تعديل

بحث

الجمعة، 4 يوليو 2014

النفحة الريحانية في مشروعية العمرة الرمضانية

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ،،، وبعد:
تكرر علي هذه الأيام سؤال: حول مشروعية العمرة في رمضان، ولما رأيت تكرر السؤال سألت أحد السائلين: ما الأمر؟!
فأجاب: بأن هنالك فتاوى متداولة في المواقع ووسائل الاتصال والتواصل تقول بعدم مشروعية (أي أفضلية) العمرة في رمضان.
وبرجوعي إلى هذه الفتاوى المسجلة صوتيا والمدونة حرفيا ألفيت الأمر كما ذكر هذا السائل،ومع إقرار أصحاب هذه الفتاوى بأن القول بالمشروعية هو قول جماهير علماء السلف من فقهاء ومحدثين، إلا أنهم غفر الله لهم ووفقهم مالوا إلى عدم المشروعية ونصروا هذا القول بمختلف الأدلة.
وطلبا للاختصار لن أطنب في ذكر أدلة الجمهور القائلين بالمشروعية والأفضلية، لكني أورد هنا أدلة الفريق الآخر والجواب عنها بعون الله حتى تطمئن قلوب المؤمنين .
وقبل ذلك: أتساءل ما الفائدة في تشكيك العامة، ونبش خلافات قديمة، وإنعاش أقوال شبه مندثرة، كل هذا والمحصل لهذه الآراء إضعاف عزيمة المسلمين عن صالح العمل، ولو كان العكس لكان مقبولا (أعني لو رأينا قعود الناس عن عمل اختلف في مشروعيته من عدمها ثم اجتهدنا في الحث على هذه السنة لدليل ولو محتملا).
أما أن نرى الهمم منبعثة إلى عمل صالح له دليله في الجملة، وعليه جماهير أهل العلم، ولم يذهب إلى خلافه إلا قلة قليلة ثم نجتهد في ترجيح تركه فهذا عجب.

والآن إلى مناقشة أدلة القائلين بعدم المشروعية وإيراداتهم واعتراضاتهم:
أولا: ادعاء الخصوصية وقصر النص على سببه، في الحديث الوارد في عمرة رمضان وهو ما رواه البخاري عن مسدد حدثنا يحيى عن ابن جريج عن عطاء قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يخبرنا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار سماها ابن عباس فنسيت اسمها "ما منعك أن تحجين معنا قالت كان لنا ناضح فركبه أبو فلان وابنه لزوجها وابنها وترك ناضحا ننضح عليه قال فإذا كان رمضان اعتمري فيه فإن عمرة في رمضان حجة أو نحوا مما قال"
ورواه مسلم وغيرهما ، والرواية بحذف النون(تحجي)وإثباتها(تحجين)ثابتتان ؛ والإثبات كما هنا بناء على أنّ(أنْ)مخففه من الثقيلة - لا مصدرية ناصبة - اسمها ضمير الشأن مقدر وخبرها الجملة والفعل تحجين مرفوع بثبوت النون.
وفي رواية(تقضي بحجة)وفي أخرى(تعدل حجة) وفي ثالثة عند أبي داود (حجة معي) وهي في بعض نسخ البخاري بالشك(تعدل حجة أو قال حجة معي).
فهذا عندهم خاص بهذه المرأة أم سنان كما ورد عند البخاري أو أم معقل كما في رواية أخرى ،وقيل أم سليم وأظنه مع وروده لم يثبت ، وذلك جبرا لخاطرها لما فاتها الحج مع النبي ﷺ .
والجواب: أن الأصل العموم واشتهرت عبارة الأصوليين (العبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب)، وإن كان سبب الحديث خاصا إلا أن الأصل عموم لفظه، ومهما أمكن العموم لم يُصر إلى الخصوصية إلا بدليل صريح صحيح كقوله تعالى: "خالصة لك من دون المؤمنين" وقوله ﷺ: (هي لك ولاتجزئ أحدا بعدك) ؛ وإلا لادعى الخصوصية من شاء كما ادعاها من ادعاها في الحجاب خصوصية لأمهات المؤمنين ، ولكان كل ثواب عمل صالح ارتبط بسبب وشخص معين قصر فضله على ذلك الشخص ، كما في حوادث كثيرة .

