به وشخت وكنت خلاّ
لأهل السجن محبوسٍ وجندي

وذقت من المنية ألف موت
وكابدت العذاب وكل جهد

ومن عرف السجون وما حوته
من الأحزان ما أعياه قصدي

فسل عنها ومحنتها خبيرا
فكم عنها من الأخبار عندي

وقصّك ذا القصاصُ بكل عضو
وحدّتك السيوف بكل حدّ

ومابرحت تباريح الليالي
تهدك بالترقب أيَّ هدّ

إلى أن حان حينك واستتمت
لك الأيام واكتملت بعَدِّ

ولست أرى بأمرك من جديد
فمن قبر إلى قبر ولحد

بلى أملي بلحدك أن تُلقّى
ثواب الصبر في نزلٍ مُعَدّ

وترتع في أرائك ناعمات
بجنات مهيأة وخلد

وتنهل من شراب سلسبيل
بأنهار الروا لبن وشهد

وسندسِ أخضرٍ في دار عدن
نمارق أو زرابي المخدّ

وتأنس معْ كواعب قاصرات
وحور ذات تدليل وقدّ

تمشّى بينهن على بساط
من الألوان أفنان ورند

بكاك المشفقون وأنت فيهم
تَبَسَّمُ كالعروس بيوم سعد

وأهوال أمامك قد تراءت
هي الموت الرهيب بدون بد

وجئت إلى القصاص حديد قلب
وثيق الخطو  كالجبل الأشدّ

وأنت لهذه الأهوال عمرا
مديدا كالزعيم المستعد

وكم بطل مكانك قد تراخى
وخانته النهى يوم التحدي

فخار له عزائم صادقات
وخفاقٍ من الترويع رِعد

بذلت المستحيل لعلّ تبقى
ولكن للإله قضاء عهد

تقول: أطل بأيامي إلهي
وقال الله: قد أنفذت وعدي

وقلتَ: لعله يختار عفوا
وقال الله: إني اخترت عبدي

سلام الله عبدالله حتى
تلاقي في القيامة أهل ودّ

بظل العرش في ملأ كريم
مع المقتول في أنس ورغْد

الخميس، 31 يناير 2013

ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد:
قبل أيام أعلن المستشفى التخصصي بالرياض أنه لم يعد قادرا على استقبال المزيد من الحالات السرطانية التي لا قبل له بها، ولم يعد في مقدوره استيعاب  الحالات المستجدة، ثم فجّر المفاجأة المرعبة حين أعلن أنه يستقبل الآن ما معدله ألف حالة جديدة شهريا من الحالات السرطانية المتنوعة، ومعنى هذا يا سادة أن هذا المستشفى وحده يستقبل يوميا أكثر من ثلاث وثلاثين حالة سرطانية جديدة، وإذا جعلنا بالاعتبار صعوبة الوصول إلى هذا المستشفى الذي غالبا لا يوصل إليه إلا بأمر ملكي أو واسطة نافذة -علمنا أن هذا العدد قليل من كثير من الإصابات السرطانية المكتشفة، فضلا عن حالات مادرى بها أصحابها، فضلا عن المستشفيات الأخرى والمدن والمناطق الأخرى..
الأمر مذهل ومرعب يا سادة..
فالله ربنا الرحمن المستعان، ورحم الله أنفسا مؤمنة ذهبت ضحية هذا البلاء، ولطف بأقوام يتجرعون غصصه ويتقلبون على أوجاعه وآلامه، ورفع هذا الوباء المميت عن أمة حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم.
ياسادة ياكرام..
ألا يحق لنا أن نعتبر هذا الطاعون نوعا من العذاب المسلط، مثله مثل الحروب المدمرة المسلطة على أقوام آخرين، والتي تأكل الأخضر واليابس، وتهلك الحرث والنسل، ألا  ينبغي لنا معه أن نجأر بالدعاء إلى رب السماء بكشف هذا البلاء "ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون"
إن طوابير طويلة من جنائز هذا البلاء تصف يوميا في مغاسل الموتى وأمام المصلين، وإن المقابر قد ضاقت بأجداثهم، وإن المستشفيات قد غصت واكتظت بمرضاه وصرعاه؛ منهم  من يُحتضر ومنهم من ينتظر، ورحمة الله أقرب وعافيته أوسع..
وإن أعدادا أخرى لا تقل عن سابقها ممن تعافت من هذا الوباء، لاتزال تجرجر آثاره المرة نفسية (حذرا وقلقا من عودته) وجسدية (بتشوه خلق أو بتر عضو أو تعطيل منفعة)، فأعداد هائلة من النساء بلا صدور أو ببعض صدور، ومنهن ومن الرجال بلا أطراف أو ببعض أطراف، وبلا غدد أو ببعض غدد..
ومن باب قوله تعالى: "وآتيناه من كل شيء سببا" وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: (ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء) ولمسلم: (لكل داء دواء) أجتهد ما أمكنني الأمر في رصد أهم مسببات هذا الطاعون وفي ضمنها الوقايات.
فأولا: الأسباب الشرعية:
