تعديل

بحث

الأربعاء، 29 يناير 2014

للشرفاء فقط

يا لئيما،أتى به الشرفاءُ
يا بخيلا، به احتفى الكرماءُ

إن أتى بيتك الكئيبَ أجبْهُ
قائلا ما يقوله البخلاءُ

لستَ عنّا الوكيلَ كلاّ ولا أَنعمتَ عيناً ولا جفاك العناءُ
مثلك العارُ لا شعورٌ ولا شَعرٌ بوجهٍ وليس ثمَّ حياءُ

ولقد قالها الحكيم قديما
وارثا ما تقوله الأنبياءُ

ما على فاقدِ الحياء صفيقٍ
لو تعرّى فيفعلنْ مايشاءُ

ضيفُنا مثل أهلنا من يضِمْهُ
فهو للضيف -يا لئيمُ- الفداء

ضيفنا العينُ والفؤادُ محلٌّ
يحتويه ولو يضيقُ البناءُ

هذه دعوة الرسول ولوطٍ
وخليلٍ به اقتدى الحنفاءُ

وهْي للعُرْب ديدنٌ وخصالٌ
فيه تسري كما تسيرُ الدماءُ

فبلادٌ قد استضافتْ بلادا
لَهْيَ جذلى إن شرّف العلماءُ

وبهم نرفع الرؤوسَ افتخارا
فاخفض الرأسَ أيّها الببغاءُ

فعلى أي مذهبٍ تتبرّا
يا سفيها وحوله السفهاءُ

كقطيعٍ له استلجّ خوارٌ
ونباح مقرّفٌ ورغاءُ

أإذا القِزمُ رام يوما ظهورا
كي يراه بين الورى الدهماءُ

رامَ يرقى صعبَ المراقيْ على أكتاف مَن عنه جلّ منهم حذاء



الأربعاء، 8 يناير 2014

الاختبارات.. مواقف وذكريات.



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،،،،،،،،،،،،،،،، وبعد:
لا تزال الذاكرة تختزن ذكريات لمواقف في الحياة منها الاختبارات، بعضها محرج وبعضها طريف وبعضها صعب،
والاختبارات حالة استثنائية تعلن لها حالة الطوارئ لا من الطالب فقط بل وأسرته والمجتمع والدولة.
ومن المواقف والذكريات الباقية في ذاكرتي لمختلف مراحل الدراسة:
١/  الأولى الابتدائية:
التحقت بالدراسة عام ١٣٨٩ه في مدرسة القدس في مسقط رأسي الزلفي وكان الزلفي ذلك الزمان أشبه بالقرية بل هو قرية بخلاف ما هو عليه الآن فهو مدينة عامرة بل منطقة تنتظم منظومة من القرى والهجر الدائرة في فلك المدينة الرئيسة، كانت مدرستنا تسمى آنذاك المدرسة السعودية وفي عام ١٣٨٨ه كانت الحرب المسماة ٦٧م والتي احتل اليهود على إثرها القدس والضفة وسيناء والجولان.
وكان المدرسون الفلسطينيون متوافرين في مدارسنا، كنوع من التعاطف والإيواء العربي لهم، كان أستاذنا يشرح لنا الهجاء، وفجأة دخل المراسل وسلم أستاذنا الفلسطيني قصاصة قرأها فابتسم وقال لنا من اليوم فلاحقا مدرستكم اسمها القدس وطفق يشرح لنا عن القدس وتاريخها، سقى الله تلك الأيام.
كنت وحيدا، والدي رحمه الله كان تاجرا يقطع زمانه بالأسفار والاتجار وأخي الأكبر كان مشغولا في محيطه، وحضرت للمدرسة كالعادة لكني فوجئت بالطلبة معهم أشياء غريبة بألوان وأشكال وما معهم حقائب وأنا معي حقيبتي وكتبي، فسألتهم ما الأمر فقالوا اليوم بداية الاختبارات، وهي التسمية الصحيحة ما كنا نسميها امتحانات، فسألتهم وما معنى اختبارات وأين حقائبكم وما هذه الأشياء التي معكم؟
فقالوا انتهت الدراسة فلا حاجة للكتب وهذه مراكٍ أو مركايات كما يسمونها كانت تباع أيام الاختبارات وهي : لوح خشبي مكسو بالبلاستك بألوان في أعلاه ماسك ورق وفي الماسك مكان للقلم والمسطرة .
وجاءت اللجان وفرقونا في المقاعد وأنزلوني أرضا ونهاني الأستاذ أن أفتح الحقيبة وأمرني أن أقلبها لتكون فتحتها أسفل لأكتب على ظهرها، وزعت الأوراق وكان اختبار حساب، فحللت المسائل كلها إلا مسألة جمع عشري ناتجها:٥٦، كان قلمي قد أنهكه البري فلا أقبضه إلا بجهد جهيد وكلما كتبت الستة خسف القلم الورقة لأني لا أكتب على طاولة ولا مركاة، حاولت مرارا فتخرقت الورقة، وأخيرا وكحلّ إشكال جعلتها: ٥٥ لأن كتابة الخمسة أرفق بالورق.
الطريف أن الورقة لا تزال عندي حتى الساعة.
من الغد أخذني أخي واشترى لي مركاة وأقلاما، ولما تسلمت الشهادة سُلم معها إيصال مطبوع عليه: ادفع ريالا تنقذ عربيا، وأفهمنا أنه تبرع لفلسطين واستمر هذا الإيصال مع الشهادة سنوات وبالطبع كنا مضطرين لدفعه لتسلم الشهادة.