ثانيا: أن عُمَر النبي ﷺ الأربع كلها وقعت في ذي القعدة؛ والله لايختار لنبيه ﷺ إلا الأفضل.
وجوابه: التسليم بالمقدمة الأولى، ومنع المقدمة الثانية؛ إذ الحصر ممنوع  فقد يختار الله عزوجل لرسوله ﷺ كوناخلاف الأولى شرعا لحكمة كما ثبت أنه حج قارنا وتأسف على أنه ساق الهدي وتمنى أن لو كان متمتعا كصحابته؛ إذ الراجح أفضلية التمتع على سائر الأنساك، ومثل هذا اختياره لفداء أسارى بدر الأمر الذي عاتبه عليه القرآن، وكذلك الصلاة على ابن أُبيّ، وإذنه للمنافقين "عفا الله عنك لم أذنت لهم" وغير ذلك.
والقاعدة أنه إذا تعارض فعل النبي ﷺ وقوله في زمن واحد وقضية واحدة قدم القول على الفعل؛ فكيف والتعارض - إن صح أنه تعارض - في زمنين. 

ثالثا: قياس قصة هذه المرأة على قصة عائشة رضي الله عنها حين بكت وشكت أن صاحباتها يرجعن بحجة وعمرة وهي بحجة بسبب مداهمة العذر إياها، فأمر النبي ﷺ أخاها عبد الرحمن أن يُعمرها من التنعيم، إذ القصتان بمعنى، وكلتاهما للجبر والمواساة، ومن فرق فعليه الدليل، قالوا : ولا تقولون بمشروعية عمرة التنعيم بعد الحج فقولوا كذلك في عمرة رمضان.
والجواب: بالفرق، بل بالفروق بين القضيتين فلا يصح القياس، والفرق من وجوه:
الأول: أن النبي ﷺ أردف الأمر للأنصارية بذكر الفضيلة العظيمة بأن عمرة في رمضان تعدل بحجة أو حجة معه ﷺ 
ولا كذلك في قضية عائشة، غاية ما في الأمر أنه قال لها مواسيا: "إن إجرك فيها على قدر نصبك".
الثاني: أنه لم يأمر أخاها محرمها أن يعتمر معها وهو خارج معها متجشم عناءها ماشٍ كل خطواتها، فدل على عدم المشروعية.
فإن قيل: وكذلك محرم الأنصارية لم يؤمر أن يعتمر معها.
قلنا: هو مسكوت عنه، وبعيد جدا أن يتجشم السفر ويدخل الحرم بلا إحرام.
الثالث : أن النبي ﷺ ذكر فضل عمرة رمضان وحث عليها ابتداء ، ولا كذلك في قصة عائشة إذ لم يبتدئها بالأمر ولم يذكر لها الفضل ، وإنما أخبرها أن حجة قرانها تكفيها عن الحجة والعمرة ، ولما راحعته وشكت وبكت أذن لها. 

رابعا: أنه لم يحفظ عن واحد من الصحابة رضي الله عنهم مع شدة تحريهم للخير أنه اعتمر في رمضان، ومنهم ابن عباس رضي الله عنه الذي كان في الطائف وهو راوي حديث عمرة رمضان.
والجواب من وجوه؛ الأول: أنه إذا ثبتت الأفضلية بنص عن النبي ﷺ لم تنتفِ بمخالفة  صحابي لها؛ فكيف إذا كان مسكوتا لا يدرى فعل أو لم يفعل، بل قدم تقدم أن فعل النبي ﷺ لايعارض قوله عند التعارض فكيف بغيره.
الثاني: أن عدم العلم ليس علما بالعدم؛ فعدم النقل لاعتمار الصحابة في رمضان ليس نقلا لعدم اعتمارهم.
الثالث: أن العبرة برواية الراوي لا برأيه.
الرابع: ماتقدم من الاحتمال الكبير لاعتمار محرم الأنصارية؛ إذ لا يليق بها ترك وصية النبي ﷺ ولايظن بها إلا فعلها، ولايظن بها أن تسافر من المدينة إلى مكة بلامحرم، ولايظن لمحرمها أن يتجشم سفرا ويدخل الحرم بلا إحرام، وإذا انتقض العموم بواحد بطل ادعاء عمومه.
الخامس: أنه ثبت عن خيار التابعين أهل العلم والضبط منهم ومجالسة الصحابة والأخذ عنهم، أنه اعتمر في رمضان، بل اعتمر عمرتين. 
هذا قتادة بن دعامة السدوسي التابعي الجليل تلميذ أنس اعتمر في رمضان عمرتين عمرة أحرم لها من الميقات وعمرة خرج لها إلى التنعيم، كما روى ذلك عنه أخص تلاميذه سعيد بن أبي عروبة في مناسكه، ولم ينكر عليه - من سادات التابعين ومن بقي من الصحابة - أحد أو يعترض عليه بعدم المشروعية، وبعيد جدا من هذا التابعي(الذي قال عنه محمد بن سيرين : إنه أحفظ الناس وقال بكر المزني : ما رأيت أحفظ منه ، وقال الإمام أحمد : أحفظ أهل البصرة) أن يفعل ذلك بغير إمام من الصحابة، أو أن يتجشم الخروج للعمرة الثانية حيث لافضل لها، وورد عن غير قتادة من التابعين مما يدل على أنه كان مستفيضا فيهم : فثبت عن سعيد بن جبير ومجاهد "أنهما كانا يعتمران في شهر رمضان من الجعرانة"، وروي عن عبد الملك بن أبي سليمان أنه قال: "خرجت أنا وعطاء في رمضان، فأحرمنا من الجعرانة".
ثم وقفت - بدلالة بعض الأفاضل - على أثر في مصنف ابن أبي شيبة : ثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن محمد بن عباد(هو المخزومي) عن عبد الله بن السائب (هو قارئ مكة) قال : "كنت أصلي بالناس في رمضان فبينا أنا أصلي إذ سمعت تكبير عمر على باب المسجد قدم معتمرا فدخل فصلى خلفي " وهذا إسناد صحيح ، وبهذا تكون سنة ثابتة عن الصحابة بل عن الخليفة الراشد الذي أمرنا أن نقتدي به في صحيح السنة.
هذا ماحضرني من استدلالات واعتراضات القائلين بعدم مشروعية العمرة الرمضانية.