وذلك بالتفريط في جنب الله، وتقحم معاصيه، والجرأة على محارمه؛ وهذا سبب الأسباب لاجرم وإن أغفله الماديون، وتغاضى عنه الغافلون؛ فمانزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة قال تعالى:"وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير" وقال ربنا سبحانه:"ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد" وقال:"ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور"  وقال تعالى:"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون" وقال سبحانه:"ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون، ومن أظلم من من ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون"
فينبغي إذن أن تكون هذه العقيدة لدينا راسخة رسوخ الرواسي ولو كره الكافرون وشكك الماديون.
إن الأمة بمجملها ومجموعها (لا بجملتها وجميعها) تعيش حالة من اللهو والغفلة والصدود والإعراض، والتباهي بالمعاصي، والتماهي بالملاهي، ونسيان ماخلقت له من طاعة الله، والانكباب على أنواع الملذات والشهوات، والإلهاء الإعلامي العام بقنواته المضللة والخاص بتويتره ومواقعه؛ فلا يستفيق ذلك الغافل إلا على طعنة هذا الطاعون في رأسه أو صدره أو بطنه أو أعضائه أو عظمه أو دمه، فيعيد حساباته ويستعرض سيئاته ويقول:" يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين"
لا يشوش على ما ذكرت استشكال بعض وتساؤله: فما بال هذه المرض يأتي على الأخضر واليابس والصالح والطالح والبر والفاجر؛ لأن سنة الحكيم الخبير أن العقوبة تنزل عامة كما قال تعالى:"واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة" مثلها مثل الزلازل والأعاصير والريح والفيضانات، تأتي على العامة ويبعثون على نياتهم، وتكون رحمة وكفارة للمؤمن ونكالا للفاجر، كما بين ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الطاعون، ولما ذكر الخسف بالجيش وسألت عائشة -رضي الله عنها- كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم سوقتهم ومن ليس منهم قال: (يبعثون على نياتهم)، وهذا أمر مقرر ومعروف.
وسبيل تدارك هذا:
الأول: التوبة الكافة، والرجعة العامة إلى الله، والاستكثار من الاستغفار والاستنفار للانكسار، واطّراح الأفراح، والانطراح طلب السماح، وضجيج الأصوات بالدعوات  والضراعة من الجماعة، وطرق أبواب السموات في الخلوات والجماعات..
لعل الله يرحم من مات بالمغفرة، ومن أصيب بالشفاء، ومن تبقى بالعافية.
وكلما كانت التوبة أجمع والدعاء أضرع كان أسمع قال تعالى: "قال قد أجيبت دعوتكما"
فقلت ادعي وأدعوَ إن أرجى .. قبولا أن يناديَ داعيان
ولو قيل بالتواصي بالقنوت في الفرائض أياما لكان متجها؛ إذ الأمة تعيش نازلة من أعظم النوازل، ولاحول ولاقوة إلا بالله.
والدعاء إذا تووصي به يشهد جدواه حتى الفلاسفة الماديون قال قائلهم: ضجيج الأصوات في هياكل العبادات تحل ما عقدته الأفلاك المؤثرات، ونحن نقول: تحل الكربات بإذن رب الأرض والسموات.
الثاني: الاستكثار من الصلوات والصدقات قال تعالى: "واستعينوا بالصبر والصلاة" وللصدقة أثر عظيم في دفع ميتة السوء، وكشف الكرب.
الثالث: تطهير القلوب من الغل والحسد، والبيوت من الملهيات البصرية والسمعية وكل ما يطرد الملائكة ويجلب الشياطين؛ فإن كثيرا من هذه الأمراض مقترنة بالحسد والشيطان والجان وعين الإنسان؛ وبحيث يظل كل واحد على توجس وتخوف وترقب فيطرح الأمن من مكر الله  ويعيش حالة الاستنفار حذر البلاء.
الرابع: المحافظة على الأذكار طرفي الليل والنهار، واستحضار معانيها بالقلب كقوله تعالى:" من شر ماخلق" وقوله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ماخلق) فإن هذه الأسقام لاتخرج عن خلق الله.
والمحافظة على الرقى والتعاويذ الشرعية، وفي الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها-:(أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع كفيه وينفث فيهما الإخلاص والمعوذتين ويمسح ما استطاع من جسده عند كل نوم) وذلك لأن البلاء قد ينزل في حال النوم فيجد هذا حصنا حصينا بإذن الله، حتى إن عائشة -رضي الله عنها- في حال مرض الرسول -صلى الله عليه وسلم- كانت تنفث في يديه الكريمتين وتمسح بهما جسده.
الخامس: تعويد الصغار على الأذكار والرقى، وتعويذ من لم يعقل منهم كما كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يفعل مع سبطيه.