٢/ في السادسة الابتدائية:
لعل أترابي يذكرون أن المعدل السنوي أو الأعمال الفصلية هو مجموع الاختبارات الشهرية لكل مادة مقسوما على ثمانية أشهر هي شهور الدراسة التي كانت تمضي سرمدا بلا اختبارات فصلية ولا نصف عام ولا أية إجازة وكنا ندرس ستة أيام ولا نعطل إلا الجمعة، وفي اختبار شهري لمادة الجغرافيا تضايق الوقت على أستاذ المادة فطلب من أستاذ الرياضة - كعادة المدرسين - أن يكون الاختبار في حصته ، ولا شك أن هذا خبر لا يسر الطلاب بقدر ما يسر مدرس الرياضة الذي يلبي مثل هذه الطلبات بامتنان وسرور، ليكسب معروفا على الزملاء، وراحة من المادة، كتب أستاذ الجغرافيا الأسئلة وذهب إلى حصته في فصل آخر بعدما أوصى أستاذ الرياضة المصري باليقظة فاستعد بها الأخير، وجلس الباشا على الكرسي والطلاب يكتبون فما راعهم إلا صوت غطيطه، فجعل الشباب يتهامسون ويتخافتون ويحذر الكبار الصغار ويهددون من حاول إيقاظه، وهنالك لا تسأل عن الوصوصة والبصبصة واللصلصة والفزعات وفتح الكتب وتبادل الورق والبراشيم وكراريس الإجابات برمتها، كل هذا وأنا- الأول على الدفعة والمرشح للأولية في منطقة الرياض- انظر بقهر؛ إذ كيف نتعب وندأب وفي النهاية يحصل الفاشلون والمشاغبون على درجات أعلى؛ إن هذا لهو الغبن المبين.
أخيرا قررت أن أفعل فعلهم لا لحاجتي إلى الغش لكن لأبرد بعض غليلي، واذكر أن السؤال الأول كان عن الأرخبيل الياباني
وتناولت الكتاب والتصقت بالجدار وفتحت الصفحة فضربني الأفكل وانتابتني حالة غريبة واصطكاك أسنان وارتعاد فرائص وغرقت في العرق ، ثم سقط الكتاب أرضا ولم أقرأ حرفا وعصمني المولى، كانت هذه أولى محاولات الغش التي كفاني الله غائلتها وله الحمد والشكر، حتى إذا فرغ الطلاب وراجع بعضهم لبعض وطابقوا النسخ وقارنوا بين النماذج، أيقظوا الباشا، فانتبه مذعورا وصرخ: ولا كِلمة، يا ويل اللي بيغش، فصاح الطلاب النجباء بصوت واحد: نعوذ بالله نعوذ بالله، لكن الجرس ضرب يابيه فتوكل على الله، فلملم الأوراق ومضى .