وأزيد هنا في تقرير مشروعية العمرة الرمضانية أمورا وأنبه على أخرى :
الأول: عمل الناس وتعاقب الأعصار وإطباق الناس من مختلف الأمصار على الحرص على العمرة الرمضانية، وهذه مسألة لايستهان بها أعني عمل الناس، وقل من يتفطن لها أو يُعملها دليلا مع إن السلف كانوا يأخذون بها؛ فهذا أبو عيسى الترمذي رحمه الله كثيرا مايقول في سننه: [وعليه العمل أوعمل الناس]. وقال مالك في تقرير حجية عمل المدينة وتقديمه على خبر الواحد: [ألف عن ألف خيرا من واحد عن واحد]. 
وهنالك أمور مهمات شرعية لا نجد لها سندا إلا عمل الناس، ونقل التواتر العملي وإن بحثت لها عن دليل لم تجد لها إلا نادرا أو ضعيفا؛ مثل استقبال القبلة حال الآذان والدعاء في عموم الأحوال وما أشبه ذلك.
لا أدعي أن كل عمل لكل أناس حجة، ولايخفى علي أن هناك محدثات أطبقت عليها أمم، ولكن فرق المسألتين أن ما يُحتج به من عمل الناس ما اجتمعت عليه الأمصار وتواطأت الأعصار من مختلف الجهات واللغات، وإذا لم يعارض دليلا أو أصلا في الدين فكيف إذا سنده دليل صحيح كمسألتنا.
الثاني: أن المعتمر في رمضان سيغنم مع عمرته أعمالا طيبة من قيام الليل في الحرم والصلاة فيه بمئة ألف صلاة، ولادليل على تخصيص المضاعفة بالفرائض، وكذلك الصيام في الحرم يجتمع له شرف الزمان وشرف المكان.
الثالث : أنها داخلة في عموم فضل العمرة ومتابعتها " تابعوا بين الحج والعمرة .. الحديث " وكما تشرع المتابعة كل وقت ، فهذه العمرة الرمضانية ما يُخرجها ؟! حيث لا تفترق عن أخواتها إلا في وقتها شهر رمضان وناهيك بهذا فرقا وشرفا
الرابع : أن غاية مافي الأمر وقصاراه التردد والشك في عموم المشروعية أو خصوصها ولن نكون أبصر بالقصة من صاحبتها التي روي عنها قولها : فلا أدري أهي لي خاصة أو لكم عامة ، وعليه فليؤخذ بالعموم ؛ لأن ترك الفضل لا يتدارك ، وفعله إن لم ينفع لم يضر . 
الرابع : أن من مئنة فقه الرجل أن لايشدد في فضائل الأعمال كتشديده في قضايا الحلال والحرام كهذه المسألة ومسألة الركعتين بعد الإشراق للجالس في مصلاه وما أشبهه، وقد اشتهرت عبارة الإمام أحمد رحمه الله: كنا إذا روينا في فضائل الأعمال تساهلنا وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام  تشددنا.
فسارعوا معشر المسلمين والمسلمات للعمرة الرمضانية طيبة بها نفوسكم منشرحة صدوركم ، تقبل الله منا ومنكم كل عمل صالح ، والله أعلى وأعلم وأجل وأحكم وصلى الله على عبده ورسوله وآله وسلم.