ثانيا: الأسباب المادية ومنها:

الأول: التلوث البيئي:
وهذا من أعظم جنايات ما تسمى بالدول العظمى الخاطئة، وما تخلفه مصانعها وعوادمها ومفاعلاتها وتملأ به الأجواء والصحاري والقفار والبحار من المكبات والمدافن النووية والرواجع الصناعية وبقايا التجارب والحروب.
وليس سرا أن نسبة الإصابة بالسرطان قفزت بطفرة هائلة في منطقتنا بعد حربي الخليج الأولى والثانية، وليس سرا أنه كلما اقتربنا من بؤرة الحرب اتسعت دائرة الإصابة، وفي تقرير سابق اطلعت عليه قبل سنين أن أعلى نسبة للإصابة بالسرطان في الديار السعودية المنطقة الشرقية وأوسطها الوسطى ثم الغربية.
إن هذه الدول المتغطرسة لا تهمها صحة العالم أبدا في سبيل بقاء هيمنتها وجبروتها، وإن الأخلاق منعدمة لديها إذا حالت دون هدف لها ولو كان غير نبيل أو غاية في القذارة.. وكم عثر على مكبات ومدافن لنفايات نووية في بلاد أفريقيا الفقيرة وقرب بعض الدول النامية والعالم الثالث، وتمر هذه الحوادث دون موقف موحد وحازم من حكوماتها ومن الهيئات الأممية؛ لأن الضحية: نحن، والجلاد: هم فكيف إذن تحاسبهم هذه الهيئات ومقراتها في أحضانهم وإداراتها في بلدانهم:
فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
والعجب أن هذا اليورانيوم مسروق من تلكم البلاد التي أعيد رجيعها إليها ودفن فيها أو ألقي في بحارها، وأعجب هذا العجب أن تتعاون هذه الدول الضحية مع هذه الدول العادية العاثية الساطية في ضرب أحرار شعوبها.
لقد ثبت بما لا يدع للشك مجالا أن أولئك المجرمين استخدموا في حرب الخليج قذائف مغلفة باليورانيوم منخفض التخصيب الذي تشبعت به التربة، وستظل لعقود أو قرون لاحقة، وينتقل الصعيد المتلوث عبر الهبوب المستمر للرياح الشمالية والشمالية الشرقية السائدة الهبوب في منطقتنا إلى عموم بلادنا، ويساعد على ذلك أن تلكم التربة غدت صعيدا جرزا ودقيقا غردقا بفعل دكها بالقنابل الطنية والقذائف الصاروخية وبفعل تحرك عشرات آلاف الآليات في المناطق البرية في الحربين السالفتين عليها.
وهذه مسؤولية حكومات المنطقة والهيئات الحقوقية التي أصاخنا كثير منها بقضايا نادرة ومحدودة الضرر على أهمية بعضها، كقضايا التعنيف والعضل والمناداة بمساواة المرأة، ومسؤولية الإعلاميين الذين ألجمهم عن الصدع بالحقيقة أن بطونهم متخمة بسحت سفارات تلكم الدول التي عملوا لها طابورا خامسا بامتياز، وحالهم كما قال:
لاتسلني عما جرى في فمي ماء ولا أستطيع، كيف أقول؟
واليوم تدخل إيران الرفض النادي النووي، لتشكل تهديدا هائلا لأجواء منطقتنا ومياهها عبر مفاعلات بوشهر وغيرها.
الثاني: الغش الغذائي:
وهذا باب واسع جدا، وسأقصر الحديث على الحلال منه إذ الحرام (كالدخان والمشروبات) له شأن آخر وحديث يطول، وأركز الحديث حول هذا هذا الغش الغذائي في:
- المواد الحافظة والمثبتة والصابغة ومواد النكهات والتي كثير منها أو أكثرها يدخل في المواد المسرطنة، ولو كانت مسموحا بها من قبل هيئات الغذاء والدواء والمواصفات والمقاييس؛ إذ بالله عليكم كيف يبقى لحم أو شراب يتسارع إليه الفساد والإخناز والتخمر خلال ساعات لو ترك وطبيعته، فكيف يبقى سنين إذا فتحت علبته وجدته طريا طازجا كأنما وضع الآن، فهل سيمر هذا دون ضربية؟! وعلى كل حال فهذا أمر لا يختلف عليه كل من له معرفة واطلاع.