٣/ في الأولى المتوسطة:
كنت في معهد الرياض العلمي أيام كان معهدا علميا كنا ندرس مقررات معاهد جامعة الإمام المكثفة والمركزة لغة وشرعا، بالإضافة إلى مقررات المتوسطة العامة من حساب وجبر وهندسة وفيزياء وكيمياء ولغة إنجليزية حرصا من القائمين على الجامعة على تكميل طلابهم وتأهيلهم لما يتأهل له طلاب العامة مع التخصص الدقيق لغة وشرعا، سقى الله تلك السنين،
فوجئت بجو المعهد المختلف عن الابتدائية العامة، لا للصعوبة فاللغة معشوقتي والشرعية لدي منها محصلة لا بأس بها فلقد تخرجت في الابتدائية وأنا أحفظ حتى سورة يونس، ولكن وجه الاختلاف النقلة النوعية والكثرة الهائلة والتنوع فإن معهد الرياض المتوسط للبلد يجمع من كل أطرافه، كانت الفصول المستجدة ثمانية في كل فصل قرابة الخمسين طالبا، وأدركت أن التفوق يحتاج جهدا مضاعفا وأن الابتدائية لعب ولهو نسبة للمعهد.
المقصود: أننا كنا ندرس مقرر الإنجليزي للمتوسطة العامة وهي كتب اللنج مان بشخصياتها علي وهدى وسمير وسلمى والقط مشمش، قبل أن تقرر المناهج الإسلامية على المعاهد، وكانت حصص المتوسطة العامة للإنجليزي والعلوم والرياضيات أكثر من ثلاثة أضعاف حصصنا ومع ذلك كنا مطالبين بما يطالبون به كما وكيفا، كان أساتذتنا المصريون يدركون صعوبة تأهيل طلابهم بهذا المستوى من الحصص، فييأس بعضهم ويتراخى؛ وتأتي الأسئلة فيها بعض السهولة، ولما كان الاختبار النهائي فوجئ أستاذنا بأسئلة صعبة جدا وطويلة في عدة أوراق جاءت من الإدارة، فاحتار الطلاب،وجعلوا يقلبون أكفهم وكان من عادة الأساتذة أنهم يقرأون الأسئلة على الطلاب،فدخل أستاذنا غاضبا مزمجرا وجعل يقرأ الأسئلة قرأ القطعة، وتصحيح ما بين الأقواس وملأ الفراغات،واختيار الكلمة الصحيحة،وكان الأستاذ يقرأ الجوابات مع الأسئلة، ولكن لا حياة لمن تنادي، فسواد الطلاب الأعظم لا يدري ما يقرأ ولم ينتبه إلا المتفوقون وهو عندهم تحصيل حاصل، أما المشايخ المراقبون فلا يدرون شيئا، والمعلم عبد الحكيم مطمئن ، وقبل أن ينصرف إذا بأحد المشايخ من آل فريان ، يمسك به ويقول : أعرف أنك
غششتهم لكن ما عندك أحد، فهرب المعلم عبد الحكيم ولما كانت النتيجة كانت كنتيجة المنازل: لم ينجح أحد، إلا نوادر.

٤/ في الثانوية:
 كان الشيخ ناصر البرادي رحمه الله معروفا بالطرافة تجري النكتة على لسانه ومع ذلك كان حازما صارما فكانوا يكلون إليه رئاسة اللجان ويا ويل من غش أو حاول الغش، الأمر الذي أحقد وأحفظ عليه بعض الطلبة فعمدوا إلى سيارته البيجو وفكوا مسامير عجلاتها، ولما حرك السيارة وفي زحمة شارع البطحاء وعند انطلاقه لم يشعر إلا والعجلات تسبق السيارة وقبل أن يفيق من دهشته إذا بالنعش الطاير كجلمود صخر حطه السيل من عل ، فبقي يصلح حاله سائر يومه رحمه الله وغفر له، والشيخ ناصر شخصية طريفة جدا له أخبار وحكايات وكلمات مستطرفة، تحتمل مقالا مفردا.