السبت، 28 يونيو 2014

أيا شهر الصيام حللت أهلا

كشوق أولي الصبابة للجمالِ
على رشأِ الأوانس ذاتِ خال

وعينَي جُؤذَرٍ وقوام بانٍ
ومجدول السبائك والقذال

أتوق إلى ليالي الوصل لاحت
بشائرها على رهَف الهلال

فيا شهر الصيام حللت أهلا 
فحياك المهيمن ذو الجَلال 

ويا شهر الوصال وصلت خِلًّا
وعدت، فمرحبا شهر الوصال

كأن هلالك الوضاحَ نونٌ
مرقّمة على شفق العوالي 

وحاجبُ غادةٍ حوراءَ ماست
بحلتها تبختر في دلال

محفّلة بأصناف الهدايا
متوّجة بأشكال اللآلي

أيا شهر الصيام بأي لفظٍ 
أحيّي، ضاق متسِعُ المجال

أحاول أن أجنّح في خيالٍ
فيأبى أن يطاوعني خيالي

لوصفك يا إمامَ الدهر شأنٌ
به تعيَى فطاحلة المقال

وكيف، وفيك شعّ سنا ضياءٍ
وقيل (اقرأ) لمؤتلقِ الخصال 

تخَلّى في حراءَ وما تحرى
جبالا بل أجلَّ من الجبال

وكاد له حراءُ يُدكُّ هولا
ويُمنى بالزلازل والزوال 

فجلّى من حنادسها ظلاما 
على صدر البرية كالثِّفال 

وأشرقت الدنا بالنور حتى 
تلألأ كاشفا حجُب الضلال

إمامَ الدهر كيف أحيط وصفا
بحسنك حيث مجتمَعُ الكمال

لوجهك يا جمالَ العام نورٌ
أغضّ له وأغضي للجَمَال

وفيك تُفتّح الجنات منها
ينادَى الخلق: حيّ على المعالي

ينادى: باغيَ الخيرات أقبلْ
بقلبك والعبادةِ والسؤال

وسلْ تُعْطَ العطية من كريم
يبادر بالمواهب والنوال

تهب نسائم الجنات منها
أرقّ على القلوب من الشمال

فيا لله درّ سراة ليل
إذا ما جنّ نادوا لارتحال

وشدّوا كل راحلة وصعب
كسَير المدلجين على الجِمال 

على أكوارهن سراة قوم 
وأَنْضاءٌ أدقّ من الخِلال

برَتْ أجسامهم ذكرى جحيم
مسعّرةٍ بأنواع النكال

ويومٌ للخليقة لا كَيوم
وليل لا كمنصرم الليالي

أيا تاجَ الزمانِ وأيّ ذكرى
بها تأسو لنا داء العضال

تجدّد فرحةً وتزيل همّا
عظيما من مصائبنا الثقال

إذا ماتمّ بدرُك طلّ بدرٌ
وفرقانُ المعارك والنضال

وفاصلةٌ لها في الدهر فصلٌ
كفصل الحق عن نكد المِِحال

فلله الكماةُ وقد تنادتْ
بساح العُدوتين إلى القتال

ومُعْلِمَةٍ بأفعال فصاحٍ 
وضاربةٍ بأسياف صِقال

وطاعنةٍ بأرماح حدادٍ
ونابلةٍ بمخترقِ النصال

إذا صدمت جحافلها خميساً
قضى بالرعب من قبل النزال

وأبطال يرون الموت فخرا
إذا لاذ الجبان إلى الظِلال

تَساقَى من شراب الموت كأساً
أمرّ من العلاقم في سِجال

فما برحت مواقعَها إلى أن
أتاها النصر من قبل الزوال

رجال ما انثنوا في يوم هول 
وهل مثل الصحابة في الرجال

أرددها ولو رغمت أنوف
لأشياع أضل من البغال

عمائمهم عُقدن على رؤوس
حُشِين من الخرافة والدِّجال

سماحاتُ مكانَ الحاء جيمٌ
وآيات ولكنْ في الجهال 

وقادات ستوردهم جحيما
وسادات ستُلعن في المآل
  
ألا يابدرُ هل لكِ من معادٍ
فقد أودى بنا وهَن الخبال

نرى الشام الجريحة في بلاءٍ
رهيب الوطء جلّ عن المثال

يحاصرها من الأنذال فرسٌ
ويقذفها قذائفَ كالتلال 

فغادر صرحها العالي مهيلا
خرابَ الربع موحِشَةَ الطَلال 

تنادي المحصنات ألا أبيٌّ
فقد لقحت حرائبُ من حيال 

يجوس الرفضُ في دَعَةٍ وأمنٍ
يعربد في الديار ولا يبالي    

ألا بدرٌ ألا فرقانَ فينا
فقد سَكِرَ الطغاة إلى الثِمال

وقد كثرت أولات الجهل فينا
أبو جهلٍ لها سلف السفال

متى نشفي الصدور بها حيارى
مكبلة بأغلال الحبال

وصرعى يُسحبون إلى قليب
على الأذقان ذُلَّ أبي رغال

أيا تاج الشهور وكم بساحي 
من الأهوال والحدث الوبال

مضى فرعون فابتهجت نفوسٌ
وماتت فرحة قبل اكتمال 

إذا في القوم من فرعون ألفٌ
لها رمسيسُ أودَعُ من غزال  

وعُزْلا ساجدين رموا بغدر
فظلوا ساجدين بلا اعتدال

إلى يوم القيامة كي يلاقوا
إلهي ساجدين بخير حال