ولقد حدثني من أثق بعقله ونقله أنه كان في ألمانيا لعلاج ابنه من مرض ما، وأنه كان في حديث مع بعض أطباء المستشفى الذي أشار له إلى مبنى من عشرة أدوار وقال له: إن هذا المبنى بأدواره مخصص لأورام الدماغ، ولقد أثبتت تقاريرنا أن ٩٠٪ منها بسبب تعاطي الكولا.
ولا أغفل في هذا المقام ذكر السوائل المعقمة بالأوزون (كالمياه الصحية مثلا)، فإن مادة الأوزون من مسببات السرطان، وكلما ازدادت كمية الأوزون كان احتمال التعرض للإصابة به أكبر، ولهذا فإنهم يوصون من احتاج لهذه المياه الصحية باستعمال العلبة الأصغر كلما أمكن.
- الزيوت المهدرجة والمشبعة والتي غالبها مجهولة المصدر، وإن سميت (عافية أو ماأشبه ذلك) فإن كثيرا منها لا يؤمن من خِلطٍ بتروكيماوي، والقليُ المتكرر فيه في المطاعم سبب  للإصابة بالسرطان، وهذه المطاعم ومحلات الوجبات السريعة لن ترى في مصلحتها التجارية تجديد هذه الزيوت بين آونة وأختها خاصة مع شدة الزحام عليها وكثرة الزبائن ولايهمها في سبيل الجشع والطمع ذمة ولاضمير.
وإذا علمنا أن عمالة الكثير منها عمالة كافرة أو تعتنق مذاهب باطنية (كالنصيرية والدرزية) الذين اشتهروا بالمطاعم الفخمة والأكلات الفارهة والمائدة الأنيقة أدركنا أننا إن أحسنا الظن فإننا نسبح في بحر أوهام.
- مطاعم الوجبات السريعة، لماذكرت من الزيوت، ولما يدخل في خلطاتها السرية من مواد مقبلة ومشهية ولحفظها لهذه الخلطات وتحضيرها في وقت قياسي السرعة.
والمشكلة أن كثيرا من الأسر وخاصة صغارها اعتادوا على هذه الوجبات حتى أصبحت هي الأصل عندهم، وأصبح فطمهم منها أصعب من فطم الرضيع، ولعل هذا يفسر الحالات المرتفعة لسرطان الأطفال، حتى خصصت لهم مستشفيات مستقلة.
إنك لا تملك -وأنت ترى الطوابير الطويلة من الأفراد والسيارات لدى نوافذ هذه المطاعم- إلا أن تقول لهؤلاء ماقال الأول: اليوم خمر وغدا أمر.
-الأجبان وشرائح البطاطا المسماة بــــــ(الشبس والبفك) وسواها والتي قرم إليها أطفالنا وشبابنا وبناتنا إلى درجة الإدمان، وأنت ترى أنك إذا تناولت منها شريحة صغيرة غرقت يدك بالزيوت التي الله أعلم بها، وكم يدخل فيها من المواد الحافظة ومواد النكهات، وقد حُذر من كثير منها تحذيرا واضحا وصريحا.
-الأوعية والظروف البلاستيكية المستعملة للأطعمة في المطاعم وغيرها، وهذه الأكياس والصحون البلاستيكية تحمل خطر الموت؛ خاصة إذا وضع فيها طعام شديد الحرارة أو البرودة، ولقد قرأت عنها تقارير مرعبة صادرة من معاهد ومراكز أبحاث أمريكية، فقد جعلت مسؤولة عن نسبة هائلة من الإصابة بالسرطان؛ لأن فيها مادة قاتلة تتحرر عند مماسّة جسم حار أو عند درجة التجمد، وتختلط بالطعام والمشروب، فتكون سببا رئيسا للسرطان، وأنت ترى أن كثيرا من الناس والمطاعم والبوفيهات يتساهل في ترك الماء والعصائر والمشروبات تتجمد في هذه الأوعية البلاستيكية، ولاتخطئ عينك مطعما لايخلو من هذه الظروف والأكياس خاصة محلات الفوالين وشبهها، والمصيبة أنك لا ترى إلا القليل من الزبائن يتحذر منها ويحمي نفسه ومن في أمانته من أطفال من شرها وضررها، وماذا يضير الإنسان لو أخذ معه إناء زجاجيا أو معدنيا من بيته كما كان الناس يفعلون قبل أن يبتلوا بهذه الأوعية والظروف القاتلة؟ والمصيبة أكبر في تساهل الجهات الرقابية مع هذه المطاعم، والتي لو تأخرت في سداد رسوم كفالات موظفيها لعقوبت بأشد العقوبات، فهل صحة المسلمين وعافيتهم أرخص من ذلك؟!!