٥/ في كلية الشريعة:
كان شيخنا العلامة عبد الله الجبرين يدرسنا الرسالة التدمرية في السنة الأولى ، ولصعوبة هذه الرسالة وتعقيد بعض مباحثها خاصة القاعدتين السادسة والسابعة، حولت فيما بعد إلى السنة الأخيرة.
وكم وجدنا من معالجة ذهنية لفهمها وأخيرا ما كان إلا الحفظ لمن قدر عليه ، والشيخ عبد الله رحمه الله لا يدع فراغا في أوراق الأسئلة إلا ملأه بسؤال ، عدا الفراغ بين البسملة والأسئلة،ولا يدع في المنهج شاذة ولا فاذة، فوالله طيلة الوقت المخصص ثلاث ساعات ما رفعنا أقلامنا، وملأت ثلاثا وعشرين صفحة سطورها متجاورة بالإجابات حتى تقصفت الأقلام ، ونضبت المحابر ، ولسان حال القلم:

فازورّ من طول الكتابة وانزوى
وشكى إلي بعبرة وتصرصرِ
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى 
ولكان لو علم الكلام مخبّري

رحم الله شيخنا عبد الله ، وأدرّ وبل الصَّبا على أيام الصِّبا ، لاحقا حدثني أخوه الشيخ ناصر الجبرين أنه ملأ الصفحة الرابعة والعشرين المتبقية ثناء وشكرا، رحمه الله مما في نفسه وإلا فهو يعلم أن أحدا لن يقرأ هذا الثناء إلا المدقق.

٦/  وفي كلية الشريعة أيضا:
 في المستوى الثالث كان يدرسنا الحديث شيخ مصري اسمه صالح بن سيف، وكان فيه شيئ من الغفلة ، ولما كان الاختبار، رأيت بأم عيني بعض الطلاب ينقلون من المذكرات، وسمعت كثيرا منهم يتهامسون، ولما تلا النتائج وجاء الدور علي كتب رقمي على السبورة وقال : هذا الطالب غاش، لست بالخب ولا الخب يخدعني ، مسكين هذا الطالب أيظن معلمه بتلك الغفلة!! أما علم أن المؤمن يرى بنور الله ؟! وأن فراسته لا تخيب.. إلخ
فما احتجت بحمد الله إلى كبير جهد في الدفاع عن نفسي ، لأن القاعة كلها ضجت بالدفاع فقلت : سبحان الله ما مثلي ومثل زملائي اليوم إلا كقول زهير:

ينجّمها من ليس فيها بمجرمِ
ينجمها قوم لقوم غرامة
ولم يهَريقوا بينهم ملء محجمِ

وقد جرى مثل هذا مع الدكتور مقداد بن يالجن أستاذ التربية رحم الله الأموات والأحياء منهم.

٧/ في الدراسات العليا:
 كانت بعض المناهج يتعاقب عليها ثلاثة شيوخ من بحور العلم كمادة الفقه والأصول ، وكان يدرسنا الفقه شيخنا العلامة عبد الله الغديان رحمه الله وشيخنا العلامة عبد الله الركبان متع الله بأيامه وشيخنا الفقيه بقية الحنابلة
صالح بن علي الناصر، بعض المحاضرات، أذكر أن منهج الفقه ربا على سبع مئة صفحة، أمضيت أسبوعا ولم أنهه، وجلست أكتب قريبا من أربع ساعات متواصلة، كانت المنافسة على أشدها بيني وبين الشيخ خالد بن علي المشيقح حفظه الله، وشاء الله أن أتقدم ، وأحبب إلي أن يكون المقدما.
هذه بعض الذكرياات السريعة كتبتها على عجالة لعل القارئ يجد فيها شيئا من الفائدة أوعلى الأقل التسلية.

وإلى لقاء قادم في مقال آخر ، والسلام عليكم ورحمة الله.

السبت، 7 ديسمبر 2013

قتل الخراصون: رأيت فيما يرى اليقظان.



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،،،،،،،،، وبعد:
قال الله تبارك اسمه: "قتل الخراصون"
هذه الآية الكريمة من سورة الذاريات من الآيات الجوامع العظام، تنتظم أصنافا شتى من البشر، ذكر المفسرون الأولون من هذه الأصناف: أهل الغرة والظنون، والمنكرين للبعث والمرتابين، والكهنة العرافين، والمتخرصين الكذبَ على النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم: ساحر، وكذاب، وكاهن.