مساجدها خرائب موحشات
تنوح بهن باكية العيال

أشهرَ الصوم عفوا ثم عفوا
على نكءِ الجراح، وما احتيالي

هموم القلب أكتمها وتأبى
على كبتٍ فأصرخ بانفعال


لطيف العتاب للشيخ عبد الوهاب

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ،،،،، وبعد :
(الإلهاء الرياضي) 
كان هذا المرقوم أعلاه عنوان خطبة منبرية من أروع وأنفع ماسمعت من الخطب؛ ولاغرو فقد كانت تلك الخطبة التي عمرها أكثر من عقدين من درر فارس المنبر الخطيب الأديب الدكتور عبدالوهاب الطريري وفقنا الله وإياه وسدد أقوالنا وأفعالنا..
وفي ذاكرتي أيضا خطبة أخرى لفضيلته عن هذا الإلهاء الرياضي، كانت غبّ فوز المنتخب السعودي على المنتخب الأمريكي، وكالعادة غير الكريمة لكثير من الشباب وقع في تلك الليلة من الهرج والمرج والصخب والشغب ما كان الشيخ نفسه أحد ضحاياه؛ فعرقل سيره وأبطأ وصوله إلى منزله، وكان في طريقه من القصيم حيث كان لايزال في نشوة سعادته وسعادتنا جميعا العارمة بمسابقة السنة النبوية المقامة في جامع بريدة؛ تلك المسابقة التي سن فيها الشيخ الدكتور سلمان والشيخ يحيى ومن معهما سنة حسنة أرجو أن لا يزال أجرها جاريا عليهم إلى يوم القيامة، ولكن مواكب الشباب الصاخب في مدخل الرياض كدرت الفرحة وداخلت السعادة ، وكان مشهد البارحة والليلة صفحتي ضدين تعكسان التناقض الصارخ في تربية الشباب واهتماماته؛ الأمر الذي حدا بالشيخ في خطبة غد وتحت تأثير المشهدين أن يعقد صفقة مقارنة بين هؤلاء وهؤلاء في خطبة تجلت فيها موهبة ذلك الخطيب المفوه وما أنعم الله به عليه من سحر حلال، ولقد أبدى أبو محمد وأعاد وأجاد وأفاد في وصف هذا الإلهاء ومخالفاته الشرعية حتى إنه وصف في هذه الخطبة أو غيرها جلسة اللاعبين للتصوير "بجلسة قضاء الحاجة".
لم أكد أصدق أن هذا الخطيب الفاضل هو صاحب التغريدات التي صدح بها في حسابه في سبيل تقرير إباحة متابعة هذا الإلهاء الرياضي؛ وأقول "إلهاء" كما قال فضيلته؛ اللهم إلا أن تكون الرياضة قد تهذبت، أو جراح الأمة قد تعافت خلال العشرين سنة المنصرمة!
وياليت شعري هل لهذه التنازلات من حدٍّ دون القاع أيها الدعاة الأفاضل؟!
وإلى متى سنجاري أهواء الناس ورغاباتهم؟!
وهل جاءت الشريعة إلا لوزع الخلق وكف الكافة عما لا يليق دينا ومروءة، وأهل الشريعة أمناء مستحفظون كتاب الله، عليهم بيان الحق والصدع ولو خالف أهواء الخلق، ولا يضرهم من هلك، مع مراعاة الحكمة والجدال الحسن وتمني هداية الخلق  والترغيب والتحبيب لكن لا على حساب الشريعة.
وهل بلغنا كل العلم فخشينا إثم كتمان علم نافع حتى اضطررنا إلى هذه الأطروحات؟!
وهل رأينا المساجد ضائقة بالبشر متجافين عن الدنيا متقاسمين على هجرها بملذاتها كما فعل الثلاثة الصحابة فيحتاج أن يقوم خطيبنا نذيرا: ما بال أقوام ؟!
وهل رايات الفاتحين خفاقة وجيوش المسلمين ضاربة في القارات وأساطيلهم سيدة البحار والمحيطات، حتى نرفه عنهم لأواء الغزو المتواصل والرباط المتتابع؟
وهل تخفى جراح الشام والعراق ومصر وليبيا وغيرها، فهل يليق أن نصفق للاعب يجري خلف كرة وأرامل الشام ويتاماه تنزف عيونها دما، وأشلاء أسر حلب لم تخلص من ركام الأنقاض والبراميل تفجر على رؤوسهم كل لحظة،
هل نجد للعب وقتا، بل للفرجة على أبناء علوج يرابطون محتلين فوق ثرى أوطاننا.
بالأمس: ألم يكن الإلهاء الرياضي بوضعه الراهن ضياع أعمار الأغمار، وصنما معظما وبروتوكولا من بروتوكولات حكماء صهيون (أشغلوا شبابهم بالفن والرياضة)، وهاتكا للولاء والبراء، وسببا في إضاعة الصلاة، وكشف العورات والمعجبين والمعجبات ووو فماالذي تغير اليوم؟!

