تعديل

بحث

الأحد، 30 مارس 2014

أبشر يا بشريُّ بالبشرى

الأمر من كل التعازي أعظم
إلا اليقين فإنه لا يُهزم

مات الأحبة كلهم في لحظة
لكنْ لجنات الخلود تقدموا

ودفنت بيتك ياله من موقف
عن وصفه كل الفطاحل تحجم


وخلت عيون الوالدين فأينما
نظرت فذكرى بعدهم تتكلم

الجرح أعمق غير أن دواءه
ما في الكتاب من البشائر بلسم

ماذا أقول وكلما انتظمَتْ على
نسقٍ وصغت رويّها أتلعثم

الله أبقى ياسميَّ نبيه
ذاك الذي هو في الكتاب مقدم

فلكُم بإسماعيل أعظم أسوة
لما أكب على الجبين يتمتم

أمْرَ الإله افعل فإني صابر
لو أنه ذبح الحناجر والدم

أبشر ببشرى الله يا بشريُّ لا
جزع ولو أبت المحاجر تكتم

أبشر ببشرى الصابرين بجنة
ولطالما رتلتها تترنم

واليوم بالعمل الذي هو شاهد
برهان صدق للحقيقة مُعلِم

ولك العزاء بخاتم الرسل الذي
أولاده إلا البتولَ تُخُرِّموا

لا يستفيق من المصاب بواحد
حتى بآخرَ في مصاب يدهم

هذي الحياة وكلنا فيها على
خطر ومثلك بالكتاب يعلّم

جبلت على كدر وما ضحكت لنا
إلا وكشر وجهها يتجهم

أما الأحبة فانتهت آجالهم
قدر من الأزل القديم محتّم

فاصبر وربي المستعان ومن لنا
إلّاه في كل النوائب يرحم

السبت، 29 مارس 2014

الأصمعي والرشيد

قال أبو علي المحسّن التنوخي في سفره العظيم  الفرج بعد الشدة :
وجدت في بعض الكتب عن الأصمعي ، قال : كنت بالبصرة أطلب العلم ، وأنا مقلّ ، وكان على باب زقاقنا بقال ، إذا خرجت باكرا يقول لي : إلى أين ؟ فأقول : إلى فلان المحدث ، وإذا عدت مساء ؛ يقول لي : من أين ؟ فأقول : من عند فلان الأخباري  أو اللغوي.

فيقول : يا هذا ، اقبل وصيتي ، أنت شاب ، فلا تضيع نفسك ، واطلب معاشا يعود عليك نفعه ، وأعطني جميع ما عندك من الكتب ، حتى أطرحها في الدنّ ، وأصب عليها من الماء للعشرة أربعة ، وأنبذه ، وأنظر ما يكون منه ، والله ، لو طلبت مني ، بجميع كتبك ، جرزة بقل ، ما أعطيتك.

فيضيق صدري بمداومته هذا الكلام ، حتى كنت أخرج من بيتي ليلا ، وأدخله ليلا ، وحالي ، في خلال ذلك ، تزداد ضيقا ، حتى أفضيت إلى بيع آجر أساسات داري ، وبقيت لا أهتدي إلى نفقة يومي ، وطال شعري ، وأخلق ثوبي ، واتسخ بدني.

فأنا كذلك متحيرا في أمري ، إذ جاءني خادم للأمير محمد بن سليمان الهاشمي ، فقال : أجب الأمير.

فقلت : ما يصنع الأمير برجل بلغ به الفقر إلى ما ترى ؟ فلما رأى سوء حالي ، وقبح منظري ، رجع فأخبر محمد بن سليمان بخبري ، وعاد إلي ، ومعه تخوت ثياب ، ودرج فيه بخور ، وكيس فيه ألف دينار.

وقال : قد أمرني الأمير أن أدخلك الحمام ، وألبسك من هذه الثياب ، وأدع باقيها عندك ، وأطعمك من هذا الطعام ، وإذا بخوان كبير فيه صنوف الأطعمة ، وأبخرك ؛ لترجع إليك نفسك ، ثم أحملك إليه.

فسررت سرورا شديدا ، ودعوت له ، وعملت ما قال ، ومضيت معه ، حتى دخلت على محمد بن سليمان ، فسلمت عليه ، فقربني ، ورفعني.

ثم قال : يا عبد الملك ، قد اخترتك لتأديب ابن أمير المؤمنين ، فاعمل على الخروج إلى بابه ، وانظر كيف تكون ؟ فشكرته ودعوت له ، وقلت : سمعا وطاعة ، سأخرج شيئا من كتبي وأتوجه.

فقال : ودعني ، وكن على الطريق غدا.

فقبلت يده ، وقمت ، فأخذت ما احتجت إليه من كتبي ، وجعلت باقيها في بيت وسددت بابه ، وأقعدت في الدار عجوزا من أهلنا ، تحفظها.