وفي زماننا هذا زمان العجائب، رأينا أصنافا كثيرة لا يمكن إلا أن تتذكر الآية الكريمة وأنت تراها أو تسمع عنها، أو لها؛ رأينا منها فنونا وجنونا لاتبرأ الذمم بغير كشف حالها والتحذير من أهلها فمنها:

أهل المنامات:
وهذا الصنف من أعجب وأغرب ما رأيت في حياتي، هو أهل: رأيت فيما يرى النائم رأينا منهم في اليقظة حديثا ليس بالظنون ولا بالأغاليط، لقد أصبحت طريقتهم مهنة ووسيلة مريحة للتكسب والإثراء، وتسابقت القنوات إلى إعلان لقاءات وحلقات، وتنافست على الخراصين الخراطين الذين أدرك كثير منهم أنه ما بينه وبين المشيخة والإثراء إلا أن يرتدي مشلحه ويقول: من رأى منكم رؤيا؟!!
تعرف بعضهم جيدا، لا علم ولا حلم، ولا ورع ولا تقوى، ولا آثار تدين ظاهرة، وأمْسُك القريب وهو مع شلل الحواري والمقاهي؛ فإذا بك تراه ملء الشاشة، قد سود لحيته كجناح الغداف، أو أنهكها إلى قرب الإتلاف، تتهافت عليه السؤالات من أصقاع الأرض، وخاصة من النساء المسكينات، المكروبات المتلهفات حتى لو وجدت ضالتها لدى ساحر مبين، وأحيانا تزدحم الأسرة برمتها، إذ كان حظها خرافيا برد الشيخ عليها الليلة وسط كثافة المكالمات، وتأخذ الحريم دورها على سماعة الهاتف، وكل واحدة تسأل رؤيا أو أكثر، غير الوصايا من الأخت والزميلة، وفضيلته يغلبه الورع أحيانا ويشترط من باب العدل الذي قامت عليه السموات لكل واحدة سؤالا، تسأله المسكينة: فيرفع طرفه ويشخص بصره صُعُدا متأملا وكأنه في نوبة إلهام أو إشراقة وحي، قبل أن يفصفصها ويفللها على الهواء مباشرة بالسؤالات عن عمرها وطولها ولونها وخصرها وشعرها ومتزوجة أو لا، وهل تحس بصداع أو غازات ولو مرة في عامها أو عمرها، وأسرار زوجها وبيتها وخصوصيات حملها وعادتها هل هي منتظمة أولا؟ ويفتح دولابها ويفتش ملابسها الداخلية وغيرها، ويا لفرحته إذا أجابت سؤالا بالإيجاب يفترّ ثغر فضيلته ضاحكا، ويهز رأسه وكأن ماأجابت به تحصيل حاصل عنده، وتبدأ الوصفة السحرية، وخداعها بالآمال الكاذبة عن الزواج بفتى الأحلام وفارس العمر الذي ما بينه وبين أن يطرق بابها إلا أن تضع سماعة الهاتف، ولا يخلو الجواب من إيهامات وإيماءات باتهام المحيط من أقارب وخدم وزميلات، فتسبح المسكينة في بحر لجي من الشك والحيرة والريبة، ويترسخ في نفسها سوء الظنون والتشكك الذي ربما آل بها إلى عالم الوسواس وأسلمها إلى بلاء الأمراض النفسية، والسبب فضيلته الخراص.
بسبب رجم الظنون وخرص الخراصين خربت بيوت، وتشتت أسر، وطلقت نساء، وظلم برآء من خدم وغيرهم، والسبب فضيلته وقنوات الخرص والإثراء على حساب الدين والخلق..
لقد سمعت أحد هؤلاء الخراصين مرة على الهواء مباشرة يفصفص امرأة بالأسئلة عن أدق تفاصيل الحياة ومفاصل الجسم، فقلت لمن حضرني: حسبي الله ونعم الوكيل كيف لو سمع زوجها ما أظنها تبقى عنده ليلة، ويا لهول الصدمة حين قالت: يا فضيلة الشيخ خذ زوجي عنده رؤيا؟
هل هان على الرجال أن تنشر أسرار بيوتهم وأوصاف حريمهم على العالم ومحاورة بينها مباشرة وبين فحل ذكر؟ أين الغيرة
يا رجال؟ والله لا يرضى بهذا عباد اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.
مثل هؤلاء الخراصين مثل الكهنة تلقي الشياطين على ألسنتهم الكلمة من الوحي، فيخلطون معها مئة كذبة ويصدق الكاذب بما معه من الوحي لو أصاب مرة وكذلك هؤلاء الخراصون.
والعجيب أن أكثر هؤلاء الخراصين يجزم جزم اليقين، ويحلف جهد اليمين، مع أن العارفين المشهود لهم من الله بمعرفتهم هذا العلم المؤيدين بالوحي لا يجزمون، ويحجزهم الورع فيجعل للخطأ البشري مساحة حتى قال أصدق القائلين عن يوسف: "وقال للذي ظن أنه ناج منهما" ومع ذلك لا ينسب الفضل إلى نفسه وذكائه بل يعترف بالفضل لله "ذلكما مما علمني ربي"
فأين هذا من عمل صفيقي الوجوه الذين يحلفون على الظن وهم يعلمون، ويضرب أحدهم آجالا، ويحدد مهلا، ويقطع بنتائج معارك ومباريات، وقتل طغاة، ويجازف بمصداقيته أمام الدنيا، ويجعلها وهي أصلا كالرماد في مهب ريح عاصف، ويراهن على خروجه إعلاميا، ويشهد القريب والبعيد كذبه وفشله، ثم لا يخجل أن يرى على الشاشة مرة أخرى...عجب لا أعجب منه، إلا سائل أو سائلة يطرقه بعد هذا كله..