والآن مع الشيخ الفاضل أبي محمد في نقاطه قال :
١- لا يسعنا أن نفرض تقييمنا للأمور على الناس باسم الدين، فالذي لا يناسبنا ولا نقتنع به نطرحه رأيا وقناعة وليس دينا وحلالا وحراما.
أقول : هذا عجب يا أبا محمد، ومثار العجب أنك وغيرك ممن بات يطرح مثل هذا الطرح جعلت قول العلماء والدعاة بإزاء أقوال عامة الناس، كلها آراء وقناعات وليس دينا وحلالا وحراما؛ ومثل هذا كما لايخفى على شريف علمك من الجناية على الشريعة؛ فالقضية ليست قناعات فلان  وآراء علان، وإنما هي أحكام وفتاوى بأدلتها الخاصة أو العامة والتي يقررهاعلماء الشريعة ودعاة الإسلام، وليس للعامة إلا الامتثال والانقياد طاعة لله لا للعلماء وخوفا منه لا منهم.
 كأنك بهذا أيها الشيخ الكريم -وحاشاك- تسوغ شغب العامة على علمائهم والتمرد على فتاويهم وهو عين مانراه اليوم.
لست بصدد بيان الحكم الشرعي التفصيلي للإلهاء الرياضي ووجوه مخالفاته العقدية والأخلاقية؛ فهذا موجود في مظانه ومن آخر ذلك فتوى شيخنا العلامة عبدالرحمن البراك التي تداولتها المواقع والتغريدات ولا أظنكم لم تطلعوا عليها أو على الأقل تعلموا عنها، وجاء مقالكم بعدها بوقت غير بعيد.