وما يقال في ظروف البلاستيك يقال مثله وأشد في ظروف الميلامين؛ لأنها هي الأخرى فيها مادة تتحرر عند البرودة والحرارة.
- الري بمياه المجاري المكررة: وهذا بلاء خطير وخبيث وإن زعموا أن هذه المياه المرشحة تصل إلى المرحلة قبل الأخيرة من النقاء (الصلاحية للشرب)، فإن ذلك لا يغني شيئا عن نجاستها على قول قوي هو الراجح في مذهب الحنابلة، ولاعن أضرارها خاصة في النبات المغمور كالبصل والجزر والبطاطا أو ما يشرب مباشرة (دون جذر أو ساق طويلة) كالخس والخضرات والبرسيم؛ فيتسبب هذا في كثير من الأمراض وخاصة الوباء الكبدي والسرطان.
وهب أن الأمر كما زعموا في نقائها وطهارتها فأين تذهب أمشاج السوائل الأخرى الخطيرة جدا والممتزجة بمياه المجاري كالفلاش وأسيد فتح المجاري والكلوركس والتينار وسائر المنظفات وهل يمكن فصلها بواسطة الترشيح، أم أن عليها مع مياه المجاري يتغذى الكثير من البقول والخضرات والنخيل والأشجار..
وعلى قنواتها تقوم مئات المزارع التي تجلب إنتاجها إلى أسواق المدن كل صباح..
وضرر هذه الأخلاط السامة لا يقتصر على الإنسان، بل يتعداه إلى الحيوان والطير الذي عليه يتغذى الإنسان.
- الأسمدة الكيماوية المحتوية على عنصر الفوسفات وما في حكمه: والتي تهافت عليها كثير من الزراع لتسمين إنتاجهم ونفخه غشا وزورا من البطيخ والنخيل والورقيات وغيرها.
- المبيدات الحشرية: وخاصة ما يرش منها مباشرة على الثمار ويتم تجهيزها وبيعها دون غسل وتنقية وهذه من أعظم الأسباب المسببة للسرطان، وهكذا ترى أن ثمارنا اليوم مغشوشة من أسفلها (شربا وتسميدا) ومن أعلاها (رشا)، فأين يذهب آكلاها من إحدى الآفتين؟!.
ومثلها مكافحات البعوض والذباب إذا استنشقها الإنسان مباشرة وبصفة متكررة، وهذا ما يفسر أن العمال الزراعيين والقائمين على رش هذه المبيدات من أكثر الناس تعرضا لسرطان البلعوم والحنجرة والأنف والرئة، وربما الغدد والدم.
- تناول اللحوم المغشوشة والملوثة بتغذيتها على حبوب وحشائش مسقاة بمياه ملوثة مما ذكرت آنفا، أو معالجة بمضادات وعقاقير ولقاحات، وهذه العقاقير خطيرة جدا؛ ولهذا فإنه يحظر طبيا لحم هذه الحيوانات ولبنها بعد إعطائها حقنات علاجية من المضادات الشاملة واسعة الطيف ومكافحات الجرب قبل مرور أقل من شهر، والإخلال بذلك خطير جدا.
والواقع أن أكثر التجار الجشعين لا يناولها العقار إلا قبل عرضها بيوم أو يومين حتى تبدو نشيطة حيوية سالمة من الزكام و رشح الأنوف، والضحية هذا المشتري المسكين وحسابهم على الله عز وجل، ولقد حدثني بعض تجار الماشية أن أحد هؤلاء ربما عمد إلى شاة شبه هالكة لا تقوم على قوائمها، وركز عليها هذه المضادات والمسكنات حتى تنشط قليلا، ويبيعها من فورها.