 أما لماذا اتساع وانتشار هذه الخراصة الجديدة فلأسباب؛ منها:
= ضعف الوازع والتقوى والهجوم بجرأة والإقدام على الظهور في الإعلام والدعاية المجانية، بل على العكس هي دعاية مدفوعة الثمن لمن تعمل له، ونوع استمتاع بعضٍ ببعض على طريقة السحرة والشياطين فالقنوات تستمتع بالخراصين إثراء وشهرة والخراصون بالقنوات كذلك.
يا سادة ..
إن هذه علوم محترمة لا يهجم عليها إلا من أوتي حظه من التقوى والورع والعلم بالكتاب والسنة، ووهب الفراسة والذكاء والزكاء وقبلها الإحسان "نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين"، ومع ذلك لا يدعي تقي هذه الكمالات، بل يهرب فراره من الأسد من تشبعٍ بما لم يعط ونصبِ نفسه معبرا ولا يزال متواضعا وجلا مهما قصد، هاضما نفسه مهما بلغ ما بلغ: سئل الإمام مالك عن رؤيا، فأبى أن يجيب، وقال: أبالنبوة يُلعب؟ يشير إلى أن الرؤيا جزء من النبوة، وسئل أحد السلف، فقال: هذا علم لم نؤته، وهذه فتيا لسنا لها، قال السائل: ما هي بفتيا بل رؤيا يا إمام، قال: وهل تعبير الرؤيا إلا فتيا قال الله تعالى عن الملك: "أفتوني في رؤياي"وقال: "أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان"

=ومنها: أن هؤلاء الخراصين  طلبوا علما لايخطّئهم فيه أحد؛ إذ كل العلوم من فقه وحديث ونحو وطب فلسفة لها كتبها ومصادرها وقواعدها وحراسها وعلماؤها، مهما خاض فيها خائض وتخرص خارص قالوا له: قف، وقالوا: (ما ذا بعشك فادرجي) فلما رأوا طلاب العلوم تتبارى في مضاميرها كأفراس رهان في ميدان، من فطاحل فقه وحملة قرآن، وحفاظ حديث وأرباب بيان؛ ورأوا أنهم خُلْوٌ فقراء مفلسون يهلكون في عشق الشهرة ولا يملكون أدواتها:

ورأيت نفسك بين أهل مواهب
فإذا لسانك خامل مغمورُ

طلبوا بل ادعوا هذا العلم اللدني الإلهامي الوجداني الذي يقول صاحبه: حدثني قلبي عن ربي، وبَوْحي عن روحي، ووجداني عن جناني، ومن ذا سيقول له أخطأت؟!! ومع ذلك:
لا بأس أن يجعل له مخرج طوارئ، فيقول قولتهم المشهورة المدبج بها كل تعبير: (إن صدقت رؤياك)، حتى إذا لم يصب التعبير كانت المشكلة في الرؤيا كاذبة خاطئة وأضغاث أحلام، وأخلاط منام، أما هو فلا يمكن ولا يكون ولا ينبغي له أن يخطئ أو تغلبه أوهام.