٢- قال : إعجاب الشاب بمهارة لاعب لا تعني إعجابه بدينه، ولا تقدح في العقيدة، فإعجابك بخلق كافر أو مهارته لا تعني الإعجاب بعقيدته ولذا أثنى نبينا على مواقف بعض المشركين وأخلاقهم وعقولهم كحلف الفضول وخلق المطعم بن عدي وعقل عتبة بن ربيعة. 
أقول : هنا قررتم أمرا واستدللتم عليه، وما أبعده من استدلال، أنا أقر لك أني من أشد المعجبين بعقلية إسحق نيوتن وتوماس أدسن وروجر بيكن وفرنكلين بنيامين وآلبرت آينشتاين وغيرهم من العقول المبدعة، وحتى دعاة التكافل الاجتماعي والإصلاح الأخلاقي من الكفرة، لكن ماالذي يعجبني من لاعب تافه أو مصارع عار أو شبه عار أو لاعب سيرك ساحر أو شبه ساحر وأية فائدة في هذا الإعجاب لشبابنا وشاباتنا إلا المزيد من الضياع والانتكاس والانغماس في حضيض الجهل والانهزام، هات كتكافل الفضول ومروءة المطعم وعقل عتبة لأعجب به وأثني عليه، وما بالك -رعاك مولاك- تستدل بالمهمات العلويات على التفاهات والترهات السفليات. 
وهل إشادة النبي ﷺ بالمطعم إلا لدوره في نقض صحيفة الجور وكونه أول من دق مسمارا في نعش المقاطعة الظالمة للمسلمين، ومثل هذا عتبة؛ إذ حاول جاهدا تجنيب قريش والمسلمين الصدام الدامي لولا صلف أبي جهل،
على أن المبدأ من أساسه يمكن أن تنازع عليه، فيقال: كثير من الإعجاب يورث الاقتداء والتقليد والحب والتقمص والمحاكاة وخاصة لدى الجهلة الصغار، وهذا معروف ومحسوس ومجرب، فمن أعجب بشخص تقمصه وقلده شعر أو لم يشعر، وماالذي حدا بكثير من أبنائنا وبناتنا أخيرا إلى تقمص الكفار ورقمِ أرقامهم وحمل أسمائهم ونقش صورهم على صدورهم في البيوت وفصول الدراسة حتى في الصلاة والمساجد إلا الإعجاب المفرط، لك - يا شيخنا الفاضل - أن تكلف أحد طلابك أو موظفيك بعمل استبانة لطلاب من مختلف المراحل والمدن والقرى والبوادي تقارن فيها: أي الرجلين أشهر؟ ومن هم به أخبر؟ بطل من أبطال الصحابة أو اللاعب الصليبي مسي وأتحفنا- يا رعاك مولاك - بالنتيجة الصادمة.
 حدثني أحد الأساتذة قال : في الأسبوع الذي توفي فيه الإمام ابن باز كتبت سؤالا لطلاب الثالثة المتوسطة : "شخصية إسلامية بارزة فقدها العالم الإسلامي هذا الأسبوع فمن هي ؟" قال فوالله لم يجب من الفصل إلا واحد وكتب اسمه هكذا : منباز، يعني ابن باز .
 وأنا على مثل يقين أن كل طالب في هذا الفصل قدير أن يسرد لك أسماء لاعبي نادي مانشستر يونايتد أو ليفربول أو برشلونه ومواقعهم واحتياطييهم
 قلت "بناتنا"؛ لأن الداء انتقل من البنين للبنات وبالأمس أرسل إلي أحدهم صور عباءات تباع عندنا تحمل أسماء لاعبي الغرب وتتهافت عليها الفتيات .

٣ - قال أخي أبو محمد : الميل لفريق والإعجاب بمهاراته وتشجيعه ليس إعجابا بدينه ولاسياسة بلده ، وقد فرح المؤمنون بانتصار الروم على الفرس وما أنكر الله ذلك عليهم .
أقول : أما فرح المسلمين بانتصار الروم على الفرس : فلو غيرك قاله يا أبا محمد!
أي وجه للاستدلال فيه على ماذكرت ؟! 
والفرح المقصود بقوله تعالى : " ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله " له تفسيران : 
الأول : أن تفسير الآية وقوع ذلك النصر الذي ما كان المسلمون يدرونه ولا يعرفونه ، فوافق يوم انتصار الروم يوم غزوة بدر الذي فرح له المسلمون أعظم الفرح فهو فرح مشروع بنصر الإسلام .
الثاني : أنه فرح لتحقق نبوة النبي ﷺ وصدق خبر القرآن بأن الروم سينتصرون لاحقا ؛ ولذلك راهن أبوبكر المشركين على هذا.
وأضعف من ذين التفسيرين قول من قال : فرح المسلمون بانتصار الروم لأنهم أهل كتاب أقرب إليهم من الفرس المجوس ؛ وعلى كل تقدير : فأين هذا مما تريد تقريره من قياس فرح بفوز فريق كروي على آخر في صنم العصر ومخطط صهيون،بفرح بانتصار قتالٍ حربي ومعارك عسكرية لا يتابعه إلا ذو همة عالية 

٤ - قال الشيخ الفاضل :الألعاب الموجودة في زمن النبي ﷺ هي ألعاب الناس في الجاهلية وهي ثقافة مشتركة مع المشركين كلعب الحبشة بالحراب ونحوها
أقول: شتان بين ألعاب الحرب والدربة على القتال والعزة والشجاعة وألعاب التهور واللهو الباطل والقمار بكسب الملايين وتحكيم طاغوت الفيفا الدولي الذي جعل له سلطة التشريع وفض النزاع وفصل الخصومة والعقوبات البدنية والمالية، وجعل له من السلطات والميزانيات ما يفوق ميزانيات دول مجتمعة، وأمضيت قراراته ونفذت على العالم طائعا أو كارها؛ وبموجبه ضغط على بلادنا حتى وافقت على مشاركة وفود نسائية فكانت العداءة والمصارعة السعوديتان وغدا تشكيل منتخب كروي متكامل، فمن يفرح بهذا ويستأنس له ويتابعه الساعات الطوال إلا فارغ الوقت فارغ القلب من هم دينه وأمته إلا مارحم ربك؟