أما المطاعم التجارية ومحلات الشاورما؛ فإنها لا تختار إلا المنخنقة والموقوذة والمتردية استرخاصا للسعر إلا مارحم ربك.
ولقد حدثني من أثق به أنه كان في سوق الماشية، فأبصر جديا فطيسا يلقى في إحدى حاويات القمامة، وفي لمح البصر جاء من أخرجه من الحاوية وهرب به، كما حدثني من أثق به أيضا أن إحدى مزارع الدواجن العملاقة وضعت خارج سورها حاوية ضخمة تمتلىء كل يوم بالدجاج الفطيس وأن هذه الحاوية اختفت فجأة، وأدخلتها الشركة، فلما سأل وجد أن السبب: اطلاعهم على مطاعم الشاورما تتسابق إلى هذ الحوايا، وافتضح أمر هذه المطاعم لما تشاجروا مرةً على القسمة.
قد يقول قائل: إذا سندع الأغنام إلى الإبل، فأقول: وما الإبل منها بأمثل، فإن قال: ندعها كلها إلى الأسماك والطيور، قلت: والأسماك أيضالم تسلم في بحارها الملوثة بزيوت البواخر ومكينات التحلية ومتسربات النفط، وربما النفايات النووية، وخاصة في مياه الصيد القريبة من سواحل المدن..
وكذلك الطيور في أجوائها؛ إن سلمت من إنفلونزا الطيور،لم تسلم من استنشاق أمشاج الأدخنة والأكاسيد التي تلفظها عوادم المصانع والطائرات.. فأين تذهبون.. "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس".
- مساحيق وأصباغ التجميل وتطرية البشرة التي تستخدمها كثير من النساء والرجال: فإن لها أثرا خطيرا على الجلود، وربما نفذت إلى الجسد من مساماته واختلط لعاب المرأة بما تضعه على شفتيها من المواد الكيميائية الخطيرة التي تنفذ إلى جوفها، ولا يظن الرجل أنه بمنأى عن هذا البلاء، فإن المرأة تباشر كثيرا من أشيائه وطعامه، والزوجان من أقرب الناس إلى بعض.
ولا يقل عن ذلك خطورة حبوب منع الحمل التي ثبت أن لها أثرا بالغا في الإصابة بسرطان الثدي والرحم، وهذان النوعان من أعلى الأنواع تفشيا وانتشارا؛ فلقد أصبحت غرف عمليات المستشفيات مجازر ومباضع للأثداء والأرحام، والنسب هائلة والمعدلات مرتفعة ولا تزال في تصاعد مطرد، والعجيب أن الأطباء يحددون سن الإصابة بهذين المرضين بما فوق الخمسين غالبا، لكننا بتنا نسمع حوادث إصابة لصغيرات في العشرين ولفتيات لم يتزوجن بعد وربما لم يبلغن أصلا.. ذلك تقدير العزيز العليم.
-وأخيرا بعض الألبسة التي تدخل في صناعتها ألياف مسببة للسرطان، ولقد اطلعت هذا اليوم في إحدى الصحف على خبر مصادرة الجمارك لكمية كبيرة من هذه الألبسة مشبعة بنسبة فوق المسموح بها من مادة الفورملدهيد المسببة للسرطان، وأمراض أخرى كحساسية الجلود والعيون والعقم للجنسين وأمراض أخرى ذكرت في الخبر.
وبعد..
فلا أريد من مقالي هذا أن يغرق القارئ في بحر الأوهام والوساوس، ولكن أردت براءة الذمة والنصح للمسلمين، ومن يتحرَ الخير يلقه ويتوقَ الشر يوقه، وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر..
وعزاء من أصيب بطاعون العصر وعزاء من فقده من أحبابه مايرجى له من ثواب الشهادة؛ فإن المطعون والمبطون من الشهداء كما ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما، ونسأل الله العافية لنا ولكم ولعموم المسلمين..
ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، والحمد لله رب العالمين.