=ومنها: أنه وجد كثير من هؤلاء الخراصين -وأنا أتكلم عن اطلاع سنين وسبر طويل- وجدوا هذا الضرب من الخراصة وإخوانه مما سيأتي في حلقات آتية إن شاء الله أقصر سبيل لشهرة وشهوة، أما الشهرة: فلقد ضربوا بها شأوا بعيدا وأصبح لصعلوك الأمس الذي ربما قدم من بلده منتّفا هالكا أصبح له اليوم مكاتب وثيرة وسيارات فارهة وشهرة عريضة، ومنسق أو منسقان، يتوليان الرد على الهاتف وتنسيق المواعيد واللقاءات، واتخذ فضيلته الموظفين بل والموظفات لشؤون النساء، عجب هذه الدنيا!
وأما الشهوة: فشهوة المال والثراء كما أسلفت، وأخرى يحبونها، تيسرت أسبابها وتذللت كأداؤها بارتقائهم هذه المرتقيات الصعبة التي بها ذاب جليد الحشمة وهتكت أستار البيوت الرفيعة، فأصبحوا يتلهون بالحديث مع كرائم البيوت التي كانت على شواربهم حجرا محجورا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض طفقوا يروون دعاباتهم مع البنات وحديث المعجبين والمعجبات.
لقد وقفت بيقين على طريقة واحد من هؤلاء الصعاليك كلما عبر لواحدة رؤيا قال: لعلها زوج صالح وأرجو أن أكون أنا، قالت: مستحيل ياشيخ أنا فتاة هاشمية، قال: وأنا هاشمي كذلك، ماالمشكلة!!!
المضحك المبكي أن أخت هذه الفتاة اتصلت قدرا بفضيلته وسألته عن رؤيا: فأجابها الجواب نفسه، فقالت: ما قلت هذا لأختي؛ أنت على أي مذهب يا فضيلة الشيخ؟ فبهت الخراص.
إن لم تذد هذي الكلابَ أسودها
أكلت بلا عوض ولا أثمان
 ولقد والله تسبب هؤلاء بتعذيب فتيات ونساء، بل وخيانة متزوجات، حلّقوا بهن في فضاء العشق عبر كلمات الغرام والهيام، وغاصوا بهن في بحار الوجد والشوق حتى غرقن في سكرة الغرام وعذاب الهوى؛ يطرقون أبواب هواتفهن آناء الليل وأطراف النهار..
ولقد نصحت مفتونا بأحد من ذكرت هالكا في حبه، واقفا حياته له، يتبعه (منسقا) ذليلا، فقال لي: أنت متحامل، قلت: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين.. وماهي إلا أيام حتى جاءني فزعا هلعا يذكر فضائحه واتخاذه الخليلات، وتهربه لتكليمهن حتى في دورات المياه عافانا الله مما ابتلاهم.
يوم كانت هذه الحوادث فردية قهرت نفسي وألجمت قلمي واكتفيت بالنصائح المباشرة، حتى إذا قُننت هذه البلايا إعلاميا، وأصبح لها قنواتها وأسواقها الرائجة فلا، ولا كرامة فمصلحة المسلمين أولى وأحرى..
وكل ما تقدم لا ينفي وجود معبرين ذوي عدل أخيار صلحاء أتقاء أخفياء بعيدين عن بهرج القنوات وضجيج الإعلام، من ابتلاهم بالسؤال أجابوا على كره ومن تركهم تركوه.
فاعتبروا يا أولي الأبصار، وتيقظوا لنوع من المعاكسات مختوم بختم على الشريعة الإسلامية.
بهذا آتي على نهاية هذه الحلقة من "قتل الخراصون" وإلى الحلقة القادمة بإذن الله.