٥- قال الشيخ: نظرنا للمباريات على أنها ضياع للوقت والهمة هو من العزيمة التي لانلزم بها أحدا، ونحن نرى إنفاق الأوقات في أشياء كثيرة غير مجدية كجلسات تزجية الأوقات بأحاديث مكرورة، ورحلات القنص وما فيها من ضياع أوقات وأموال ونحو ذلك ولا يمكن إنكارها.
أقول: أولا: قولكم هو من العزيمة أقول: من تأمل مضار الإلهاء الرياضي ووجوه مفاسده العقدية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية لم يشك في هذا طرفة عين.
 ثانيا: ومن قال بجواز إضاعة المال وقيل وقال وكثرة السؤال في مجلس أو قنص حتى يحتج بذلك عليه ؟!
ثالثا: ولا يمكن ولا يتم ولا يسلّم قياس حالات عشوائية خاصة كحالات القنص والمجالس التي هي مظنة إضاعة الأوقات
على حالات مقصودة مرتبة مخططة منظمة بالكيد المتين والمكر المبين، على أن الصيد مباح في الأصل لما فيه من الضرب في الأرض وطلب الكسب الحلال خلافا للهو المحرم.
ولقائل أن يقول إن الصيد والقنص رمي، والرمي مندوب إليه في الجملة، أما العبث الرياضي فأية فائدة فيه ومنفعة، حتى من ناحية رياضية لا يستفيد إلا اثنان وعشرون لاعبا على حساب أعصاب ملايين المشجعين وأوقاتهم وأخلاقهم وألفاظهم وأموالهم وحناجرهم وموداتهم وعلاقاتهم.

٦- قال: كان الصحابة يتحدثون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور الجاهلية فيضحكون ويتبسم وهي ذكرياتهم عن حماقات الجاهلية المضحكة، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لو جعلتم مكانها ذكرا أو قراءة قرآن لكان خيرا لكم فهو في مساحة الحديث المباح وكذا بقية شؤون الحياة.
أقول: هذا صحيح دليلا غير صحيح استدلالا؛ لأمور:
الأول: أن حديث الصحابة لا يخلو من منفعة بتذكر نعمة الله عليهم بالإسلام والنبي ﷺ الذي زكاهم به الله وطهرهم من رجس الجاهلية فهو مما يعين على الشكر.
الثاني: أن هذا حديث عابر لا تقاس عليه جهود منظمة جبارة وأفعال وأموال ونفقات وأسفار ومخيمات ومعسكرات وإقامات ببلاد الكفر لغير ضرورة وتبسط مع الكافرين وتمييع للبراء مع مكانته من الدين.
الثالث: معنى القياس ولازمه أنه لو كان مكان حديث الصحابة مع النبي ﷺ عرض لمباراة بأفخاذ مكشوفة وصراخ وصخب وتشجيع وأحيانا تقبيل خدود وتصليب صدور ما كان مستنكرا من النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، أقول هذا مع علمي أن أول من يستبشع هذه الصورة ويمقتها ويستنكرها فضيلتكم؛ لكنه مقام الحجاج؛ وإذا ثبت الفارق بين الأصل والفرع سقط الاستدلال.

٧ - و أما ما نقل عن شيخ الإسلام رحمه من قوله:"الناس لا يسعهم إلا المباح فإذا فعلوا ما يدخلهم الجنة لم يمنعوا إلا مما  يدخلهم النار"
فأقول: حق، لكن هاتوا أن هذا مباح لا يمنع الناس منه ولا يخشى عليهم بسببه وما يجر إليه من النار.
وأخيرا: يا أخي الحبيب هل غاب عنك أن رمضان على الأبواب وأن مخاض هذا الكأس قد اقترب، ألا تخشى - وأنت لك الكلمة المسموعة - أن يزهد كثيرون في فضائل هذا الشهر قيامه وقراءته بتأثير من أقوالك وقناعة باستدلالاتك، لا سيما إن تعارض قيامٌ مع مباراة حاسمة، ألا تعلم طغيان الكرة وجنونها الجارف؟!
أبا محمد رأيت آباء ممتلئين عليك غيظا، حتى قال بعضهم: أخطأه الله حوبتي، فقلت: لماذا؟ فقال: أبنائي من طلبة التحفيظ كرست عمري في النأي بهم عن هذه التفاهات وفوجئت بهم يسهرون في مقاهي (الكافيه) يتفرجون على كأس العالم، فلما عاتبتهم احتجوا علي بالشيخ عبدالوهاب
أعيذك بالله - أخي الحبيب - أن تفتح على الناس باب شر.  
هذا ما أحببت إيراده من باب المذاكرة والمناقشة راجيا من أخي أبي محمد إفادة محبه بحسن نظره ولطف عذره وجميل ظنه، "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله" والله يتولانا ويتولاه.