وباكرني رسول الأمير محمد بن سليمان ، وأخذني ، وجاء بي إلى زلال(أي سفينة صغيرة)قد اتخذ لي ، وفيه جميع ما أحتاج إليه ، وجلس معي ينفق علي ، حتى وصلت إلى بغداد.

ودخلت على أمير المؤمنين الرشيد ، فسلمت عليه ، فرد علي السلام.

وقال : أنت عبد الملك بن قُريب الأصمعي.

قلت : نعم ، أنا عبد أمير المؤمنين بن قريب الأصمعي.

قال : اعلم أن ولد الرجل مهجة قلبه ، وثمرة فؤاده ، وهو ذا أسلم إليك ابني محمدا(الأمين)بأمانة الله ، فلا تعلمه ما يفسد عليه دينه ، فلعله أن يكون للمسلمين إماما.

قلت : السمع والطاعة.

فأخرجه إلي ، وحولت معه إلى دار ، قد أخليت لتأديبه ، وأخدم فيها من أصناف الخدم والفرش ، وأجري علي في كل شهر عشرة آلاف درهم ، وأمر أن تخرج إلي في كل يوم مائدة ، فلزمته.

وكنت مع ذلك ، أقضي حوائج الناس ، وآخذ عليها الرغائب ، وأنفذ جميع ما يجتمع لي ، أولا فأولا ، إلى البصرة ، فأبني داري ، وأشتري عقارا وضياعا.

فأقمت معه ، حتى قرأ القرآن ، وتفقه في الدين ، وروى الشعر واللغة ، وعلم أيام الناس وأخبارهم.

واستعرضه الرشيد ، فأعجب به ، وقال : يا عبد الملك ، أريد أن يصلي بالناس ، في يوم الجمعة ، فاختر له خطبة ، فحفظه إياها.

فحفّظته عشرا ، وخرج ، فصلى بالناس ، وأنا معه ، فأعجب الرشيد به ، وأخذه نثار الدنانير والدراهم من الخاصة والعامة ، وأتتني الجوائز والصلات من كل ناحية ، فجمعت مالا عظيما.

ثم استدعاني الرشيد ، فقال : يا عبد الملك ، قد أحسنت الخدمة ، فتمن.

قلت : ما عسى أن أتمنى ، وقد حزت أمانيّ.

فأمر لي بمال عظيم ، وكسوة كثيرة ، وطيب فاخر ، وعبيد ، وإماء ، وظهر ، وفرش ، وآلة.

فقلت : إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في الإلمام بالبصرة ، والكتاب إلى عامله بها ، أن يطالب الخاصة والعامة ، بالسلام علي ثلاثة أيام ، وإكرامي بعد ذلك.

فكتب إليه بما أردت ، وانحدرت إلى البصرة ، وداري قد عمرت ، وضياعي قد كثرت ، ونعمتي قد فشت ، فما تأخر عني أحد.

فلما كان في اليوم الثالث ؛ تأملت أصاغر من جاءني ، فإذا البقال ، وعليه عمامة وسخة ، ورداء لطيف ، وجبة قصيرة ، وقميص طويل ، وفي رجله جرموقان ، وهو بلا سراويل.

فقال : كيف أنت يا عبد الملك ؟ فاستضحكت من حماقته ، وخطابه لي بما كان يخاطبني به الرشيد.

وقلت : بخير ، وقد قبلت وصيتك ، وجمعت ما عندي من الكتب ، وطرحتها في الدن ، كما أمرت ، وصببت عليها من الماء للعشرة أربعة ، فخرج ما ترى.

ثم أحسنت إليه بعد ذلك ، وجعلته وكيلي.

الأربعاء، 26 مارس 2014

شكوى

إلى الله نشكو سامع البث والشكوى
مغيث البرايا عالم السر والنجوى

نوازل تفري القلب لو كان صخرة
ولو كان أرسى في النوائب من رضوى

لها كل يوم في المسامع حادث
كصاعق رعد في الغمام إذا دوّى

بنياتنا في بيئة الكفر أصبحت
فرائس للأعلاج ما أعظم البلوى

تلهّى بهن القُلْف من كل مشرك
من الخمر والخنزير والعهر لا يروى

رُمين ببحر هائل الموج قُلّبٍ
وقيل : حذار البلّ ، من ذا له يقوى؟!

وأُلقين في مستنقع الداء والردى
وقيل : حذار الخدش بالجرح والعدوى  

فلا والذي أبكى وأضحك والذي
أمات وأحيا والذي للورى سوّى

يقرّ لهذا الفعل في جاهلية
أبو الجهل بلهَ الشهم ذي الدين والتقوى

يهون على الحرّ الكريم مماته
ولا يرخص العرض الكريم لمن يهوى

عذيريَ من تعليم قومي لو ادعى
بذلك نشر العلم ما أكذب الدعوى

ألوف ملايين بها ألف جامع
وجامعة تبنى بها جيلنا يُؤوى

وتبقى لنا الأموال في عقر دارنا
وأعظم منها الجيل والعرض لا يغوى